نحن الذين حفرنا البحر

    نحن الذين حفرنا البحر

 

    ولنا السيادة المطلقة على ممراتنا الملاحية

 

     

       

        كاظم فنجان الحمامي

       

         

          من عجائب الأمور وغرائب الدهور إن معظم النخب المنتخبة من السياسيين العراقيين لا يعلمون حتى الآن أننا نحن الذين حفرنا ممراتنا البحرية بأيدينا, ونحن الذين حددنا مساراتها ومنعطفاتها في خور عبد الله والسد الخارجي, ونحن الذين سبرنا أغوارها ورسمنا خرائطها قبل إعلان انفصال مشيخة آل الصباح (الكويت) عن جسد العراق, ولا يعلمون أننا أمضينا الدهر كله في حفر وتعميق وتوسيع ممراتنا الملاحية المارة في بحرنا الإقليمي, ولا يعلمون أن سفن الحفر البخارية التي شاركت في تنفيذ مشروع قناة السويس, توجهت نحو دلتا جنوب العراق بعد أكمالها عمليات الحفر في

         

          مصر عام 1869, فباشرت عام 1870 بحفر قناة (الروكا) وقناة (الخفقة) وقناة (خور العمية) و(خور عبد الله) وهي قنوات ملاحية عراقية بحتة, فكانت سفن الحفر (LIGER), و(ONGER), و(TIGER) من بين السفن التي تولت هذه المهمة الشاقة وقتذاك, ولا يعلمون أن شركة (STRICK LINE) تعاونت مع سلطة الموانئ العراقية عام 1895 وتعهدت بتغطية نفقات شراء السفينة DWINAالتي رابطت عند مدخل شط العرب من جهة البحر, ثم قامت الشركة نفسها عام 1901 بتحمل تكاليف شراء السفينة ESTHERفأرسلتها إلى قناة الروكا لتساهم في عمليات تخفيف غاطس السفن الكبيرة المتوجهة إلى البصرة, ولا يعلمون أن تلك السفن التي تحولت

         

          ملكيتها إلى العراق ارتبط مصيرها بتهذيب أعماق بحرنا الإقليمي, حتى جاء اليوم الذي خرجت فيه من الخدمة بعد نصف قرن من العمل الدءوب لتعميق مياهنا البحرية الضحلة, ولا يعلمون أن العراق تحمل وحده التكاليف الباهظة لمشاريع التعميق والتوسيع والتهذيب والتأثيث حتى عام 1926 عندما أصبحت ممراتنا الملاحية قادرة على استيعاب السفن العابرة للمحيطات, بعد أن تم تحسين أعماقها, ولو كان لممراتنا البحرية لسان ناطق لكشفت لنا عن أسرارها وهمومها, وحدثتنا بحكايات لا حصر لها عن الأساطيل العملاقة التي مرت بها في القرون الماضية, ولتكلمت بلغة عربية فصحى عن

         

          لوعتها وانفعالها, ولضجت بالعويل والبكاء على ما حل بها من انكماش, وما لحق بها من تقلص وتقهقر وتراجع. .

         

          ولا يعلمون أن سفن الحفر العراقية أزالت حتى نهاية شهر آذار من عام 1935 كميات هائلة من الأطيان والرمال والرواسب الغرينية من قاع ممراتنا الملاحية تقدر بنحو (134790890) طناّ. .

         

          ومن لا يصدق هذا الكلام يتعين عليه مراجعة الصفحة (71) من الكتاب الذي ألفه (Cecil Byford) بعنوان(Port of Basrah), ولا يعلمون أن سفن الحفر العراقية أزالت عام 1960 وحده كميات كبيرة من الرمال والأطيان الرسوبية المتراكمة في القاع تقدر بنحو (511966) طناً, اشتركت برفعها سفن الحفر العراقية التي كانت تعمل بالبخار, وهي: (بصرة), و(بغداد), و(كربلاء), و(كركوك), و(سليمانية), ثم التحقت بها بعد عقد الستينات سفينة الحفر (الموصل). .

         

          وربما لا يعلمون أن العراق تعاقد مرة أخرى مع شركة (IHC) الهولندية في ستينيات القرن الماضي لتجهيزه بأكبر سفينة متخصصة بالحفر والتعميق في عرض البحر, فكانت سفينة الحفر (الحلة) أنموذجا يشاد به في ترسانات السفن الدولية من حيث الحجم والتصميم والأجهزة والمعدات الحديثة, وكانت هذه السفينة قادرة وحدها على رفع كمية كبيرة من الأطنان والرمال القاعية تقدر بنحو (5000) متراً مكعباً بالساعة الواحدة, أي بمقدار (1765) طناً بالساعة, فارتفعت معدلات الحفر والتعميق بعد وصول تلك الحفارة العملاقة, وهي الآن غارقة على الضفة العراقية المقابلة لجزيرة (وربة)

         

          الكويتية, لتشهد على عائدية الممرات الملاحية العراقية. .

         

          وأعلب الظن أن السياسيين في العراق لا يعلمون أن العراق تعاقد أيضا عام 1974 مع شركة (IHC) الهولندية لبناء ست سفن حديثة متخصصة بالحفر البحري, كانت أربع منها بطاقة حفر تقدر بنحو (3500) متراً مكعباً بالساعة, أي بنحو (1236) طناً بالساعة لكل حفارة, وهي الحفارات: (الزبير), و(فلسطين), و(التحرير), و(المربد), إضافة إلى سفينتين هما (الصمود), و(القادسية) بطاقة حفر تقدر بنحو (4500) متراً مكعباً بالساعة, أي في حدود (1589) طناً بالساعة لكل سفينة حفر, وبالتالي فأن مجموع ما ترفعه هذه السفن مجتمعة خلال ساعة واحدة يقدر بنحو (8122) طناً, فما بالك بما سترفعه هذه الحفارات إذا

         

          كانت تعمل على مدار السنة وبمعدل (24) ساعة باليوم ؟؟.

         

          وتعاقد العراق في المدة نفسها مع شركة (O&K) الألمانية لبناء سفينة الحفر (الخليج العربي), وسفينة الحفر (النجف), وتبلغ طاقة الحفر لكل منهما حوالي (3500) متراً مكعباً بالساعة, أي (1236) طناً بالساعة, وبالتالي فان مجموع ما تحفره هذه الحفارات المبنية في ألمانيا يقدر بنحو (2472) طناً بالساعة.

         

          ثم تعاقد العراق عام 1980 لشراء سفينة الحفر (سيناء) بطاقة (500) متراً مكعباً بالساعة, وسفينة الحفر النصر وهي بطاقة (2500) متراً مكعباً بالساعة, وسفينة الحفر (غزة) وهي تعمل بطاقة حفر تقدر بنحو (2000) متراً مكعباً بالساعة, أي بمقدار (700) طناً تقريباً بالساعة, وتعاقد مع فيتنام لبناء الحفارة البحرية القاطعة الماصة (رام الله), وهي بطاقة حفر (423) طناً بالساعة, وتعاقد مع اليابان لبناء سفينة الحفر (سيف الكرار), التي تعمل بطاقة حفر تقدر بنحو (529) طناً بالساعة, والحفارة (الناصرية) وهي بطاقة (246) طناً بالساعة, وسفينة الحفر (المثنى) التي كانت تعمل بطاقة حفر تقدر

         

          بنحو (246) طناً بالساعة, ومن سخريات القدر أن تلك السفينة غرقت عام 1979 في خور عبد الله على بعد بضعة أمتار من الموقع الحالي للميناء الذي تشيده الكويت الآن على حافة جزيرة بوبيان, وهكذا غرقت هذه السفينة في هذا المكان بالذات لتصبح خير شاهد على سيادة العراق على أرضه ومياهه. .

         

          ومن نافلة القول نذكر أن عمليات الحفر البحري لم تتوقف في خور عبد الله إلا بعد اجتياح قوات الاحتلال, التي أجبرت سفن الحفر العراقية على الانسحاب من خور عبد الله, ومنعتها من مواصلة عمليات الحفر والتعميق, والصورة الوثائقية التالية تظهر قيام قوات المارينز باحتجاز ثلاث سفن من سفن الحفر العراقية على أرصفة ميناء أم قصر, وتظهر في الصورة السفن المحتجزة, وهي (التحرير), و(المربد), و(الزبير), بينما تطوقها عناصر المارينز. .

         

          وربما لا يعلم السياسيون أن العراق حرص على تطوير أسطوله الوطني المؤلف من مجموعة كبيرة من سفن الحفر, وذلك لحاجته الماسة إلى مواصلة عمليات حفر الممرات الملاحية, وتوسيعها وتعميقها حتى تكون قادرة على استقبل السفن والناقلات العملاقية المحرجة بغواطسها, فاشترى  سفينة الحفر الجديدة (بصرة) لتحل محل السفينة القديمة التي كانت تحمل الاسم نفسه, وهي حفارة ألمانية الصنع تعمل بطاقة (1800) متراً مكعباً بالساعة, أي بنحو (635) طناً بالساعة, واشترى الحفارة (طيبة) وهي حفارة صينية الصنع, تعمل بطاقة (4500) متراً مكعباً بالساعة, أي بنحو (1589) طناً بالساعة, وتعاقد

         

          عام 2011 مع هولندا لبناء سفينة الحفر كربلاء, لتحل محل سفينة الحفر القديمة التي كانت تحمل الاسم نفسه, وهي تعمل الآن بطاقة (3500) متراً مكعباً بالساعة, أي بنحو (1236) طناً بالساعة, وسفينة الحفر (دهوك) وهي تعمل الآن بطاقة (500) متراً مكعباً بالساعة, أي بنحو (176) طناً بالساعة, ومن المؤمل أن يكتمل في الصين بناء سفينة الحفر العراقية العملاقة (أم قصر), وهي بطاقة (8000) متراً مكعباً بالساعة, أي بنحو (2825) طناً بالساعة, من المؤمل وصولها إلى الموانئ العراقية في القريب العاجل إن شاء الله. .

         

          هل رأيتم الآن كيف تحمل العراق وحده تنفيذ مشاريع الحفر والتعميق والتوسيع والتهذيب في قيعان الممرات الملاحية لخور عبد الله, وهل رأيتم كيف أن الكويت لم يكن لها أي دور في هذه العمليات البحرية الشاقة, التي باشر بها العراق قبل انفصال مشيخة آل الصباح عن جسده, وقبل ولادة الكويت بنحو قرن كامل من الزمان ؟؟. وهل رأيتم كيف شاءت مصالح الغزاة والطغاة والبغاة والحشرات أن يتنازل العراق عن القناة المائية الوحيدة التي تربطه ببحار الله الواسعة, ويتنازل عن الممر الملاحي الوحيد الذي حفره أجدادنا قبل قرون, ثم جئنا نحن لنواصل الحفر والتوسيع بأكبر

         

          أسطول بحري في كوكب الأرض, فجاء القرار (833) لينتزع هذا الممر الملاحي الحيوية من السيادة العراقية المطلقة ويضمه بالقوة إلى الكويت بصيغة الإذعان والإذلال وتحت ضغط القوى الدولية الغاشمة. .

         

          لو قمنا الآن بإجراء عملية حسابية وإحصائية لكميات الأطيان والرمال والمخلفات الحربية والغرينية والرواسب التي أزالها العراق من خور عبد الله, اعتماداً على طاقات الحفر لكل سفينة من سفن الأسطول التخصصي الذي يمتلكه العراق, ثم ضربنا الناتج بساعات العمل الدءوب في الليل والنهار على مدى المدة الطويلة الممتدة من عام 1870 وحتى عام 2013, لاكتشفنا أنها تضاهي حجم جبال هملايا في هضبة التبت, فهل سمعتم في يوم من الأيام أن الهند فكرت بالتنازل عن جبال هملايا لصالح جزيرة (سريلانكا) ؟؟. .

         

          ولو عدنا وأحصينا تلك الكميات الهائلة من الأطيان والترسبات, ثم جمعناها فوق الأرض, ومددناها بالطول والعرض لوجدنا أنها أطول بكثير من سور الصين, وأعلى ارتفاعاً منه, فهل سمعتم في يوم الأيام أن الصين فكرت بالتنازل عن سورها العظيم لصالح هونك كونك ؟؟. .

         

          فما الذي يرغمنا نحن في هذا الزمن الرديء حتى نتنازل بهذه البساطة لصالح الكويت, ونتخلى عن سيادتنا المطلقة على خور عبد الله, في الوقت الذي تمتد فيه سواحل الكويت لأكثر من 500 كيلومتر, تطل منها على المياه العميقة لشمال الخليج العربي, بينما لا نمتلك نحن الآن سوى بضعة كيلومترات ساحلية بائسة, محصورة في منطقة ضيقة ضحلة, منزوية بين إيران والكويت, وخاضعة باستمرار لظاهرة الانكماش والتقلص والتقهقر والتراجع ؟؟. وما الذي يرغمنا على التحول إلى دولة مغلقة بحرياً, ليس لها أي إطلالة معتبرة على بحار العالم, في الوقت الذي كنا فيه وحتى عام 1916 نبسط

         

          نفوذنا وسيادتنا على حوض الخليج العربي كله من (رأس البيشة) في مدخل شط العرب, وحتى (رأس مسندم) في مدخل مضيق هرمز ؟؟. . .

         

          اللهم أنت اخترت أرضنا في العراق مهبطاً مقدساً لرسالاتك السماوية, ومهداً لأقوامك البشرية, وقلعة حصينة لأنبيائك وأئمتك وأوليائك, وأنت اخترت العراق داراً للخلافة, ومنارة للحكمة, ومنبعاً متدفقاً بالخير والجود والعطاء, فلا تحرمه من معالمه السيادية, ولا تسلط عليه من ينهب ثرواته, ويظلم أبنائه, ويفرط باستحقاقاتهم, يا أرحم الراحمين يا رب. . . . .

         

         

        اترك تعليقاً

        لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *