حوار هادئ في الإعجاز العددي

المهندس / عبدالدائم الكحيل

باحث الإعجازات فى القرآن الكريم 

 

حوار هادئ في الإعجاز العددي

 

أسئلة كثيرة تردنا حول الإعجاز العددي :

ما مدى صحة الأرقام الواردة فيه؟ فائدة هذا العلم؟

هل هو مجرد تكلّف وتلفيق؟ كيف نعد الكلمات والحروف؟

…. فيما يلي إجابات شافية إن شاء الله….

منذ أن غادرنا رشاد خليفة مقتولاً في مكتبه في الولايات المتحدة الأمريكية

قبل أكثر من عشرين عاماً، والأسئلة حول موضوع الإعجاز العددي مستمرة

ولا تكاد تجد من يجيب عنها إجابة شافية.

فقد رحل رشاد ولكنه خلَّف وراءه حملاً ثقيلاً، لم يرغب أحد بحمله!

هذا الحمل هو مجموعة ضخمة من الأسئلة،

ففي كل يوم تردني تساؤلات حول هذا العلم أي علم الإعجاز العددي،

 

وهل تصح تسميته علماً؟

وهل نحن بحاجة لمثل هذا النوع من العلوم في هذا الوقت بالذات؟

بل هل القرآن بحاجة لهذه الأرقام لإثبات أنه كتاب الله تعالى؟

ولماذا نجد الأرقام التي يقدمها الباحثون في هذا العلم مختلفة

عن الأعداد التي نقوم بإحصائها؟

 

الحقيقة يا إخوتي،

هذه أسئلة تحتاج الوقت الطويل للرد عليها بشكل علمي محكم،

ولكننا من خلال هذه الصفحات

سوف نحاول إعطاء فكرة عن الإعجاز العددي،

ولا نرغم أحداً أن يقتنع بهذه الأفكار،

بل ينبغي على كل مؤمن يدعي أنه يحب كتاب الله تعالى،

أن يدقق ويمحّص ويبحث عن الحقيقة

وينظر إلى هذه الحقائق بعين الإنصاف والعدل،

ولا يتأثر بما يطرحه بعض العلماء

من أن هذا العلم لا أساس له أو لا فائدة منه.

نعم نحن نحترم علماءنا ونجلّهم ونقدرهم فهم الذين اختارهم الله

لحمل الأمانة، أمانة الدعوة إلى الله تعالى، فجزأهم الله خير الجزاء،

 

ولكن: ما هي المشكلة إذا اختلفنا في بعض المسائل؟!

فكل واحد من المسلمين لديه وجهة نظر،

والمهم أن يكون مخلصاً لله في تفكيره وعقيدته،

 

ونبدأ بهذا السؤال:هل صحيح أن الإعجاز العددي لا فائدة منه؟

يقول بعض علمائنا –وللأسف- إن الإعجاز العددي لا فائدة منه!

ولا أدري من أين جاؤوا بهذا الكلام وما هو البرهان العلمي على ذلك!!

ومما يؤسف له بالفعل

أن معظم العلماء الذين قالوا بعدم فائدة الإعجاز العددي

أو أنه يصرف المؤمن عن جوهر القرآن،

أو أن الإعجاز العددي بدعة بهائية!

أو أن القرآن ليس بحاجة للغة الأرقام….

إنما اعتمدوا بشكل كامل على “انحرافات” وأخطاء رشاد خليفة،

 

فقال أحدهم:

“لو كان في هذا العلم فائدة لانتفع به أول من ابتدعه”

ويقصد رشاد خليفة.

 

وأود أن أهمس عبارة أتمنى أن تصل إلى قلوب علمائنا قبل عقولهم :

هل أطلعكم الله على كل علوم كتابه؟

كيف علمتم أن القرآن لا يحوي معجزة عددية؟

وهل يجوز لمؤمن يدعي أنه يحب القرآن أن يقرر ما يحتاجه القرآن

وما لا يحتاجه؟

وماذا لو ثبُت يقيناً في المستقبل أن القرآن معجز من الناحية العددية،

ماذا سيكون مصير هذه الآراء وهذه الدعوات للابتعاد عن الإعجاز العددي؟

إن المنطق العلمي والقرآني يفرض على كل من يدّعي

أن الإعجاز العددي لا فائدة منه أن يأتي بالبرهان على صدق ادعائه،

 

يقول تعالى :

 

{ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }

[ البقرة : 111 ]

 

فهل جرَّبتم أسلوب الدعوة بالإعجاز العددي

ثم أثبت هذا الأسلوب عدم جدواه؟

ولذلك نقول: ينبغي على علمائنا أن يشجعوا أي فكرة جديدة

تتعلق بكتاب الله تعالى، وألا يقفوا موقف المعارض من أي جديد،

كذلك أن يطلقوا حرية البحث في عجائب القرآن التي لا تنقضي

ومعجزاته التي لا تنتهي.

فالغرب الملحد أطلق حرية البحث في الكون ووصلوا إلى نتائج مبهرة،

ويكفي أننا نتبع الغرب في كل شيء تقريباً،

ونستورد كل شيء تقريباً من الإبرة وحتى السيارة،

وأسوأ ما في الأمر أننا نعتمد في أبحاث الإعجاز العلمي على النتائج

التي وصل إليها علماء الغرب أيضاً،

أي أننا لنزداد إيماناً بالقرآن نحتاج لجهود الغرب ونظرياته واكتشافاته!!

إن هذه المشكلة يحس بها كل مسلم،

 

وتأتيني مئات الأسئلة ملخصها :

إذا كان القرآن قد ذكر كل هذه الحقائق العلمية

 

لماذا لا تكتشفونها أنتم أيها العلماء المسلمون؟

وللأسف لا توجد إجابة عن مثل هذا السؤال

سوى أننا قصرنا كثيراً في حق العلم وحق القرآن.

 

والسؤال: هل ننتظر الغرب حتى يكشف لنا البناء العددي في القرآن؟

هل ننتظر الغرب حتى يدرس القرآن ويستخرج عجائبه ومعجزاته؟

 

أيها الأحبة!

أذكر مرة أن أحد الطلاب سأل شيخه عن الحروف المقطعة في أوائل السور

مثل (الم) وغيرها، فأجابه الشيخ بأن العلماء القدامى

لم يصلوا إلى تفسير وقالوا (الله أعلم بمراده)

ونحن ينبغي أن نقف عند هذا الحد لأنهم أعلم منا بكتاب الله!!!

 

انظروا إلى هذا جواب الشيخ،

كم أغلق من عقول كان من الممكن أن تبحث

وتستخرج أسرار هذه الحروف،

 

هل تعلمون أيها الأحبة

أن الشيخ الذي ينهى الناس عن دراسة الإعجاز العددي

ويحذر من عواقبه الخطيرة،

هل تعلمون أن مثل هذه الدعوة إنما هي بمثابة دعوة لإغلاق العقول

والتوقف عن البحث في كتاب الله تعالى!

 

إن الحُجّة التي يسوقها بعض العلماء هي أنهم يقولون :

لا نريد لأي واحد أن يعبث بتفسير القرآن واستنباط أحكام غير صحيحة

لكي لا يكثر المتقوِّلون بغير علم، فيسيئوا للإسلام،

والإسلام اليوم لديه أعباء تكفيه!

 

وإنني لأعجب :

ما هي المشكلة إذا استجاب جميع البشر جاهلهم

وعالمهم لدعوة القرآن { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ }؟

ما هي المشكلة إذا تدبرنا القرآن كل حسب فهمه وحسب قدرته،

وهنا يأتي دور علمائنا في تصحيح الانحرافات والأخطاء بالحكمة،

وليس بإبعاد الناس عن كتاب الله!

ولذلك فإنني أعتبر أن العالم الذي ينهى الناس عن التفكر في القرآن

إنما يصرف الناس عن القرآن، لأن القرآن لم ينزل للعلماء فقط ليتدبروه،

بل نزل لكل واحد منا مهما كان مستوى ثقافته أو اختصاصه.

 

ما هي الفوائد التي نتوقعها من دراسة الإعجاز العددي؟

من أهم الفوائد لدراسة القرآن من الناحية الرقمية دراسة صحيحة

طبعاً أن نثبت للمشككين أن كل حرف في القرآن هو من عند الله تعالى،

وما أحوجنا في مثل هذا العصر

لبراهين تقنع أولئك الذين ينتقدون الإسلام بأن هذا الدين هو دين العلم.

كذلك من الفوائد أن نثبت لأولئك الذين يستخفون بالقرآن

ويقولون إنه من تأليف بشر وإنهم قد أتوا بمثله!!

أن نثبت لهم استحالة الإتيان بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة منه.

لأن لغة الأرقام هي لغة الإقناع ليس فيها شك أو ارتياب.

فنحن عندما نقدم هذه الحقائق الرقمية التي تثبت أن حروف القرآن

وكلماته منظمة بنظام محكم،

 

ونقول لهم هل تستطيعون

أن تأتوا بكتاب تتوافر فيه مثل هذه التناسقات العددية المحكمة؟

عندها سوف يظهر عجزهم، وقد يعيدون حساباتهم،

وسوف يعترفون ولو في قراره أنفسهم

أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون كلام بشر.

 

فائدة أخرى

وهي أن نتعمق في أسرار تكرار القصة ذاتها في القرآن في سور متعددة؟

طبعاً هناك نظام رقمي محكم لتكرار القصة القرآنية،

لماذا تتكرر آيات محددة مثل

 

{ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }

[ الرحمن : 13 ] ،

 

تكررت في سورة الرحمن 31 مرة، فلماذا؟

طبعاً هناك نظام عددي محكم لأرقام الآيات.

 

ولماذا تتكرر كلمات محددة في القرآن؟ ولماذا ….

كل هذه التساؤلات يجيب عنها الإعجاز العددي

لأنه علم يبحث في أسرار تكرار الكلمات والحروف وترتيب السور والآيات.

 

من الفوائد العظيمة لدراسة الإعجاز العددي

أن الحقائق العددية في القرآن غير قابلة للتغيير أو التبديل،

على عكس النظريات العلمية المستخدمة في الإعجاز العلمي

والتي من الممكن

أن تتطور حسب القدرات العلمية والتكنولوجيا المتوافرة في كل عصر،

ولذلك فإن الإعجاز العددي أكثر بلاغة وتأثيراً

وبخاصة أننا نعيش عصر التكنولوجيا الرقمية.

 

ومن الفوائد لهذا العلم

أنه سهل الترجمة وسهل الفهم من قبل كل البشر،

على اختلاف ألسنتهم ومعتقداتهم.

أي أن أسلوب الدعوة إلى الله بالإعجاز العددي

فيما لو تم توظيفه بشكل محكم

سيكون له أكبر الأثر في إقناع غير المسلمين بصدق رسالة الإسلام.

وقد جرَّبتُ ذلك مع بعض الملحدين فوجدتُ أن الملحد يرتبك ويندهش كثيراً

عندما يُفاجأ بحقيقة رقمية دامغة لا يستطيع الرد عليها أو إنكارها.

 

انتقادات وردّ

يرى بعض العلماء أن الباحثين في الإعجاز العددي

إنما “يلفّقون” أبحاثهم ليوهموا الناس بصدق نتائجهم،

وأن هذه الأبحاث ما هي إلا ليّ لأعناق النصوص القرآنية

وتحمل ما لا تحتمله من التأويل.

ولذلك فإن هذه الأبحاث تفقد مصداقيتها وينبغي الحذر منها،

 

فما هي حقيقة الأمر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *