مقالات في الهجرة والاغتراب

الكاتب : علاء العبادي

قلبي هو وطني

لم اك افكر بالهجرة ابدا ليس لسبب معين ولكن بسبب التعود لا غير وليس حبا او تعلقا بمكان وحدث او مناسبة ما يجبرني او يضطرني الى البقاء وعدم الهجرة ولكنه كما قلت ليس غير التعود ذلك التعود الذي يشبه حال الموظف الذي يحال على التقاعد بسبب بلوغه السن القانونية وليس الامر ايضا بعدم وجود طموحات معينة تستدعي السفر والهجرة والتغرب وليس الخوف كما يظن البعض من عدم القدرة على التكيف مع اي مجتمع اخر يختلف بلغته وعاداته وتقاليده او حتى بدينه ومذهبه ناهيك عن قوانينه وانظمته وصرامته وتشدده في تطبيق هذه القوانين كل ذلك لم يك سببا يمنعني من الهجرة ولكنني بالمقابل لم اك متشددا مع الاخرين الذين يعرضون ويكشفون اسبابهم للسفر والتغرب او الذين هم عكسهم يعارضون وبشدة اية فكرة تتعلق بمغادرة مايسمونه الوطن وهؤلاء ليس لهم اية حجة او اي مبرر للرفض سوى حب الوطن وعلى عكس الذين يؤيدون فكرة السفر والهجرة الى بلدان العالم الاخرى والذين غالبا مايبرعون في ايجاد المبررات والمسببات التي تضطرهم الى السفر والعيش في مكان اخر كان الفريق الاخر لايجد اي عذر له سوى عبارة حب الوطن واظنهم يكتفون بها لانهم في الغالب لايجدون اي تفسيراخر لها او انهم يحاولون الاختباء خلفها وعدم كشف اسبابهم الحقيقية التي تمنعهم من الهجرة والتغرب وقد وجدت اكثر المتزمتين في هذا الشان سرعان ماسافروا وهاجروا سواء كان مضطرين او برغبتهم الشخصية وهم في اكثر الاحايين يحاولون الاجابة بالاضطرار الذي سريعا ماتكون مبرراته واسبابه حاضرة للرد على من يحاول التشكيك في موقفهم السابق وتمسكهم بعبارة حب الوطن وكأن الامر بالنسبة لهؤلاء هو الخوف من ان يتهموا باللاوطنية لو انهم قالوا اننا كنا على خطأ وان اصرارنا على عدم قبول فكرة السفر والهجرة لم يك صحيحا وفات هؤلاء وغيرهم بل كلهم من الذين يؤيدون الهجرة والذين يرفضونها انه ليس ثمة وطن فما معنى ان تكون فيما تظنه وطنك وانت مضطهد معذب مطارد فيه لاعنا من فيه في كل يوم وفي كل ساعة واي وطن ذاك الذي اضطر محمدا النبي عليه افضل الصلاة والسلام الى مغادرته وعدم العودة اليه وقد كان احب الاماكن لديه واعزها على قلبه وهو حال الاف المسلمين ممن هاجروا او تركوا سكناهم اما لغزو او فتح او تجارة وهو حال كل بني الانسان ممن تضيق بهم البلدان والاوطان فيتصيدوا لانفسهم مختارين او مضطرين بلدا اخر ومحلا اخرحيث يصبح البلد السابق والمحل السابق محطة في مسيرتهم الحياتية ولتصبح بعضا من حياتهم مجرد ذكريات يحنون اليها ويشتاقونها بين الفينة والاخرى ولكن ماذا لو كان الوطن الذي ولدت ونشأت وترعرعت فيه محبا مسالما معطاءا يحف بابنائه ويرعاهم ويقدم لهم الكثير من خيراته ويوفر لهم الامان والاستقرار والطمانينة ولكن ماذا عن الطموح والفضول والرغبة في التعرف على عوالم اخرى الم تكن سببا في هجرة البلد المحب الامن والنزوح الى اماكن اخرى جديدة والتعرف على الافكار الجديدة مما ساهم في اغناء التجربة العالمية من استكشاف واختراعات وابداعات فكرة وادبية وعلمية ما كان لها ان توجد لولا رغبة اصحابها وهم مطمئنين في بلدانهم الى النزوح والهجرة واستكشاف العوالم الجديدة حيث ستجد ان احد اسباب تقدم وازدهار الدول الاوربية الغربية هو الكم الهائل من المعلومات الذي وصل اليها جراء سياحة ابنائها في دول العالم ووقوفهم على الكثير من الخبرات والمعارف التي نقلوها عبر مئات السنين الى بلدانهم لتكون اساسا ولبنة في صرح الحضارة الاوربية وهؤلاء وسواهم ماغادروا اوطانهم وتخلوا عن احبائهم وذكرياتهم الا لان كل واحد منهم اعتقد ان الوطن ليس سجنا وكأن قائلهم يقول ان قلبي هو وطني .

كل مكان انت فيه هو وطنك

عندما قرأت هذه العبارة اول مرة وهي لامير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام لم اشك ابدا في ان قائلها هو امير المؤمنين ليس لسبب عقائدي بحت وانما لان رجلا مثل علي بن ابي طالب بأمكانه ان يلخص في عبارة سهلة ممتنعة واضحة وصريحة احد اكثر المواقف التي يتعرض لها البشر في حياتهم الا وهي التنقل والارتحال والسفر او الهجرة والاغتراب ومفارقة اوطانهم اوبلدانهم لسبب او لاخر حيث عاش امير المؤمنين مثل هذه التجربة بعد ان ترك محل ولادته وطفولته وصباه في مكة المكرمة وهي اشرف واقدس مكان لكل المسلمين في العالم ليستقر في المدينة المنورة التي سرعان ماغاردها مضطرا الى العراق بعد ان نكث الناكثون مبايعتهم واشهر القاسطون سيوفهم ليستقر نهائيا في عاصمته الجديدة الكوفة وليكون فيها مقتله واستشهاده لتبدأ بعده سيرة جديدة في تاريخ الاسلام ليس لها علاقة ابدا بالمسيرة التي اختطها قبل ذلك النبي الكريم لقد كانت للهجرة دوافع واسباب لاتختلف كثيرا عن اية اسباب اخرى تضطر المرء الى مغادرة بلده الذي يظن دائما انه مقيم فيه حتى تحين ساعة وفاته وحين التفكر قليلا في هذه المقولة سنجد انها نوع من التلطيف والتخفيف عن عبء السفر والهجرة والاغتراب الذي كثيرا مايتعرض له المهاجر من عارض الحنين الى الوطن الـ Home Sick الذي غالبا مايصيب المسافرين حتى في السفرات القصيرة الى قرار العودة والتخلي عن كل شيء في لحظة حاسمة لايمكن فيها اقناع المغترب بالعدول عن قراره مرورا بعشرات من الحالات النفسية التي يصاب بها المهاجرون والمغتربون سواء في الايام الاولى لهجرتهم او تستمر معهم زمنا ليس بالقصير وكل هذه الاعراض مرهونة بحالة الشخص الذهنية والفكرية والنفسية وقابليته على التأقلم والتكيف مع الواقع والمجتمع الجديدين فهناك من يتخلى تماما عن اي ارتباط بواقعه القديم ويصل الامر احيانا الى التخلي حتى عن الذكريات التي لامناص منها احيانا وهناك من يستمر بالتواصل مع مجتمعه السابق حتى وان كان ذلك على مستوى استعادة الذكريات من حين الى اخر مما يخفف من اعباء الغربة وقسوتها المتمثلة في عدم القدرة على التطبع واستقبال او قبول مفردات الواقع الجديد وعلى اية حال يبقى الامر مرهونا ومرتباطا بالنية والقرار الذي يتخذه كل شخص عزم او قرر او ارتاى السفر والابتعاد عن وطنه حيث ان مثل هذا القرار سيساهم كثيرا في تعزيز قدراته على المواصلة والتكيف والارتباط بالمتغيرات الجديدة وان يحرص على ان لايكون المجتمع الذي جاء منه عبئا على ارتباطه الجديد وسببا في احباطه ونكوصه وفشله وان لايكون مفهوم كلمة الوطن مختزلا ومختصرا في مكان واحد يتعلق دائما بمسقط الراس وانما كل مكان انت فيه هو وطنك .

البداية في دمشق

يسافر المرء كثيرا وتعلق في راسه ذكريات شتى يرسخ بعضها في مخيلته ويغيب الكثير منها مع مرور الوقت وتقادم الزمن وكثيرا ماتتلاشى مثل هذه الذكريات وتختفي حالها حال الذكريات الكثيرة التي تعلق في الذاكرة وتذوب وفق لاهميتها او رغبة الشخص في استعادتها واسترجاعها بين الحين والاخر ولكن تبقى ذكريات السفر الطويل وقرار الهجرة بكل سلبياته وايجابياته عصية على النسيان ومن الصعب التفريط بها او حتى التنازل عنها من اجل الذكريات الجديدة وهذا ماحدث لي بعد الانتقال الى سوريا للمرة الثانية حيث كانت ذكريات االمرة الاولى اقل اهمية واقل شانا اما هذه المرة ولان سبب الانتقال كان حاسما فقد بقيت كل ذكريات سوريا عالقة في المخيلة وكانها اصبحت حاجزا وسدا عن كل ماسبقها من ذكريات واحداث وكأنها نذير يوميء بتجربة جديدة لم امر بها او اعيشها اواشهد احداثها من قبل لقد كنت مصرا على الهجرة مروضا نفسي على تقبل الواقع الجديد والقبول بكل المتغيرات واحيانا الرضوخ او حتى التنازل احيانا لقد كانت دمشق قريبة جدا من العراق وبالرغم من انني سبق وان اتخذت القرار في العراق الا انني لم اك متأكدا تماما من هذا القرار حتى وصولي الى دمشق لقد دخلت دمشق هذه المرة مهاجرا بعد ان دخلتها المرة الاولى سائحا زائرا ورضيت بها محطة اولى لغربتي رغم رغبتي في ان تكون محطتي الاخيرة لما في دمشق من سحر وطعم خاص لايقل في طبيعته عن سحر وطعم بغداد الا في بعض التفاصيل حيث تتفوق احداهما على الاخرى في الكثير من الامور وقد حاولت تدبر امري في سوريا على امل البقاء فيها متذكرا الكثير من ادباء وشعراء العراق الذين اثروا العيش والسكن في سوريا امثال الجواهري واحمد الصافي النجفي وغيرهما الا ان رياحا جرت بما لاتشتهي سفني حيث ال الامر اخيرا الى ان تفوز سويسرا بلقب اول من يمنحني تأشيرة الدخول كمهاجر وبقدر ما فرحت بقرار السويسريين تأسفت كثيرا وشعرت بالمراة احيانا من ان لا اقضي شطرا من عمري في دمشق ولكن ما هون علي وازاح عن خاطري هذا الشعور بالالم والمرارة ان البداية كانت في دمشق.

راحيل … انت الان في سويسرا

خلال فترة وجودي في دمشق لم اجد ايا من شركات الخطوط الجوية العاملة في سوريا ممن لديها خط مباشرة بين دمشق وسويسرا وكان علي ان اختاراحدى شركات الدول القريبة من سويسرا لسببين رئيسيين اولهما خفض تكلفة السفر حيث الرحلة غير مباشرة وثانيهما قصر الوقت الذي ساقضيه بانتظار الرحلة المغادرة الى سويسرا وهكذا كان حيث اخترت الخطوط الجوية الهنكارية التي كانت اجورها هي الارخص من بين كل الشركات وكانت الفترة الفاصلة بين رحلتي من دمشق ورحلتي من بودابست الى سويسرا هي ساعة واحدة فقط وكان السفر فجرا حيث اتيح لي مشاهدة طلوع الفجر وبزوغ الشمس خلال ساعتين والذي لم يلهني عن مراقبته والتمتع به نداء كابتن الطائرة بين الحين والاخر باللغات الهنكارية والانكليزية والعربية حيث كان عددا كبيرا من العرب على متن الطائرة واظنهم كانوا من العاملين او المقيمين في سويسرا كما ان عددا من الهنكاريين الذي كانوا معي يتحدثون بعض الكلمات العربية وقد انست بذلك كثيرا وكانوا فرحين عندما يتحدثون بهذه اللغة التي كما يبدو قد استانسوا بها جراء اقامتهم الطويلة في البلدان العربية لقد كانت الطائرة ممتلئة تماما ولم اك اشعر بالنعاس بسبب بكاء وصراخ الكثير من الاطفال الذين وكما يبدو قد حرموا بسبب موعد السفر من نومهم المبكر المعتاد والذين استغرقوا في النوم كالعادة حالما اعلن الكابتن وصولنا بسلام الى مطار بودابست وفي بودابست كان همي الاكبر الا تستغرق اجراءات التفتيش وتدقيق الجوازات وقتا طويلا حتى لا اضطر الى القلق بشأن موعد رحلتي القادمة ولكن خلال هذه الساعة وكنا قد وصلنا تقريبا في الموعد المقرر حسب جدول الرحلة كنا قد انتهينا من التفتيش الذي شمل خلع الاحذية والاحزمة وهو امر كنا نظن انه معتمد في مطار بغداد الدولي فقط ثم انتقلنا الى مرحلة تدقيق الجوازات وكنت في كل خطوة اعلن عن ان رحلتي القادمة هي الى زيورخ وكان الهنكاريون يردون بالابتسامة التي تعني اطمئن ولاتقلق وعند وقوفي بانتظار تدقيق جوازي لاحظت على شاشة المغدرة ان هناك اربع رحلات الى زيورخ ولولا انني انتبهت الى موعد اقلاع كل طائرة لاصبت بهلع شديد وقد لاحظت اثناء ذلك ان احد المسؤولين عن تدقيق الجوازات كان ينادي على مواطني او حاملي جوازات السفر الخاصة بالاتحاد الاوربي وذلك خارج المقصورة او الكابينة التي يشغلها عادة موظفو تدقيق الجوازات وقد سمح لهم بالمرور بعد القاء نظرة سريعة على جواز كل واحد منهم وفي كل ذلك الوقت كنت انظر الى ساعتي احيانا واحيانا كثيرة كنت اتابع الساعة الكبيرة المعلقة امامي لقد بقيت خمس عشرة دقيقة على اقلاع طائرتي الى زيورخ وحالما انهيت مهمة تدقيق الجواز الذي لم يستغرق طويلا حتى حثثت الخطى في الممر الذي اشار به الي احد العاملين راغبا في ان اركض او اهرول لولا الخجل الذي منعني من ذلك ولكني سرعان ماشعرت بالتعب وبالخيبة بعد ان تبين ان هذا الممر قد استغرق كل الدقائق المتبقية لي للوصول الى الطائرة فقد تبين انه قد صمم ليدور حول المطار باكمله وان كل الذين رافقوني في هذه المسيرة بدأؤا فعلا بالهرولة وهم اما يشتمون ويسبون او يتوقفون قليلا لالتقاط انفاسهم ورغم انني قد شتمت قليلا الا انني كنت افكر باللحظات والدقائق التي كنت امل ان اقضيها في مطار بودابست او تناول وجبة افطار صغيرة بعد ان خدعنا الهنكاريون على متن الطائرة بان قدموا لنا شيئا لاعلاقة له لا بالعشاء ولا بالغداء ولابالفطور الصباحي او ان استرخي وامتع ناظري بجمال الهنكاريات الانيقات الحريصات دائما على متابعة مفردات ومستجدات المودة العالمية واللواتي اثرن انتباهي خلال سفرتي الى هنكاريا بداية الثمانينيات اوان استغرق في سيكارة حرمت منها لاكثر من اربع ساعات ولكن حالما وضعت قدمي على ارض المطار بعد ان انهكنا واذلنا الممر الطويل حتى اشار اكثر من واحد قرب احدى الطائرات بان نسرع قليلا حيث ازف الموعد وحان الوقت لمغادرة هنكاريا باتجاه زيورخ وفي الطائرة المتجهة الى زيورخ لم يزد عدد الركاب عن ثلاثين راكبا لجأ الكثير منهم الى استغلال المقاعد الفارغة ومحاولة النوم خلال الساعة والنصف القادمة وحيث انني لااعرف النوم في جميع وسائط النقل فقد تمتعت بمشاهدة جبال النمسا التي ذكرتني فورا بفيلم صوت الموسيقى لجولي اندروز او الاستماع بين الحين والاخر الى بعض الركاب وهم يتحدثون مع احد المضيفين باللغة الهنكارية الجميلة العذبة التي كنت اظن دائما حين اسمعها انها اللغة التركية وكانت الساعة الثامنة والنصف بتوقيت سويسرا الصيفي حين هبطت الطائرة مطار زيورخ وقد حرصت كما هي عادتي ان اكون اخر من يغادر الطائرة ذلك اننا في النهاية سنجتمع كلنا في حافلة او اكثر لتنطلق بنا سوية الى مبنى المطار وبعد نزول اخر راكب قبلي سمعت المضيفة تنادي باسمي وتقول لي انهم بانتظارك كان الركاب الثلاثون قد غادروا بحافلتهم باتجاه بناية المطار فيما كانت شابة جميلة تنظر الي وانا في اعلى السلم لتسالني وتتاكد من اسمي وبسيارتها البيضاء وضعت حقيبة اليد وانطلقت بي لتدور في شوارع المطار حيث تاكدت ان جميع الركاب سيقطعون هذه المسافة عن طريق المترو الخاص بالمطار واثناء تجوالنا لم اسالها سوى عن اسمها قالت راهيل قلت راحيل قالت نعم قلت امراة النبي يعقوب وكانت ردها نظرة ساحرة وهي امام المقود لم افسرها في حينها سوى انها نظرة اعجاب وامتنان لاني اعرف معنى هذا الاسم ووقفت بعيدا قليلا عن موظفة الجوازات التي تقدمت اليها راحيل لتبلغها بوضعي ولتقوم بتاشير جوازي حيث قادتني راحيل مشيا على الاقدام الى قاعة القادمين وقبل ان يقع نظري على حقيبتي الخضراء التي كانت تقبع وحيده على ارضية المطار القريبة من شريط نقل الحقائب حتى استدارت راحيل الى وسلمتني جواز السفر وقالت بلهجة معتذرة ولكن حازمة : خبئه انت الان في سويسرا .

ايام في مركز الاستلام

39 يوما قضيتها في مركز استلام اللاجئين الواقع في احد الكانتونات القريبة من الحدود الالمانية حيث كان النظام هو السائد في هذا المركز فهناك توقيتات محددة وثابتة لتناول الوجبات وموعد للنوم وموعد للاستيقاظ صباحا وموعد للمغادرة الصباحية واخرى لما بعد الظهر والذي يطلقون عليهما كلمة Shopping حيث كانت هذه هي الفرصة الوحيدة لمغادرة المبنى والتجول في شوارع المدينة القريبة حيث كان الزمن المخصص للتسوق الصباحي ساعتان وثلاث ساعات للتسوق المسائي وحيث يمنع ادخال المأكولات بانواعها والسكريات باستثناء الفواكه التي كان الجميع يحرص على شرائها بما يوفرونه من الفرنكات الاسبوعية التي تمنح لكل واحد منهم يوم الخميس من كل اسبوع والتي كان الكثيرون يبادرون الى تناول بعض الوجبات الدسمة في المطاعم القريبة لكسر روتين الوجبات المتكررة داخل المركز التي كانت عبارة عن فطور دائمي يومي مكون من شرائح الخبز الاوربي ومربى الكرز وقطعة زبد صغيرة مما يقدم في الطائرات وشاي وقهوه فيما كانت وجبات الغداء والعشاء تتكرر اسبوعيا مابين السباكيتي والمعكرونة مع قطع من لحم العجل والرز او مع فخذ دجاج او قطعة من السمك المغطى بطحين الخبز اونوع او اكثر من المعجنات السفيرة المحشوة اما باللحم المثروم او بالسبانخ وكانت هناك اربعة الات الاولى لتقديم السوائل الحارة كالشاي والقهوة واخرى للمشروبات الغازية والثالثة للسكائر ورابعة للمشروبات الغازية ذات القناني الزجاجية التي كانت كل هذه الالات تستنفد مدخرات او الاعانات الاسبوعية وخاصة الة بيع السكائر حيث كان سعر علبة السكائر الواحدة وكلها من انتاج سويسري مابين ست الى سبع فرنكات وهو سعر باهض نسبيا مما اضطر الكثيرمن المدخنين الى شراء التبغ ومحاولة لف سكائرهم بانفسهم مما وفرعليهم الكثير من النقود فيما لجأت انا الى تدخين الغليون لعدم قناعتي بالسكارة اللف او لعدم معرفتي وفشلي المستمر في انجاز ولو سيكارة واحدة ولعل ذلك راجع الى ذكرياتنا الاليمة في العراق ايام الحصار الاقتصادي ابان فترة التسعينيات بعد غزو العراق للكويت ولكني استعدت ايضا بعض الذكريات عن ايام التدخين بالغليون خلال السبيعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ولان موعد النوم المسائي قد حدد عند الساعة التاسعة والنصف مساء فان اكثر اللاجئين ومن مختلف الاعمار والجنسيات ولغرض اجبار انفسهم على النوم في هذا الموعد كانوا يجهدون انفسهم في لعبتي كرة السلة وكرة الطائرة وغالبا ماكانوا يتوقفون قبل نصف ساعة من الموعد يخصصونها للدخول الى الحمام والاستمتاع بالماء الحار ومن ثم الصعود الى غرفهم وانتظار مسؤولي المراقبة لتثبيت تواجد وحضور كل واحد وكان ذلك لايزيد عن نصف ساعة بين الصعود الى الغرف وانتظار المراقبة يقضيها الجميع في المزاح والمدعبات البريئة وبلغات شتى مابين الانكليزية والفرنسية والالمانية والايطالية والصربية والتركية والكردية والعربية وحالما كانوا يسمعون المسؤول يردد عبارة تصبحون على خير حتى يستغرق الجميع في نوم عميق لاتتخلله سوى بعض الطلبات الصغيرة الغريبة كالرجاء من البعض عدم الشخير وكان هذا من اكثر الامور التي كانت تثير ضحكي ودهشتي او كأن يتذكر احدهم بانه تمكن من ادخال بعض الشوكولاته وانه سعيد او ربما مضطر لتوزيعها على الاخرين ليتخلص منها خوفا من حملات التفتيش التي يقوم بها المراقبون على حين غرة وكل ذلك بلغة يعتقد من يتحدث بها ان الاخرين سيفهمونه لا محالة وحيث انني كنت من الذين لاينامون بسرعة فقد كنت انتبه الى تلك اللحظة التي يتوقف فيها كل شيء ليحل الصمت سريعا مفكرا باحلام وافكار كل الذين تعرفت عليهم في هذا المركز متمنيا وداعيا ان لايفاجئني احد منهم باي قرار تتخذه ادارة اللاجئين لطرده او اعادته الى بلده او الى البلد الذي جاء منه كما حصل مع الكثيريين ممن وصلوا الى سويسرا من دول اوربية اخرى سبق لهم ان تركوا فيها بصمات اصابعهم لدى دوائر الهجرة فيها وهو امر لايحظى بالقبول خاصة لدى الحكومة السويسرية بالرغم من قيامها بدراسة طلب كل لاجيء واحترام رغبته في العيش في سويسرا التي تحرص ايضا وبالمقابل على الاتصال بالدولة التي جاء منها للتأكد من قضيته او مزاعمه والاستفسار من تلك الدولة اذا كانت تقبل باعادته اليها وقد عاد الكثيرون الى تلك الدول وحصل الكثير منهم على اللجوء او حتى الاقامة فيما عاد عدد غير قليل الى اوطانهم وبلدانهم وكانت نتيجة طلب كل لاجيء تظهر وتعلق على لوحة خاصة يوميا مابين الساعة السابعة والتاسعة مساء حيث يتراكض الجميع لمعرفة نتائج وموقف كل واحد منهم وكانت الفرحة الكبرى لكل واحد هي ادراج اسمه في حقل النقل الى الكانتونات حيث يبقى هناك لفترة معينة تجرى له خلالها مقابلة او اكثر ويتحدد فيها بعد ذلك مصيره النهائي بالحصول على اللجوء الدائمي الذي يحظى فيه على امتيازات الاقامة بعد خمس سنوات او الجنسية بعد اثني عشر عاما وخلال كل ذلك يمنح راتبا مجزيا يوفر له السكن والتامين الصحي والعيش برفاهية وتعلم احدى اللغات الرسمية كالالمانية والفرنسية والايطالية او اللجوء المؤقت الذي يعني ابقاء اللاجيء في سويسرا حتى تتحسن الظروف السائدة في بلده والتي اضطرته الى مغادرته والمجيء الى سويسرا كالحرب الاهلية او الكوارث الطبيعية الخ وكثيرا ما كان الانتظار مملا في مركز استلام اللاجئين ليس بسبب الرتابة اليومية ولكن بسبب التقييدات التي تحد من تحرك الجميع خاصة للعوائل والمتزوجين الذين يتعذر عليهم اللقاء وقد كنت اشعر بالاسى عندما ارى الكثير من العوائل مع اطفالها من مختلف الاعمار والمتزوجين والنساء الحوامل وبعض المرضى والمعوقين وهم يعانون من هذه الاجراءات التي تثير الملل والضجر والتي اضطرت البعض الى الغاء طلبات اللجوء والمطالبة باعادتهم الى بلدانهم فيما تحمل الاخرون على مضض كل معاناة مروا بها او تجربة عاشوها رغبة في الحصول على نتيجة ترضيهم وتسرهم وللمعاملة الحسنة التي كان يتلاقها الجميع من لدن القائمين على ادارة المركز سواء في الادارة الامنية او الادارة التشغيلية وقد لاحظت مستوى الاحترام واحيانا الحب والمودة التي يتقدم بها هذا الكادر ومجالستهم لعدد من اللاجئين ورعايتهم واهتمامهم الفائق بالمرضى والحوامل وقبل ذلك الاطفال الذي يحرصون على تقديم الالعاب لهم كل مساء ولم اسمع ابدا احدا اشتكى من سوء المعاملة او الرد المتجهم وكانت النظافة معيارا بارزا في المركز يحرص عليه الجميع ويشارك فيه الجميع الا قلة قليلة لم تكن بمستوى هذا الاحترام ولكن ما اسرع مايتم ايقافهم وردعهم خاصة عند المشاجرات والمشاحنات التي تجري فيما بينهم حيث يكون العقاب لكلا الطرفين بنقلهم الى غرف الادارة لبضع ساعات حتى يهدأ غلواؤهم ويسكن غضبهم فيما كنت اقضي وقتي داخل المركز في التدخين والتمتع بالقهوة الحارة اللذيذة ومجاراة الاخرين احيانا والاستماع الى قصصهم ومعاناتهم حتى تولد عندي راي بان احدا لايخرج من بلده بطرا او عبثا او رغبة في التغيير وحسب وكثيرا ما كنت استغل فترات التسوق بالمشي تحت اشعة شمس تموز واب او تحت وابل المطر او اللجوء الى المقهى التابع لاحدى الكنائس التي جعلت من احدى مقراتها مزارا للاجئين لتقدم لهم الشاي والقهوة وبعض المعجنات البسيطة والكتب واقلام التلوين الخاصة بالاطفال مجانا حيث كانت الاغلبية تحرص على التوجه اليه يوميا معبرين في كل مرة عن شكرهم وامتنانهم للسيدات القائمات تطوعا بخدمة اللاجئين متمنين دائما ان تكون تلك الايام مجرد ايام في مركز الاستلام .

عطلة نهاية الاسبوع

من الحسنات التي كنا نفرح بها كثيرا في مركز الاستلام هي المعروفة بالـ Week End والتي كانت احدى الفرص السانحة للكثير من اللاجئين حيث يسمح لمن يرغب بالنزول ومغادرة المركز اعتبارا من الساعة التاسعة صباح يوم الجمعة والعودة الساعة السادسة من مساء يوم الاحد حيث يمضي الكثيرون بالذهاب الى مدينة زيورخ التي تبعد حوالي ثمانين كيلومترا الى الجنوب والمبيت عند اصدقائهم او اقربائهم ممن سبقوهم بالحصول على اللجوء وقد اتيحت لي هذه الفرصة بالذهاب الى احدى القرى الواقعة شمال مدينة بادن احدى مدن كانتون اراو الواقع غرب زيورخ والقريبة اي القرية من الحدود الالمانية وقد استمتعت كثيرا خلال فترة بقائي في المركز بقضاء ايام الجمعة والسبت والاحد من كل اسبوع في جولات سريعة وممتعة الى شلالات شافهاوزن الواقعة على نهر الراين الذي يمثل الحدود المشتركة مع المانيا حيث كونت هذه الشلالات بتنوعها واستداراتها وانحداراتها وصخب المياه فيها او هدوئها وسكونها في بعض المناطق منظرا خلابا ومشهدا رائعا قل نظيره حيث اعاد لي هذا المنظر الكثير من ذكريات القراءة التي يرد فيها اسم هذا الشلال او نهر الراين بشكل عام ولم يكن يخطر في بالي ابدا انني ساكون امام وقبالة هذا النهر العظيم ولاشلاله الساحر الباهروكلما كنت اخرج فيها ايام عطلات نهاية الاسبوع امر بغابات سويسرا الشهيرة باشجارها العالية الباسقة والتي تحجب ضوء الشمس في كثير من الاحيان ولمسافات طويلة وقد علمت بعد ذلك لماذا يصر قانون المرور في سويسرا واظن اكثر دول اوربا على فتح مصابيح السيارة الامامية خلال النهار حيث السماء ملبدة بالغيوم السوداء اغلب فترات الصيف اضافة الى اشجار الغابات المظلمة والتي حظينا في احدى المرات بحفلة شواء صغيرة في احدى البيوت الريفية الزراعية التي سمحت لمن يرغب باحضار شوائه ومستلزماته وعائلته والتمتع بجو الغابة الممتع الذي طالما يذكرني بجبال وغابات رومانيا التي قضيت فيها عدة سنين لم يكن يخلو فيها اي يوم من ايام الاحاد من مغامرة شواء وجلسات سمر ومداعبات وتفنن بعض السيدات في الاكلات العراقية الشهيرة واصرار الجميع على الخروج والسفر في كل نهاية اسبوع .

الكلب اولا

كنت اعلم ان الاوربيين مولعون باقتناء وتربية الكلاب والقطط دون سواها من الحيوانات الاليفة الاخرى وكنا نقرأ على مدى سنوات طويلة مما يصلنا من اخبار عن طريق الصحف والتلفزيون او مانشاهده من افلام سينمائية عن الكثير من الغرائب والقصص العجيبة حول علاقة الاوربيين والغربيين عموما وتعلقهم بالكلاب ولكن عندما وصلت الى سويسرا لم اك احسب ان الامر بهذا الشكل حيث العلاقة مع الكلب اخذت اطوارا واشكالا جديدة تحولت بمرور الوقت الى نوع من السلوكيات والممارسات التي جعلت من الدوائر الحكومية في الكانتونات والمراكز البلدية الى اتخاذ بعض الاجراءات التي قد تبدو لنا نحن الشرقيين نوعا من المبالغة حيث خصصت جميع البلديات حاويات معدنية صغيرة خاصة لفضلات الكلاب اثناء قيام اصحابها باصطحابها للنزهة ويقوم عامل بين فترة واخرى بتبديل الاكياس السوداء ووضع اكياس جديدة بدلا عنها وقد وجدت هذه الحاويات في اماكن ومناطق لم اك اتصورها اطلاقا كالقرى ذات البيوت المتباعدة نسبيا او مابين المزراع والحقول وكحرص الكثير من محلات التسوق على عرض كل طعام الكلاب والقطط الى جانب كافة المستلزمات التي تتطلبها عملية تربية هذه الحيوانات التي غالبا ماكانت تبدو هادئة خانعة وكان الطعام الذي يقدم اليها يحتوي على نوع من المخدر الذي لاشك عندي انه السبب في سكون وهدوء وجبن هذه الحيوانات ولكنني عندما سالت عن سر هذا الاهتمام بالكلب فوجئت بان الكثير ممن يقتنون هذه الحيوانات يعتقدون جازمين انها افضل بكثير من البشر فكل النساء اللواتي يحتفظن بكلب او باكثر تعتقد انه افضل من زوجها الذي تركها حالما تقدمت قليلا بالسن وافضل من ابنائها الذين تخلوا عنها في سن مبكرة ولاتراهم الا في اعياد الميلاد و راس السنة الميلادية تقول احدى السيدات منذ ان اقتنيت كلبي هذا بدأت بالكلام واشعر بالسعادة حين اراه يصغي الي وتقول سيدة اخرى لم تكن كبيرة في السن كثيرا وعليها مسحة من الجمال انني اشعر بالاطمئنان عندما يكون الى جانبي وقليلا ما اشعر بالوحدة او بالضجر والملل رغم ان ساعات عملي قليلة ولمدة ثلاثة ايام في الاسبوع فيما صرح لي احد الشيوخ ان علاقتنا هنا سيئة للغاية ربما بسبب طبيعة العمل لدينا الذي يستغرق تقريبا كل ساعات النهار واكملت زوجته التي كانت تنتظر الفرصة لكي تدلي بدلوها ليس لدينا وقت كثير للعلاقات والمجاملات لقد تركنا اولادنا الاربعة منذ اصبحوا في سن المراهقة وربما اضطررنا الى اقتناء هذا الكلب الصغير لنشعر على الاقل اننا لسنا وحدنا او ربما ليكون سببا لنا لكي نخرج الى النزهة بحجة الكلب وعندما قمنا جميعا لنخرج من المقهى طلب مني زوجها الذي كان يمسك بزمام كلبه الصغير ان اتقدمهم بالخروج من باب المقهى فتبسمت وقلت بل االكب اولا…

العشاء… سلطة

قبل الثورة الصناعية التي قامت اول مرة في بريطانيا ومن ثم في بعض الدول الاوربية كالمانيا وفرنسا وايطاليا وغيرها من الدول كانت الوجبة الرئيسية هي وجبة الغداء التي يحرص الجميع على تناولها في موعدها المحدد حيث لم تكن الاعمال انذاك تتطلب البقاء لوقت متاخر ولكون وسائل الطبخ المعتمدة في حينه كانت لاتزال بدائية ويحتاج الطعام اي طعام لانضاجه واعداده وقتا وجهدا وعددا من العاملين او العاملات حيث كانت العائلات تبادر الى المباشرة باعداد الطعام والعجين في وقت مبكر من النهار ولكن بعد الثورة الصناعية وازدياد اعداد المشاغل والمعامل والمصانع التي سرعان مااستقطبت اعدادا غيرقليلة من الايدي العاملة الرجالية فقد اصبح من المتعذر على رب الاسرة ترك العمل والذهاب الى البيت لتناول وجبة الغداء وبسبب الحاجة الى مزيد من الايادي العاملة ولكون العوائل انذاك كانت تضم اعدادا غير قليلة من البنات والبنين ولان الوضع المادي لكل عائلة لم يكن يكفي لسد حاجة ومتطلبات كل اسرة فقد اضطر الكثيرون الى تشغيل زوجاتهم وابنائهم في القطاع الصناعي الذي اخذ يتطور يوما بعد يوم وهكذا وبمرور الوقت اصبحت وجبة الغداء شبه ملغية حيث اخذ العاملون الجدد يتناولون وجبة خفيفة في الفترة المخصصة للاستراحة عند الساعة الثانية عشرة ظهرا على ان تكون وجبتهم الاساسية الرئيسية والتي تنتظرهم في البيت هي وجبة العشاء التي اصبح الاحتفاء بها شيئا مميزا ودليلا على تماسك الاسرة باجتماعها على مائدة الطعام حيث تحرص الزوجة على تقديم اشهى المأكولات وعدم الاكتفاء بالاكلات التقليدية خاصة وان المردود المادي قد اصبح جيدا بفضل الالة الصناعية التي وفرت للكثيرين مكاسب جيدة ساهمت الى حد كبير في تطوير حياتهم المعيشية ونقلهم من حالة الى اخرى وبسبب انشغال الجميع في العمل بعد ان تطور دور المراة التي باشرت بالدخول الى المدارس والعمل الى جانب الرجل فقد خفت الى حد ما ظاهرة الاجتماع على سفرة العشاء التي سرعان ما اصبحت مقتصرة في الغالب على الزوج والزوجة كما تغيرت وفقا لذلك وبسبب عامل السرعة الذي فرض نفسه على هذه المجتمعات طبيعة الطعام نفسه نوعا وكما فبعد ان كانت المراة كما تصورها رسومات ولوحات الفنانيين التي سبقت الثورة الصناعية ممتلئة وغير نحيفة حيث اعتبر الامتلاء والسمنة عند المراة انذاك احد مقاييس الجمال لدى المراة ويبدو ان مثل هذه المعايير كانت سائدة في ايطاليا الى وقت قريب اي الى ماقبل الحرب العالمية الاولى حيث لاحظ المراقبون انذاك ان المراة الايطالية كانت معروفة بالسمنة والامتلاء الى ما بعد الحرب الكونية حيث بدا التغيير يظهر وبشكل متسارع عندما بدات الكثير من افلام السينما الواقعية تقدم المراة الايطالية بشكل جديد وبقوام نحيف وبخصر دقيق وملامح جديدة لم تكن تعرفها المراة الايطالية من قبل وقد شمل هذا التغيير كل اوربا والعالم الغربي بسبب طبيعة العمل الذي قنن الى حد كبير من تناول الوجبات الدسمة اضافة الى دور الصحة العامة التي بدات تؤكد على اهمية اتباع الانظمة الغذائية لتقليل الاصابة ببعض الامراض حتى اصبح هذا الامر هوسا لدى الكثيرين وبات من المتعذر على الكثير من المجتمعات الاقتناع او تقبل قيام البعض او لجوء البعض الى تناول كميات من اللحوم والسكريات والكربوهيدرات دون الانتباه الى خطورة هذا النوع من الاغذية وان افضل الطعام في رايهم هو السلطة خاصة عند تناول وجبة العشاء وقد لاحظت ان ذلك اصبح تقليدا وعرفا ومنهجا لدى الكثيرين ممن يعتقدون ان بالامكان الاكتفاء بالسلطة اثناء العشاء للمحافظة على الصحة الشخصية حتى انني كلما سالتها ماهو العشاء اليوم قالت ضاحكة مستبشرة .. العشاء … سلطة .

جدول سلة المهملات

لااعرف بالضبط متى بدأ العمل بنظام اعادة تدوير او تصنيع النفايات التي تحتوي على البلاستك والنايلون والزجاج والمعادن والالمنيوم والورق والكارتون الخ ولكن المهم ان هذا النظام قد تم العمل به وفق حرفية عالية من قبل الكثير من مواطني اوربا وامريكا حيث تنتشر في كل المدن الاوربية التي تعمل بهذا النظام حاويات لرمي القناني والعلب الزجاجية حسب الالوان وعادة مايقتصر على اللون الابيض والاحمر والاخضر وحاوية اخرى للعلب المعدنية وحاوية كبيرة ضاغطة للكارتون فيما يتم تجميع الورق من صحف ومجلات ومغلفات الرسائل في حزم يتم طرحها في ايام معينة وفي اماكن محددة كما توجد حاويات اخرى لرمي الملابس والجلود من احذية وسواها وحاوية اخرى لزيوت محركات السيارات وحاوية لرمي كل منتجات السيراميك من صحون واواني منزلية في تقبع الى جوارها حاوية كبيرة لرمي كل شي مصنع من المعدن او الالمنيوم او النحاس اما الاجهزة الكهربائية المراد رميها فيتم اعادتها الى المحلات التي تقوم عادة ببيع مثل هذه المنتجات اما نفايات المنازل اليومية من مخلفات الطعام وسواها فهناك حاويتنا امام كل مجموعة من المنازل احداهما لرمي بقايا الطعام والاخرى لرمي الاشياء الاخرى كاعقاب السكائر والمناشف الورقية وما تجمعه المكنسة الكهربائية الخ وقد استغرقت وقتا غير قصير لاستيعاب هذا النظام والوقوف على الالية التي يعمل بموجبها والخطوات التي يجب علينا القيام بها وحفظ بعض التوايخ التي يتم الاعلان عنها بين الحين والاخر والتي يتم بموجبها تحديد يوم معين لرمي الملابس مثلا الخ ورغم انني جلست لقراءة الجدول الصادر من البلدية وهو عبارة عن صفحة كبيرة وبوجهين تتضمن كل الاشياء التي يجب روميها واين يتم رميها بالتحديد ولم استوعب الموضوع كثيرا بسبب جهلي باللغة الالمانية فقررت ان اقوم انا شخصيا برمي النفايات بعد السؤال طبعا والاستفسار ومراقبة الاخرين حيث كان الامر في جملته ممتعا ومشوقا بالرغم من ان الكثيرين من غير الاوربيين كانوا غير مبالين وغير حريصين على فرز نفاياتهم وكثيرا ماوجدت عددا من الاكياس التي تضم انواعا من النفايات وكان بودي ان اقوم بتفريغها ورميها في الحاويات المخصصة لكل مادة الا انني امسكت عن ذلك بعد ان تذكرت وجود كاميرات المراقبة عند كل مجمع للحاويات وتذكرت ايضا نصيحة الكثيرين ممن سبقوني بالاقامة بعدم رفع اية حاجة من الشارع بعد ان حاولت في احدى المرات رفع قطعة من الخبز كانت مرماة على جانب الرصيف ومنعني من كان معي انذاك قائلا انهم سيظنون انك انت من رمى هذه القطعة لذلك فقد حرصت على عدم الانحناء والتقاط ما اراه امامي في الشارع او المتنزهات خشية من التعرض للمساءلة وتركت الامر لعمال التنظيف الحريصين تماما على نظافة كل شيء واي شيء وعنايتهم الفائقة بسلات وحاويات النفايات حتى ظننت في المرة الاولى انهم يقومون بوضع حاويات جديدة في كل مرة وانهم اول من يلتزم بجدول سلة المهملات .

النظام اجباري

يعتقد الكثيرون ان الخلل دائما في الانسان وانه غير قادر احيانا على تقبل الالتزام والتقيد والانصياع الى القوانين التي تضعها الدولة او حتى الشرائع السماوية ويظن الكثيرون ان اوربا وبسبب طبيعة البشر هناك كانوا ملتزمين بالقوانين والانظمة وهذا امر غير صحيح تماما وانما بدأ الالتزام والتقيد بالقوانين والضوابط بعد مرحلة من التطور عاشتها الشعوب الاوربية وفي مقدمتها ان هذه الشعوب لم تتعرض الى الغزو او الاستعمار الطويل كما تعرضت له دول العالم الثالث اسيويا وافريقيا وامريكيا وان قيام الثورة الصناعية في اوربا فرضت نوعا من ضوابط العمل التي تفرضها وتحتمها طبيعة الانتاج الصناعي والتي سرعان ما اصبحت نوعا من التقاليد والاعراف الاجتماعية ولكن استقرار الاوضاع السياسية في اوربا بعد مرحلة الحروب والنزاعات التي عاشتها هذه الدول وانتهاء الامبراطوريات الكبيرة واستبعاد الحكم الفردي في كل دول اوربا ساهم بشكل كبير في تقبل المواطن او قل رضوخه واقتناعه بضرورة الالتزام بالقوانين والانظمة مع العلم ان المبدا الاساسي في شيوع القوانين والتعليمات لم يكن في اصدارها وحسب بل بالمتابعة المستمرة وتنفيذ العقوبات الرادعة للمخالفين وفرض الغرامات والاحكام التي تصل الى عقوبة السجن خلافا للقوانين والانظمة التي تصدرها اكثر الدول النامية التي تفتقد مجتمعاتها الى ابسط عناصر النظام وتجاهل مواطنيها بل استهزائهم في كثير من الاحيان لهذه القوانين حيث لايوجد اي مجال لاستعمال القوة اتجاههم ولعل اهم الاسباب التي تدعو الموطن الى عدم الالتزام هو رؤيته ومعرفته بعدم التزام المسؤولين الذي اصدروا هذه القوانين بها خلافا لدول اوربا الغربية والولايات المتحدة الامريكية واليابان وكندا التي لم تكتفي باصدار القوانين وحسب بل وضعت غرامات وعقوبات صارمة واجراءات حاسمة لمن لا يلتزم بهذه القوانين وهو مارايته هنا في سويسرا من انضباط وشعور بالمسؤولية في كل مفصل من مفاصل الحياة اليومية ابتداءا من التزامهم بتعليمات رمي النفايات الى ضوابط قيادة السيارات مرورا باحترام التعليمات والارشادات التي يبلغ بها المواطن بين الحين والاخر عن طريق اجهزة الاعلام المختلفة حتى ظننت ان لا شيء في اوربا سوى النظام وان النظام رغم انف الجميع نظام اجباري..

تحيا الفيدرالية

طالما تساءلت عن سبب عدم فوز الاحزاب اليسارية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي في اوربا الغربية وان الفوز كان دائما من نصيب الاحزاب اليمينية بجناحيه المعتدل والمتشدد حتى اضمحلت معظم الاحزاب اليسارية باجنحتها المتطرفة والوسط ووجدت ان الاحزاب اليمينية كما يبدو كانت تمثل طموحات ورغبات واماني معظم ابناء اوربا حتى وان كانت هذه الطموحات والاتجاهات تتعارض مع قناعاتنا نحن الشرقيين الذين تعلمنا على حكم الاخر سواء كان اجنبيا مستعمرا او محليا مستبدا ولان المواطن الاوربي الذي ولد وعاش في ظل النظام الراسمالي قد تعود على فرضيات ومناهج الديمقراطية التي فرضت نفسها رغم انف كل الاتجاهات الاخرى والتي مثلت تطبيقا عمليا وناجحا للفلسفة البراجماتية التي تنادي بالتجربة للوصول الى التطبيقات الصحيحة ولم يكن للديمقراطية النجاح الدائم في ظل التنوع العرقي والديني والمذهبي في عدد غيرقليل من الدول الغربية فكان لابد ان يفكر المنادون بتطبيق الديمقراطية الى حل لهذه الاشكالية التي ماكان لها ان تحل لولا توصلهم الى طريقة رائعة في تطمين بعض المكونات بان لجات بعض الدول التي تتنوع فيها الاعراق والاديان والمذاهب الى مايسمى بالفيدرالية واذكر اننا في العراق وبعد سقوط النظام في العام 2003 لم يك احد من العراقيين يفهم اويعرف ماهي الديمقراطية ناهيك عن الفيدرالية وكنت كلما سالت احدهم ماهي الديمقراطية يقول لي بلهجته البغدادية الساخرة الديمقراطية يعني الديمقراطية وهي اجابة تعني انه يعلم ماهي الديمقراطية ولكنه لايعلم ماهيتها بالضبط ولم اكن اسمح لنفسي باحراجهم بالسؤال والطلب اليهم ان يشرحوا بالتفصيل معنى الديمقراطية وكنت اؤكد لهم ان الديمقراطية هي الحل الاول والاخير لكل دول العالم والتي تعني حكم الشعب بنفسه ولو بصور مختلفة تختارها كل دولة وكل شعب حسب قناعاته وظروفه السياسية والاجتماعية او حتى الاقتصادية ولكن يبقى الهدف الاول والاخير هو تطبيقها اي الديمقراطية لصالح جميع فئات الشعب ويعني ذلك ان يكون الرأي عادة للاكثرية وهذا هو احد مساويء الديمقراطية التي قد تأتي احيانا بالاكثرية السيئة الى الحكم وهو معيار ليس ثابتا دائما وكم كنت اتمنى لو اننا في ذلك الوقت شهدنا مثل تجربة وصول رئيس من اصول افريقية الى رئاسة الحكومة في الولايات المتحدة ليكون مثالا جيدا حول استثناءات الاكثرية ولقد شرحت الامر انذاك بكل بساطة ويسر بعد ان اعترض سائق التاكسي الشاب على الديمقراطية التي كانت الولايات المتحدة الامريكية قد اقترحتها كطريقة للحكم في العراق بعد سقوط النظام وقد وجدت ان معظم العراقيين اما انهم لايفهمون الديمقراطية ولا الياتها التي تعمل بها او انهم ايفهمونها ولكنهم لايريدونها واغلب هؤلاء هم من الطبقة المثقفة او المتعلمة ولكن المستفيدة من النظام السابق والتي انهارت مصالحها مع انهيار النظام والتي باتت مقتنعة تماما انه ما ان تم طرح موضوع الديمقراطية لاول مرة في العراق خابت امالها تماما بعد ان تيقنت ان كلا من امريكا والكثير من العراقيين عازمون ومصرون على تطبيقها باي شكل من الاشكال وحيث ان الاكثرية التي لاشك انها ستاتي الى الحكم وتتولى السلطة هي الفئة التي كانت مغلوبة على امرها والمقهورة دائما فان هؤلاء ممن قاوموا وشككوا في الديمقراطية والياتها في العراق اول مرة عادوا مجددا ليجدوا موطيء قدم لهم في العملية السياسية الجديدة عسى ان يحصلوا على منافع جديدة ولو على حساب الديمقراطية وبعد استنفدت معظم الامثلة حول تطبيقات الديمقراطية وبعد ان شعرت ان سائق التاكسي اصبح فاهما ومقتنعا بالديمقراطية عاد والتفت الي مرة ثانية قائلا زين والفيدرالية ولم يكن شرح وتفسير معنى الفيدرالية بالامر الصعب فبعد ان ذكرته بمساويء الديمقراطية التي غالبا ماتاتي بالاكثرية الى الحكم واذا افترضنا ان هذه الاكثرية كانت سيئة ولم تراعي حقوق الاقليات الاخرى فمها هو الحل هل ستبقى اقلية صامتة خانعة لاضطهاد وجبروت الاكثرية ؟ وحيث ان صاحبي سائق التاكسي كان من الاقلية حيث ابلغني بذلك اثناء حديثنا عن الديمقراطية فقد حصلت على اهتمامه وحرصه على متابعتي بالرغم ان عينه كان على الطريق وخوفه من ان نصل الى غايتنا قبل ان ينتهي هذا الموضوع ولكي لااطيل عليه سالته ماهو في رايك الحل ؟ التفت الي سريعا وقال لاتكلي الفيدرالية . قلت نعم ماكو غير الفيدرالية . التي تعني باختصار ان يكون للدولة رئيس وعلم وسلام جمهوري وجيش نظامي الخ وعلى ان يكون لكل محافظة علم وجيش يسمى الحرس الوطني ومجلس نواب ووزراء ودستور خاص بالمحافظة الخ وان تكون لكل محافظة ميزانيتها الخاصة التي تصرفها وتنفقها لتطوير بنيتها التحتية الخ وان وان الخ وان يكون النظام راسماليا والغلبة للقطاع الخاص لكي يبدع وينتج ويستثمر دون قيود وشروط تعجيزية الخ وان تكون لكل محافظة محاكمها الخاصة وبذلك تكون الدولة دولة اتحادية لها جيش اتحادي ومحكمة اتحادية وان لاتزيد فقرات الدستور عن بضع فقرات رئيسة لاغير وبذلك تضمن الاقليات حقوقها سواء كانت الاكثرية ظالمة او كانت عادلة ولكي تحتفظ كل ولاية بخيراتها ومواردها لنفسها الخ ولما كنا قد اوشكنا على ان نصل الى غايتنا في الطريق ولما لم يعد اي مبرر لمزيد من الشرح والتفصيل التفت الي صاحبي سائق التاكسي وقال اذن تحيا الفيدرالية ..

لاتثق ابدا بالطقس

لانني عشت في رومانيا التي تطل على البحر الاسود بضع سنين فقد تعودت الى حد ما على طبيعة المناخ في اوربا وعرفت ان ما تتلقاه الارض الاوربية من امطار غالبا مايكون خلال الصيف فيما تقتصر اشهر الشتاء على الثلوج ولعل هذا المثل كان سائدا في اوربا منذ فترة طويلة وغالبا ما يشار اليه في موسم الصيف حيث الامطار الغزيرة الفجائية فبينما تكون مستمتعا بالشمس الساطعة المشرقة حتى تتبلد سماؤك بالغيوم البيضاء المتفرقة التي لاتشك ابدا انها ستغدر بك والتي سرعان ماتفاجؤك بالتحول الى غيمة سوداء كبيرة قاتمة تفتح قربها فجاة ودون سابق انذار ولذلك كان الطقس في معظم الدول والمدن الاوربية مخادعا غير مستقر حيث يلجأ المواطنون فيها الى حمل المظلات او ارتداء المعاطف المطرية ولكن هذا المثل لم يبقى كما هو الان فقد سمعته مجددا عند وصولي الى سويسرا ولكن باضافة جديدة هي لاتثق بثلاثة اشياء في اوربا الطقس والنساء والقوانين ويبدو ان الاضافتين الاخيرتين جاءتا بعد عدة تجارب بها الكثير من ابناء الجاليات الوافدة على دول اوربا خاصة من طالبي اللجوء والهجرة الذين غالبا مايواجهون سلسلة من القوانين التي عليهم ان يفهموها ويدركوا معانيها تجنبا لوقوعهم في الخطا والظاهر ان المشكلة ليست في تبدل وتغيير القوانين بل لصعوبة مواجهتها من قبل الوافدين مع ان اكثر من مواطن اوربي اكد ان هناك فعلا ظاهرة مايسمى بتغيير القوانيين التي يتطلب تبديلها بين الحين والاخر مراعاة للمتغيرات الاقتصادية في الدرجة الاساس اما عن النساء فقد لاحظنا ان اكثر الاوربيين يميلون وبشكل كبير للاقتران بغير الاوربيات خاصة الاسيويات حيث يميل من يرغب منهم بالاستقرار وتكوين اسرة دائمية مستقرة الى هذا النوع من الزواج لتاكيدهم بان نساءهم لايمكن الوثوق بهن ولسن حريصات بشكل كبير على تكوين الاسرة ولانني دائما ما انسى انني في اوربا فقد تعودت على الخروج بالملابس الصيفية خلال شهري تموز واب اللذين شهدا موجات من الحر وارتفاع في درجات الحرارة ولكنني كنت انسى دائما موضوع المطر المفاجيء وصادف ان خرجت في نزهة طويلة على الاقدام وبدون مقدمات هطل المطر فجاة وبشكل كثيف بل عنيف فقال لي صاحبي الذي كان مستعدا الم اقل لك لاتثق بالطقس …

ساعة من سويسرا

انه مثل سويسري بالتاكيد والمثل كاملا هو ساعة من سويسرا وامراة من اي مكان في العالم ويبدو ان مامن دولة في العالم طرحت او قدمت مثل هذا المثل الذي يدل على الثقة العالية بهذه الصناعة الفاخرة المتيزة واذكر اننا في العراق كنا نستعمل كلمة بلادي باللهجة العراقية والتي نشير بها الى انها المادة او السلعة مصنوعة في الخارج وغالبا بريطانيا حيث كانت معظم المنتجات التي ترد الى العراق ترد من بريطانيا بحكم احتلالها للعراق خلال اقل من اربعين عاما تعود فيها العراقيون على المنتجات والسلع البريطانية المشهورة كما هو معروف باصالتها وجودتها ولكننا مع نهاية السبعينيات وبالرغم من الحرب العراقية الايرانية شهدنا في القطاع الصناعي العراقي منتجات عالية الجودة حتى ان اكثر العراقيين ومن اثريائهم ايضا كان يطالبون ويصرون على هذه السلعة او تلك رغم ان معظمها كان صناعة تجميعية الا انها كانت تتحسن وتتطور ببدائل عراقية كثيرا ماكانت تضاهي البضاعة الاجنبية خاصة الاجهزة الكهربائية والسجاد العراقي الممتاز والاقمشة بانواعها والسكائر التي جعلت الكثير من المتعصبين لسكائر الروثمان الانكليزية والتي كانت احدى الثيمات الواضحة في المجتمع العراقي يغيرون هذا النوع من السكائر لصالح سكائر سومر بنوعيها الطويل والقصير ولان احدا لم يك يسافر الى سويسرا فلم يك بالامكان ان تطلب من احد المسافرين ان يشتري او يبتاع لك ساعة من سويسرا وظلت الساعات السويسرية حكرا على بعض اثرياء بغداد فيما كانت الساعات الاقل شهرة تباع باسعار قد تكون باهضة بالنسبة للكثيرين ولذلك لم تكن الساعات السويسرية الشهيرة معروفة الا من خلال مانراه من اعلانات في الصحف والمجلات او في الافلام السينمائية ولان اسعار الساعات في سويسرا لايمكن التفكير بها ابدا فسيبقى الامر مجرد حلم طويل بالحصول على ساعة من سويسرا..

مرحبا بالموت

ظل الموت غالبا وطاغيا في كل مجتمعات العالم ليس بسبب حتميته او كونه ظاهرة حياتية لامناص منها كالحياة والولادة والمرض الخ ولكن بسبب الصراعات والنزاعات والحروب المستمرة بين بني البشر والخلاف الدائم المستمر بين انسان واخر وكثيرا مايكون نتيجة لتلبية احدى الحاجات الرئيسية للانسان التي تضطره الى الاقتحام والنزاع مع الاخر او مع الطبيعة ولكنه يبدو اكثر حظورا في الكثير من المجتمعات حتى المتقدمة منها لتصبح احصائياته تحتسب بالدقائق والساعات الا في سويسرا فالاستمتاع بالحياة بكل تفاصيلها ومفرداتها نتيجة توفر الامن والاستقرار الاقتصادي وازدهار الصناعة وتطورها المستمر والانسجام الفريد بين مؤسسات الدولة والموطنين والقوانين والانظمة التي تعد وتصنع من اجل المواطن وبناء على طلبه احيانا والطبيعة الخلابة الساحرة التي وفرت الخضرة والماء وبشكل دائم ومستمر شكلت وكونت فرصا فريدة للعيش برخاء والاطمئنان الى المستقبل بعد ان اختصروا والى حد كبير الكثير من المسؤوليات التي يفترض ان يبتلوا بها كمسؤوليات الاسرة والعمل مما حدا بهم الى العيش منفردين مبتعدين بشكل ظاهر عن صخب المدن ومستقرين في اجواء هادئة ناعمة لايكدرها ضجيج التلفزيون او الراديو او متابعة الاخبار وغير خائفين اطلاقا من الاصابة بمرض عضال او شلل دائم او حتى من الزكام البسيط مقتنعين بمغادرة ابناءهم لهم في سن مبكرة راضين وسعيدين بمصاحبة كلب او اكثر متفهمين لقضاياهم التي سرعان مايبتون بها ويسارعون الى حلها عن طريق الاستفتاء والتصويت المباشر حاسمين كل امورهم بقرارات مسبقة وفرت عليهم الكثير من التفكير والجهد ناهيك عن الهم الذي لايعرف اليهم سبيلا حتى ظننت انهم لايفكرون بالموت لانهم لايخافون منه وانما كنا ولا نزال نخاف من الموت لاننا لم نشبع من الحياة وعندما دخلت اتجول في المقبرة القريبة من منزل صاحبي لاحظت ان معظم المتوفين قد تجاوزوا الثمانين وبعضهم ناهز التسعين او اكثر فالتفت الى صاحبي وقلت له عليهم ان يكتبوا على شواهد القبور عبارة مرحبا بالموت .

2 thoughts on “مقالات في الهجرة والاغتراب

  1. sabah al-abade

    السلام عليكم
    كيف الصحة
    اما بعد لقد قرات مواضيعك عن الهجرة وانا اريد ان اقول لك انك بارع جدا في مقالتك هذه انا مغترب ايضا واعيش في السويد اود التعرف والدردشة معك لكوني اود الهجرة الى سويسرا والعيش هناك انا اعمل اسطا بيتزا في السويد واود الانتقال الى جنيف للعمل والعيش هناك , مع تحياتي لك بالتوفيق. صباح العبادي

    1. علاء العبادي Post author

      شكرا لك على ثنائك واطرائك الكريم
      ونعم مرحبا بك في اي وقت تشاء للحديث معي ان احببت وساكون سعيدا بتقديم اية معلومات تطلبها عن سويسرا وبامكانك مراسلتي على بريدي الالكتروني الشخصي ادناه مع تقديري وشكري الخالص
      alaala51@yahoo.com

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>