الموازنة العامة المستجيبة للنوع الاجتماعي

الموازنة العامة المستجيبة للنوع الاجتماعي
تمهيد

أن تزايد الدعوات الى شفافية الموازنة , وضرورة المساءلة عن حقوق الانسان , قد غيرت الطريقة التي يتم بها إعداد الموازنة العامة للدولة .
فلم يعد إعداد الموازنة شأن خاص بوزارة المالية , بل اصبح عملية تتطلب استدعاء خطط التنمية الوطنية , واهدافها , والتزامات حقوق الانسان (الى جانب سياسات الموازنة ) بطريقة تتسم بالشفافية والاتساق .
وهذا يعني أن عملية إعداد الموازنة لم تعد تتوخى الموازنة بين النفقات والايرادات فقط , وأنما اصبحت تتوخى كذلك استغلال الموارد المتاحة بطريقة تتسم بالكفاءة والفعالية والانصاف لتلبية الاحتياجات الأساسية لعموم المواطنين , وتحقيق اهداف التنمية الأقتصادية والأجتماعية .
وهكذا اصبحت الطريقة التي يتم من خلالها اعداد ورسم الموازنة العامة للدولة , هي التي تتحكم بكيفية حصول الناس على الخدمات والموارد . كما اصبح بالأمكان , ومن خلال سياسة الموازنة العامة , الابقاء على التمييز او القضاء عليه .
ولهذا السبب فان العناصر الفاعلة في إعداد الموازنة العامة ستكون مخوَّلة بوضع حقوق الانسان في صميم السياسة المالية .
أن اعداد الموازنة العامة مع مراعاة البعد النوعي يتطلب وجود أسس عادلة لتخصيص الموارد , وبيئة بعيدة عن أية اجراءات تمييزية . كما يتطلب عدم اعتبار النساء فئة مستضعفة تعيش على ما تقدمه لها الحكومة من إعانات , بل لكونها صاحبة حق اصيل يـُلزم الحكومة بتمكينها وحمايتها .
وتقضي اتفاقية CEDAW )اتفاقية منع كافة اشكال التمييز ضد المرأة ) , بأن يكون تحصيل وانفاق الاموال العامة قائما على اساس عدم التمييز ومتسقاً مع حق المساواة بين المرأة والرجل كحق اساسي .
وهذا يعني أن المنظور النوعي للموازنة يجب أن يهتم في المقام الأول بالمزايا المباشرة المترتبة على الموازنات الحكومية والتي يمكن أن يحصل عليها ( أو يساهم فيها ) المرأة والرجل كأشخاص لهم حقوقهم .
ومن أمثلة تلك المزايا ميل المرأة للاستفادة ( بطريقة غير مباشرة) من الخدمات الصحية والتعليمية التي يستفيد منها الآباء والابناء والازواج . ولكن ذلك لا يسوَغ , بطبيعة الحال , أن يقل نصيب المرأة من الانفاق العام على الخدمات الصحية , التي تحصل عليها مباشرة , عن نصيب الرجل .
غير أن المساواة لا تعني بالضرورة تطابق المعاملة بين الرجل والمرأة , وانما تعترف CEDAW , على خلاف ذلك , بأن المعاملة غير المتطابقة ضرورية في ظل ظروف معينة , بسبب الاختلافات البايولوجية , والاختلافات التي تكرست اجتماعيا ً بين الرجل والمرأة ( الأتفاقية : التوصية العامة رقم 25 / فقرة 8 ) . واستنادا َ الى المادة 14 (ز) فان الأدوار الاجتماعية المختلفة المنوطة الآن بالرجل والمرأة تعني أنه لضمان التكافؤ في الحصول على الخدمات مثل الاسكان والمرافق الصحية والكهرباء والمياه والنقل والمواصلات , يجب تصميم الخدمات وتقديمها مع مراعاة اختلاف الاحتياجات بين الرجل والمرأة .
اتفاقية ” سيداو ” CEDAW
والتزامات الحكومات عند اعداد الموازنات العامة
تنص التوصية رقم 25 / الفقرة (6) من الأتفاقية / على ثلاثة التزامات رسمية للدولة يتعين أن تكون هي محور الجهود الرامية الى القضاء على التمييز ضد المرأة في الموازنة الحكومية , وتتوخى تلك الالتزامات ما يأتي :

الا تنطوي القوانين والسياسات ذات الصلة على اي شكل من اشكال التمييز ( مباشر او غير مباشر ) ضد المرأة , وانما تكفل الحماية ضد التمييز .

تحسين وضع المساواة الفعلية بالنسبة للمرأة ( المساواة الموضوعية ) .

أن تعمل البرامج – التي تستفيد منها المرأة , ونظم الايرادات التي تساهم فيها – على تغيير العلاقات والانماط التي تحول دون تمتع المرأة بالمساواة في جوهرها .

قيام الحكومة بالعمل على تأمين مشاركة المرأة كمواطن ايجابي فعال في اتخاذ القرارات المتعلقة بالميزانية , وتمكينها من مطالبة الحكومة بتفسير الطريقة التي يتم بها تحصيل الاموال العامة وانفاقها .
الموازنة العامة وحقوق الانسان

أن الدعوة الى احترام حقوق الانسان يمكن أن تساهم مساهمة كبيرة في تحديد اتجاهات سياسة إعداد الموازنة العامة . فالموازنة العامة هي وثيقة سياسية بالضرورة , فضلاً عن كونها احد اهم الأسس في رسم السياسة الاقتصادية .
أن الموازنة تعكس القيم السائدة في الدولة , من حيث قيمة الفئات من منظور الموازنة , وقيمة العمل الذي تؤديه كل فئة , والفئة التي تريد الموازنة أن تفيدها , ومن هم خلاف ذلك .
ولكي يكون لتلك العلاقة أثرها السياسي القوي فانه يتعين مساندتها بالأجراءات الآتية :

– اجراء تحليل تفصيلي بشأن كيفية تدبير موارد الميزانية وكيفية تخصيصها , وتحديد المستفيدين منها .

– اجراء تحليل تفصيلي بشأن ما تنطوي عليه عملية تنفيذ الحقوق من تكاليف .

– اجراء تحليل بشأن كيفية تدبير التمويل اللازم لمواجهة تلك التكاليف .
تمويل الموازنة, ورصد التخصيصات , وامكانية تحويلها الى خدمات
أن وجود التمويل , ورصد التخصيصات في الموازنة العامة , قد لا ينعكس بالضرورة في وجود خدمات ملائمة , او كافية , لعدة اسباب , اهمها ما ياتي :
أن تخصيصات الموازنة قد لا تجد طريقها دائماً الى ما يسمى بــ ” نقطة تقديم الخدمات ” , نتيجة للجمود البيروقراطي ( التأخير في الصرف ) او نتيجة لتفشي الفساد , او نتيجة للأثنين معا .

حتى لو وصل التمويل الى نقطة تقديم الخدمات , فأنه لا يوجد ضمان بأن الخدمات ستقدم بطريقة تحترم حقوق الانسان , وخصوصا حقوق الفقراء , أو تتم بطريقة تساعد على تحسين نمط حياتهم . ومستوى معيشتهم .

من الضروري تتبع الاموال من خلال تحليل نتائج البرامج ومخرجاتها , لأثبات مااذا كانت المؤسسات الحكومية تفي بالتزاماتها لدعم وترسيخ الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفقراء .

في بعض الدول يكون التباين كامناً في صميم النظام المؤسسي للإنفاق العام على الخدمات الصحية . حيث أن تخصيص الموارد ينطوي على نوع من التمييز من حيث آثاره , قياسا على المؤشر الاساسي الذي يقول أن جميع فئات السكان لهم الحق في نفس المستوى من الرعاية الصحية , بغض النظر عن المناطق التي يعيشون فيها , وبغض النظر عن النظام الذي يتيح لهم هذه الرعاية .

ينبغي أن يكون هناك التزام بإحترام حقوق الفئات الهشة من السكان , وحمايتها وتعزيزها والوفاء بها , بغض النظر عن القيود على الموارد , وأن يؤطر ذلك دستوريا وتشريعيا , ( من أجل أستدامة وانتظام تقديم رواتب الحماية الاجتماعية للمستفيدين منها في العديد من الدول , على سبيل المثال لا الحصر ) .

 

معايير اعداد الموازنة العامة النوعية

ان اهم هذه المعايير هي :

تحديد اوجه انفاق موجهة خصيصاً الى المرأة أو الرجل في المجتمع .

ضمان تكافؤ الفرص في الإنفاق الذي تقوم به الحكومة على موظفيها ( كالأنفاق على التدريب الخاص للفئات المحرومة من السكان ) .

رصد تخصيصات للأنفاق على انشطة ذات طبيعة عامة تقوم بها الاجهزة الحكومية ( كمحو الأمية , والدعم المقدم للمزارعين ) .

ضمان تمويل استراتيجية تنمية المرأة , والألتزام بذلك على المدى الطويل .

أدراج نص في قانون الموازنة يفوّض جميع الاجهزة الحكومية تجنيب نسبة من مخصصاتها لـ ” المشروعات المصممة لمعالجة قضايا المرأة ” .

يمكن ان تسمى هذه الميزانيات ( اي ميزانية الأجهزة الحكومية المشار اليها آنفا ) بــ ” ميزانية المرأة والتنمية ” , ويخصص كل جهاز حكومي 5% ( مثلا) من ميزانيته لهذا الغرض , لغرض الأنفاق على انشطة محددة ( تدريب , تمكين , إعانة للأمهات , رعاية صحية خاصة ) .
والجدير بالذكر هنا , أن اجمالي تخصيصات موازنات الاجهزة الحكومية , المكرسة للأنفاق على المشاريع المصممة لمعالجة الأحتياجات ذات الصلة بقضايا المرأة , تصل الى 6% من اجمالي الانفاق الحكومي في بعض البلدان , كما هو الحال في فلسطين خلال العام 1999 .
البرلمانيون .. وميزانية المرأة
تنطوي ” ميزانية المرأة ” على خطأ في التسمية . فالمقصود هنا ليس تصميم ميزانية منفصلة للمرأة , أو الاقتصار على تحليل ارقام التخصيصات في قانون الموازنة , وأنما ضمان ان تقوم عملية اعداد الموازنة العامة ( او تبدأ من منطلقات ) استنادا الى اسس محددة اهمها ما ياتي :
تحليل التباين بين الجنسين , وتحديد السياسات التي ينبغي على الحكومة انتهاجها ( ورسمها ) لمعالجة هذا الوضع .
النظر الى حالة السياسات والبرامج والاداء على أنها شكل من اشكال مراقبة السياسات ومراجعتها .
تزويد البرلمانيين بالبيانات والمعلومات التي تجعلهم يتفهمون بشكل افضل آثار الموازنات العامة على النوع الأجتماعي , بحيث يتمكنون من ممارسة مهام الرقابة البرلمانية بشكل أكثر فاعلية .

والمنهج المعياري المستخدم في ذلك هو تناول أطار السياسات الحكومية في كل قطاع … وعلى وفق الخطوات الآتية :
مراجعة اوضاع المرأة في القطاع المعني .
تحليل مدى ملائمة اطار السياسات العامة , بقدر تعلق الأمر بهذا القطاع .
بحث مدى ما يعكسه تخصيص الموارد من التزام جاد بأهداف السياسات .
بحث مدى الاستفادة الفعلية من الموارد ( مثل عدد الذكور والاناث من السكان الذين استفادوا من هذه الموارد ) .. وما هي تكلفة تلك الاستفادة .
تقييم الاثار طويلة المدى على الذكور والاناث من السكان .. وتحديد مدى التحسن الذي طرأ على حياتهم .
وتعد قطاعات التعليم والصحة والزراعة , من أهم القطاعات ذات الصلة بقياس مدى فاعلية السياسات الحكومية , بقدر تعلق الأمر بتحسين وضع المرأة من خلال الأنفاق على هذه القطاعات .
تحليل برامج مكافحة الفقر , ومعرفة النسبة المخصصة للنساء .من اجمالي الأنفاق على هذه البرامج .
تمكين المرأة من المشاركة في أعداد الموازنة العامة ( من خلال تفعيل دورها في المجالس المحلية , او تبوؤها لمناصب قيادية , او عضويتها في البرلمان ) .

تغيير اسلوب وسياسات الحكومات في اعداد الموازنة العامة بهدف تعزيز المساواة بين الجنسين
أن من الصعب , عادة , تحقيق هذا الهدف , لأن الموازنة العامة تعكس أولويات الحكومات , واهتماماتها الأساسية , وأن وضع حد للتمييز ضد المرأة , وتمكينها من اداء دورها , لا يأتي بالضرورة على رأس قائمة تلك الاولويات , حتى وان كانت تلك الحكومة او الدولة قد صادقت على اتفاقية CEDAW .
أن إعداد موازنة عامة تتماشى مع مبدأ المساواة بين الجنسين وتدعم عملية النهوض بالمرأة , تعني عادة تغييراً في الاولويات , وفي اغلب الأحيان , سنجد ان هناك قوى اجتماعية وسياسية , لها ثقلها الخاص , تعارض هذا الاتجاه .
لقد ثبت بالتجربة العملية صعوبة الانتقال من التحليلات ( التي يجريها المجتمع المدني وتجريها البرلمانات ) الى العمل الفعلي الذي يجب ان تقوم به الحكومات . ولو اثبت تحليل ومراجعة السياسات الحكومية , أن بعض جوانب الموازنة العامة تنطوي على انتهاك لاتفاقية CEDAW لأضاف ذلك قوى مناوئة جديدة , للنهج الذي يعتمد على دعم رسم موازنات عامة مستجيبة للنوع الأجتماعي .
تحديد طبيعة النفقات والأيرادات العامة
ضمن الموازنات المستجيبة للنوع الأجتماعي

النفقات

يمكن تصميم هذه النفقات بحيث تنطوي على :

تمويل البرامج المساندة للمرأة ( رصد التخصيصات اللازمة للأنفاق على هذه البرامج ) .
تخصيص الأموال تحت بند ” المكون النسائي” بهدف الأنفاق على برامج تنمية المشاريع المتناهية الصغر من أجل الفقراء بشكل عام , على ان يخصص 30% منه للمرأة حصرا . كما يمكن رصد تخصيصات للأنفاق على برامج تعمل على تقديم المساعدات لبناء منازل للفقراء , وتعطى الاولوية فيه للأرامل , والنساء غير المتزوجات .
ورغم اهمية هذه البرامج في تحسين وضع المرأة في المدى القصير , الا انها ستبقى برامج تساهم في مساعدة المرأة على القيام بأدوارها التقليدية فقط , وليس برامج تسهم في بناء سياسات تعمل على تشجيع قيام المرأة بأدوار جديدة تساعد في تغيير الاوضاع القائمة .

الأيرادات :

يمكن رسم السياسة الأيرادية بحيث تتم مراعاة ما يأتي :

اعادة النظر بالسياسة الضريبية , بهدف رسم سياسات غير ضارة بالمرأة بشكل مباشر او غير مباشر .
مراعاة آليات انتقال عبء الضريبة , بحيث لا تكون المرأة هي التي تتحمل هذا العبء في نهاية المطاف .
عدم اقتصار تقديم الاقرار الضريبي على الرجل وحده .
تحليل واحتساب عائد العمل داخل المنزل (عمل النساء بدون اجر مدفوع) .
الاعفاء الضريبي على السلع الضرورية للنساء ( اسقاط ضريبة القيمة المضافة على المنتجات الصحية للنساء. وكمثال على اهمية مثل هذه الأعفاءات , فقد رصدت بعض الدراسات ان كثيرا من الفتيات الفقيرات لا يذهبن الى المدارس اثناء الدورة الشهرية لارتفاع سعر الفوط الصحية ) .
تخفيف او الغاء العبء الضريبي على السلع ذات الصلة بالصحة الانجابية , وسلع رعاية الاطفال .
مراعاة تأثير فرض الضريبة على السلع التي لها تأثير على استخدام الوقت , وتحديد وقت الفراغ ( مثل استخدام الكهرباء في المطبخ , وغسالات الاطباق والمكانس وغسالات الملابس ) .
وضع سياسة لفرض الرسوم المدرسية في الدول الفقيرة , بحيث تمنع منح الاولوية للبنين , دون البنات , في التعليم .
بناء سياسات جديدة لفرض رسوم الانتفاع من الخدمات الصحية ذات الأثر المباشر وغير المباشر على النساء .
تحديد رسوم تفضيلية عند سداد اجور الماء والكهرباء للعوائل الفقيرة ( وضع اسعار تفضيلية للوحدات المجهزة لهذه العوائل ) .
تعزيز دور المرأة في عملية اتخاذ القرارات الخاصة بالموازنة العامة للدولة
أن رصد فاعلية المرأة والرجل في اتخاذ القرارات المهمة بشأن الموازنة تتوقف , او تعتمد , على العديد من العوامل , لعل من اهمها ما يأتي :
المناصب التي تشغلها المراة داخل الحكومة أو البرلمان .
تعزيز دور المرأة من خلال اشراك المجتمع المدني في اعداد الموازنات ( المشاركة المدنية في الموازنات الحكومية , او ما يسمى بــ ” الميزانية التشاركية ” ) .
الموازنة العامة المستجيبة للنوع الأجتماعي
( استعراض حالة )
النموذج المصري
أن تضمين الموازنة العامة لاعتبارات النوع الاجتماعي في السياسة الاقتصادية من شأنه أن يحسن من عملية تخصيص الموارد للمرأة . كما أن احتياجات الافراد رجالاً ونساءً سوف يتم تمويلها عن طريق تضمينها في الموازنة العامة للدولة , كما سبقت الأشارة الى ذلك في سياق هذه الورقة .
وقد قامت مصر بتنفيذ مشروع رائد في هذا المجال وهو : ادماج مفهوم الموازنات القائمة على تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الجنسين , سواء في عملية اعداد الموازنات , أو في المراحل الخاصة بمراجعتها وتنفيذها .
وقد مر هذا المشروع بعدة مراحل بدءاً من نوفمبر / تشرين الثاني 2006 , حتى وصل الى إعداد أول دليل مرجعي من نوعه على مستوى الشرق الاوسط . . ويمثل هذا الدليل اداة متطورة لاعداد موازنة برامج مستجيبة للنوع الاجتماعي , بما تتضمنه من موضوعات تغطي كافة الجوانب التي من شأنها ادماج النوع الاجتماعي في مسار التنمية .
ويتضح من خلال دراسة التجربة المصرية بهذا الصدد , انه عندما لا تأخذ الاصلاحات الاقتصادية اعتبارات النوع الاجتماعي في الحسبان , فان تاثيراتها الاجتماعية تضعف , ويكون لها تأثيرات سلبية غير متوقعة وغير مخططة .
وينظر الى تخطيط النوع في مصر , على انه الاداة الاولى لتحقيق ادماج النوع الاجتماعي ، وهو التخطيط الذي يضع في اعتباره التباين في الادوار والاحتياجات والقضايا والاهتمامات لدى الرجال والنساء . ويوفر تخطيط النوع اطارا ً علميا ً ومنطقيا ً جديدا ً لوضع وتطوير السياسات والبرامج والمشروعات .
وتعتبر الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي هي الاداة الثانية لتحقيق ادماج النوع الاجتماعي ، فلا يمكن ان يتحقق ادماج النوع , او ان يحظى بالاستدامة , اذا لم يتم تخصيص الموارد البشرية والمالية والمادية الكافية لتنفيذه .
فالموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي تهدف الى ادماج النوع الاجتماعي في مسار الموازنة العامة للدولة كخطوة اولى , وفي مجمل سياسات الاقتصاد الكلي , في مرحلة لاحقة .
وهذه الموازنات ليست موازنات مستقلة , خاصة بالمرأة ( كما اسلفنا ) ، ولكنها موازنات عامة تم تخطيطها والموافقة عليها وتنفيذها ومتابعتها وتقييمها من منظور النوع الاجتماعي .
وكما تنص عليه الأدبيات ذات الصلة بهذا الموضوع فان التكامل والترابط بين السياسات والتخطيط ووضع الموازنة هو عنصراساسي للحصول على برامج الانفاق التي يتم اشتقاقها من اولويات السياسة ، ويتم ترتيبها انطلاقا من طبيعة وواقع العملية التي يتم بموجبها اعداد الموازنة العامة للدولة .
وعلى هذا الأساس يمكن للموازنة العامة ان توفر فرصة ممتازة للحكم على مدى استجابة سياسة الحكومة للنوع الاجتماعي .
ولأن الموازنة ليست هدفا ً في حد ذاتها ، فان اول مهمة عند اعداد الموازنة يجب ان تكون تحديد السياسات والاهداف التي تسعى الموازنة الى تحقيقها . فالموازنة يجب ان تأتي بعد السياسة وليس العكس ، فإذا ما كان هناك خلل في السياسات .. فأن الموازنة لا يمكن ان تكون فعالة .
وقد اخذت بعض المؤسسات المصرية على عاتقها مهمة العمل على وفق الأعتبارات انفة الذكر عند اعداد الموازنة العامة المصرية . ومن اهمها المجلس القومي للمرأة (وفيه امانة عامة للتخطيط) , وايضا ما يسمى بوحدة تكافؤ الفرص , ومشروع تكافؤ الفرص للمرأة في الموازنة العامة للدولة .

مراحل اعداد الموازنة العامة المستجيبة لأحتياجات المرأة والرجل
في التجربة المصرية

تحديد الاهداف :
كسب التأييد للموازنات المستجيبة لاحتياجات المرأة والرجل والطفل والطفلة .
تفعيل وحشد الدعم السياسي والمالي للأيفاء بخطط النهوض بالمرأة في مؤسسات الدولة المختلفة , بما يتضمنه ذلك من رسم واعداد وتنفيذ برامج وسياسات التنمية , والستراتيجيات والمشروعات المرتبطة بها .
انجاز تغييرات محددة في السياسات التي يمكن من خلالها تحقيق مكاسب محددة وملموسة للمشاركين بهذه العملية .
التأثير في عملية اتخاذ القرارات الخاصة بالموازنة :
ان الموازنات العامة هي الاساس في اتخاذ القرارات داخل الحكومة ، لأنه من خلال الموازنة يتم تنفيذ اهداف السياسات العامة المتفق عليها بين مختلف الأطراف . وهذا يعطي صورة واضحة لأولويات الدولة الاقتصادية والاجتماعية , ويحدد امكانات التحرك ضمن هذه الأولويات .
ان العمل في تحليل الموازنات المستجيبة للنوع الأجتماعي يجب ان يدخل ضمن اختصاص وزارة المالية واللجان المختصة بمراجعة الموازنة في البرلمان .
لذا فان هناك مجازفة كبيرة في تناول الموضوعات ذات الصلة بهذه الموازنات عن طريق وحدات متخصصة خارج المجرى الرئيسي لعملية اتخاذ القرار , بحيث تصبح هذه العملية غير فعالة , بل انها قد تؤدي الى عكس النتائج المتوخاة منها . ومن هنا يمكن ان تتحول هذه العملية , المهمة والحساسة بطبيعتها , الى مجرد نشاط من انشطة العلاقات العامة فقط , وليس لها اية علاقة بجهة الاختصاص .
ان عملية اعداد موازنات موجهة نحو نتائج محددة تعني الا يكون تركيز الموازنة على المدخلات فقط ، بل يكون التركيز على المخرجات كذلك . وقد يكون التركيز على المدخلات فقط غير مجد ٍ لاصلاح المساواة النوعية ، اذا كانت المعوقات , في جوهرها , هي نتاج طبيعي لثقافة المجتمع , وليست نتاجا لنقص الموارد .
ان التزام الدولة بمبدأ المساواة وعدم التمييز يخلق الحاجة الى نظام لمتابعة الانفاق العام لقياس مدى مطابقة القرارات والسياسات الوطنية , وخاصة فيما يتصل بتجسيد الموازنة العامة للمباديء الموضوعة .
الحاجة الى تأكيد ان تحظى قضايا النوع الاجتماعي باهتمام سياسي قوي ، من خلال ادراجها ضمن البرنامج الانتخابي الرئاسي , وبخطط واستراتيجيات التنمية الوطنية , وبعمليات وسياسات اعداد وتنفيذ الموازنة العامة للدولة .
ان البرلمان هو المسرح المهيأ اكثر من سواه للحرص على موائمة الموازنة مع الحاجات الملحة للبلد ، مع مراعاة حجم ونوع الموارد المتاحة. والبرلمانات هي اكثر الهيئات قدرة على اداء هذا الدور.

خطوات وآليات تحقيق المساواة بين الجنسين من خلال الموازنة العامة
التعرف على الفجوات في توزيع الموارد العامة .
تحديد الاولويات في توزيع الموارد العامة .
تخصيص الموارد العامة بحيث تلبي الأحتياجات الملحة للناس .
اعطاء اهتمام خاص لحالة المرأة الاكثر حرمانا ً.
تحقيق الانصاف والعدالة في تخصيص الموارد العامة , عنداستخدامها لمختلف الأغراض , أو توزيعها على جميع الفئات والشرائح .

قنوات واساليب التاثير على مراكز صنع القرار ذات الصلة باعداد وتنفيذ الموازنة العامة

يمكن للمرأة ان تمارس دورا هاما في الدعوة لتبني مشروع الموازنة العامة المستجيبة للنوع الأجتماعي , والتأثير على صناع القرار المعنيين بهذا الموضوع , مع مراعاة ما يأتي :
مع ان وجود عدد اكبر من النساء في مواقع اتخاذ القرارات الاقتصادية لا يضمن بناء ورسم سياسات موازنات اكثر استجابة للنوع الاجتماعي بالضرورة , الا ان هناك ادلة قوية على ان اولويات النساء وخبراتهم واهتماماتهم سيكون لها تأثير حاسم في عملية اتخاذ القرارات ذات الصلة .
من الضروري ان تجري المفاوضات حول هذه الموضوعات , مع الاشخاص المناسبين , وفي الوقت المناسب .
ضرورة التعاون الوثيق بين وزارة شؤون المرأة ومنظمات المجتمع المدني . فالاولى لديها أطلاع على اولويات العملية السياسية , والثانية لديها القدرة على الدعم والتاثير .
يجب ان يتم اختيار الحلفاء الاستراتيجيون بحيث يكونوا من الاشخاص المتشابهين في نمط التفكير , وفي السلوكيات والقناعات , ما امكن ذلك .
ان احتمالات تغيير سياسات الموازنة تزداد اذا كانت التوصيات والمقترحات والرؤى ذات الصلة تركز على اولويات محددة وتعطي بدائل واقعية .

المصادر التي تم الأعتماد عليها في اعداد هذه الورقة :
دايان إيلسون . أعداد الموازنة مع مراعاة حقوق المرأة : مراقبة الميزانيات الحكومية للتأكد من مسايرتها لأتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المراة ( المعروفة بأسم سيداو ) . صندوق الأمم المتحدة الأنمائي للمرأة UNIFEM / 2010 .
الموازنة العامة المستجيبة للنوع الأجتماعي في مصر : قراءة تحليلية لأسهام عدد من الوزارات / جمهورية مصر العربية / وزارة المالية / وحدة تكافؤ الفرص / القاهرة 2010 .
تطوير المبادرة المصرية للموازنة العامة المستجيبة للنوع الأجتماعي . جمهورية مصر العربية / وزارة المالية / وحدة تكافؤ الفرص / القاهرة 2010 .
المبادرة المصرية للموازنة المستجيبة للنوع : اين نحن الآن ؟ وماذا بعد ؟ . جمهورية مصر العربية / وزارة المالية / وحدة تكافؤ الفرص / القاهرة 2010 .
تحليل الموازنة المستجيبة للنوع : ( دليل عملي ) . جمهورية مصر العربية / وزارة المالية / وحدة تكافؤ الفرص / القاهرة 2010 .
الدعوة للموازنات المستجيبة للنوع الأجتماعي : نحو تكافؤ الفرص للمرأة في الموازنة العامة للدولة . (الحقيبة المعرفية الأولى ) . جمهورية مصر العربية / وزارة المالية / وحدة تكافؤ الفرص / القاهرة 2010 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *