الأهوار العراقية

الأهوار العراقية مليون طائر من 300 نوع تصل سنويا وتعيش في 50 مستوطنة

الدكتور جمال حسين

  الطيور في الأهوار، حس ّ مفاجئ ، والالفة الخالدة بين السماء والأمواج ، العمقان يسبران انسيابية الأجنحة، المثيل بالأثر وبالريش المنفوش المتنوع الألوان والمباهج والوقار ، وطيور الأهوار أعلى درجات سلم الإغراء ولا يمكن الحديث عن قطعة الجنة هذه دون استلهام زهو والمناقير وإفصاح سرب حطّ بهندسة لا مثيل لها على أهرام البردي ومناشير القصب.
أي بهاء يمكنه إعانة الوصف الذي لا تدانيه مفردة وتتصلب في مرآه العبارات أمام لوحات غير متوقعة تبزغ في أي لحظة تشكيلها الطيور والسماء والغابات الخضراء والصفراء والورود والسواقي وإطلالة الأمواج المتغيرة الألوان والحركات المتتالية مع الأجنحة المطوية برقة وتلك المشمرة عن جمالها ، وارفة أعناقها محدثة بكبرياء ، صادحة بشعورها الطبيعي أنها في منزلها وبيتها وبيئتها وعالمها كاسية الأفق بالبريق الناطق والشدو الفائض الاتقاد ونغمة الطيور المختلفة الأجناس حين ترن بتوال غرائبي واتفاق من خلط جنحها ببصرها وذوائبها بهاماتها وعرفها بذيول زغبها المنتشي بالسنابل.
مضيئة عيونها مستحثة الموجودات في مؤازرة فرحها الأخضر وغنجها الأبيض وإطلالتها الزرقاء ونغمات اصطفاق أقدامها بالموجة الأولى السارحة ببهلوان الأسماك وزبد تحليقها المتبدد ، صعودا وهبوطا فوق الماء وعلى مقربة منه مكسوة ريشاتها بأوان مضفور بالقدر الكامل من النسمات التي إن اختلطت بالشمس تخلف ذاك التميز المصبوب عند صدور الطيور المرقطة بألوان جماعية أو ثنائية ، ممسكة ببعضها أو سارحة بلونين صافيين كزمرد لائذ بعروقها النفيسة.
الطيور خميلة الهور ووجدانه : تغني حين تتود وتصدح حين تغضب وتنفر أصواتها بحدة حين تثور وتتلعثم ما ان تخاف وتئن حين يداهمها الألم وتصفر حين تهرب محذرة السرب او أخواتها وإن يضنيها التجول في السماء تتشابك أظافرها على قصبة منتصبة أو بردي غليظ لتميل رقبتها برشاقة لتهبط عينها في إغفاءة، صامتة ، هانئة ملبية مآرب الأرجوان اليانع في حلم الطيور.
الطيور زنابق الهور ونغمته الجياشة : بلمعانها ومعيار غديرها يرصعها فرح العودة إلى الماء وتنكل بها قرارات المجالس المحلية ومراكز البيطرة الفقيرة وشؤون الصحة وشجون الوقاية وبيانات القمم الإنسانية مبطئة أجنحتها الرقراقة مذابة أغانيها على الأمواج الحديثة ، تاركة بأذيالها البجعة المريضة واللقلق المعدي والنورس المزكوم.
يعيش في الأهوار دائما أ وضيفا أو حائما طارئا أ وكاسرا وجارحا وظلا ثقيلا اكثر من 300 نوع من الطيور يعتقد بعض الخبراء أن 250 نوعا منها عادت تعيش في الأهوار الآن، بعدد يصل في مواسم الهجرة إلى مليوني طير من مختلف هذه الأنواع تعيش في أكثر من 50 مستوطنة في الأهوار وحدها ، وهدد التجفيف أكثر من 60 نوعا من الطيور المحلية والمهاجرة بالانقراض وتناقص عدد الطيور ليصل حاليا إلى نحو نصف مليون طير أثر على سوق الطيور في المنطقة الذي كان يبيع يوميا أكثر من ألفي كيلو غرام من الطيور ليرتضي الآن بنحو مائة أو أكثر من الكيلوات.

شجرة الطيور
هناك طيور محلية لا تبتعد كثيرا عن الأهوار وتعيش لتموت فيها التي تصل إلى الأهوار من غابات سيبيريا وبحر الأورال وآسيا الوسطى والبحر الأسود وتركيا وإيران والصين والبلدان الاسكندنافية عابرة آلاف الأميال 70% من الطيور التي تقطن هناك في الفترة من ديسمبر إلى فبراير سنويا ومنها من يصل في فبراير ليبقى حتى نهاية أبريل حين تبدأ درجة الحرارة بالارتفاع في الهور كالكراكي وغيرها يقبلون مع الشتاء الاوروبي كفخامة البجع الذي أهدى تشيكوفسكي له أزخر النوتات فيما يصنع الأهواريون من جلد رقبته الطبول مغيرين اسمه الرومانسي إلى (نعيج الماي) (المتخصصون العراقيون يعتبرونه عراقيا يصيـّف في روسيا وليس روسيا يشتي في العراق مستندين على أن أماكن ولادته دائما تكون في العراق)، والنوارس والعنادل وطيور الزاغ والبط الصيني الذي يصل وزنه إلى 15 كلغ ويبيض في كل موسم 7 بيضات وثمنه غال قياسا لأنواع البط الأخرى وبنت الشيخ والغاق والمنتشي بلحيته الحمراء التي تشبه حقيبة جلدية مدلاة في رقبته والكوشره والكشمة والدبش والنقوط والسرنده والصيومي والخطاف (السنونو) الذي يعتبر التعدي عليها حسب عقائد الأهواريين محرما ووصل الأمر أن بينهم من يسميه ( العلوية ) لأن من يتعرض له أو يؤذيه ناهيك عن صيده ، يواجه متاعب فورية لأنه (يشوّر) به حسب التعبير الدارج، لذلك يشاهد السنون ويطير بارتفاعات واطئة ويبني عشه حتى فوق الأكواخ وبالقرب من الناس المرعوبين من لمسه والغريب أنه واثق بأن أحدا منهم لن يقترب إليه.
هناك الدويحات ودويج الرز والطيور الحرة ذات المناقير العريضة التي يصل وزنها إلى 7 كلغ والوز الأبيض والمالح أما الاوروبي فتطلي صدره ريش أحمر، وهذا النوع يتعامل معه الناس برومانسية فلا يؤذونه ولا يذبحونه ويتركونه يعيش في السواقي والأنهر ومداخل الأهوار الكبيرة وهو يرتاح إلى هذه المعاملة الحسنة فلا يخاف ان وضع بيوضه ورعايتها حتى التفقيس بمرأى من الناس والأطفال الذين يعتنون بها أكثر في هذه الفترة، والوز بطبعه مسالما ، فبنيت علاقة متبادلة الرقة قل نظيرها.
واللقالق التي يتعدى طولها المتر والنصف متر يسميها المحليون ( درويش علي ) ولم يسعفنا أحد بمعرفة سر هذه التسمية وثمة زرازير وبلابل وطيهوج لا يشبه الدجاج المحلي كثيرا لكنه من فصيلته والطائر المخوض الذي يعتبر الهور موطنه الأصلي إضافة إلى أربعة أماكن أخرى في العالم فقط.
وهناك طيور تصل إلى الأهوار من أفريقيا وجنوب شرق آسيا مثل البجع الأفريقي والزركي وتمتاز بمناقيرها الطويلة الحادة لكنها صفراء وليست وردية كالبجع العراقي ـ الروسي، ويتمنع أهالي الأهوار من صيدها لكون لحمها غير لذيذ ومنها كاللقالق ما يعدون صيده محرم شرعا ، شرح لنا عجاج آل غريج بأنهم يرون بجع كبير دائما يقود السرب الهائل وكلهم يتبعونه وحين يصلون إلى الأهوار يقومون بعدة حركات متناسقة وجميلة كتحية أو تعبير عن فرحة الوصول إلى المنطقة بعد عناء الرحلة، يؤكد عجاج بأن السرب طوال بقائه في الأهوار يبقى تحت أمرة هذا الكبير، يفسر علماء الطيور قدرة الأعداد الكبيرة من الطيور على الطيران بنسق واحد متسق ومن دون الوقوع بأخطاء وعدم إثبات حالة واحدة تاه فيها سرب أو ضيع مساره باستثمارها موقع الشمس والنجوم والجبال والأنهار في توجيه مسارها بشكل ذاتي لوجود بوصلة مغناطيسية تمتلكها الطيور المهاجرة في شبكية عينيها تساعدها في توجيه مساراتها في الاتجاهات الأربعة المطلوبة بمعونة بروتين خاص بحاسة الضوء الأزرق والموجود في الشبكية، ويبد وأن سر تركيز الصيادين على صيدها في الليل يكمن في حاسة الضوء الأزرق هذه الذي ينعدم تقريبا في العتمة، أما الكبير الذي يتقدم السرب، فهو ذلك الطائر الأقدم في قبيلة الطيور وأكثر واحد فيهم زار المنطقة ذهابا وإيابا.
والخضيري يأتي من قلب آسيا يعد ( سيد الطيور ) لأنه أغلى الطيور التي يتم اصطياده لغرض الأكل والمعروف بتسريحة ريشه الأخضر المنسدل على رقبته وصدره، وذلك الطوق الأبيض الجميل الذي يزين رقبته ويمتاز بالذكاء ولا يقع فريسة الشباك وحبائل الصيادين بسهولة ، فعلاوة على جماله الأخاذ ينعم بالصبر وحدة الذكاء وإحساس (أمني) عال، مدركا حيل المصائد فلا يهم بالتقاط البذور التي يضعها الصيادون لغرض الانقضاض عليه فيتحمل الجوع لفترة طويلة حتى يتأكد من أمان المكان، وهو مثل الكثير من الطيور يحزن جدا لغاية الموت من الضيم حين يقع في المصائد، لذلك يسارع الصيادون في ذبحه ووضعه في قواربهم المزودة بقوالب الثلج التي تضمن المحافظة على نظارته لغاية العودة والوصول إلى السوق فيما بعد.

أنواع البط
ويزخر الهور بأنواع البط منها البط الوحشي والبش والحر والبرهان والحذاف ودجاج الماء والزركي والكرسوع وصقير السمك والمطاكة والدراج والرخيوي المرغوب للحمه الذي يحبه المحليون لذلك يتفننون في صيده بنصب شباك خاصة له في الليل وبطرق خادعة لكونهم يفهمون طباعه وأماكن تواجده في الليل، يمتاز برقبته الطويلة وساقيه الضعيفتين الممتدتين واللتين يغوصهما في الماء لينتظر تناول طعامه بهدوء من الأسماك والأحياء الصغيرة التي لا تنتبه إلى وجوده وسط الماء مثل انتباهه ومراقبته لها.
وللأهواريين فهم منسجم مع تسمية مالك الحزين ويعتقدون أن مجاميعه تختار أحدهم ليناوب على حراستهم ويفسرون السر في وقوفه على ساق واحدة فيما يلوي الأخرى على الواقفة، كطريقة تنبيه ذاتية يختبر فيها تيقظه أ ونعاسه المباغت مما يودي بحياة السرب ويعرضه للخطر، ويضيفون سببا مميتا لتماسكه طوال الليل واقفا على ساق واحدة ، كما لو نسي ساقه الأخرى خلفه ، وهو أن مالك الحزين لو تهاون أو غفا وسقط أو هوى في الماء، ستجتمع عليه كل الطيور في الهور وتلتهمه بانقضاض خرافي وبلحظة لن يبقى من جسده شيء.
ويعرف أهل الهور طيور الكار وبوزلة والغطاس الماهر البريزجي الذي يتوارى في عمق الماء حين يشعر بالخطر ، وما أن يزول ينطلق من جوف الماء نحو السماء بسرعة فائقة في منظر لا يمكن أن يقرره وينفذه أي كائن حي في الوجود، والبربشة وبوسهم والمسكة والهليجي والسميجي المعروف برصده للأسماك الصغيرة من على ارتفاع وحينما يرصد ثلة منها يقف مرفرفا جناحيه كالمروحية ، وبعدها ينقض بسرعة فائقة غاطسا في الماء ولا يخرج إلا وبسمكة تلبط في منقاره.

الكواسر والجوارح
وهذه الطيور مهابة جدا في الأهوار ويعتبر صيدها غنيمة ثمينة ، وهناك محترفون يجاهدون طوال الموسم ويخططون وينصبون الكمائن من أجل الظفر بصقر أصيل او شاهين او باشق او بواحد من العقبان التي تطارد سرب زرازير ، ويتميز العقاب بأنه يفترس الطيور ويلتهمها في الفضاء، ويتخوفون جدا حين يصيدون طائر الحوم فهو ليس بالنسر وليس بالصقر وبجناحين واسعين كطرف خيمة ويتغذى على دجاج الماء والجثث لذلك لا يحبونه ويتشاءمون منه أكثر من الغراب الذي يكثر في المنطقة بنوعيه الأبقع والأسود ، بينما أكد حجي نزار أنه يوجد غربان بيض في الهور ونسور سود.
وطير البرهان يلجأ إلى الأهوار في موسم وضع البيض ورعايته حتى تفقيسه.
ولم يشاهد احد من العائدين للأهوار طير جارح آخر، كثيف الريش وقوي البنية يسمونه محليا ( أخت مسعود ) وبنفس الندرة أيضا لم يلمح أي منهم فصائل النسور التي كان طيرانها في المنطقة مألوفا.

صيادون
قبل وصول الطيور المهاجرة التي تعتبر الأغلى والأطيب مذاقا ، وقبل ثلاثة أشهر من موسم الصيد (ديسمبر ولغاية أبريل) يتهيأ الصيادون المحترفون وحراس ( البرك ) ويعدون كل خططهم الماكرة وأساليبهم الذكية للتغلب على عيون الطيور الحاذقة وإحساسهم الغريزي الفائق بالخطر وثعالب الصيادين.
يعدون الشباك الخاصة وهذه تختلف عن الشباك التي يصطادون بها الأسماك لأنها تمتاز بخيوطها القوية والمرتبطة بحلقات تدور حول بعضها مرتبطة بحبل طويل يصل إلى (المختال) وهي بقعة في الماء تعد سلفا لكي يختبئ بها الصياد بعد أن ينزل شباكه في الماء التي يغطيها على الأمواج ببذور تجذب الطيور التي ما أن تحط حتى يجذب المختبئ في المختال الحبل ليطوقها بشكل لا تستطيع الإفلات منه.

مراقبة
كان الخبراء المعنيون بشؤون الطيور المهاجرة قلقين للغاية على مصير الأنواع النادرة من الطيور التي كانت تنتقل إلى الأهوار العراقية في غضون الحرب العراقية ـ الإيرانية ولاسيما بعد استخدم أسلحة بيولوجية وكيميائية في المنطقة المحاذية للأهوار وخاصة في هور الحويزة وشبه جزيرة مجنون التي يصل إليها الكثير من أنواع الطيور المهاجرة.
وفي ضوء هذا القلق، أقامت بعثة علمية في شمال الكويت عام 1989 وانحصرت مهمتها في مراقبة ودراسة هجرة الطيور النادرة من وإلى الأهوار، وتوصلت أبحاثها إلى حصول تلوث كبير في تلك المنطقة، إلا ان ذلك لم يمنع ارتباط الطيور النادرة ببيئتها الأولى.
سجل العلماء الذين كانوا ينتمون إلى محميات الطيور النادرة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا انطباعاتهم العلمية ودهشتهم من اللوحات الساحرة التي كانت الطيور تشكلها في السماء وهي ذاهبة إلى الأهوار وعائدة منه ، وأكدوا في تقاريرهم وقتذاك على ضرورة اعتبار الأهوار محمية طبيعية وضرورة صيانتها كواحدة من أهم المسطحات المائية في العالم التي تجتمع فيها أنواع وأعداد كبيرة من الطيور النادرة.
لكن هذه التقارير احترقت فيما احترقت المنطقة كلها بعد عام واحد من رحيل هذه البعثة العلمية النادرة كالطيور التي أحبوها.

فيروس الأجواء
الجدل دائر ليس على المرض، بل على طرق انتقال العدوى، ولأن ما يهمنا الآن الطيور المهاجرة التي ستبدأ بالوصول قريبا إلى الأهوار، فان مخاطر انتقال العدوى في المواقع التي تمضي فيها الطيور فصل الشتاء تبدو متدنية برأي فريق من الخبراء، فيما يرى الآخر أن الطيور المصابة قد تلتقي مع الطيور السليمة في هذا الفصل إما في حلها وإما في ترحالها.
وحلـّها إذا كان الهور فهي ستقطن فيه وستترك فضلاتها على مياهه وتعد الأجواء فيه غير مثالية لترعرع الطيور المريضة لأن الفيروس في سيبيريا ينشط في درجات الحرارة الواطئة كما أنه لا يهوى الملوحة وماء الأهوار هذه الأيام ليست بتلك العذوبة القديمة.
ويبدو أن الأهوار تخرج من مشكلة لتدخل في أخرى، ففرص التقاء الطيور المهاجرة فيها في الفترة المقبلة شبه مؤكدة وخاصة الآتية من آسيا والصين واوروبا وأفريقيا وتركيا ، واعتاد البجع وأنواع كثيرة من البط والنوارس سلوك طريق اوروبا الشرق مرورا بالأهوار وبما أن هذا الفيروس موجود بين طيور اوروبا بنسب عالية فأن مقدمه في إقليمنا مسألة وقت وكذلك الحال بالنسبة للطيور التي ستصل من الصين.
إن خطر أنفلونزا الطيور يكمن في هجرة الطيور وليس في منع استيراد الطيور المذبوحة او منع حاملي مرض معدي عبور الحدود فهذه المخلوقات لا تنتظر الحصول على تأشيرة من أحد وإذا سلم بلد ما من فيروساتها وهي قادمة فلن يسلم منها بالضرورة في طريق عودتها.

المهاجرة والداجنة
ان الأهوار وحدها تستقبل سابقا 300 نوع من الطيور فيما يتوقع أن تستضيف هذا العام أكثر من 260 نوعا ، والمنطقة من عـُمان مرورا بالإمارات والبحرين والكويت تستقبل أكثر من ألف نوع بدرجات وأماكن مختلفة ، وابتداء من جزيرة (بر الحكمان) العمانية لغاية جزائر الأهوار لم تبن هذه الدول محمية واحدة خاصة بالطيور ولعلها لم تفكر بالأمر ، فالمحميات معابر معروفة لمسارات الطيور المهاجرة وأماكن تكاثرها وحياتها المؤقتة وفي هذه المحميات يمكن للدول السيطرة وفرض إجراءات وقائية حقيقية وبعدم وجودها تتيه بلداننا وتجد نفسها بلا حول تحت رحمة فيروس طائر في الأجواء ليس له حدود جغرافية ولا سياسية ولا توجد قوة في الكون يمكنها السيطرة عليه.
وإذا كانت طيور القوقاز ومنغوليا وكازاخستان وطاجيكستان وروسيا واوروبا الوسطى والشرقية وتركيا مصابة بالفيروس ، واكتشاف الفيروس بحقل دواجن في خبات الكردية الواقعة في أربيل واكتشاف الفيروس في بحيرة ( جنة الطيور ) في تركيا التي تأتي منها طيور الأهوار، يعني زيادة نسبة وصول الطيور المصابة إلى الأهوار، عندئذ فليأت موظف في دائرة صحة البصرة او العمارة وليقل لأهل الأهوار : لا تصيدوا الطيور فنحن منعنا الصيد من سبتمبر لغاية أبريل والمخالف ستتخذ بحقه الإجراءات القانونية وفق المادة 89 من قانون الصحة العامة!
minjamalhs@yahoo.com

الغريد البصراوي والثرثار العراقي
ثمة نوعان من الطيور لا يعيشان في أي بقعة من الأرض عدا الأهوار وهما طائر القصب ويسمونه الغريد البصراوي الذي يصعب صيده لأنه يضع مخالبه في رقبته وينتحر ما إن يشعر بقرب صيده أو خطر ما يهدد حريته ! والثرثار العراقي والبعيجي (البعيعي) والبيوضي والغطاس وأبو ملعقه والزيطة والعويدي والجهلول وصكير الفار وأنواع الحمام والفاختة وعصافير الشوك والمراعي والهزار والبوم والططوة الصغيرة الحجم ذات الصوت الذي تنفرد به كالجمال الذي لا يتكرر الذي يطبع طائر الغرنوك الذي يوظفه أهل الهور حين يتبارون في وصف فتاة جميلة متفوقا حتى على أناقة الهدهد المعروف في المنطقة، ولدى واحد من أهم الذين كتبوا عن الطيور في التراث الإنساني في الكتاب الذي لن يتكرر (منطق الطير) لفريد الدين العطار حين اعتذرت البطة للهدهد الذي طلبها هجر الماء : (إن مولدي ووجودي متعلقان بالماء وإن اغتم قلبي في هذا العالم، فسرعان ما اغتسل من هموم القلب، حيث الماء متوفر لديّ على الدوام) ، فأجابها الهدهد :(إن الماء يحيط بروحك كما تحيط بها النار، فكم يطيب لك النوم على الماء! ولكن ستأتي قطرة ماء وتسلبك ماء حياتك ، لقد وجد الماء من أجل الوجوه الدنسة) ، قالت البطة: (إن من يعيش معتمدا على الماء لا يستطيع أن ينفض يده منه ومن لا يستطع نفض يده من الماء سيجاهد من أجل كسر السدود العملاقة).

مخاطر انفلونزا الطيور
في ذروة فرح الأهواريين باقتراب موسم هجرة الطيور بدأت المؤسسات المحلية بإطلاق تحذيراتها وإبداء مخاوفها من الذي طالما اعتبروه الخير الذي يهبط عليهم من السماء والذي سيكون له شأن هذا العام : الطيور المهاجرة من بلدان فيروس الانفلونزا.
البيطريون في العراق على أعلى درجة من الحرفية وخاصة أولئك العاملين في الريف وعند البلدات المتناثرة قرب الأهوار، لكنهم غير متخصصين في التطور الخطير الذي يشغل العالم الآن فيما يصيب الطيور بالزكام ويلحق الموت بالبشر ، لأسباب كثيرة أن هذا المرض ليس لديه تراث في مسلسل الأمراض العراقية ولأنهم ابتعدوا لمدة طويلة عن التطورات العلمية والطبية التي حصلت في العالم ولم يروا أو يطلعوا على التقنيات والأجهزة والوسائل الحديثة في العلوم المختلفة التي تدرس الحيوانات والطيور.
لم يتفق الخبراء حتى الآن ـ بقدر علاقة الموضوع بالأهوار ـ حول إمكانية حمل الطيور المهاجرة الفيروس أم استبعاد حملها إياه.
وكإجراء طبيعي شكلت فرق متابعة في دوائر الصحة الحيوانية في المحافظات الجنوبية الثلاث التي ستتواجد قريبا في أهوارها الطيور المهاجرة، اطلاعنا على عمل فرق العمل هذه ، ولد لدينا الانطباع بأن طريقة عملها لا يمكن أن تحقق الأغراض المرجوة، فمثلا يقولون إنهم يجرون الفحوصات المستمرة على الطيور الآتية من شرق وأوروبا ، وهذا من الناحية العملية غير ممكن ، فأسراب الطيور المهاجرة تصل بملايين الطيور، فأي إمكانية لدى دائرة صحة لا تملك أي وسيلة لفحص هذا العدد الهائل من الطيور، ومسألة اخرى ان هذه الفرق تقول انها جابت الأهوار وحذرت الناس من اصطياد أو تناول تلك الطيور.
أي طيور ! هل الصيادون في الهور يعرفون الطيور التي تحمل الفيروس وهي في السماء لكي يكفوا عن اصطيادها ؟ هؤلاء الناس يعيشون سوية مع الحيوانات وتمر أسابيع لا يغتسلون فيها ولا يوجد لديهم ماء نقي طوال حياتهم ويمشون حفاة ويطبخون من مياه الأنهر المليئة بكل ملوثات وبكتريات الكون، فكيف تقنعهم بأن لا تصيدوا هذا الطير ولا تأكلوه لأنه يعاني من الأنفلونزا ويحمل فيروس H5N1 ويمعنون أكثر بالمثالية حين يوعدون بتلقيح أهل الأهوار ضد هذا المرض ؟! ولو حسبنا عدد الأمراض التي يعاني منها أهل الأهوار لما انتهينا منها ولم يلقحهم أو يعالجهم أحد.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>