البقيع

ان مسألة القبور وزيارتها، ووجودها، وأثرها، وشرعيتها بالذات، تزامناً مع هدم الوهابية لقبور الأئمة (عليهم السلام) في البقيع، والمزارات والأماكن المقدسة لمطلق المسلمين سنة وشيعة، فقد وصفها عون بن هاشم، حين هجم الوهابيون على الطائف بقوله: (رأيت الدم فيها يجري كالنهر بين النخيل، وبقيت سنتين عندما أرى الماء الجارية أظنها والله حمراء). وكان ممن قتل في هذه الهجمة التاريخية المشهورة

التي تدل على همجيتها على البعد البعيد للوهابية عن الإسلام ووجههم المزري والمشوه للإسلام ـ الشيخ الزواوي مفتي الشافعية وجماعة من بني شيبة (سدنة الكعبة)… وكانوا قد بدأوا في تهديم المشاهد والقبور والآثار الإسلامية في مكة والمدينة وغيرهما.. ففي مكة دُمرت مقبرة المعلى، والبيت الذي ولد فيه الرسول (صلى الله عليه وآله)

” نكبة البقيع ”

أما ما يسمى بنكبة البقيع حيث لم يُبق الوهابيون حجراً على حجر، وهدموا المسجد المقام على قبر حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء ومسجد الزهراء (عليه السلام) واستولوا على أملاك وخزائن حرم النبي (صلى الله عليه وآله).. وهُدمت قبور أهل البيت النبوي (عليه السلام)، وقبر عثمان، وقبر الإمام مالك.” ردةُ فِعل العالم الإسلامي”

وعندئذ وردت عليهم من كل أطراف العالم الإسلامي رسائل احتجاج ـ وهذا ما يدل على رفض العالم الإسلامي وتبرئة وتكفير هذا المنطق الوهابي وكل كيانهم ـ على ما قاموا به من تخريب للمشاهد والآثار الإسلامية… ومن أهم تلك الاحتجاجات وأقواها، ماجاء من مصر والعراق وتركيا والهند وإيران وإندونيسيا، فالبقيع مقبرة مقدسة في المدينة المنورة، وقد دُفن فيها أربعة من أئمة أهل البيت وهم: الإمام الحسن بن علي والإمام زين العابدين والإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق (عليهم السلام) كما دُفن فيها: إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإسماعيل بن الإمام الصادق ،وبعض بنات النبي وبعض زوجاته، وعماته، والسيدة أم البنين حَرَم الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) ومرضعة النبي: حليمة السعدية، وجمع من الصحابة والشهداء والتابعين..

” البقيع الغرقد”

البقيع: بباء موحدة مفتوحة، بعدها قاف مثناة، بعد القاف ياء مثناة ساكنة، وآخره عين مهملة: هي بقعة طاهرة بجوار قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الجنوب الشرقي مقابل المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة وتضم أربعة من أئمة المسلمين من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم:

1 ـ الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)

2 ـ الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)

3 ـ الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)

4 ـ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

كما يضم البقيع أيضا: قبر العباس بن عبد المطلب عم النبي (صلى الله عليه وآله) وقبر إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقبر عدد من عمات النبي (صلى الله عليه وآله) وزوجاته وبعض أصحابه وعدد من شهداء صدر الإسلام والعديد من الأولياء وكبار شخصيات المسلمين وفي بعض التواريخ أن عشرة آلاف صحابي دفنوا فيه.

وقد كان البقيع منذ عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مزاراً للمؤمنين إلى يومنا هذا ولكن الوهابيين هدموا تلك القباب الطاهرة ومنعوا المسلمين من تأدية شعائرهم الدينية وممارسة معتقداتهم الشرعية.

“مساحة البقيع”

تبلغ مساحة البقيع الحالية مائة وثمانين ألف متر مربع.

ويعتبر البقيع من أقرب الأماكن التاريخية إلى مبنى المسجد النبوي حالياً.”البقيع في اللغة”:

البقيع لغة: موضع من الأرض فيه أروم شجر من ضروب شتى وبه سمي بقيع الغرقد بالمدينة المنورة لأن هذا النوع من الشجر كان كثيراً فيه ثم قطع.

وفي كتاب (العين) الغرقد: ضرب من الشجر.

وأيضا: الغرقد: شجر له شوك كان ينبت هناك فذهب وبقي الاسم لازماً للموضع.

وفي (مجمع البحرين): البقيع من الأرض: المكان المتسع، قيل: ولا يسمى بقيعاً إلا وفيه شجر أو أصولها ومنه بقيع الغرقد.

والغرقد بالفتح فالسكون: شجر من شجر الغضاء، ومنه بقيع الغرقد لمقبرة أهل المدينة المشرفة وهو مشهور.

وفي (لسان العرب): شجر عظام وهو من العضاه، واحدته غرقدة وبها سمي الرجل.

وقال بعض الرواة: الغرقد من نبات القُف.

والغرقد: كبار العوسج، وبه سمي بقيع الغرقد لأنه كان فيه غرقد.

والغرقد: ضرب من شجر العضاه وشجر الشوك و(الغرقدة) واحدته، ومنه قيل لمقبرة أهل المدينة بقيع الغرقد لأنه كان فيه غرقد وقطع.

وقيل: إذا عظمت العوسجة فهي الغرقدة.

” أهمية البقيع”

والبقيع أرض مقدسة، وأرض مشرفة، وتربة معظمة بل هي قطعة من الجنة لأنها تضم ـ في طياتها.. أبدان ذرية رسول الله وأجساد جمع من أولياء الله.

وقد كانت على هذه القبور قباب وبناء، وكان لها صحن وحرم، فكانت عظيمة في أعين الناس، شامخة في قلوب المسلمين… محفوظة حُرمتها وكرامتها، وكان الناس يتوافدون على هذه البقعة المقدسة لزيارة المدفونين فيها ـ عملاً بالسنة الإسلامية من استحباب زيارة القبور وخاصة قبور ذرية رسول الله وأولياء الله تعالى.

” حملات الوهابية”

وعندما شن الوهابيون حملتهم عليها، عَمدوا إلى هذه القباب المكرمة فهدموها بمعاول الاستعمار وسَوّوا تلك القبور مع الأرض، وحّولوا البقيع إلى تراب وغبار وأحجار ـ بعد أن كان مفروشاً بالرخام ـ ونَهبوا كل ما كان فيه من فُرش غالية وهدايا عالية، وسرقوا المجوهرات واللآلئ، التي كانت داخل أضرحة أهل البيت (عليهم السلام). وذلك في عام 1342.

كما قاموا بفعلة شنيعة في سنة 1216هـ (1801م) بالاعتداء على مباني مدينة كربلاء، فهدّموا المساجد والأسواق، والكثير من البيوت التراثية المحيطة بالمرقدين وعبثوا بالمراقد المقدسة وهدموا سور المدينة .

ومما يدل على همجية النهج الوهابي المنافي لقيم الحضارة والتمدن، ما لاحظه قوم لا شأن لهم وقضية التوحيد، الرحالة السويسري (لويس بورخات) الذي وصف البقيع بقوله: (هي عبارة عن مربع كبير تبلغ سعته مئات من الخطوات، محاط بجدار يتصل من الجهة الجنوبية بضاحية البلدة، وبساتين النخيل الأخرى. وتبدوا المقبرة حقيرة جداً لا تليق بقدسية الشخصيات المدفونة فيها. وقد تكون أقذر وأتعس من أية مقبرة موجودة في المدن الشرقية الأخرى التي تضاهي المدينة المنورة في حجمها، فهي تخلوا من أي قبر مشيد تشييداً مناسباً، وتنشر القبور فيها وهي أكوام غير منتظمة من التراب يحد كل منها عدد من الأحجار الموضوعة فوقها (..) وقد خّرب الوهابيون قبورهم وعبثوا بها )

مراحل الهدم

الهدم الأول عام 1220هـكانت الجريمة التي لا تنسى، عند قيام الدولة السعودية الأولى حيث قام آل سعود بأول هدم للبقيع وذلك عام 1220 هـ وعندما سقطت الدولة على يد العثمانيين أعاد المسلمون بناءها على أحسن هيئة من تبرعات المسلمين، فبنيت القبب والمساجد بشكل فني رائع حيث عادت هذه القبور المقدسة محط رحال المؤمنين بعد أن ولى خط الوهابيين لحين من الوقت.

يقول أحد الرحالة الإنجليز حين وصف المدينة المنورة بعد تعميرها بأنها تشبه اسطانبول أو أية مدينة أخرى من المدن الجميلة في العالم، وكان هذا في عام 1877 – 1878م أي قبل تعرض المدينة المباركة لمحنتها الثانية على أيدي الوهابيين العتاة.

الهدم الثاني عام 1344هـ

ثم عاود الوهابيون هجومهم على المدينة المنورة مرة أخرى في عام 1344 هـ وذلك بعد قيام دولتهم الثالثة وقاموا بتهديم المشاهد المقدسة للائمة الأطهار (عليهم السلام) وأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد تعريضها للإهانة والتحقير بفتوى من وعاظهم.

فاصبح البقيع وذلك المزار المهيب قاعا صفصفا لا تكاد تعرف بوجود قبر فضلا عن أن تعرف صاحبه.

يصف الرحالة الغربي واسمه (ايلدون رتر)، المدينة المنورة بعد الجريمة الثانية التي نفذها الوهابيون عند استيلائهم على المدينة وقتلهم الآلاف من الأبرياء، يقول: (لقد هدمت واختفت عن الأنظار القباب البيضاء التي كانت تدل على قبور آل البيت النبوي.. وأصاب القبور الأخرى نفس المصير فسحقت وهشمت).

العزم على هدم قبر الرسول

وتشير الوثائق والقرائن إلى أن الوهابيين لم يكتفوا بتلك الجرائم بل حاولوا مرارا هدم قبة الرسول (صلى الله عليه وآله) الا انهم غيروا رأيهم بسبب حدوث ردود فعل إسلامية قوية من مختلف البلدان الإسلامية.

الجريمة كما وصفها الغربيون

يقول الرحالة السويسري لويس بورخارت والذي اعتنق الاسلام وسمى نفسه ابراهيم: (تبدو مقبرة البقيع حقيرة جدا لا تليق بقدسية الشخصيات المدفونة فيها. وقد تكون أقذر واتعس من أية مقبرة موجودة في المدن الشرقية الأخرى التي تضاهي المدينة المنورة في حجمها، فهي تخلوا من اي قبر مشيد تشييدا مناسبا، وتنتشر القبور فيها وهي أكوام غير منتظمة من التراب. يحد كل منها عدد من الأحجار الموضوعة فوقها.. ويعزي تخريب المقبرة الى الوهابيين.

ثم يصف هذا الرحالة قبورة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وقبر العباس ((عليه السلام)) وعمات النبي (صلى الله عليه وآله) بالقول (فالموقع بأجمعه عبارة عن أكوام من التراب المبعثر، وحفر عريضة ومزابل!

أما جبل أحد فيقول عنه هذا الرحالة بأنه وجد المسجد الذي شيد حول قبر حمزة وغيره من شهداء أحد مثل مصعب بن عمير وجعفر بن شماس وعبد الله بن جحش قد هدمه الوهابيون.. وعلى مسافة وجد قبور اثني عشر صحابيا من شهداء أحد (وقد خرب الوهابيون قبورهم وعبثوا بها).

القبور قبل الهدم(5)

كان البقيع قبل هدمه هكذا:

الأئمة الأربعة (عليهم السلام) في قبة، وتزار فاطمة الزهراء (عليها السلام) في بقعتهم حيث من المحتمل أنها دفنت هناك، وإن كنت أنا رأيت في المنام رسول الله (صلى الله عليه وآله) واقفاً في قبره الشريف.. وقال لي وهو يشير إلى ما بين قبره ومنبره: أن قبر فاطمة ابنتي (عليها السلام) هناك، والله العالم بحقيقة الحال.

كما يحتمل أنها (عليها السلام) دفنت في بيتها، ولعل أمير المؤمنين (عليه السلام) حمل صورة جنازة إلى عدة أماكن، كما حمل الإمام الحسن (عليه السلام) صورة جنازة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى البصرة.

ومن هنا لا بأس بزيارة الصديقة الطاهرة (عليها السلام) في البقيع، وفي المسجد، وفي بيتها وذلك لخفاء القبر الشريف، وسيظهر إن شاء الله تعالى عند ظهور ولدها الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وإن كان من المحتمل إخفاء قبرها (عليها السلام) إلى يوم القيامة ليبقى سنداً على مظلوميتها طول التاريخ.

وكان في نفس تلك القبة مدفن العباس عمّ النبي(صلى الله عليه وآله).

وكانت خارج القبة بفاصلة قليلة قبةٌ مبنية على بيت الأحزان، حيث كانت الزهراء (عليها السلام) تخرج إلى ذلك المكان وتبكي على أبيها.

وكانت تشتمل مقبرة البقيع على قباب كثيرة، مثل أزواج النبي وأولاده وبناته ومرضعته (صلى الله عليه وآله) حليمة السعدية، وكانت هناك قبة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) والدة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقبة أم البنين(عليها السلام) زوجة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وقبتها قرب قبة عمات النبي (صلى الله عليه وآله)، وكانت أيضاً قبة جابر بن عبد الله الأنصاري، وغيرهم مما هو مذكور في التاريخ.

المصدر: الموقع العالمي للدراسات الشيعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *