النعيمي الذي أنعم الله عليه بالشهادة

    مواقف عربية خالدة في سفر البسالة والمروءة والشرف

 

     

      النعيمي الذي أنعم الله عليه بالشهادة

     

       

         

          كاظم فنجان الحمامي

         

           

            تكررت هذه الأيام مزاعم الفئات الباغية التي مارست ضدنا أبشع أساليب القتل العشوائي بالعبوات الناسفة والسيارات المفخخة, تارة بذريعة الجهاد وتارة بذريعة المقاومة, فسقط الناس بالآلاف في الأسواق والمساجد والكنائس والمدارس, وأُزهقت الأرواح البريئة ظلما وعدوانا باسم المقاومة المزعومة, وشتان بين مواقف الشجاعة والبسالة والمروءة والجود بالنفس والتضحية والإيثار, وبين مواقف الغدر والجبن والإجرام والخسة والنذالة والنزعات الحيوانية الطائشة واستباحة دماء الناس. .

           

            فالمقاومة التي سنقرأ هنا بعض صفحاتها المشرقة المدونة في سفر أجدادنا وآبائنا, تمنحنا حصانة أخلاقية عالية, وتعطينا شحنات وطنية صادقة, وتوفر لنا فرصة الاطلاع على أروع فصول الذود عن حياض الوطن, والدفاع كرامة شعبه الصابر المضطهد. .

           

            كان المجاهد حسين بن حسن النعيمي شجاعاً مقداماً باسلاً حازماً, كريماً كثير السخاء, وكان يعد من الرجال الأفذاذ الذين وقفوا في عين الردى, وتحدوا الطغاة والبغاة وجها لوجها, وغرسوا أسنة رماحهم في أحشاء الباطل, فانتصروا عليه وأردوه صريعاً, ثم نالوا الشهادة بصدور مفتوحة وجباه مرفوعة لا تعرف الذل ولا التراجع ولا التخاذل. .

           

             

              الحجاز – سوريا – العراق

             

              نشأ (النعيمي) وترعرع في ربوع قبيلة علوية هاشمية قرشية, كانت تقطن في قرية بدوية من قرى الجزيرة العربية تنتمي اليوم إلى دولة الإمارات العربية المتحدة, التحق في عنفوان شبابه بطلائع الجيش العثماني, وتدرج في الخدمة العسكرية في صنف المخابرة اللاسلكية حتى صار ضابطاً مجنداً, فاشترك بثورة الحجاز, وشهد معاركها ومواجهاتها العنيفة, ثم تسرح من الخدمة ليرافق الأمير فيصل بن الشريف الحسين بن عون في رحلته إلى الشام, فاستقر معه هناك, وتزوج فتاة سورية من أسرة حلبية نبيلة, لكنه شد الرحال ثانية مع الملك فيصل فترك الشام متوجهاً نحو العراق, وشهد مراسيم

             

              تتويجه ملكاً على عرش العراق. .

             

              أنيطت بالنعيمي مسؤولية الإشراف على تشغيل وإدارة محطة كهرباء سدة الهندية, فعقد العزم على الاستقرار في ضواحي مدينة (بابل) العريقة, وعلى وجه التحديد في مدينة (الهندية) في بيت جميل على شاطئ نهر الفرات, وحملت له الأنباء السارة في الثالث والعشرين من يوليو (تموز) عام 1923 ولادة نجله (عبد الغفور), الذي سنأتي على ذكره في مقالة أخرى منفصلة, نتحدث فيها عن إسهاماته الريادية باعتباره المدير الوطني لأول حاسبة الكترونية في العراق. .

             

               

                الثأر لكرامة عمال العراق

               

                شاءت الأقدار أن يكون المهندس البريطاني (الميجر ستيرن), ممثلا لوزارة الري ومشرفا عاما على التحكم ببوابات ناظم سدة الهندية, وكثيراً ما كانت تتقاطع توجهاته الاستعلائية مع التوجهات العربية الإنسانية, التي آمن بها السيد حسين النعيمي, فلم ينسجم معه, ولم يكن يتحمل نزقه وغطرسته وتعاليه على المواطنين, فاعترض النعيمي على تلك الممارسات التعسفية المرفوضة, التي تمادى فيها (ستيرن), وكان من الطبيعي أن تتنافر مواقفهما, وتنشب بينهما الخلافات الحادة. .

               

                أما القشة التي قصمت ظهر البعير البريطاني, فجاءت في اليوم الذي ارتكب فيه (ستيرن) أكبر حماقاته, عندما أقدم على طرد العمال العراقيين, وفصلهم من العمل, وعندما قرر حرمانهم من استحقاقاتهم المالية, وكان معظمهم من الفقراء المسحوقين, فهرعوا إلى دار (سيد حسين النعيمي), يستنجدون به, ويستنهضونه لاسترجاع أجورهم وحقوقهم المسلوبة, فتعاطف معهم النعيمي وتوجه على الفور صوب مكتب (ستيرن), وأمره بتصحيح أخطائه القبيحة, وتعديل قراراته الارتجالية المزاجية, التي ارتكبها ضد أبناء هذا البلد, فسخر منه (ستيرن), وأبدى رفضه وتعنته, فتفجرت أعصاب (النعيمي), وغضب

               

                غضباً شديداً, وطلب من (ستيرن) أن يعود إلى رشده, ويكون عادلا منصفاً في تعامله مع أبناء العراق, فلم يستجب (ستيرن), ولم يرضخ لصوت الحق, عندها قرر النعيمي أن يضع حداً لعذابات العمال العراقيين, فعاد إلى منزله,وطلب من زوجته أن تناوله مسدسه الشخصي, فوضعت له السلاح في منشفة قطنية, وسلمته له من دون أن تسأله. .

               

                دخل النعيمي مكتب (ستيرن) وطلب منه الوقوف للدفاع عن نفسه, ومواجهة الموت على طريقة الفرسان والنبلاء, فليس الغدر من طباع العرب الأقحاح, ولا من عاداتهم, فكان نزالا عادلا سقط فيه (ستيرن) مضرجا بدمه, وخر صريعاً بطلقة واحدة اخترقت رأسه وأردته قتيلا في الحال بتاريخ 31 من آذار (مارس) 1931, فتحرر العاملون في (سدة الهندية) من بطش هذا الرجل الشرير وظلمه لهم, بينما سار (النعيمي) بخطوات ثابتة صوب مركز الشرطة ليسلم نفسه, ويسلمهم السلاح الذي صرع به (ستيرن), فحققوا معه تحقيقاً سطحياً عاجلا, وأودعوه سجن (الحلة), وصدر ضده الحكم الابتدائي بالإشغال الشاقة

               

                المؤبدة. .

               

                ونُشر الخبر في السابع والعشرين من حزيران (يونيو) 1931 على صفحات جريدة العالم العربي بعددها 2223. .

               

                 

                   

                    الصعود إلى العلياء

                   

                    سمعت زوجة (ستيرن) بقرار المحكمة, فغادرت بريطانيا متوجهة إلى بغداد, وما أن وصلت العراق حتى أعلنت عن رغبتها بفتح ملف القضية من جديد, فتعاطف معها العملاء, وتلقت الدعم والتأييد من أعضاء السفارة البريطانية بعدما علموا بمقتل والدها في الهند, ومقتل زوجها في العراق, فطالبتهم بإنزال أقصى العقوبات, فأعيدت المحكمة الصورية, وجاء الحكم سريعاً بالإعدام شنقاً حتى الموت. .

                   

                    ونُشر الخبر في الثامن والعشرين من تموز (يوليو) 1931 على صفحات جريدة العالم العربي بعدد 2261. .

                   

                    ظل (النعيمي) متمسكاً بصلابته, محتفظا برباط جأشه, لم يهتز, ولم يقلق, ولم يندم, ولم يعتذر, فعاد إلى زنزانته في السجن المركزي لمدينة (الحلة), وطلب من صديقه (محمود) زيارته في السجن. .

                   

                    تجدر الإشارة أن السيد (محمود) هو خال الأستاذ (هادي خماس العزاوي), وكان يعمل حلاقاً في مدينة (الحلة). اتضح فيما بعد أن (النعيمي) طلب من صديقه (محمود) قبل تنفيذ حكم الإعدام بأسبوع أن يجلب له المخللات و(الطرشي) مع الطعام, بيد أن زوجته لاحظت أنه يعيد إليها أطباق الطعام من دون أن يتناول منها شيئاً, بل كان يكتفي بشرب الخل استعدادا لمواجهة الموت بمعدة فارغة, وتجنبا لحالة لا إرادية قد تحدث للإنسان عند إعدامه فتخرج منه فضلات الطعام. .

                   

                    يذكر حفيده (علاء الدين) أن جده قام أثناء مكوثه في السجن بحياكة حقيبة مدرسية من خيوط الحرير أهداها إلى نجله (عبد الغفور)., نقش عليها الراية العربية, ورسم تحتها فتى يرتدي البزة العسكرية, ويؤدي التحية للراية العربية الخفاقة.

                   

                    وهكذا نفذ الطغاة حكمهم الجائر بهذا الفارس العربي الشهم, فانتفض الناس في ذلك اليوم المشئوم, ورفعوا جثمان الشهيد البطل فوق رؤوسهم, متوعدين بالانتقام من القتلة والجزارين, فاحتشدوا في مظاهرات عفوية عارمة منددين بقوى البغي والعدوان, ثم قاموا بتغسيل جثمان الشهيد وتكفينه والصلاة عليه, وواروا جسده الطاهر على شاطئ الفرات في مقبرة (بنات الحسن), لكنهم نقلوا رفاته إلى رابية عالية بعد انهيار ضفاف النهر, وكتبوا على قبره: (هذا شهيد العروبة والوطن السيد حسين بن السيد حسن النعيمي). .

                   

                    كان قبره مزارا ورمزاً لأحرار العراق, زاره أحفاده عام 1972, لكنهم اكتشفوا في الثمانينات أن محافظة (بابل) قررت إزالة قبور الرابية العالية, واستعمال تربتها في بناء السداد المقاومة للفيضانات الكاسحة, وكأن (النعيمي) أختار أن يضحي بجسده ثانية من أجل حماية أرض العراق بعدما ضحى بحياته من أجل أبناء العراق, وهذا هو ديدن الأبطال والشهداء في التضحية والفداء حتى بعد استشهادهم, فاختفى القبر وظل اسم (النعيمي) محفوظاً في عليين مع الشهداء والصديقين. .

                  اترك تعليقاً

                  لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *