الامام علي الرضا عليه السلام

    قال الإمام علي الرضا عليه السلام
    الإيمان أربعة أركان التوكل على الله والرضا بقضاء الله والتسليم لأمر الله والتفويض إلى الله

بسم الله الرحمن الرحيم  لما كان المتعارف عند تحقيق المخطوط التعريف بالمؤلف والكتاب تعريفاً يتناسب وحجم المخطوط كماً وكيفاً ، ليكون تقديماً بين يدي القاريء الكريم ، فحري بنا أن تكون مقدمتنا هذه مختصرة . 

    ماذا أقول ، وما عسى الكاتب أن يكتب ، والبيان أن يحيط في تعريف ولي من أولياء الله ، ووصي من أوصيائه ، وامام من أئمته في أرضه ، سليل النبوة ، ومعدن الرسالة ، وينبوع العلم ، ثامن الأئمة ، الامام الرضا علي بن الامام الكاظم موسى بن الامام الصادق جعفر بن الامام الباقر محمد بن الامام السجاد زين العابدين علي بن الامام الشهيد بكربلاء الحسين بن الامام علي بن أبي طالب عليهم أفضل الصلاة والسلام .

 هيهات هيهات ، ضلت العقول ، وتاهت الاحلام ، وحارت الالباب ، وحصرت الخطباء ، وكلت الشعراء ، وعجزت الادباء ، وعييت البلغاء ، في وصف شأنه ، وأقرت بالعجز والتقصير . فذكره قبس من نور الله يهدي المستنير به نحو السبيل الاقوم ، وقدسية لاتضارعها قدسية ، وعصمة متوارثة : امام بعد امام . 

    فهو علم الهدى ، والمثل الاعلى في العلم والورع والتقى ، والحلم والاخلاق ، كرس حياته الطاهرة لاعلاء كلمة الاسلام ، وتاريخه حافل بجلائل الأعمال . انطلقت أعماله عن عقيدة وايمان ، استهدفت اصلاح أمة جده خاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي أرسله الله سبحانه وتعالى منقذاً لعباده من الظلمات الى النور .
    وقد أجاد الحسن بن هانئ المعروف بأبي نؤاس حين عوتب على الامساك عن مديحه حيث قال :

قيل لي أنت أوحد الناس طراً 

    في فنون من الكلام النبيه
    لك من جوهر الكلام بديع
    يثمر الدر في يدي مجتنيه
    فعلام تركت مدح ابن موسى
    والخصال التي تجمعن فيه
    قلت لا أهتدي لمدح امام
    كان جبريل خادماً لأبيه(1)

(1) أنظر كشف الغمة 3|111 ، مرآة الزمان 9|22| أ .  ولادته ووفاته :  ولد عليه السلام في مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، سنة ثلاث وخمسين ومائة من الهجرة النبوية (1) . وقال الشيخ المفيد قدس سره : كان مولده عليه السلام سنة ثمان وأربعين ومائة (2) . 

    وتوفي مسموماً بطوس ، في قرية يقال لها سناباذ ، ودفن في دار حميد بن قحطبة الطائي ، في القبة التي دفن فيها الرشيد ، الى جانبه مما يلي القبلة ، وذلك في أول سنة (203) هـ (3) . وقد تم عمره الشريف تسعاً وأربعين عاماً وستة أشهر ، أو خمساً وخمسين عاماً على ما ذكره الشيخ المفيد . وكانت مدة امامته عليه السلام وقيامه بعد أبيه عشرين عاماً .
    ولما كانت شخصية الامام الرضا عليه السلام متشعبة الجوانب أسمى من أن يحيط بها بيان ، تركت الخوض في خضمها لاصحاب الموسوعات التاريخية من ذوي الاختصاص .
    من خلال الاحداث :
    من الضروري أن نجد العلاقة بين امامنا الرضا عليه السلام ، الذي عاش جل حياته بيثرب ، وبين عبد الله بن هارون الرشيد الخليفة العباسي المعروف بالمأمون من خلال الاحداث .

(1) عيون أخبار الرضا : 18 .

    (2) ارشاد المفيد : 341 .
    (3) تاريخ اليعقوبي : |193 ، مرآة الزمان : 9|22 أ .

 لقد عاصر الامام عليه السلام ستة من خلفاء بني العباس ، وهم : والمنصور ، والمهدي ، والهادي ، والرشيد ، والامين ، والمأمون . وكانت البلاد الاسلامية آنذاك تتمخض عن ثورات علوية متتالية ، فكلما قضى على واحدة منها قامت الاخرى . 

    وكان المأمون يعيش خضم تلكم الاحداث السياسية ، الا أنه بدهائه وسعة حيلته ، رأى أن يجنح للاكثرية الساحقة في البلاد ، وتسخيرها لاغراضه .
    فاشخص عميد البيت العلوي الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام من مدينة جده صلى الله عليه وآله الى مرو عاصمة ملكه ، لما رأى من فضله البارع ، وعلمه النافع ، وورعه الباطن والظاهر ، وتخليه عن الدنيا وأهلها وميله للاخرة وايثاره لها ، وبعد ان أيقن أن الناس عليه متفقة ، عقد له ولاية العهد من بعده ، فأطفأ بذلك غضب العلويين .
    كان اشخاصه عليه السلام على يد رجاء بن أبي الضحاك ، وأمره المأمون أن يترك طريق الكوفة وقم ، ويأخذ به طريق البصرة والأهواز وفارس حتى يوافى مرو (1) .
    ولما وصل الامام عليه السلام الى نيسابور وهو راكب بغلته الشهباء ، فاذا بمحمد بن رافع وأحمد بن الحرث ويحيى بن يحيى واسحاق بن راهويه وعدة من أهل العلم قد تعلقوا بلجام بغلته لطلب الحديث منه ، والرواية عنه ، والتبرك به ، فأجابهم لذلك ، ثم سار متوجهاً الى مرو ، فتلقاه المأمون بنفسه وأعظمه (2) .
    ثم جرت بين الامام عليه السلام والمأمون خطابات كثيرة في أمر الخلافة والولاية ، حتى اضطر الامام لقبول ولاية العهد . فكتب المأمون نص الولاية

(1) عيون أخبار الرضا : 2|149 .

    (2) مرآة الزمان : 9|15 أ .

بيده ، نذكر منها قوله … واني لم أزل منذ أن أفضت الي الخلافة أنظر من أقلده أمرها ، وأجتهد من أوليه عهدها ، فلم أجد في العالم من يصلح لها ، وينهض بأعبائها الا أبا الحسن علي بن موسى الرضا … الخ (1) . 

    كما أمر المأمون الولاة والقضاة والقواد وولد العباس ببيعة الامام عليه السلام ، فبويع «ع» لليلتين خلتا من شهر رمضان ، في السنة الاولى بعد المأتين من الهجرة ، وأمر المأمون الناس بلبس الخضرة شعاراً للعلويين بدل السواد ، وكتب بذلك الى الافاق ، واخذت البيعة فيها للامام عليه السلام ، ودعي له على المنابر ، وضربت الدنانير والدراهم باسمه (2) .
    حتى اذا هدأت البلاد ، وتغلب المأمون على الثائرين والمناوئين لسلطانه في كل مكان استطاع أن يصنع بولي عهده ما كان يخفيه .
    وقد تكللت فترة ولاية العهد هذه بمناظرات ومحاججات كثيرة في مختلف العلوم والفنون مع جهابذة العلم والمعرفة آنذاك ، وكانت تعقد تلك المناظرات بأمر وحضور المأمون ، فأفحم الامام عليه السلام كل من ناظره وحاججه . فظهر للناس فضله وعلمه ، وأحقيته بالخلافة .
    تاريخ الرسالة الذهبية :
    في حدود تتبعي واستقرائي لبعض المصادر التاريخية المتوفرة لم أعثر على تاريخ اصدار هذه الرسالة ، لكن يمكن تحديد الفترة الزمنية التي أرسلت فيها ـ كما رواها ابن جمهور في سندها الاتي ـ أنها كانت بعد اشخاصه عليه السلام من المدينة المنورة ، أي بين سنة (201 ـ 203) هـ .

(2) تاريخ اليعقوبي : 3|189 .  محتوى الرسالة : 

    لقد اراد المأمون معرفة أصول حفظ صحة المزاج ، وتدبيره بالأغذية والاشربة والادوية مستقاة من منبعها العذب ، فطلب من الامام عليه السلام بيان ذلك ، وكرر الطلب ، فكتب اليه هذه الرسالة ، فلما وصلت الى المأمون أمر بأن تكتب بماء الذهب .
    ولعل أهم ما يطوف في ذهن القارئ حول أهمية هذه الرسالة وما تعنيه دلالتها التاريخية انها تمثل مرحلة تاريخية تتعلق بفن الطب وتطوره في العصر الاسلامي الأول ، فهي تكشف للمعنيين بالطب وتاريخ تطوره عبر العصور غزارة علمه عليه السلام ، وسعة اطلاعه .
    ومن خلال هذا المنطلق أمكنني تقديم دراسة مسهبة للرسالة الذهبية مقسماً اياها الى عدة فصول .
    لقد جاءت هذه الرسالة بمجموعة من النصائح والارشادات الطبية العامة القيمة ، والتي كانت حصيلة تجاربة عليه السلام مضافاً اليها ما سمعه عن آبائه عليهم السلام ، من أقاويل القدماء أيضاً . كما أشار الى ذلك بقوله عليه السلام في مستهل رسالته : « عندي من ذلك ما جربته عرفت صحته بالاختبار ومرور الايام ، مع ما وقفني عليه من مضى من السلف مما لا يسع الانسان جهله ولا يعذر في تركه » .
    ففي الفصل الاول : نرى الامام عليه السلام قد سبق علماء الطب في العصر الاسلامي في العديد من الاراء والاكتشافات التي أصبحت الاساس الرئيس في التجارب الطبية ، بل يمكن القول بأنها النواة الأولى لاراء الاطباء فيما بعد .
    فكان عليه السلام أول من شبه جسم الانسان بالمملكة الصغيرة المتكاملة ،

فقال : ان هذه الاجسام أسست على مثال الملك . فملك الجسد هو مافي القلب ، والعمال العروق في الاوصال والدماغ ، وبيت الملك قلبه ، وأرضه الجسد ، والاعوان : يداه ورجلاه وعيناه وشفتاه ولسانه وأذناه . وخزائنه : معدته وبطنه وحجابه وصدره . 

    وليس المهم في هذا الوصف الرائع التشبيه بالملك والمملكة وانما المهم فيه دلالة هذا التشبيه على معرفته عليه السلام بتشريح أعضاء الجسم الرئيسة ، وفسلجة كل عضو منها .
    فاستهل عليه السلام بتشبيه القلب وما فيه بمثابة الملك في رعيته ، فكما أن الملك هو الشخص الاول والحاكم الرئيس في تسيير أمور المملكة كذلك جعل القلب وما فيه الاساس في بقاء الحياة الانسانية ، فمتى توقف القلب عن العمل توقفت الحياة في سائر الجسد .
    كما مثل عليه السلام المجموعة المتكاملة من الشرايين والاوردة والشعيرات الدموية ، والتي أسماها بالعروق ، ومن جميع الاوصال وما يصير سبباً لوصل مفاصل البدن ، وبها تتم الحركات الارادية واللا ارادية المختلفة ، ومن الدماغ الذي يعتبر المركز الاول للاحساس في الجسم . مثل هذا وذاك بالعمال لادارة شؤون هذه المملكة ، وهم الجنود الامناء الاوفياء لها . فهم يحافظون على المملكة بجميع أجزائها من المؤثرات الخارجية .
    كما شبه الجسد بكامل أعضائه وأجزائه بأرض هذه المملكة . ثم أوضح عليه السلام بتمثيله الرائع فسلجة كل عضو من أعضاء الجسم ، وما يقوم به من الوظائف المهمة ، فاشار الى اليدين ووصفهما بأعوان الملك : يقربان ما يريد ويبعدان ما يرفض . وان الرجلين ينقلانه من مكان لاخر حسب رغبته ، وطوع

ارادته . كما وصف العينين بالسراج ، حيث لا يمكن البصر بدون سراج ، فبهما ينظر القريب والبعيد . أما الاذنان فهما المصدر المهم لاستقبال المعلومات من الخارج ، كما أن اللسان بمعونة الشفتين والاسنان ، هو الاداة المعبرة عن ارادة الملك . 

    ثم استطرق عليه السلام في تشبيه جوف الانسان وما يحويه من صدر ومعدة وأمعاء وتوابعهما بالخزانة ، فمنها يتزود الانسان بالغذاء والمواد الحيوية الاخرى فما أعظم هذه المملكة الصغيرة المحتوى ، العظيمة التكوين !! فتبارك الله أحسن الخالقين .
    وفي نهاية هذا الفصل أوضح عليه السلام تأثير الفرح والحزن وغيرهما من العوارض الخارجية على الوجه ، وبيان مركز كل منهما .
    وفي الفصل الثاني جاءت ارشاداته عليه السلام في كيفية تناول الغذاء والشراب من حيث الكيف والكم ، كل ذلك حفاظاً على صحة البدن ، فابدى نصحه في تناول الغذاء : كل حسب طاقته وقدرته ومزاجه ، مع مراعاة الزمان والمكان ، لغرض استمراء الغذاء بصورة صحيحة ، والاستفادة منه على النحو الافضل . لان الاخلال في المأكل والمشرب سواءاً كان بزيادة أم نقصان يكون السبب في العديد من الامراض ،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *