عماد عبد اللطيف سالم سلوك الدولة الريعية فـي العراق. . من اقتصاد السلام إلى اقتصاد الحرب 1980 ـ 1990 «1 ـ 2»

عماد عبد اللطيف سالم
سلوك الدولة الريعية فـي العراق. . من اقتصاد السلام إلى اقتصاد الحرب 1980 ـ 1990 «1 ـ 2»

منذ ارتفاع أسعار النفط في نهاية عام 1973، لم يعد الاقتصاد العراقي اقتصاد أداء، وكفاية، وتنمية. لقد غادر الاقتصاد هذه المقاربات، وتحول إلى اقتصاد ذي صلة بالسلوك السياسي للسلطة. وعندما كانت العائدات النفطية تزداد، كان السلوك الريعي يميل إلى تحقيق إنجازات، تبدو كبيرة وجيدة، بالمنظور الاقتصادي التقليدي. أما عندما تنخفض هذه العائدات، فإن نوعاً من (الرشادة الاقتصادية)، وشيئاً من الإصلاح الاقتصادي، سيطبعان (الأداء السلطوي) بطابعه الخاص، ويجعله أقرب إلى العقلانية الاقتصادية، مقارنة بحالة انفلات الإنفاق العام في المرحلة السابقة.

هل يعني هذا أن الأداء الاقتصادي كان يخلو من خطط للتنمية القومية، من مؤشرات اقتصادية كلية إيجابية، من طفرة في الخدمات العامة، كماً ونوعاً، من تطور حقيقي في مجالات عدة؟ الإجابة ستكون: كلا، بالطبع. ولكن هذا كله لم يكن (كما يحدث، الآن، أيضاً) نتاجاً لرؤية اقتصادية بعيدة الأمد، ولا سلوكاً مؤسسياً يتصف بالاستمرارية والاستدامة؛ بقدر ما هو نتاج لـ (لحظة مؤاتية تأريخية)، أو لمناسبة تتيح لسلوك السلطة السياسية أن يكون بنّاءً، عندما تكون تحت تصرفه ثروة هائلة؛ وفائض اقتصادي فعلي، يتصرف به على هواه، ولوحده، في نهاية المطاف.

لهذا، ومع أول انحسار في عوائد النفط، تتبخر الإنجازات كلها، وتصبح الأولويات (سلطوية)، وليست (دولتية)، ويتم الإمساك، بحزم، بما تبقى من الريع، وتنخفض مناسيب تمريره إلى الآخرين، وبالذات إلى الأنشطة الفردية والخاصة، لتبدأ عملية انتكاسية خطيرة على المستويات كافة، ومن ثم، تتدهور مؤشرات الاقتصاد الكلي كلها.

ومنذ تموز 1958، بدأ الاقتصاد العراقي يتخبط في (بازار) السلطة السياسية، مع كل ما يعنيه ذلك من صخب، وفوضى، وتآكل للموجودات الوطنية، وانعدام للتراكم الرأسمالي، وتبديد للفائض الاقتصادي الفعلي والاحتمالي. وبطبيعة الحال، لم تكن هذه السلوكيات السلطوية تجاه الاقتصاد خصيصة ملازمة لـ (سلطة البعث) وحدها، بل هي طبعت الأداء الاقتصادي في العراق، بطابعها المرتبك والملتبس والتبديدي، المتسم بانعدام الأفق، منذ عام 1958، وإلى هذه اللحظة، مع اختلاف في الدرجة، وفي طبيعة الظروف، والفرص، والتحديات، والاشتراطات، الداخلية والخارجية، التي تجد السلطة السياسية أنها تقف بمواجهتها، في المراحل التأريخية المختلفة.

يمكن تجسيد الحقائق المعروضة، في هذه الخلاصة، عبر تحليل حركة المتغيرات الاقتصادية الكلية، وعلى النحو الآتي:

• باعتماد الأسعار الثابتة لعام 1980، ازداد الناتج المحلي الإجمالي، من 6599.4 مليون دينار في عام 1970، إلى 15918.2 مليون دينار في عام 1980. أما الناتج غير النفطي فازداد من 1846.8 مليون دينار، إلى 6323.8 مليون دينار للعامين المذكورين، على التوالي.

• خلال هذه المدة، 1970 ـ 1980، نما الاقتصاد العراقي بمعدل سنوي قدره 9.2% للناتج الكلي، و13.1% للناتج غير النفطي. وهذا يعني تكريس الاعتماد على النفط، لأن إنفاق المورد النفطي يخلق طلباً كلياً، لا يتناسب وقدرة القطاعات المحلية على الإنتاج، كما أن توفير مصدر سهل للعملة الأجنبية، وبسعر صرف منخفض، سيعزز الاعتماد على الاستيرادات، ويقوض قدرة المنتجات المحلية على المنافسة، حتى مع وجود حماية كمية في بعض المجالات.

• مع تراجع العائدات النفطية بفعل العوامل والظروف المرتبطة بالحرب العراقية الإيرانية، تراجع الناتج المحلي الإجمالي، من 15918.2 مليون دينار عام 1980، إلى 10135.3 مليون دينار عام 1985.

• انخفضت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، من 1202 دينار عام 1980، إلى 701 دينار في عام 1985.

• عند مقارنة مؤشرات عام 1980 بعام 1990، يلاحظ انخفاض الناتج الكلي، بمعدل سنوي مركب قدره 1.4%. وكانت محصلة ذلك هبوط حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، من 1202 دينار عام 1980، إلى 775 دينار عام 1990.

• أدى تراجع القوة الشرائية للمورد النفطي، بعد عام 1980، إلى تزايد الصعوبات التي واجهتها القطاعات الإنتاجية تدريجياً. وبذلك، انخفضت معدلات نموها إلى 0.6% سنويا، خلال المدة 1980 ـ 1985.

• بلغ العراق ذروةَ الرفاه في عام 1980، عندما أصبح متوسط الناتج للفرد 1206 دينار، أي بما يعادل 3980 دولار من دولارات ذلك العام، باستعمال القوة الشرائية الثابتة استناداً إلى الأرقام القياسية لوحدة الاستيرادات في العراق. وقد وضع ذلك الاقتصادَ العراقي ضمن الشريحة العليا في البلدان متوسطة الدخل، قبل أن تقضي الحرب العراقية ـ الإيرانية على هذا الإنجاز، وتهبط بمتوسط حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 618 دينار فقط في عام 1989، أي إلى نصف ما كانت عليه عام 1980.

• ارتفع معدل التضخم، من 100%، كأساس لعام 1980، إلى ما يقرب من 378% في عام 1990. وتصاعد عرض النقد في الاقتصاد، من 2650.8 مليون دينار عام 1980، إلى ما يقرب من 11868.2 مليون دينار عام 1989. ويعكس ذلك قصور العرض الكلي المقترن بسيولة محلية مفرطة. وقد اشتركت في تغذية هذه السيولة معدلات مرتفعه للإنفاق، العام والخاص على حد سواء.

• ارتفعت نسبة الإنفاق الاستهلاكي الحكومي إلى الإنفاق الاستهلاكي النهائي، من 52.3% في عام 1980، إلى 78.8 % في عام 1990، وسجّل إجمالي الإنفاق النهائي، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن الدخل القومي، أعلى مستوياته في عام 1982، إذ قُدِّر بـ 97.3% و126.4%، على التوالي، في حين أنه لم ينخفض عن أدنى حد له، وهو 44.8% من الناتج المحلي الإجمالي و48.7 % من الدخل القومي، طيلة عقد الثمانينيات.

• بما أن العائدات النفطية هي التي تمول الاستثمارات، أدى هبوط قيمتها، من 7610.1 مليون دينار في عام 1980، إلى 2202.7 مليون دينار عام 1986 (مقارنة بالصادرات غير النفطية، الهزيلة، التي انخفضت، بدورها، من 145.3 مليون دينار، إلى 96.5 مليون دينار، للعامين المذكورين)، إلى تراجع كبير في معدلات نمو الاستثمار الإجمالي في الاقتصاد العراقي، التي سجلت معدل نمو سالب، بلغ 7.2% للمدة 1980 ـ 1990.

• تراجعت الإيرادات العامة، ضمن الموازنة العامة للدولة، من 11972.2 مليون دينار في عام 1980، إلى 84911.1 مليون دينار في نهاية عقد الثمانينيات. أما النفقات العامة، فارتفعت، من 7551.1 مليون دينار في عام 1980، لتبلغ، في نهاية العقد، 14179.1 مليون دينار. وارتفع العجز التراكمي للموازنة العامة، من 6848.4 مليون دينار في عام 1982، ليصل، في نهاية العقد، إلى 41271.4 مليون دينار. وقد تراوحت نسبة العجز إلى الإنفاق العام بين حدين، أدنى قدره 24% في عام 1985، وأعلى قدره 52% عام 1983. وبلغت نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي ذروتها عام 1982، إذ سجلت 57%، في حين لم تغط الإيرادات العامة، وبضمنها إيرادات النفط، سوى 60% من النفقات العامة.

توجهات السياسة الاقتصادية

لا تغير الحربُ جوهرَ الإدارة الاقتصادية، إلا مع عسر التمويل، فإذا كان تمويل الحرب ممكناً ومتاحاً، ويتدفق بمعدلات تفوق تكاليف الحرب، سيبقى الأداءُ الاقتصادي على ما كان عليه، ولن يكيف نفسه للمتغيرات والمعطيات الجديدة، مهما كانت كارثية. وهذا هو سلوك كل دولة ريعية، حتى وإن لم تكن استبدادية، لسبب ما، كما هي حال دولتنا الآن، فالأداءُ لن يختلف أبداً، ما لم يتراجع الريع النفطي، ويصبح عاجزاً عن تمويل المنجزات المظهرية والعقيمة وضيقة الأفق، وقصيرة الأجل، للسلطة السياسية الحاكمة.

وما كان للحرب أن تستمر حتى آب 1988، لو أن السلطة السياسية كانت تعاني من عسر في تمويل إنفاقها الهائل لتأمين احتياجاتها العسكرية والمدنية، في مختلف المجالات. وهكذا، فعندما انخفض سعر برميل النفط، من 34 دولار في عام 1983، إلى ما يقرب من 10 دولارات عام 1986، كان السخاء الخارجي يعوض التراجع الكارثي في العائدات النفطية. وقد اتخذ هذا السخاء أشكالا عدة: قروضاً خارجية ميسرة، وتسهيلات استيراد، ومنحاً مالية ومادية ضخمة (تحولت فجأةً إلى قروض، ليس خلال الحرب، أو بعدها مباشرةً، بل عندما قام النظام السياسي بغزو الكويت). وحين تقلصت قدرة العراق على تصدير النفط عبر موانئ الخليج، تبرعت بعض الدول (الشقيقة) بتصدير النفط، بدلا عنه، على أن تسترد براميلها فيما بعد.

غير أن سعر برميل نفط، الذي لم يكن يزيد عن 10 دولارات في عام 1986، انتهى ليس إلى إنهاك العراق وإيران فقط، بل إلى إنهاك السخاء التمويلي القادم من الخارج أيضاً. وعندما بدأت مصادر التمويل الخارجية بالنضوب والتضاؤل، بدأت السلطة السياسية بالتفكير بإجراءات تمنحها وقتا إضافيا لمواصلة لعبة الحرب والبقاء، في وقت واحد، من خلال تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية، واحتياجات مواطنيها، بما يتيسر لها من موارد وإمكانات، في ظل ظروف محلية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد. لهذا، لم تقم السلطة السياسية بأية إصلاحات اقتصادية، خلال المدة 1980 ـ 1982، لأنها كانت قادرة على تمويل الإنفاق العام من خلال السحب من الأرصدة الخارجية. أما خلال المدة 1983 ـ 1987، فكانت تعتمد على الاقتراض الخارجي. وهكذا، لم تجد نفسها مجبرة على التفكير في نهج بديل للإدارة الاقتصادية، إلا في عام 1987. ومع محدودية أثر الإجراءات التي اتخذت عام 1987، عُدّت (ثورة إدارية واقتصادية)، بيع في إطارها بعض منشآت القطاع العام إلى القطاع الخاص، مع تأكيد السلطة السياسية على أن هذه العملية لا صلة لها بدعوات المنظمات الدولية لخصخصة الاقتصادات المتعثرة، بل هي مجرد عملية (بيع)، في محاولة منها لتأكيد استقلالية نهجها الاقتصادي، وإخضاعه لإرادة وطنية داخلية، بعيداً عن أية ضغوط خارجية.

واتخذت عملية تحويل ملكية المؤسسات العامة إلى القطاع الخاص أشكالاً عدة، منها بيع المؤسسات بالكامل، أو اعتماد أسلوب المشاركة في إدارتها وملكيتها مع القطاع الخاص، أو منح القطاع الخاص عقوداً لإدارتها فقط. ولم تشمل عملية البيع، أو تحويل الملكية، تلك الصناعات التي تعد استراتيجية (من وجهة نظر سياسية)، من قبيل البتروكيمياويات، والصلب، والفوسفات، ومنشآت السكك الحديد، والماء، والكهرباء.

وإلى عام 1988، لم يكن هناك سوى مصرف تجاري حكومي واحد، يحتكر جميع المعاملات المصرفية، داخلياً وخارجياً، وهو (مصرف الرافدين)، ما دفع الحكومة إلى تأسيس مصرف مشابه، هو (مصرف الرشيد)، بهدف منافسة الأول في تقديم الخدمات المصرفية. وفي عام 1988 أيضاً، تم العمل بأسلوب الاستيراد، من دون تحويل خارجي. وقد استند هذا الإجراء إلى افتراض قيام المستوردين باستغلال موجوداتهم من العملات الأجنبية لأغراض الاستيراد وزيادة المعروض السلعي. وفي عام 1984، صدر قرار بإعفاء المستورد الذي يمتلك عملات أجنبية من الحصول على إجازة استيراد.

وفي المحصلة، لم تؤد هذه الإجراءات إلى زيادة المعروض السلعي، بقدر ما أدت إلى زيادة وتيرة تهريب العملة إلى الخارج. ومع عدم توفر إرادة سياسية حقيقية للإصلاح الاقتصادي، وعدم وجود استراتيجية اقتصادية تنتظم في إطارها جميع هذه الإجراءات، لم يُؤسس سلوك سياسي أو اقتصادي ليبرالي، وإن بشكل مظهري ـ استعراضي مؤقت، ولم تُبنَ أية أطر مؤسسية ضامنة لاستدامة توجهات مماثلة في المستقبل. وهكذا، انتهى أمد هذه (الترقيعات)، ومفعولها معها، بدخول العراق حرب الخليج الثانية عام 1990.

بناء النسق الإيديولوجي

والاقتصادي (1974 ـ 1990)

اتسمت هذه المرحلة بدرجة كبيرة من التفاعل، بين المهمات البنائية الداخلية والخارجية، فعلى الصعيد الخارجي، ارتبطت خصائص ومهمات نمط الدولة، في هذه المرحلة، بالتأثيرات الناجمة عن مد وانحسار العوائد النفطية من جهة، وعن الضغوط الإقليمية المباشرة، من قبيل الحرب العراقية الإيرانية، من جهة أخرى. أما على الصعيد الداخلي، فتم التأكيد، في بداية هذه المدة (وجميع النصوص بين هلالين مزدوجين هي من أدبيات حزب البعث وكتابات صدام حسين، ذات الصلة بالشأن الاقتصادي، في تلك المرحلة)، “على تحقيق مقدمات الانتقال إلى الاشتراكية، والمباشرة بالانتقال إلى الطور الاشتراكي في كل ميدان تنضج فيه الشروط الموضوعية للانتقال، وتسمح به ظروف المرحلة”، كما تم، أيضاً، تعزيز الموقع القيادي للقطاع العام في مختلف النشاطات الاقتصادية، والعمل على إعادة ترتيب أوضاع القطاع الخاص، بقيادة الدولة، بحيث يؤدي دوره الايجابي في عملية التنمية.

ومع تحول عوائد البترول إلى “سلاح نوعي وطني عراقي”، تراجعت أهمية تكوين وتراكم رأس المال الخاص، وتمت “برمجة التوسع الأفقي للقطاع الاشتراكي، لا بهدف توفير التراكم وفق الطريق الرأسمالي، وصولا إلى استخدام هذا التراكم لأغراض التمويل الاشتراكي، عبر تأميمه في مرحلة لاحقة”، ولا بهدف “توفير القدرة الاستثمارية للقطاع الخاص في الصناعة والزراعة والخدمات، واستخدام رؤوس الأموال الخاصة المستثمرة المتجمعة لأغراض التطوير والبناء الاشتراكيين في المرحلة اللاحقة”، وإنما بهدف “زيادة قدرة أجهزة التطبيق الاشتراكي على تأدية مهماتها الوطنية بشكل جيد ومتطور ومتوازن، ومراعاة الخصوصية الوطنية وتأثيرات السياسية الدولية وطبيعة حركتها الاقتصادية على الصعيد العالمي عند التصدي لتأدية تلك المهام”.

ووفقا لهذه التوجهات، تم بناء نسق اقتصادي قائم على الريع النفطي. ودعت النصوص الإيديولوجية، في عام 1974، إلى ضرورة تحقيق التنمية بطريقة (انفجارية)، تؤمن التطور السريع جداً، والشامل لكل ميادين الحياة في المجتمع العراقي، ولكن مناطق البلاد، والى أن تكون السنوات الخمس اللاحقة مرحلة تحقيق القفزة الكبرى في أوضاع البلاد السياسية والاجتماعية. ومع استمرار آلية التخطيط المركزي، تغيرت طبيعةُ هذا التخطيط باتجاه وضع مناهج استشمارية سنوية لتنفيذ خطط التنمية القومية. ومع نهاية أمد خطة التنمية القومية (1970 ـ 1974)، تم العمل على ثلاث خطط من هذا القبيل، في إطار استيراتيجية بعيدة المدى للتنمية القومية، تمتد إلى عام 1990.

ومع ثبات النسق السياسي، وزيادة قدره الدولة على تمويل الإنفاق العام، ولا سيما خلال المدة 1973 ـ 1980، تم تحويل ما تبقى من النشاطات الاقتصادية الخاصة، ذات الطبيعة الرأسمالية، إلى أنشطة ملحقة بمجالات عمل القطاع العام. ولم تعد هذه النشاطات قادرة على التحرك خارج خطة وقدرة الدولة على التوجيه والتأثير، وتم حصرها، تماماً، في “الإطار الذي لا يؤثر أو تقرر فيه، أو من خلاله، في السياسة العامة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية”، وبالتالي، إبقاؤها ضمن قدرة الدولة الاشتراكية ومؤسساتها المركزية بهدف تحديدها وتكييفها وتقرير مصيرها.

ومع نشوب الحرب العراقية الإيرانية، وتراجع العائدات النفطية، والنضوب التدريجي للاحتياطيات من العملات الأجنبية، وتزايد الاعتماد على قروض المجهزين الأجانب، ثم على الديون الخارجية طويلة الأجل، طورت الدولة العراقية، خاصة خلال المدة 1981 ـ 1990، صيغا للاستجابة لهذا المتغيرات، بحيث تتسق مع منطق المرحلة التأريخية وظروفها الخاصة والمستجدة.

وهكذا، تمت (من خلال التقارير المركزية للمؤتمرات القطرية لحزب البعث في تلك المدة) إدانة غياب الحدود الفاصلة بين النشاط العام والخاص وسيطرة الدولة على ميادين الإنتاج الزراعي والصناعي كافة، والتحذير من احتمالات تحول الدولة إلى (دولة دكاكين)، بهيمنتها المطلقة على النشاط التجاري، كما تم الكشف عن عجز الأجهزة المختصة عن “التمييز بين الفروع الرئيسية والثانوية في الاقتصاد، والتمييز بين الحاجات الرئيسية والثانوية لأغراض الاستهلاك أو لأغراض التنمية، والنزوع غير العلمي لتوسيع رقعة القطاع الاشتراكي”، وأخيراً، تم الاعتراف بأن ذلك كله لم يكن سوى “خطأ عبّر عن ارتباك الصيغ التطبيقية لعملية التوسع الأفقي للقطاع الاشتراكي، وألحق أضرارا بعملية التطور في البلاد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *