عماد عبد اللطيف سالم- كتابات

في الصف الخامس ِ .. من هذا العمرِ القصيرِ الأجلْ 
لم تعدْ وجوهنا تشبهُ .. إلى ذلك الحدِّ .. وجوهَ التلاميذ المضيئة ْ .
لقد أخذناها معنا ، مثل غبار ٍ عتيقٍ ، إلى البيتْ .. لنمسحَ عنها بهجة الروح .. في غُرفِ الضَجرِ الضيّقة ْ .
وها نحنُ .. بعد يوم ٍ واحد ٍ من الغيابِ الجميلْ .. هائمونَ كالريحْ
لمْ تعُدْ لنا ساعةٌ للدرسِ قادمة ٌ .. ولا صفٌّ أوّلٌ .. ولا صفٌّ أخير .
لم تعُدْ لدينا قاعة ٌ زرقاء كالبحر ِ البعيدْ .. نتبادلُ فيها الصمتَ مع الجدران ْ .. ونفتحُ فيها نوافذ َ أحلامنا .. على مسرّاتِ المصطباتِ السَهلةِ الطيِّ .. مثل أحزاننا .
ها نحنُ .. مثلُ عصافيرَ فقدتْ صوتها .. نُعيدُ خزينَ الحنينِ في كتبِ الذهولْ .. إلى أمينة المكتبة 
ونُنجزُ ” براءة الذمّة ِ ” من الوهمِ الطويلِ الأجَلْ 
ونَغلقُ القاعاتَ على ماتبّقى من ضحكاتنا في الممرّاتْ
ونتركُ الأستاذ الذي نحبُّ وحيداً
كأنهُ نسيانٌ حيّ
فوقَ منصّةٍ فارغة ْ .
عندما أشعرُ أنني سعيدٌ جداً  ،  على غير العادة ِ ، وأبدأُ بالدورانِ عكس مدار الحوت ، مثلُ عصفورٍ فقد صوته .
فأنّ عليَ البحث عن سببٍ وجيهٍ .. يجعلُ فرحي مُمكناً .
ربما كنتُ مصاباً بسرطان ٍ أليف .
ربما لم يعُدْ الليلُ صالحاً للبهجةِ كما كان .. وأصبح النهارُ هنا دائماً .
ربما سنطرقُ البابَ معاً .. ونفتحُ لأنفسنا بيتها القديم .. وندخلُ دون استئذان .. حاملينَ فوق أكتافنا المنتهيةِ المفعول .. جبالاً من الضَجَرْ .
ربما لم يعُدْ بأمكانِ هذا الرتل الطويلِ من شاحنات الهموم .. أن يدوسُ على روحي . 
ربما لم يَعدْ العراقُ عراقاً .
ربما .
إنهُ لا يجرؤُ على الغناء كعصفور .. ولا على الهجرةِ كسنونو طيب القلب  ، يترك عشّهُ في زاوية البيت .. ويعودُ إلى حنين العام الفائت .
إنهُ لا يعرفُ اسرار الحزن الدفينة .. ولا عجائب الفرح المُعلنة .
إنّهُ لا يملك أمّاً تحزنُ .. وأباً يموتُ .. وإبناً لم يعُدْ هنا .. أو هناك .
إنهُ يأكلُ النايَ والكمانَ والبيانو .. ويحرقُ كلّ  القصب القادر على صُنعِ النوتات البريّة ..
 و يستطيعُ أن يقتلنا .
هذا الكائنُ الأبلهُ المِسخُ .. هو ليسَ القُبحِ البادي على الوجوه .. بل  ” موزارت ” الصريع .. في كلّ واحدٍ من هؤلاء الناس  .
ليس َ كثيرا ً ما ابتهلت ُ به ِ للسماوات ِ يوما ً  .. فلَم ْ يَسْتَجب ْ لأبتهالي أحَد ْ :
امرأة أحبها أكثر ممّا تحبّني بكثيرْ .
ووطن ٌ يحبّني أقل ممّا أحبّه بكثيرْ .
وبيت ٌ بحجم ِ الكفِّ .. في باحته ِ نخلة ٌ
أستطيع ُ أن ْ أموت َ في شرفته ِ وحيدا ً ..كالسعف ِ اليابس ِ في أعلى الروح ْ .
وأب ٌ لا يموت ُ إلا ّ بعد َ أنْ أبلغ َ العشرين من العُمر ِ .
وأم ٌّ لا تموتْ .
ليس رمضانُ مناسبةً صالحةً للفرح .
فقبل الأفطار .. هناكَ شيءٌ يشبهُ التيْه
وبعد الأفطار .. ثمّة حزن  .. يفيضُ حتّى آخر الليل .. ويتركني وحدي .
وفي رمضان أشتاقُ إليها جداً
أكثر من يوم الثلاثاء من الشهر الفائت بكثير
عندما كنتُ انتظرُ أصابعها الطويلة ، وهي تطرقُ عليّ الباب 
وأسمعُ ضحكتها الخافتة من شدّة الحب ..  وهي تكشفُ عن اسنانها الباردة الحُلوَةْ
ولأنني كنتُ أصلّي
لم يفتحْ لها باب َ الروحِ أحدْ .


لا تطرقي باب َ الهجر ِ علي ّ..فتفتح ُ روحي البابَ ..للغيابِ القادم ِ
ليس َ الآن .
لا تبكي فوق َ أخاديدِ الروحِ .. فيورقُ قلبي
ليس َ الآن .
لا تتركي خصلة ً من السنابل ِ تلك ْ .. تغفو على شفتي ..وتستيقظ ُ قبلي  .. وتلثم ُ النصف َ الفارغ َ في الوسادةِ
ليس َ الآن .
لا تدخلي غـُرفتي .
الغرفة ُ صغيرة ٌ ..والنوافذ ُ موصدة ٌ ..

والجدران ُ مطليـّة ٌ بوجهك ِ الصغير ْ
ولا أريد ُ أن تقبض َ رائحتك ِ علي ّ
ليس َ الآن .
سأحلم ُ لو أنــني ..
مــددْت ُ يدي إلى الريح ِ
كنـت ُ سألمـَـس ُ أناملك ِ المــُشـْرقة ْ
وهـــي تُداعـــب ُ وَجـــَـعي .
ولــــكن ْ …
لـيـس َ الآن .

سيعتقنا القادمون إلينا .. ِمنّا
نحنُ الأبناء السرّيون للسلاطين الحمقى ،
 وأحفادُ تاريخٍ طويلٍ من العسلِ المغشوشْ  ،
ونسلُ ماتبقى من صُلب ” عنترةَ العبسيّ ”  .. الذي لمْ يستطعْ أبداً ..
 الزواجَ بـ ” عَبلةْ ” . 
سيعتقنا القادمون إلينا .. مِنّا
نحنُ الذين نعرفُ مساحة مسالِخَنا جيداً .
غير أنّنا .. وبقليلٍ من العشب في باحتها .. حيثُ ينتطرنا القصّابون
نتقافزُ بحبورٍ ..
 كخرافٍ  سعيدة .

لم َ لا ..

أنزعُ  كلّ ُ هذا الهُراء ِعن الروح ِ .. وتبقى القصائد ُ حوْلها خالية  منّ الهمِّ .. ومُتْرَعَة بأطْلسِها الحُلو ُ .. وماء ِ مساماتِها المالح ِكالبحْرِ العَذب ِ .. وعينيها الجاحدتين ْ .

لم َ لا ..
ينزاح ُ هذا الشيب ُالمُقدّسُ / قليلا ً /عن هذا القلب ِ المخبول ِبعطر ِ جَدائِلِها
فيمضي / بما تبّقى من العمر ِ / إلى وجنتيها التُفاحتين ِويجلس ُ عند َ عينيها
ويصيح ُ خذيني إلى ” طروادة “ِ خوفك ِ سيدّتي  .. وسُدّيْ البوّاباتَ عَليّ .

لمَ لا .. 

 أعيش ُ مرّة ً أخرى ..و أحْرص َ على أن ْ أكون َ وغْدا ً هذه ِ المرّة ْ  .. من أجل  شفتيها البرحِيّتينْ

لمَ لا .

ذهبتُ لزيارة امّي 

رأيتُ على جدار غرفتها رقعةً
” لا تحزن ْ إنّ اللهَ معنا ” .

لم تكنْ أمّي في البيت 

والغرفةُ خاليةٌ
كنتُ وحيداً ..

فحَزَنْتْ .

 في تلك الليلة ..
لا ” تشي غيفارا ” كان ينتمي إلى أحراشِ بوليفيا  .. ولا ” الدالاي لاما ” كان ينتمي إلى ” التِبت ْ ” ..ولا  البطريقُ  كان ينتمي إلى القطب الجنوبيّ  .. ولا الحزن ُ كان ينتمي للعراق ْ
مثلما كان قلبي ينتمي إليكِ .. في تلك َ الليلة ْ .

 كان الزمان ُ جميلا ً في تلك الليلة ْ .
غير أن ّ الروح َ الآن َ.. قد ْ كفت ْ عن النبْض ِ
ولم ْ يعُدِ القلب ُ يجْفل ُكلما أقتلعوا نخلة ًمن بستانكِ البهيّ  .. وصادروا رائحة الطلْعِ من شفتيكِ البرحيّتينْ 

إنها أربعون َ عاما ً .. أربعون َ عَقدا ً .. أربعون َ قرْنا ً
لم ْ تكُن ْ كافية ً كما يبدو .. لأكتشاف ِ الأشياء ِ الصغيرةِ ..
التي غابت ْ عن الروح ْ

في تلك َ الليلة ْ .

لذا ..
وفي الصّف ِ الأوّل ِ من آخر ِ العُمْر
سأذهب ُ إلى مدرسة ِ الصحراء ِ
لأتعلّم ّ سببا ً واحدا ً.. يجعل ُ ماء دجلة مُر ّ المذاق  .. وليس ثمّة بئرٌ واحدة ٌ في الأفقْ .
في الصفّ ِ الأوّل ِمن آخر ِ العُمر ْ
سأعود ُ إلى مدرسة ِ الصُدْفة ْ ..

لأتعَلم ّ سببا ً واحدا ً .. يجعل ُ اللقاء َ بك ِ مُمْكنا ً.. ومُدْهِشا ً
كما كان َ في تلك َ الليلة ْ .

إنتظرتها دهرا
وحين جاءتْ 
تبيّن انها لا تعرفُ كيف تقرأ أبجديّة الهَجرْ
أنا الذي لا أمتلكُ غير بضعةَ كلماتٍ
كنتُ انتظرُ أن تفاجئني مختبئاً فيها
كعصفورٍ مخبولْ 
لأستجيرَ بها من ضعف أجنحتي
وقلّة حيلتي
وهواني على الليل .
أنا أصومُ وأفطرُ طيلة هذا العمر ، مثل ولدٍ ضالّ ، أضاعَ أمّهُ في سوقٍ مُكتظّةٍ  بالمواعظ .
وحين وجدها عند آذان المغرب ، كانتْ لا تزالُ مُفطرَة من شدّة القلق .. وهو لا يزالُ  صائما من شدّة الخوفِ ،
وكانت السوقُ خالية من الناس ،
والجامعُ مكتّظٌ بالوعّـاظِ ..
 الباحثين عني .
انني لا أعرف كيف اردّ  الجميل للجَمرْ 
 
هو الذي منحَ وجهكِ رمادهُ  الجديد .. كدشاديش العيد المقلّمة 
 
وجعلني أطيرُ من الفرحِ .. مثل يتيمٍ  مُبتديء .
 
هو الجمر .. الذي جعل الدفء صعباً .. كعيشٍ عاديّ..
 
و علّمني .. ان كل هذا التَوقَ اليكِ .. سهلٌ جداً .. مثل موتٍ قادم .
 
إنني لا أعرفُ كيف أردُّ الجميل للريح
 
هي التي تعلمتُ منها .. أن على الشاعر  ان يتنفّسَ اولاً .. هواءً نقيّاً ..
 
 لكي تصبحَ القصيدة مُمكنة  .. في درجة حرارة 50 مئوي 
 
ثم يلتقي بكِ لاحقاً  .. ويكتبُ لكِ .. قُبلتكِ  الأولى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *