هاشم جواد

نص الحوار :

مع الدكتور هاشم جواد …حوار أجراه الدكتور ضياء نافع سنة 1971
حوار مع هاشم جواد *

كتابات – أ.د.ضياء نافع **

كنت اخطط ان التقي هاشم جواد في بيروت قبل عودتي النهائية الى بغداد عام 1971 لاني كنت اعرف مسبقا ان الظروف في بغداد لن تسمح لي بالسفر مرة لخرى لمقابلتة ، و هكذا سافرت من باريس الى بيروت بتاريخ 28\06\1971 بعد ان انتهيت من مناقشة اطروحتي في جامعة باريس بتاريخ 11\06\1971 ..
وصلت الى بيروت ، ووضعت حقيبتي في فندق متواضع وذهبت أبحث عنه ، وعندما دخلت العمارة ، وسألت الحارس عن رقم شقة هاشم جواد ، أجابني انه خرج قبل قليل الى البلاج و يرجع متأخرا . خاب أملي ، اذ كان يجب علي ان اغادر بيروت الى دمشق في اليوم التالي ، وهكذا رضخت للامر الواقع و طلبت من الحارس وريقة صغيرة كي اكتب له بعض السطور . بدأت بالكتابة و فجأة دخل هاشم جواد مسرعا الى العمارة ، لانه نسي بعض الحاجيات . عرفتة رأسا بالطبع ،و لكنه لم يعرفني . تقدمت نحوه محييا وقدمت له نفسي ، فهو ابن عمتي وانا ابن خاله ، ولكن فارق العمر الكبير ومسيرة حياته جعلتنا بعيدين عن بعض . تعانقنا . دعاني رأسا للذهاب معه الى شقته ،ولكني قلت له ان يرجع الى البلاج ، فرفض بأصرار و بشكل قاطع ، وهكذا حدث هذا اللقاء الاول و الاخير معه ، و الذي استمر عدة ساعات وانتهى في المطعم القريب من شقته .
تحدثنا طويلا عن مسيرة ماضية و دراستة في الجامعة الامريكية ببيروت ثم في اوربا .. و توقفنا مع ذكرياته عن شخصيات عراقية عديدة ، و تكلمنا حول الادب الروسي ، وعن الكساندر سولجينيتسن بالذات . قلت له في البداية ، أريد ان اعرف رأيك الشخصي بعبد الكريم قاسم ، الذي عملت معه بشكل قريب طوال تلك المرحلة ، فأجابني رأسا ، ان ” عبد الكريم قاسم شخصية وطنية عراقية كبيرة رغم كل المآخذ ” . سألتة : لماذا لا يكتب عنه ؟

فقال انه بدأ فعلا بكتابة مذكراته عن تلك المرحلة . طلبتٌ منه ان يحدثني عن احداث مع قاسم لا نعرفها نحن ، فضحك هاشم جواد وقال ، ان علي جودت الايوبي رئيس الوزراء العراقي السابق جاء مرة الى وزارة الخارجية ، وعندما علمت بذلك – والحديث لهاشم جواد – استقبلتة رأسا و بكل احترام ، وطلب مني مسألة بسيطة و تم ايجاد حل لها ، بدأنا ندردش ونحن نشرب فنجان القهوة ، فقال لي انه يسمع يوميا اللعنات على النظام الملكي المباد ، و رجاني ان اطرح على عبد الكريم قاسم سؤالا محددا وهو: هل تسلمت سلطة 14 تموز 1958 دولة قائمة متكاملة بوزارتها و مؤسستها و دوائرها و قوانينها ام لا: ومن الذي قام بكل ذلك ؟ اذ اننا عندما استلمنا الادارة في بداية العشرينيات لم تكن هنالك دولة اصلا . بقي السؤال يرن في ذهني ، وفي المساء ، عندما اجتمع مجلس الوزراء ، وكان الاجتماع يستمر الى ساعات متاخرة من الليل ، وبقيت بعد انتهاء الاجتماع ، وحكيت لعبد الكريم قاسم ما جرى من كلام مع الايوبي ، و طرحت علية سؤاله المحدد استمع قاسم بامعان و ابتسم و لم يقل شيئا. و علق هاشم قائلا : كان واضحا ان السكوت علامة الرضى . ( مداخلة : عندما قرات مذكرات علي جودت لايوبي وجدت على الصفحة الاولى صورة لبغداد في نهاية الحرب العالمية الاولى وتحتها جملة :” هكذا تسلمناها ” ووجدت على الصفحة الثانية صورة لبغداد عام 1958 وتحتها جملة : “وهكذا سلمناها ” ، فتذكرت حكاية هاشم جواد مع الايوبي وعبد الكريم قاسم ) .. تشعب الحديث عن قاسم ، فحكى لي هاشم جواد قصة طريفة حدثت له مع انستاس ميكويان في نيسان من عام 1960 عندما زار نائب رئيس الوزراء السوفيتي العراق. قال هاشم : استقبلنا الوفد السوفيتي برئاسة ميكويان في مبنى وزارة الخارجية ، فتعجب الضيف السوفيتي من تواضع المبنى وقال مندهشا : هل كل ما نسمع به عن وزارة الخارجية العراقية ونهجها ينطلق من هذه البناية الصغيرة المتواضعة ؟ ( يعرف العراقيون بالطبع ان بناية الخارجية كانت تقع عندها في الباب المعظم ) ، و يستطرد هاشم قائلا: دعوت الى ذلك اللقاء الاستاذ قاسم حسن ، وهو يتقن اللغة الروسية ، وكان لدى ميكويان مترجم روسي يقوم بمهمة الترجمة من الروسية الى العربية و بالعكس .سألت ميكويان عن رأية بعبد الكريم قاسم ، فاجاب ميكويان بالروسية : انه شيطان ( بالمعنى السيء للكلمة ) و قال للمترجم : ولكن لا تترجم لهم ذلك ، ثم اخذ يمدح عبد الكريم قاسم ويشيد بخصائص سياستة وقد فهم قاسم حسن ما قالة ميكويان ، و اخبرالمجتمعين فيما بعد بما ذكره الضيف السوفيتي عن عبدالكريم قاسم ، نقل هاشم جواد بالطبع كل ذلك لعبد الكريم قاسم (مداخلة رقم (1) قرات في مذكرات محمد حديد ان هاشم جواد اقام حفل عشاء على شرف ميكويان ، وكان عبدالكريم قاسم ومحمد حديد وبعض الشخصيات العراقية مدعوة ايضا ، وان ميكويان طلب من قاسم اثناء ذلك اللقاء ،ايقاف الحملة ضد الشيوعيين العراقيين فما كان من عبدالكريم قاسم الا ان يجيبة بحدة ان هذا تدخل في الشؤون الداخلية للعراق ، فتوقف ميكويان عن الاستمرار بالكلام حول هذا الموضوع و لم يعد له بتاتا ) (مداخلة (2) : قاسم حسن من أوائل العراقيين الذين درسوا في الاتحاد السوفيتي عندما كان في صفوف الحزب الشيوعي العراقي ، ثم ترك الحزب الشيوعي فيما بعد ، وأصبح سفيرا” للجمهورية العراقية في براغ ، ورفض العودة الى العراق بعد انقلاب 8 شباط البعثي)
توقف هاشم جواد بعدئذ طويلا عند موضوع الكويت وموقف عبدالكريم قاسم من ذلك ، وتحدث بأسى كيف انه كان خارج العراق عندما عرف بهذا ، وكيف انه ارسل بشكل عاجل طلبا لتاجيل طرح الموضوع الى حين رجوعه ، اذا انه كان قد تحدث مع اطراف عربية حول ذلك ،وكان يحمل معه افكارا” تمثل الحل الوسط لهذا الموضوع الشائك ، ولكن سبق السيف العذل كما يقولون . وحدثني وزير خارجية الجمهورية العراقية عن مسألة طريفة و ذات مغزى عميق قائلا ، ان هناك سياق عمل في الخارجية العراقية عندها ، وهو السماح لسفراء الدول الكبرى بمقابلة وزير الخاريجة دون موعد مسبق ، اذ عندما ياتي احد سفراء تللك الدول الى الخارجية دون موعد مسبق ، فان ذلك يعني ان هناك امور مهمة تقتضي حضورهم وقد حدث مرة ان اخبرته السكرتارية بمجيء السفير الامريكي فاستقبلته راسا واخبرني ان معلومات وصلت الى السفارة الامريكية مفادها ان عبدالكريم قاسم ينوي تعين عبدالوهاب محمود ، السفير العراقي في موسكو ، وزيرا” للخارجية بدلا من هاشم جواد ، وان السفارة الامريكية لاتوافق على هذا التعديل الوزاري . تعجب هاشم جواد من فحوى هذا اللقاء و لم يقل شيئا لانه لم يكن يعلم به اصلا . وبعد خروج السفير الامريكي بوقت قصير ، حضر السفير البريطاني دون موعد مسبق ايضا و اخبره بنفس تلك المعلومات و عدم موافقة بريطانيا على هذا التغيير . في المساء ، نقل هاشم جواد ما جرى في اللقاء مع السفير الامريكي و البريطاني دون اي تعليق ، فسألتة متعجبا و متسرعا : و ماذا قال لك عبد الكريم قاسم ؟ اجابني : سكت و لم يقل شيئا ، و اضاف قائلا : ولم يحدث هذا الشيء كما هو معروف … سالته بعدئذ عن اعتقاله بعد انقلاب 8 شباط البعثي ، فقال انه قضى فترة قصيرة في الاعتقال و تم الافراج عنه نتيجة تدخل شخصيات عربية و عالمية ، وهكذا وصل الى بيروت وهو الان المسؤول الاول في ممثلية الامم المتحدة في لبنان ( مداخلة : حدثني الاستاذ الدكتور عبدالحسين القطيفي ، الذي كان حينها وكيلا لوزراة الخارجية ، ان قوائم المعتقلين كانت تصدر من السفير الامريكي في بغداد و ترسل الى صالح مهدي عماش مباشرة ، وهكذا تم اعتقال هاشم جواد لورود اسمه في تلك القوائم باعتباره شيوعيا ، و يقول القطيفي انهم اوضحوا ان هاشم جواد ليس شيوعيا ، وقد تبين بعد ذلك ، ان هذا خطأ مطبعيا ، فالمطلوب هو هاشم عبدالجبار العسكري الشيوعي المعروف في تلك المرحلة ، والذي كان لاجئا” سياسيا في براغ في حينها ، وقد تذكرنا قصيدة الجواهري التي يذكر فيها البيت المشهور : تصور الامر معكوسا وخذ مثلا”،و بالذات جملة . تالله لأقتيد زيد باسم زائدة .. الخ)
قلت لهاشم جواد ان اسمه يرد ضمن الحركة اليسارية بشكل عام ، سألته ان كان قد ارتبط بحزب او حركة يسارية ، فقال ان استاذه المشرف كان من الاسماء اللامعة في تلك الحركات ، ورفض هاشم هذه الفكرة “الساذجة اصلا” مشيرا الى انه كان طوال حياته مستقلا . و اود ان اشير هنا ، الى ان هاشم جواد شخص يمكن ان نطلق عليه تسمية المثقف التكنوقراط، والانسان الذي يفرض احترامه على الجميع بفضل علمه وتخصصه وثقافته .
تحدث هاشم جواد بعدئذ عن احترامه الكبير لكامل الجادرجي و للحزب الوطني الديمقراطي ، مؤكدا انه قريب جدا من مدرسته الفكرية ، قال هاشم انه لا يختلط الان بالعراقيين في بيروت ما عدا محمد حديد، و الذي يتصل به رأسا عندما يأتي الى بيروت ، ومدحه كثيرا وأسماه ” الشخصية العراقية الاصيلة اخلاقا و علما و نزاهة و وطنية ” ، و ابتسم هاشم قائلا: تصور ان شخصا بمستوى حردان التكريتي ( الذي كان في تلك الفترة في قمة السلطه البعثية ) عندما يصل الى بيروت ، ينخفض تصريف الدينار العراقي ، فتعجبت و سألتة : ما علاقة ذلك بالتصريف ؟ فاجاب : لانه يجلب حقائب كاملة مليئة بالدنانير العراقية ، و يجري تصريفها ، و يؤدي ذلك الى انخفاض سعر الدينار العراقي ، و قارن هاشم هذا التصرف باخلاقيات رجال السياسة العراقيين في العهدين الملكي و الجمهوري الاول ، و تحدث بالم و مرارة عن الانهيار الاخلاقي الرهيب الذي وصل اليه حكام العراق…”.

لم نتحدث فقط في السياسة ، اذا تشعب الحديث ، و تناولنا الثقافة ، فاخبرته باني وجدتٌ كتابا له في مكتبة لينين بموسكو صادر في القدس عام 1945 ، فقال انه لا يمتلك الان نسخة من هذا الكتاب+ و لكنه يعتز به و يتذكره ، سألته عن علاقته بالجامعة الامريكية في بيروت و التي تخرج فيها فقال انه لازال يزور مكتبتها و يحضر حفلاتها الموسيقية ( مداخلة : توجد في واجهة الجامعه الامريكية في بيروت صور لمجموعه من خريجيها ، و الذي برزوا فيما بعد ، ومن بينها صورة هاشم جواد بالطبع ) . انتقلنا للحديث عن حبه الاكبر وهي القراءة و المطالعة بلا انتهاء ، و سألني اسئله العارف عن خفايا الادب الروسي ، وتوقف طويلا عند ، الاديب و المفكر الروسي الكبير الكساندر سولجينيتسن ، فسألته متعجبا : ان العرب لم يسمعوا بعد بأسمه اصلا”، فقال انه قرأ نتاجاته وانه شخصيه فكرية عملاقه كشفت ازمة اخلاقية كانت مجهولة للعالم قاطبه ، وان على العرب ان يدرسوه ، فابتسمتٌ وقلت له ان العرب لا زالوا بعيدين عن التعمق بدراسة آداب العالم بشكل عام ، ولا توجد في جامعاتهم اقسام علمية خاصه بدراسة تلك الاداب لحد الان ، فقال بأسى : نعم ، اتمنى ان يتحرر العرب من عقلية عنتر ، وعندها يستطيعون فقط ان يواصلوا مسيرتهم الحضارية مع العالم . ( مداخلة رقم (1) : قٌتل هاشم جواد في بيروت بعد عدة اشهر من هذا اللقاء ، وقد صعقتٌ للخبر ، وكنت حينها في بغداد ، وقلت بيني وبين نفسي كم كان قراري صحيحا بالعودة من باريس الى بغداد عبر بيروت كي التقي خصيصا و استمع اليه (مداخلة رقم 2 ) اقترحت على الاستاذ الدكتور عبدالحسين القطيفي ان نٌصدر كتابا مشتركا عن هاشم جواد في اواسط التسعينات ، وقد وافق القطيفي – و بكل حماس- على ذلك ، وقال انه مستعد ان يكتب ذكرياته عنه ، وتشعب الحديث معه عن هاشم جواد ، اذ انهما عملا معا في وزارة الخارجية ، وكل هذا يقتضي ان اكتب حوارا خاصا مع القطيفي ، هذه الشخصية العلمية العراقية المرموقة ، و التي اصدر صدام حسين بحقها امر اداريا عزله بموجبه عن منصبه عميدا لكلية القانون بجامعة بغداد و جرده من لقب الاستاذية .
________________________________________
* وزير خارجية الجمهورية العراقية 1959 – الى 8شباط 1963
** مدير مركز الدراسات العراقية – الروسية في جامعة فارونش الروسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *