الكوفه


الكوفة :

هي ثاني مدينة مُصُّرت في الاسلام ، ثم اصبحت من المراكز الزاهرة للعلم والحضارة الاسلامية العربية .وللكوفة تاريخ سياسي وحضاري حافل ، فمنها اتخذ الامام علي (ع) اول عاصمة عراقية للاسلام ، وفيها استشهد بعد ان زرع هو وعدد من قادة الفكر الاسلامي ، امثال عبد الله بن مسعود وكميل بن زياد النخعي ، وابي الاسود الدؤلي ، غرسات فكرية ما لبثت ان اينعت واتت ثمارها بعد ان اصبحت الكوفة وربيبتها البصرة اعظم مركزين للفكر العربي الاسلامي خلال العهد الاموي .وسناتي على ذكر بعض التفصيلات عن تاريخ هذه المدينة فنقول :

معنى كلمة الكوفة :

لو بحثنا معنى كلمة الكوفة لوجدنا ان المصادر تورد لها معان ٍعديدة ، فالبلاذري يقول : (ان المواضع المستديرة من الرمل تسمى كوفاني ، وبعضهم يسمى الارض التي فيها الحصباء مع الطين والرمل كوفة ) . وفي رواية اخرى يرى البلاذري : ان اسم الكوفة مشتق من التكوف الذي هو بمعنى الاجتماع * .
*(البلاذري ، احمد بن يحيى ، فتوح البلدان (القاهرة ، 1932) ص275 ).

ويورد ياقوت المعاني التي اوردها البلاذري لمعنى كلمة الكوفة ، ويقول عند كلامه عن كلمة كوفان : انها اسم ارض وبها سميت الكوفة ، وان كوفان والكوفة واحد . ويستشهد ياقوت بابيات من الشعر لعلي بن محمد الكوفي المعروف بالحمّاني نورد منها البيت التالي :

الا هل من سبيل الى نظرة ….. بكوفان يحيا بها الناظران *

*(الحموي ، ياقوت ،معجم البلدان ، ج7 (القاهرة ،1906) ص 294 – 295 ).

واختلف الباحثون المحدثون في اصل كلمة الكوفة ، وهل هي كلمة عربية ام انها اعجمية ؟ وكان الاستاذ يعقوب سركيس من بين من قالوا انها اعجمية . واستنتج الاستاذ المذكور بعد مناقشة للمصادر المختلفة ، بما فيها الكلدانية ، ان الكوفة محرفة عن كلمة (كوبا) الكلدانية . *
*(مباحث عراقية ، ج2 (بغداد ، 1955) ، ص 324 – 325).

اما الاستاذ ماسنيون ، فيرى ان كلمة الكوفة ترجمة لكلمة (عاقولا) بالسريانية . وتعني تلك الكلمة ( دائرة او حلقة ) في اللغة المذكورة . **
**(ماسينون ، لويس ، خطط الكوفة – ترجمة تقي المصعبي (صيدا ، 1939 ) ص 25 ).

وقد استعرض الدكتور كاظم الجنابي طائفة كبيرة من المصادر الباحثة عن اصل كلمة الكوفة كما ناقش اراء عدد كبير من الكتاب المحدثين ، وتوصل الى ان الكوفة (بلا شك اسم عربي ) . *
*(تخطيط مدينة الكوفة (بغداد ، 1967) ، ص 13- 14 ).

ويبدو ان الاراء التي ادلى بها الباحثون ممن ذكرنا هنا وممن لم نذكر حول عجمة اسم الكوفة او عروبته عرضة للمناقشة ، لان اسم الكوفة ، كما يظهر مشتق من شكل لموضعها بغض النظر عمن اطلقه على تلك البقعة العراقية . ومن الادلة على ذلك :

اولا :
ان البلاذري في احدى رواياته ، يقول : ان بعضهم يسمى الارض التي فيها الحصباء مع الطين والرمل كوفة . ولا شك ان ارض الكوفة حتى يومنا هذا تحتفظ بتلك الصفات التي ربما اتصفت بها قبل ان ينزلها السريان ومن بعدهم العرب . فاسمها والحالة هذه مشتق من سماتها الطبيعية المعروفة قبل قدوم الجماعتين المذكورتين اليها .
ثانيا : ان كلمة (الكـُب ّ) بالضم وتشديد الباء تعني الحمض باللغة العربية * . وتعني كلمة (كوبا) : كب بالسريانية ، شوكة . و (كوبا دكملا) بكاف فارسية ، عاقول وهو النبات الذي تاكله الابل **.
*(الفيروز ابادي ، القاموس المحيط ، (مادة كبه) ، ج1 ، ص 121 ).
**( سركيس ، المصدر السابق ، ج2 ، ص 325).

واذا كانت كلمة الكوفة محرفة عن كلمة (كوبا) السريانية فيظهر ان الاسم السرياني المزعوم ماخوذ من نبات ربما كان موجودا بموضع الكوفة قبل ان يطأه السريان ثم العرب من بعدهم ، يضاف الى ذلك ان ياقوت الحموي عند كلامه عن كوفان التي هي والكوفة عنده شيء واحد كما اسلفنا ، يقول :
(والكوفان الدغل من القصب والخشب …) * .
*(ياقوت ، المصدر السابق ، ج 7 ، ص 294 – 295 )
ومن المعلوم ان الحمض الذي تاكله الابل متوفر حتى يومنا هذا بين النجف وكربلاء ، وان الدغل والقصب من النباتات التي تنموا عادة على حافّات الانهار ومن بينها موضع الكوفة .

ثالثا :
ان من معاني كلمة (عاقولا ) الكلدانية : فتله ، عوجة ، لفته ، ومن معانيها بالعربية كما هو معلوم ، منعطف الوادي او النهر . ولذا يكون من المحتمل ان السريان او العرب بعدهم رأوا ذلك المنعطف حين يمر وادي الفرات بموضع الكوفة ، واطلقوا اسم المنعطف على الموضع الذي بنيت فيه الكوفة فيكون اسمها والحالة هذه مأخوذ من انعطاف الوادي المجاور لها ، ولعله اقدم تاريخا من وجود السريان والعرب في الموضع المذكور.

ونستنتج من كل ما سبق ان اسم الكوفة من النبات او الرمال المخلوطة بالحصباء والطين ، او من منعطف الوادي التي اشارت المصادر الى وجودها قبل قدوم السريان وبعدهم العرب الى موضع الكوفة .

كامل سلمان الجبوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *