أسطورة بروميثيوس ( سارق النار )

أسطورة بروميثيوس _( سارق النار )كان بروميثيوس واحد من حكماء التايتن. كان أسمه يعنى بعيد النظر و قد كان يملك المقدره على التنبؤ بالمستقبل .هو ابن لابيتس و كليمينه ، و أخو أطلس . عندما قامت الحرب بين كرونوس و التايتن من جهه و زيوس و أخوته من جهه أخرى ، انضم بروميثيوس الى جبهة زيوس ، و لذلك عندما أرسل زيوس المنتصر التايتن الى تارتاروس لعقابهم ، عفى عن بروميثيوس .جعل زيوس من بروميثيوس مستشار له لبعد نظره و حكمته .عهد زيوس الى بروميثيوس وأخيه ابيمثيوس تشكيل الحيوانات و البشر .قام ابيمثيوس بتشكيل الحيوانات بينما شكل بروميثيوس البشر .انهى ابيمثيوس الحيوانات بسرعه بينما استغرق بروميثيوس الكثير من الوقت بالرغم من رغبة بروميثوس اتقان تشكيل البشر الا أن بطئه الشديد جعل أخيه يمنح كل الهبات الى الحيوانات : السرعه فى العدو ، الرؤيه عن بعد ، السمع عن مسافات بعيده كما أعطاهم رداء من الفراء ليدفئهم من البرد ، و مختلف الأسلحه للدفاع عن نفسها مثل القرون و الأنياب و لم يبق شئ للأنسان . أشفق بروميثيوس على البشر و لجأ الى زيوس طالباً مساعدته .هام بروميثوس حباً بالبشر أكثر مما توقع زيوس . لم يشارك زيوس بروميثيوس فى حبه للبشر ، بل كان يريدهم أن يكونوا ضعفاء خائفين حتى لا يمتلكوا القوه التى تمكنهم من تحديه فى أحد الأيام .كان زيوس يرى أن المعرفه و المهارات و المواهب لن تجلب الا الشقاء للبشر الفانين ، و لكن بروميثيوس كان له رأى أخر و لكن بروميثيوس فضل البشر على ملكه المجنون بالسلطه و العظمه . أعطى بروميثيوس البشر العديد من العطايا و الهبات التى سرقها من آلهة الأوليمب هيفاستوس و أثينا و غيرهم ، فقد أعطاهم فنون العمارة و البناء ، النجارة ، أستخراج المعادن ، علم الفلك ، تحديد الفصول ، الأرقام و الحروف الهجائيه ، كما علمهم أستئناس الحيوانات و ركوبها و الأبحار بالسفن ، كما أعطاهم موهبة التداوى و الشفاء .غضب زيوس من بروميثيوس غضباً شديداً و لكنه لم يعاقبه و أكتفى بتحذيره . لم يكتفى بروميثيوس بذلك بل قام بسرقة النار من جبل الأوليمب و أعطاء قبس منها للبشر . فقد حزن بروميثيوس لرؤية البشر فى برد الشتاء محرومون من الدفء و الأمن . تألم بروميثيوس لحال البشر و قرر أن يحضر لهم النيران التى تدفئهم و تأنسهم بنورها . ذهب بروميثيوس الى هيفاستوس فى جبل الأوليمب سراً حتى لا يفتضح أمره لزيوس ، أخذ يبحث بين الكهوف و المغارات عن مقر هيفاستوس و فجأه شق الظلام شراره من النار .و وجد برميثيوس نفسه أمام البوابه الضخمه لمقر أله الحداده هيفاستوس ( المكلف بصناعة الأسلحه و الدروع للآلهه و فوق ذلك صنع صواعق زيوس ) . وبينما هيفاستوس منشغل بعمله استطاع بروميثيوس أن يسرق أحد صواعق زيوس و أخفاها داخل عصا مجوفه صنعها من النباتات . تعلم البشر كيف يقتلوا الحيانات ويطهون لحومها ، تصاعدت رائحة الشواء الى الأوليمب و علم زيوس بخيانة بروميثيوس و سرقته للنار قدم بروميثيوس له عرضاً دليل على الولاء . عرض عليه أن يقاسم البشر لحومهم الشهيه مقابل أن يسمح لهم الأحتفاظ بالنار.قام بروميثيوس المشهور بالدهاء و المكر بتقديم قربانبن الى زيوس و آلهة الأوليمب . كان أحداهم عباره عن قطع من اللحم الطازجه مخبأه داخل أمعاء ثور ( شئ طاهر مغذى فى صوره كريهه ) ، و القربان الأخر كان عباره عن عظام ثور ملفوفه فى دهن و شحم براق ( شئ خبيث فى صوره مبهره ) .خدع زيوس و أختار القربان الثانى للآلهه و بذلك أستطاع البشر الأحتفاظ باللحم لنفسهم و حرق العظام بعد كسيها بالدهن كقربان للآلهه . و مع ظهور النار بدأ سيل من الأختراعات و التقدم البشرى . و فى وقت قصير كان الفن و الحضاره و الثقافه تغزو الأرض المحيطه بالأوليمب .و مع هذا التغير اختلفت نظرة الأوليمب الى البشر الفانين و زاد أعجابهم بهم ، فهم ليسوا مجرد حيوانات همجيه ، بل هم عاقلون و لهم القدره على الأبداع و الأبتكار .غضب زيوس لذلك غضباً شديداً أهتز له جبل الأوليمب ، و قرر عقاب بروميثيوس على الأثم الذى أرتكبه فى حق سادة الأوليمب .أستدعى هيفاستوس و طلب منه أن يصنع سلاسل قويه حتى يقيد بها بروميثيوس على صخره فى جبال القوقاز . و كان كل صباح يأتيه نسر عملاق يدعى اثون ينهش كبده ، الذى يعود لينمو من جديد فى المساء ليستمر عقاب بروميثيوس الأبدى .كان بروميثيوس يتلقى عقابه متماسكاً سعيداً لأن البشر يعيشون حياه سعيده ، و لكونه بعيد النظر و قادر على التنبؤ ، فقد كان يعلم أنه سيأتى أحد الأبطال من أبناء الآلهه و يخلصه من عذابه . و كان يرى أيضاً أنه سيأتى من نسل زيوس من يقتله و يتولى الحكم من بعده ، لتكون نهاية زيوس المتجبر .عرض زيوس على بروميثيوس حريته مقابل أخباره بالنبوءةه التى تتعلق بأقصاءه عن العرش ، و لكن بروميثيوس رفض ذلك .لم يخفف هذا العقاب من غضب زيوس ، بل قرر عقاب البشر جميعاً . قرر أعطاء البشر هبه أخرى من شأنها تغيير كل الخير الذى جلبته هبات بروميثيوس الأخرى .كانت هذه الهبه هى المرأه .أمر زيوس هيفاستوس أن يشكل مرأه جميله من نيران مرجلهاعطاها هيفاستوس جسدها النارى و صوتها أعتطها أثينا قوة التحمل و القدره على الأبداع أعتطها أفروديت ألهة الحب سحراً جذاباً حول رأسها و أعطاها هيرميس عقل صغير و السطحيه فى التفكير . ثم سميت هذه المخلوقه الحسناء باندورا ( التى منحت كل شئ ) .أرسل زيوس باندورا الى ابيمثيوس شقيق بروميثيوس حامله صندوق مغلق مكتوب عيه ” لا تفتحه ” . كان ابيميثيوس حكيماً و لم يكن ليقبل هديه من الأوليمب و خاصه من زيوس ، ولكن ما أن رأى باندورا حتى خلبت لبه و أصبح عاجزاً أمامها ، لم يملك القدره على مقاومة سحرها و تقبلها طائعاً راضياً و تزوجها .لكن ابيمثيوس رفض أن يفتح صندوق باندورا ، لكن زوجته الحسناء أخذت تلح عليه أن يفعل من يدرى أية كنوز تختفى داخله .لقد صارت حياة باندورا جحيماً و هى تجلس طوال الليل الى جانب الصندوق تتخيل ما فيه . كانت هناك أصوات تناديها من داخله و تعدها بالسعاده المطلقه .كان الفضول يقتلها ، و فى النهايه انتهزت باندورا فرصة غياب زوجها و فتحت الصندوق . و فجأه أظلم العالم و خرجت أرواح شريره ( الفقر ، النفاق ، المرض و الجوع ) من الصندوق ، راحت المسكينه تدور حول نفسها فى ذعر محاوله اغلاق الصندوق فلم تستطع .فى النهايه أغلقته و لكن بعد فوات الأوان ، لقد ملأت الشرور العالم و تحولت جنة الأرض الى جحيم البشر ، و لم يبق من الأرواح حبيساً فى الصندوق الا الأمل . و لذلك بقى الأمل فى قلوب البشر ليخفف عنهم الشرور و الأثام التى تحيط بهم .بينما بروميثيوس معلقاً من قيوده على صخور جبل القوقاز ، تحدث الى أوقيانوس و بناته ، لقد كانوا جميعاً منزعجين من زيوس و أفعاله ، الا أن بروميثيوس حذرهم من بطش زيوس و أوصاهم بالصبر فقريباً سنخلع زيوس من عرشه و ما عليهم الا الأنتظار .و فى أحد الأيام مرت أيو الحوريه الهاربه من زيوس على بروميثيوس و طلبت منه معرفة مستقبلها . بالرغم من عذاب البطل النبيل ، الا أنه حاول التخفيف عن الفتاه المسكينه ، لقد تحولت الى بقره ملعونه بالجرى و الهرب من ذبابه ماشيه متوحشه تلدغها باستمرار ، و لكن مستقبلها كان أفضل منه ، على الأقل هى فانيه ليست خالده مثله و ستموت لينتهى عذابها . بعد ثلاثة عشر جيلاً ، أتى البطل هرقل ابن زيوس متسلقاً الجبل ، و يقتل النسر و يحرر بروميثيوس من قيوده . سأل هرقل بروميثيوس عن وسيلة أسترداد حريته ، قال بروميثيوس أنه يجب أن يحل محله خالد آخر فى تارتاروس ، بمعنى أخر يجب على أحد الخالدين أن يتنازل عن خلوده و يموت .كان شيرون القنطور الحكيم ابن كرونوس ( أخ غير شقيق لزيوس) لذلك كان خالداً ، و لكنه كان مصاب بجرح لا شفاء منه لدرجة أنه تمنى الموت .و عندما عرض عليه هرقل الأمر وافق أن يحل محل بروميثيوس و يتنازل عن خلوده خلاصاً من عذابه الأبدى ، و رداً لذلك الفعل النبيل أصبح شيرون من أبراج السماء ( برج القوس ) .انزعج زيوس لرؤية بروميثيوس يفلت من عقاب تلو الأخر ، فقرر أغراق البشر جميعاً و أهلاكهم بطوفان كبير .تنبأ بروميثيوس الحكيم بالطوفان و حذر أحد البشر الطاهرين و هو ديكاليون و زوجته بيرها أبنة أخيه ابيمثيوس و باندورا .بعد انتهاء الطوفان و نجاة ديكاليون و بيرها زوجته على جبل برناسوس أحسا بالوحشه و الوحده ذهبا الى العرافه ثيميس ، و بناء على مشورتها قام ديكاليون و بيرها بألقاء الحجاره وراء ظهورهم .من الحجاره التى رماها ديكاليون تولد الرجال و من الحجاره التى رمتها فيريا تولدت النساء .انجب ديكاليون و بيرها ولداً اسمياه هيلين و الذى نسب اليه اليونانيين ( الهيلانيين ) .و فى النهايه رضى زيوس أن يمنح بروميثيوس حريته و لكنه أراد أن يحمل بروميثيوس دائماً ذكرى عقابه ، فأمره بصنع خاتم حديدى من السلاسل التى كان مقيداً بها . و من ذلك اليوم و البشر يصنعون الخواتم أحتفالاً ببروميثيوس و تقديره لصنيعه .

 

 «بروميثيوس طليقاً»

percy bysshe shelley 1792 182 hi

في انتظار سقوط الطاغية
ابراهيم العريس

 

«أرجو أن يؤذن لي في هذا المقام بأن اعترف بأنني احمل بين جوانحي شهوة لاصلاح العالم، على حد تعبير أحد الفلاسفة الاسكوتلنديين، وهو تعبير لا يصدر إلا عن مثل هذا الفيلسوف (…). أما عن نفسي فإنني أؤثر أن أزج في الجحيم مع أفلاطون ولورد بيكون، عن أن أعيش في الجنة مع بالي ومالتوس. على انه من خطل الرأي أن يحسب حاسب أنني أكرس انتاجي الشعري لخدمة الاصلاح الاجتماعي وحده، أو أنني أخال أن انتاجي يشمل نظرية في الحياة مرتبة مسببة. فأنا أمقت الشعر التعليمي مقتاً لا مزيد عليه، لأن كل ما يمكن شرحه نثراً بنفس القدر من النجاح، يكون مملاّ وسقيماً إن هو نظم شعراً. لقد كان غرضي الى هذه اللحظة لا يتجاوز تقريب المثل الأخلاقية العليا الى أذهان الخاصة من قراء الشعر، وهي أذهان مصقولة. فأنا أعلم ان المبادئ الأخلاقية المجرّدة إن هي إلا بذور ملقاة في طريق الحياة، تدوسها أقدام العابرين من دون وعي منهم. ولقد كان حرياً بهذه المبادئ أن تكون غرساً مباركاً يثمر السعادة لبني الإنسان. هي حب مهدور الى ان يتعلم قلب الإنسان الحب ويتسع للإعجاب ويتخم بالثقة ويعتصم بالرجاء ويقوى على احتمال الخطوب».
> بهذه العبارات – بحسب ترجمة الراحل لويس عوض – قدّم الشاعر البريطاني برسي شيللي لواحد من أروع أعماله المسرحية والشعرية: مسرحية «بروميثيوس طليقاً». ومن الواضح ان شيللي لم يحدّد هنا، فقط، غرضه من كتابة هذه المسرحية، بل قدم وصفاً حياً لجوهر وميزات بطل المسرحية: الإنسان الأول الواعي انسانيته والساعي وراء مثله العليا، حسب الأساطير اليونانية القديمة، وكذلك حسب عشرات الكتّاب الذين استعادوا تلك الشخصية الأسطورية، ليحوّلوها أعمالا فنية تقول للإنسان مكانته ومكانه في الوجود، من غوته الى اندريه جيد وغيرهما.
> فالحال أنه من قبل شيللي ومن بعده فتنت حكاية بروميثيوس الكتاب والشعراء والقراء النبهاء عامة، إذ قدمت شخصيتها الرئيسية على صورة المتمرد الساعي الى جعل القيم والحرية، شعار وجود الإنسان على وجه البسيطة، وتحديداً ضد ارادة القوى الجبارة التي كان همها تقييده. ونعرف، طبعاً، ان الكتّاب الذين تناولوا اسطورة بروميثيوس، اعادوا دائماً تفسيرها على ضوء عصرهم وأفكارهم الراهنة، إنما من دون أن يبدّلوا من جوهرها المتحلّق من حول توق الإنسان الى الحرية. وشيللي لم يشذ عن هؤلاء، ناهيك عن انه في لغته الجميلة، وانطلاقا من شخصيته المنطلقة نفسها، عرف كيف يلبس شخصيته ومسرحيته رداء لا يزال حتى يومنا هذا، يعتبر انسانيا وخلاّقا. ولعل خير دليل على ذلك ان الشعراء والكتّاب العرب، حين اكتشفوا مسألة السعي الى الحرية والانطلاق قضية لهم مع بدايات الوعي الذاتي الفني الجديد أواسط القرن العشرين، كانت شخصية بروميثيوس، احدى اكثر الشخصيات التي اجتذبتهم فعبّروا عنها شعرا ونثرا، وأحيانا في مسالك حياتهم نفسها. فإذا أضفنا الى هذا ان شيللي، الذاتي الساعي في آن معا الى اصلاح العالم، قدّم الى المبدعين العرب -ومن دون ان يدري- تلك المعادلة التي يفتقدون اليها، بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، هم الخارجون لتوهم من مجتمعات ترى في الذاتية عيباً وخروجاً عن سنّة الجماعة، ندرك سببا اضافيا لهيامهم بشيللي وخصوصا بمسرحيته «بروميثيوس طليقا» التي ترجمها لويس عوض وقدّمها في وقتها تماما. ولكن لئن كان الفكر العربي اكتشف شيللي ومسرحيته متأخرا، فإن الفكر الأوروبي اكتشفهما باكرا، وكانا جزءا من نهضته الانسانية التي صنعت حداثته ولا تزال تفعل. ومن هنا يمكن القول من دون تردد ان «بروميثيوس طليقا» ساهمت، الى أعمال أخرى كثيرة في الطبع، في حداثة انسانية على مستوى الفكر، كان أوانها قد حان حين أعاد الإنسان اكتشاف نفسه كمركز للكون، بعدما كان نسي ذلك منذ انقضاء العصور الاغريقية.
> ان بروميثيوس، مثل انطيغون، يعتبر في مسرحية شيللي، وأيضا في الكثير من الأعمال المقتبسة عن الأسطورة نفسها، رمزاً للإرادة الإنسانية حين تجابه الصعوبات والقوى الجبارة، لكنها لا تنحو الى أي تنازل عن تلك الإرادة متحملة في سبيل ذلك كل أنواع العذاب والألم… ولعل أهمية عمل شيللي وتميّزه يكمنان في قدرة لغة هذا الشاعر على التوغل في صلب شخصية بطله، فاللغة هنا – الى الحدث – هي الأساس، لأن اللغة، بالنسبة الى شيللي هي فعل تحرر أيضا.
> نشر برسي بيشي شيللي مسرحيته للمرة الأولى في العام 1820، وكانت حين قدمت في عروضها المبكرة، مؤلفة من ثلاثة فصول، وتروي الحكاية ان النجاح الساحق الذي حققه العمل، من فوره، جعل مؤلفه يضيف اليه لاحقاً الفصل الرابع والأخير، هو أشبه بأنشودة ظافرة تأتي بعد انتصار البطل، تمجد انسانيته وارادته. في هذه المسرحية سار شيللي، فكرياً، على خطى سلفه الألماني الكبير غوته، الذي كان تناول هذا العمل بدوره، وذلك في مجال التركيز على روح التمرد لدى بطله. ومن الواضح ان استيحاء شيللي اسطورة بروميثيوس القديمة كان جزئياً. اذ لديه، صار زيوس مجرد رمز للشر، بينما صار بروميثيوس مخلصا للبشرية. والبطل هنا قد يستخدم السلاح بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن اعتماده الأول في تحرّكه يكون على المعرفة. وهو بفضل هذه المعرفة أساسا يتمكن من أن يرجع الناس الى القيم والى اتباع سبل الحكمة بعد أن يلحق الهزيمة بالشر. و تبدأ المسرحية حين يعمد زيوس، في سبيل معاقبة البطل الذي جعل من نفسه مدافعا عن البشر، الى الحكم عليه بأن يوثق عند قمة جبل في القوقاز، حيث تروح الصقور ملتهمة كبده باستمرار. وبروميثيوس يتحمل كل ما يلحق به من أذى، من دون أن يفقد أمله بالخلاص حين تحلّ نهاية زيوس ويسقط عن عرشه فيكون الانتصار لروح الخير. إنّ بروميثيوس يعرف انه إن أدلى بالسر الذي يمتلكه سيكون في امكانه ان ينقذ نفسه، لكنه لا يفعل، لأن السر ملك للبشرية لا لقوى الشر، وفي النهاية، وإذ يتحمل البطل مصيره وينتظر، يختفي زيوس إذ ينزله عن عرشه إيموغورغون، روح الكون المبدعة، فيما يقوم هرقل، الرامز الى القوة، بإنقاذ بروميثيوس ومعه البشرية من الآلام التي سببها لهم الشر. وإثر ذلك تستعيد آسيا (الرامزة الى الطبيعة) بهاءها وجمالها لتقترن ببروميثيوس، ويبدأ بذلك زمن الحب والخير.
> من الواضح ان ما أراد شيللي ان يعبّر عنه هنا، انما هو فلسفته حول فكرة الخلاص الإنساني، تلك الفكرة التي نجده يعبر عنها في بقية أعاله، وخلاصتها ان الشر ليس عضوياً جزءاً من الطبيعة البشرية، بل هو أمر عارض من الممكن، والضروري، السعي لقهره وازالته من الكون. وبالتالي فإن على كل فرد ان يقوى ويتبع المثل العليا ويسير على هدي ارادته، حتى يساهم في ازالة الشر والغائه نهائياً من على وجه البسيطة. وفي هذا الاطار من المؤكد ان الحب والإرادة والتحام الإنسان بالطبيعة (وكلها أفكار عصر النهضة التي تأسست عليها النزعة الإنسانية) تلعب دورا كبيرا، بل الدور الرئيسي، أما السلاح فهو المعرفة الممثلة باللغة كما أسلفنا.
> يعتبر شيللي واحداً من أكبر الشعراء الذين انجبتهم اللغة الانكليزية في القرن التاسع عشر، اضافة الى ان نزعته الرومانطيقية جعلته مؤسساً في هذا المجال، وبالتالي مثار نقاش دائم، بل الأكثر اثارة للسجال بين أقرانه من الشعراء والكتّاب الرومانطيقيين الانكليز، خصوصا ان رومانسيته يغلب عليها نزعة تفاؤلية. ولد شيللي العام 1792، في ساسكس ببريطانيا لأب ثري. وهو تلقى الجزء الأساسي من دراسته في اكسفورد حيث ارتبط بصداقة مع توماس جفرسون هوغ، الذي سيكتب سيرته لاحقا. غير انه طرد من اوكسفورد لاحقاً بتهمة الدعوة الى الالحاد. وفي ذلك الحين تزوج ثم تعرف الى الفيلسوف الفوضوي ويليان غودوين فتأثر به كثيرا، ثم تزوج ابنته في زواج ثان. وبعد ذلك، وفي الوقت الذي راح ينشر فيه أعماله، تجوّل في أوروبا (فرنسا ثم ايطاليا التي سيموت فيها العام 1822) وهو كتب معظم أعماله خلال اقامته في ايطاليا، ومن أبرز تلك الأعمال اضافة الى «بروميثيوس طليقا»: «سنسي» و«أدونيس» و«آلاستور أو روح العزلة» و«دفاعا عن الشعر» و«ثورة الإسلام» و«انتصار الحياة».

نشيد الجبار ( هكذا غنّى بروميثيوس )

سَأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعْداءِ كالنِّسْر فوقَ القِمَّة ِ الشَّمَّاءِ
أَرْنو إِلَى الشَّمْسِ المضِيئّة ِ..،هازِئاً بالسُّحْبِ، والأمطارِ، والأَنواءِ
لا أرمقُ الظلَّ الكئيبَ..، ولا أَرى ما في قرار الهَوّة ِ السوداءِ…
وأسيرُ في دُنيا المشاعِر، حَالماَ، غرِداً- وتلكَ سعادة ُ الشعراءِ
أُصغِي لموسيقى الحياة ِ، وَوَحْيها وأذيبُ روحَ الكونِ في إنْشائي
وأُصِيخُ للصّوتِ الإلهيِّ، الَّذي يُحيي بقلبي مَيِّتَ الأصْداءِ
وأقول للقَدَرِ الذي لا يَنْثني عن حرب آمالي بكل بلاءِ:
“-لا يطفىء اللهبَ المؤجَّجَ في دَمي موجُ الأسى ، وعواصفُ الأرْزاءِ
«فاهدمْ فؤادي ما استطعتَ، فإنَّهُ سيكون مثلَ الصَّخْرة الصَّمَّاءِ»
لا يعرفُ الشكْوى الذَّليلة َ والبُكا، وضَراعَة َ الأَطْفالِ والضُّعَفَاء
«ويعيشُ جبَّارا، يحدِّق دائماً بالفَجْرِ..، بالفجرِ الجميلِ، النَّائي
واملأْ طريقي بالمخاوفِ، والدّجى ، وزَوابعِ الاَشْواكِ، والحَصْباءِ
وانشُرْ عليْهِ الرُّعْبَ، وانثُرْ فَوْقَهُ رُجُمَ الرّدى ، وصواعِقَ البأساءِ»
«سَأَظلُّ أمشي رغْمَ ذلك، عازفاً قيثارتي، مترنِّما بغنائي»
«أمشي بروحٍ حالمٍ، متَوَهِّجٍ في ظُلمة ِ الآلامِ والأدواءِ»
النّور في قلبِي وبينَ جوانحي فَعَلامَ أخشى السَّيرَ في الظلماءِ»
«إنّي أنا النّايُ الذي لا تنتهي أنغامُهُ، ما دامَ في الأحياءِ»
«وأنا الخِضَمُّ الرحْبُ، ليس تزيدُهُ إلا حياة ً سَطْوة ُ الأنواءِ»
أمَّا إذا خمدَتْ حَياتي، وانْقَضَى عُمُري، وأخرسَتِ المنيَّة ُ نائي»
«وخبا لهيبُ الكون في قلبي الذي قدْ عاشَ مثلَ الشُّعْلة ِ الحمْراءِ
فأنا السَّعيدُ بأنني مُتَحوِّلٌ عَنْ عَالمِ الآثامِ، والبغضاءِ»
«لأذوبَ في فجر الجمال السرمديِّ وأَرْتوي منْ مَنْهَلِ الأَضْواءِ”
وأقولُ للجَمْعِ الذينَ تجشَّموا هَدْمي وودُّوا لو يخرُّ بنائي
ورأوْا على الأشواك ظلِّيَ هامِداً فتخيّلوا أنِّي قَضَيْتُ ذَمائي
وغدوْا يَشُبُّون اللَّهيبَ بكلِّ ما وجدوا..، ليشوُوا فوقَهُ أشلائي
ومضُوْا يمدُّونَ الخوانَ، ليأكُلوا لحمي، ويرتشفوا عليه دِمائي
إنّي أقول ـ لَهُمْ ـ ووجهي مُشْرقٌ وَعلى شِفاهي بَسْمة اسْتِهزاءِ-:
“إنَّ المعاوِلَ لا تهدُّ مَناكِبي والنَّارَ لا تَأتي عَلَى أعْضائي
«فارموا إلى النَّار الحشائشَ..، والعبوا يا مَعْشَرَ الأَطفالِ تحتَ سَمائي»
«وإذا تمرّدتِ العَواصفُ، وانتشى بالهول قَلْبُ القبّة ِ الزَّرقاءِ»
«ورأيتموني طائراً، مترنِّماً فوقَ الزّوابعِ، في الفَضاءِ النائي
«فارموا على ظلّي الحجارة َ، واختفوا خَوْفَ الرِّياحِ الْهوجِ والأَنواءِ..»
وهُناك، في أمْنِ البُيوتِ،تَطارَحُوا عثَّ الحديثِ، وميِّتَ الآراءِ»
«وترنَّموا ـ ما شئتمُ ـ بِشَتَائمي وتجاهَرُوا ـ ما شئتمُ ـ بِعدائي»
أما أنا فأجيبكم من فوقِكم والشمسُ والشفقُ الجميلُ إزائي:
مَنْ جاشَ بِالوَحْيِ المقدَّسِ قلبُه لم يحتفِلْ بفداحة الأعباءِ”

مهند النابلسي – الأردن

فيلم بروميثيوس

Watch This Movie Here: http://dld.bz/prometheus

بروميثيوس: فيلم خيال علمي رائع

مهند النابلسييتميز إخراج ريدلي سكوت الرؤيوي بعدة عناصر لافتة منها المامه بالتفاصيل الدقيقة، واختياره الملائم للشخصيات، وطرحه لأفكار جديدة. وهو يجعلك كمشاهد ترتشف المغزى باستعراضه المدهش للمشاهد الخلابة المشحونة بالمدلولات والمؤشرات الذكية التي تمتع وتحفز الدماغ وترتبط بالمعنى الكلي للقصة وأحداثها.

ويظهر ذلك جليا في ملحمة الخيال العلمي الجديدة “بروموثيوس” (2012) التي يغامر بها باكتشاف الزوايا الأكثر غموضا وخطورة في الكون، يقوم فريق من العلماء والمستكشفين برحلة كونية مثيرة تسعى لاختبار قدراتهم وإمكاناتهم العقلية والجسمية، وكأنهم يسعون بعناد لتحدي أحد أم ألغاز الوجود البشري على سطح الأرض.

قصة الفيلم مقدمة بشكل بالغ التركيز، وتتحدث عن مركبة فضاء تهبط على كوكب أو قمر بعيد قاحل، وتتعرض لبعض الأضرار بفعل الهبوط الاضطراري المبكر. ويحاول الطاقم المنتقى بعناية إصلاحها. وتبدأ المغامرة باكتشافهم لمعبد فضائي كبير وبداخله “مجسم دماغ حيوي غريب ” محنط، وآلاف الجرار البدائية. ويبادر دافيد “الإنسان الروبوتي” بجلب بعض الجرار إلى داخل المركبة لتحليل محتوياتها. ويتبين أن بعض هذه الجرار يحتوي على المادة الوراثية لآلاف الأنواع الحيوية ( الحامض النووي) ضمن سائل لزج قادر على إعادة استنساخ أي كائن حي بشكل خلوي، وبعضها الآخر يحتوي على مكونات فتاكة لأسلحة بيولوجية متطورة.

وتبدأ “لعنات الغرباء” بالانتقال لطاقم الرحلة بسرعة غير متوقعة، فيعانون من مظاهر العدوانية وفقدانهم لتواصلهم الإنساني الضروري. كما يتعرضون لرؤى وهلوسات مرعبة، ناهيك عن انتقال العدوى الفيروسية الغامضة لهم وتمكن مخلوقات “أخطبوطية” النفاذ لأجسام بعضهم.

ويقوم أعضاء الطاقم تلقائيا بالحج إلى أعماق المعبد الفضائي، وكأنهم سحروا، ويتلقون رسائل تخاطرية من قبل “الدماغ الحيوي الفضائي” الكامن في قلب المعبد الأسطوري، وبدا وكأنه يمارس عليهم نوعا من الشعوذة الفضائية الخارقة.

وفي النهاية التراجيدية المتوقعة، تقوم المسوخ الفضائية الشريرة والشرسة بمهاجمة الفريق الإنساني، وتقضي على أفراده، باستثناءا العالمة الجريئة “شو” وبقايا الروبوت “دافيد” (الذي تقوم شو بإعادة تجميعه وتركيب رأسه)، ليقوما برحلة مثيرة جديدة لموطن الفضائيين الأصلي.

أما اللقطة الأكثر إثارة للجدل في هذا الخيال العلمي الجامح والفريد، فتكمن في اكتشاف الرواد بالصدفة تشابه مناخ “القمر” الجوي مع مناخ الأرض، وذلك عندما يلاحظ احدهم بعد إزالته لخوذته الفضائية أنه يتنفس بسهولة تامة. وربما يفسر هذا سبب اختيار ” المهندسين الغرباء” لكوكب الأرض تحديدا لزرع بذور حامضهم النووي في غابر الزمان.

فيلم بروميثيوسولعل في ذلك محاولة جريئة وفريدة لسبر لغز الحياة النهائي، ولكنه يصطدم بالمقابل بوجود كائنات فضائية خارقة، تحاول التماثل مع دور “الآلهة الإغريقية ” العديمة الرحمة (من هنا اقتبس اسم الفيلم): فاتحون قساة لن يقبلوا بالبشر المحدودي القدرة ندا لهم، ويلعبون دور “المهندسين الكونيين” باستعلاء، وقد صمموا أسلحة بيولوجية فتاكة ومراكب فضائية خارقة، ساعين بعناد للعودة لتدمير “مخلوقاتهم” الافتراضية.

نتعلم من الفيلم الكثير عن أنفسنا كجنس بشري إذا ما أبحرنا وتوغلنا أكثر فأكثر في الفضاء الكوني الخارجي، حيث تسيطر علينا كبشر فكرة أزلية: ما هي أصولنا؟ ومن أين جئنا ككائنات ذكية متميزة ؟

تبدو فكرة تكون بذرات الحياة من خارج مجرتنا فكرة عبثية، تصطدم وتتلاعب بالمفاهيم اللاهوتية والدينية، كما أنها تثير تساؤلا منطقيا: لماذا يقوم هؤلاء ” الفضائيون الغرباء ” بمحاولة العودة لتدمير مخلوقاتهم بعد مضي اكثر من 35000 عام على زيارتهم الأولى لكوكب الأرض؟ وهل كانت رحلة مركبة “بروموثيوس” ذات طابع استباقي رؤيوي؟ وهل استفزت نياتهم الشريرة وداهمتهم قبل أن يباشروا بهجومهم المرتقب في نهاية القرن الحادي والعشرين؟ ولماذا يخاطر رجل أعمال ثري ومهووس (ويلاند) بتمويل رحلة فضائية باهظة التكاليف (تريليون دولار) وحافلة بالمخاطر غير المتوقعة ؟ ولماذا لا يتضمن الفريق الاستكشافي المتنوع المغامر ضباط حراسة أشداء ومهندسي صيانة مهرة تحسبا للطوارئ؟

يبدو هنا تأثر كل من المخرج وكتاب السيناريو والقصة بكتاب “عربات الآلهة” لكاتب الخيال العلمي السويسري الشهير ايريك فون دانيكن، الذي صدر في العام 1968، وهو الكتاب الذي لاقى رواجا كبيرا، والذي أشار فيه بوضوح لدور افتراضي محتمل لفضائيين كونيين في إنجازات الحضارات القديمة (كالمصرية والانكا على سبيل المثال). وساد اعتقاد مؤكد عبر العصور بأنه من الصعب تحقيق المستوى الحضاري الذي وصلت البشرية بدون مساعدة (خارجية) ما.

يتميز الفيلم بجمعه لخصائص مركزة من المزاجية والجدية والإبداع والتسلية والتشاؤم والتفاؤل والأثارة، ويخلطها بشكل ساحر لينتج عملا بصريا نادرا يتنافس بجدارة بل ويتفوق (نظرا للمؤثرات السينمائية المتقدمة والاستباقية) على فيلم “أوديسا الفضاء” لستانلي كوبريك.

http://www.youtube.com/watch?v=kEyns3hjDWo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *