شهادة يهودي بعد اسلامه

عبد الله الأزرق
* في العام 1985م كنت أسكن في حي «برايتون بيتش» بنيويورك وكان الطرف الذي اقطنه اشبه بمستعمرة يهودية لكثرة ما فيه من يهود معظمهم من مهاجري اوربا الشرقية وكان بيتي قريباً من الكنيس اليهودي «السنقوق»، وفي صباح يوم أحد طرق بابي ففتحته لأجد شخصين قدما نفسيهما على أنهما بعض جيراني وأنهما يطلبان الإذن لأسمح لهما بالزيارة على غير موعد ربما لمناقشة أمر مهم. رحبت بالضيفين، فدخلا وبعد مقدمة قصيرة أنبآني انهما يسعدهما أن يدعواني لاعتناق اليهودية خاصة وأنها دين غير عنصري وأن أم موسى كانت سوداء مثلي وربما كانت زوجته أيضاً سوداء.
* كان هذا المبرر الذي ساقاه ضروري جداً للتبشير بين السود في اميركا فلا شك ان محدثيي يدركان حساسية اخواننا الاميركان الافارقة إزاء «مسألة اللون» وكانت تلك فترة خففت فيها بعض الجماعات اليهودية من شروط التهويد فاهتمت -لاعتبارات سياسية صرفة- بالمكاثرة غير آبهة بشرط «يهودية الرحم»، فاعتنق اليهودية بعض السود من أشهرهم سامي ديفيز جونير فنان الـ Tap music الشهير والممثلة وبي قولدي بيرق.
* بالطبع ليس عجباً أن يغير البشر أديانهم فذلك أمر يجري على نطاق العالم كل يوم طوعاً أو كرهاً، وتتفاوت ردود الافعال حيال ذلك بين مختلف الملل والنحل، على أن اليهود يقابلون التخلي عن دينهم كمن دهمه حادث مفجع، بل «أفجع من الموت» كما قال د. نسيم سوسة اليهودي الذي اسلم الذي نحن بصدده هنا.
* قال د. أحمد سوسة -وهذا اسمه بعد اسلامه- إن واحدة من أهم ثلاثة أحداث وقعت له وأثرت على شخصيته هي اسلام عمه «شاؤول» حينما كان نسيم صغيراً، وذلك لما رآه من حزن وأسى وقلق بين كبار أهله اليهود وهم ينفضون ويجتمعون ويرددون همساً والحسرة طاغية عليهم «إنه صار مسلماً».
* قال نسيم إن ذلك المشهد انطبع في ذهنه الصغير وجعله يتساءل لماذا كل هذا الحزن والقلق؟ وما هو الفرق بين المسلم واليهودي؟ وظل هذا التساؤل يلح عليه ويدعوه لدى بلوغه أوائل العشرينات الى اكتشاف السر الغامض فانكب على ما كتب حول تاريخ الأديان حين كان طالباً بالجامعة الأميركية ببيروت ثم بعد التحاقه بكلية الهندسة بتكساس تفرغ في الصيف لدراسة علم اللاهوت والأديان المقارنة.
* قال نسيم سوسة فصممت على إثر هذه الدراسات والمطالعات على أن «الاسلام هو دين الحق الذي يجمع بين الديانات السماوية وهي مبني على المساواة والتسامح والفطرة فاخترته عن عقيدة وإيمان»، لكنه كتم ايمانه عن عائلته اليهودية ليجنبها ما تعتقده «مصيبة ثانية» تذكرها «بمصيبتها الاولى» التي طواها الزمن حين اسلم عمه شاؤول ولم يفصح عن دينه الجديد إلا بعد ان حصل على الدكتوراة في هندسة الري.
* د. نسيم سوسة -وسندعوه فيما يلي بالاسم الذي اختاره لنفسه وهو أحمد- من مدينة الحلة بالعراق واصل اسم العائلة -سوسة- يرجع إلى قبيلة «بني سواسة» من نواحي حضرموت باليمن ثم نزحت الى شمال الجزيرة العربية ثم إلى العراق، وهو من علماء العراق الأفذاذ إذ بلغ عدد مؤلفاته الخمسين مؤلفاً في تخصصه وفي فنون شتى، على أن ما يهمنا هنا ما أدلى به من شهادات حول المسألة اليهودية والصهيونية وهو شاهد من أهله.
* وقد انكب على دراسة وتمحيص الكثير مما أفلح الصهاينة في ترويجه حتى غدا من المسلمات التي لا يتطرق إليها شك الرأي العام على نطاق العالم، فأفلح هو في تفنيده ودحضه.
أصل يهود الجزيرة العربية:-
* يقول د. أحمد سوسة إن اليهودية كدين لم تكن مقتصرة على قوم موسى وان الدين اليهودي انتشر بين مختلف الأمم والأجناس وإن ظلت محتفظة بلغاتها وظلت تعيش في أوطانها وديارها وتمارس عاداتها وتقاليدها، وأن التبشير بالدين اليهودي بدأ بعد كتابة التوراة في الأسر البابلي حتى قرر اليهود غلق باب التبشير في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، وهكذا انتشرت اليهودية في الحبشة والجزيرة العربية وبلاد القوقاز «الخزر» وبلاد المغرب وغيرها.
* وأورد د. سوسة تأكيدات اليعقوبي في تاريخه المفيدة ان القبائل اليهودية في جزيرة العرب كانوا من أصل عربي لا صلة دم تربطهم بقوم موسى في فلسطين أو غيرها، إذ يقول إن بني النضير فخذ من جذام تهودوا ونزلوا بجبل يقال له نضير فسموا به.
* وإن بني قريظة فخذ من جذام تهودوا في أيام عادياء بن السموأل ثم نزلوا بجبل يقال له قريظة فنسبوا إليه، ويؤيد ذلك ياقوت الحموي في معجمه فيقول إن بني قريظة وبني النضير كانوا من القبائل العربية التي اعتنقت اليهودية.
* ومن قبائل جزيرة العرب المتهودة التي ذكرها القاضي صاعد الاندلسي قبائل بني حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة. أوردت مصادر أخرى أن الدين اليهودي انتشر في قبائل العرب في نمير وقوم من غسان وقوم من جذام وبعض الأوس، وتقول هذه المصادر إن يهود خيبر ليسوا يهوداً من قوم موسى ولم يخضع يهود الجزيرة العربية للقوانين التلمودية ولم يرد ذكرهم في المراجع العبرية. ولوحظ أيضاً أن أكثر أسماء قبائل وبطون وأشخاص يهود الجزيرة أسماء عربية باستثناء اسم زاعورا وشعرهم يحمل الطابع العربي والفكر العربي لا يختلف في تراكيبه ونسقه عن شعر الجاهليين الوثنيين ويصعب ان تجد فيه أثراً للتوراة والتلمود، وانهم لا يختلفون في شئ عن من سواهم من العرب إلا في دينهم، فما هم إلا عرب تهودوا، هذا إضافة إلى أن يهود فلسطين كانوا يتحدثون الآرامية.
دحض إفتراءات:-
«1» يفيد سوسة أن آل سوسة كانوا من بين بطون القبائل العربية المتهودة التي حافظت على قوميتها ولغتها وعاداتها مثلها مثل نصارى نجران والمناذرة والغساسنة التي اعتنقت المسيحية ولم تبدل شيئاً من بقية عناصر عروبتها. وأن أكثر هؤلاء النصارى واليهود من قبائل العرب اسلمت فيما بعد، وحتى التي بقيت على يهوديتها بالمدينة في عهد الرسول(ص) عاملها الرسول «صلى الله عليه وسلم» كأمة من المؤمنين في «صحيفة المدينة» المشهورة والتي نصت أن اليهود مع بقية أهل المدينة «أمة واحدة» لما يجمع بيننا وبقية قبائل المدينة من جامع الرحم واللغة والأعراف والعيش المشترك.
* وذكر العلماء ان بعض الأنصار كان مسترضعاً في بني قريظة وغيرهم من اليهود وذكروا أن التزاوج بين القبائل كان شائعاً بما فيها التي تهودت، وأن بعض أهل المدينة هودوا أولادهم قبل الاسلام فلما جاء الاسلام ودخلوا فيه أرادوا اكراه أبنائهم ليردوهم عن اليهودية فنزل قوله تعالى «لا إكراه في الدين قد تبيَّن الرشد من الغي» البقرة «256».
* ويورد سوسة إنصاف عمر رضى الله عنه لليهود الذين أجلاهم عن جزيرة العرب ممن لم يكن له عهد خاص مع النبي «صلى الله عليه وسلم» أنه بعثا بن التيهان وسهل بن أبي خيثمة وزين بن ثابت فقوموا نصف التربة بقيمة عدل فدفعها إليهم وأجلاهم من بعد ذلك، وهذا يعني أنه عوضهم عن أملاكهم غير المنقولة.
«2» يدعى اليهود أن تاريخهم يرجع الى عهد ابراهيم الخليل «عليه السلام» إلى ما قبل اربعة آلاف عام قبل الميلاد وانهم هاجروا معه من العراق إلى فلسطين وكان عددهم أربعة آلاف نسمة. إلا ان سوسة يقول إن المصادر التاريخية تؤكد ان ابراهيم الخليل ظهر على مسرح الاحداث في القرن التاسع عشر قبل الميلاد وليس قبل أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، وأن المصادر تؤكد أن ظهور اليهود بالعراق لأول مرة كان بأواخر القرن الثامن وأوائل القرن السابع قبل الميلاد حين جاء بهم الآشوريون أسرى، هذا فضلاً عن أن التوراة ذاتها تؤكد بوضوح أن ابراهيم الخليل هاجر من العراق وليس معه سوى «سارة زوجه ولوط ابن أخيه» سفر التكوين 12:1، 24:4-5.
«3» في العام 597ق.م والعام 586ق.م، شن بنوخذ نصر ملك بابل الكلدانية حملة قضى فيها على دولة يهوذا وسبى يهودها إلى بابل. ويظن أكثر الباحثين أن اليهود في السبي البابلي كانوا يحيون في بؤس وتعاسة إلا أن د. سوسة يؤكد ان هذا الظن مبعثه الدعاية الصهيونية وأن أكثر المصادر التاريخية الموثوقة ومن ضمنها مصادر يهودية تفيد أن بنوخذ نصر سمح للأسرى أن يصحبوا عائلاتهم وينقلوا معهم أموالهم المنقولة ومواشيهم ووهبهم أخصب الأراضي ومنحهم أوسع الحريات في العمل وممارسة طقوسهم الدينية. وتعترف بعض المصادر اليهودية بأن اليهود في بابل أثروا لدرجة أنه لما احتل كورش الأخميني بابل في العام 539/538ق.م وسمح لهم بالرجوع إلى فلسطين لم يعد إلى فلسطين إلا نفر قليل منهم.
* وما يؤكد ما ذهب إليه سوسة أن عدة مدن في مملكة بابل اشتهرت بأكاديمياتها الفقهية اليهودية لدرجة أن أحد أجزاء التلمود وهو «جمارا بابل» دونت في بابل وجمع في العام 500 ميلادية كما يفيد ظفر الإسلام خان في كتابه «التلمود تاريخه وتعاليمه».
«4» يقول سوسة إنه لما أجليت البطون العربية المتهودة من جزيرة العرب في عهد عمر «رضي الله عنه» لم ينزح أحد منهم إلى فلسطين «لإعادة بناء الهيكل» مندفعين بحماس ديني لأنهم -على عكس ترهات التوراة ثم التلمود كما يقول د. سوسة- لم يعرفوها أصلاً. وقد دعا -من ثمَّ- اليهود العرب لعدم كفران نعم البلاد العربية عليهم واتباع ما أسماه الأساطير الصهيونية حول أن أصلهم من فلسطين وقوم موسى ولذا يجب أن يهاجروا إلى «أرض الميعاد»، وسوسة سبق جارودي في فضح الأساطير الصهيونية.
* وأخيراً يقول سوسة إنه لو كان للصهاينة حق في فلسطين فإنه يحق للعرب المطالبة بأسبانيا التي أقاموا فيها سبعة قرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *