القوادة في العصر الاسلامي

 

التيفاشي، بحسب محقق الكتاب الأستاذ جمال جمعة، هو شهاب الدين أبوالعباس أحمد بن يوسف التيفاشي القيسي التيفاشي. ولد في قرية تيفاش عام 580 هجريّة 1184 ميلاديّة، وكانت من قرى قفصة التونسيّة، لكنها الآن ضمن قسنطينة بالجزائر.

من كتاب نزهه الالباب فيما لايوجد كتاب لمؤلفه :شهاب الدين احمد الِتيفاشِي

“الباب الثاني في اصناف القوادين والقوادات وما جاء فيهم من نوادر واخبار ”

* اصناف القوادين اثنان وعشرون صنفاً. منها عشرون على الاناث وإثنان على الذكور , من النساء عشرة ومن الرجال عشرة, وإثنان ليسا هم من الرجال ولا من النساء,وهما ممازجا الصنفين وهم : الخدام والمخنثون .

فأما القوادون الذيين على الاناث فهم :

1-الحَوشُ

2-ثم حوشُ الحوشِ

3-ثم المعرَس

4-ثم السمسار

5-ثم الدوارٌ

6-ثم الُدكدَف

7-ثم المرحٌل

8-ثم المسكَن

ولكل واحد من هؤلاء طبقه يختص بها .

*فأما (الحوش)
ويُسمى عند العجم الزملكاش . فهو المُرصد لحمل الجُنك وغيرة من آلات المغنى , ووظيفته انه يوصل الجاريه الى بيت حَريفها ويسلم لها آلتها ويأخذ خُفها وإزارها فيرجع به, ثم يحمله إليها عند انفصالها ويحملها الى منزلها .
وهذا فلا رسم له معلوم وإنما هو على مايُوهبُ له ويجاد به عليه , وليس له عدة ولا آله.

*واما (حوش الحوش )

فهو الذي اذا استقرت جاريه في بيت محصلها دخل الى الدهليز واخرج كنفاً فيه عدته واكثر واكثر صناعته , وذلك ميزان لطيف ومحك الذهب وزناد وحراق وفضله شمعه وجُلجُل حسن الصوت .
فإذا تسلمت المرأة جدرها ذهبا كان او دراهم دفعته اليه ورجعت الى حريفها,فإن كان ليلاً قدح الزناد واوقد الشمعه ثم حك الذهب او وزن الدراهم, فإذا صحت اخذها وانصرف, وإن كان الذهب بَهرجا او الدراهم ناقصهاو زُيوفاً حَرك الجُلجُل وهو الجرس الصغير فسمعت فخرجت اليه فأخبرها بالخبر فرجعت باكيه إلى محصلها وقالت: (الدليل على اني لم اعجبك أعطيتني بَهرجاً او زُيوفا) فلا تستقر
حتى يوفيها او يعوضها .

*واما (المعرس )

فهو نوعان احدهما يسمى: الاقرع والآخر الملآن .
فأما الاقرع : فهو الذي له بيت نظيف حسن الفرش ولا شغل له الا الجمع فيه بين النساء والرجال , غير ان الذين يجتمعون عندة يتعارفون بأنفسهم قبل الاجتماع عندة , وإنما عليه المنزل لاغير .
وإنما سُمي الاقرع لأن منزله خالياً لاشئ فيه .

اما الملآن:فهو الذي له منزل يُحضر فيه امرأة مُستحسنه ثم يدعو إليها من يبها بها اي يجامعها .

* اما (السمسار)

فهناك ايضاً نوعان , احدهما يُسمى بالمدلس والآخر يُسمى القَطاة.
فأما المدلس: فهو الذي يجلس على دكاكين البزازين والتجار ثم يعرض ويقول : (ما اطيب عيش الناس وما الذ ما هُم فيه! لقد اصبحت فلانه من املح الناس واظرفهم , وليست غاليه, بعد ان كانت بخمس دنانير رجعت الى دنيارين) ولا يزال يتحدث مع بهذا أو شبهه مع من يتوهم فيه الانقياد له إلى ان يقرر معه حضور فلانه بنت فلآن , أو امرأة فلان بعينها, ويأخذ منه على ذلك قدرا عظيما, ثم يُحضر له امرأة غيرها يُسميها يإسمها , ويتواطا معها على ذلك . وربما اختارها في قدر المُسماة ولحمها !”
واما القطاة: ففعله بالسمسرة فعل المدلس إلا انه يٌحضر التي ذكرها بعينها ولهذا سُمي “قطاة” فإن الناس يقولون في المثل للرجل الصادق : “هو اصدق من القطاة”

 

* واما (الدوار)

فوظيفته إذا سمع أن موضعا فيه جماعه على شراب , ويتوهم فيهم السماح او اليسار, فيمضي يستأجر بغياً, ومن شرطها ان تكون طويله سمينه ذات شخص يملؤ البصر ’ فيستأجر لها ثيابا حسنه ويأتي بها وراءه الى باب الدار فيقرع الباب قرعاً لطيفا, فإذا اجيب قال لمجيبه: (قف لي اكلمك)فإذا خرج له قال له: (قل لفلان يكلمني ), لشخص غير معروف, فيقو له : (ماهذا الاسم عندنا ) فيقول : (ستر الله عليكم ) والمرأة تتراءى من بُعد وتتبهرج ثم يُولي هو ويقول : (لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم, اين اجدة في هذة الساعه ؟ وكيف حصلتُ هذة وخرجت من بيتها ؟) ويلتفت ويقول : (ياسيدي ماتدلني على منزله؟ وهو يسكن في هذة الحومة بلا شك ), فيسأل عن امره فيقول بعد تمنع كبير واستكتامعظيم لمن يسأله: إن معه شخصا مستورا عشقه فلان “الذي سماه وانفق عليه واحتال في وصوله اليه بكل حيله فلم يتمكن له ذلك الى ان دل عليه اي من بعطائه عليه ووعدة بخلعه نفيسه وصِله سنيه على تحصيله . فلم يزل يحتال ويتلطف في امرة , ووجدت الان فرصه فخرجت معه وغلط بالدار .
ثم يرغب لهم في كتمان هذا الامر وان يدلوه دار ذلك الشخص, فيشيع الخبر بين الندماء ويخرجون اليه وقد اخذ منهم النبيذ فيتطارحون عليه في ان يؤثرهم بها فيمتنع فيرغبوة , فإذا نال منهم فوق مايؤمل سلمها لهم وانصرف.

* واما (الدكدف)

فهو رجل يتزيا بزي التجار ويلبس ثياب نظيفه ويضع في كُمه جمله مفاتيح ويقصد بها دهاليز الفنادق وابواب القياصر ومواضع الخلق المجتمعه فيجلس هناك . فإذا رأى رجلان يتخاصمان كانا نُهزة طمعه . فإذا اشتد الش بينهما فلابد يتسابا بالام والاخت والزوجه كما جرت العادة بين المُتسابين بين العوام في المسابه,فإذا انقضى شرهما عمد الى من يتوهم انه اقربهما وقوعا لما يريد منه, فيجلس معه على إنفراد ثم يقول له كالمتظلم له والمُشفق عليه: (ماشاءلله كان. والله لقد صار في الدنيا مصائب ولقد تجرأ الناس على العظيم ويقدمون على الكبائر ويتم لهم , والله لقد بلغ مني كلام هذا الرجل معك وجرأته عليك مبلغاً هممت ان اقول مافي نفسي ويفعل الله مايشاء) فيقول له الرجل: (وماذلك؟) فيقول : (سمعته يقول لك يا إبن الفاعله او يازوج الفاعله فأظلمت الدنيا في عيني لعلمي من البواطن بما لا يعلمه الى الله )فيقول له الرجل : (وماذا تعلم ؟)فيقول له : (دع هذا واشتغل عنه والعن الشيطان فقد انقضى شرة معك ) فيقول له : (لابد ان تعرفني ) ويسأله فيرغب اليه فيقول له بعد جُهد : (زوجته اليوم في ميعادي وقد انفذت لها جدرها واعددتُ مجلسي معها ) فإذا سمع الرجل ذلك انقاد اليه وقال : (يا اخي وهل يمكن ان تطلعني عليها ؟) فيقول له : (والله لولا ماسمعته في سبك ماسمحت بهذا ابداً لكني اصطنع اليك يداً إن عرفت قدرها ) فيقول له الرجل : (إني لعالم بقدر صنعيك شاكر لبرك ) فيقول له : (إني ارسلت لها الجدر مع قواد يتصرف عليها , وانا امضي اليه انظر ما صنع , فإن لم يكن عائق اتيتك بها وآثرتك بيومي عليها )

فيشكرة على ذلك وينصرف ويحر له قوادا يتواطأ معه على ذلك فيذكر انه دفع لها الجدر اي المال ووعدته وقتاً من النهار, فيسأله عما دفع فيذكر ماصار الرجل اليه, فإذا كان للرجل موضع إجتماعه بها في موضعه , وإن لم يكن له مكان حمله لمنزله وجعل ذلك من تمام الصنيعه اليه .
ثم يعمد الى امرأة فاجرة فيكريها ويكتري لها ثيابا وحليا جيدا ويحملها اليه ,فإذا وصلت الى المنزل استدعى الرجل وقال له : (لا تٌمهلها حتى تنال منها الغرض الذي تكسر بها عين خصمك وتوكس بحرمته اي تنقص منها * وايضا اخبرك بما هو عجيب ادلك عليه , وهو الذي اذا عملته تحصل به رأس خصمك تحتك بقيه الدهر, وذلك انه بالامس اشترى خاتما من فلان الخواتمي , فإن احتلت وتلطفت حتى تأخذ الخاتم ويحصل في حوطتك بحيث إن عاد الى شرك اريته اياه, او اشرت له من بعيد
كان ذلك اعظم اليه من ان تضرب عنقه, ولا يعود يقابلك بعدها بشئٍ تكرهه, ولا يتعرض لك في مكان تمر به )
فيشكره الرجل على ذلك , وقد كان هذا القواد اشترى للمرأة خاتم بدرهم وقال لها اذا طلبه منك فبل سبيل ان تسلميه له , ولا يخرج عن يدك بأقال من دينارين او ثلاثه, او غير ذلك مما يعلم ان حال الرجل يحمله وقدرته تصل اليه ومؤونته تسهل عليه.
فإذا دخل الرجل المنزل لم يخالف ما امرة به صاحبهمن قضي الغرض معجلاً. ثم يدل على المرأة ويداعبها ويقول لها : (احب ان تهبيني الخاتم حتى اتذكرك به ) فتقول : (ياسيدي خذ ماشئت من ثيابي وقماشي وحُليي ودع هذا الخاتم فإن بعلي اشتراة بالامس من فلان الخواتمي – وتذكر الرجل الذي سُمي له- واخشى ان يراه بيدك فأهلك ومعي من خواتيم الذهب وهذي الحلي والخرق مالم يعلم لها صانعاً فخذ ماشئت منه فإنه إن ظهر لايعلم انه لي ولايميزة عن غيرة م امتعه النساء) فإذا سمع هذا الكلام تحقق له نصح الرجل له والح على اخذ الخاتم بعينه , فلا يزال يتردد بينهما فيه , وهو يبذل لها الرغائب ويُقسم بالايمان المغلظه على كتمانها حتى تأخذ منه مارسم لها القواد وتسلم اليه الخاتم وتنفصل , فتدفع للقواد ما اخذت ويعطيها اجرتها وتحصل على جمله وافرة وينقلب الرجال بالخيبه .

* واما (المرحل )

فهو قواد ملازم للبغي المغنيه , ساكن معها , ويُصبح بالغداة فيقول لها : (اصلحي جُنكك وحكمي طبقات اوتارة فإن بدالك البارحه كان فيها اختلال ) فإذا اخذت في إصلاحه قام رواووق كان علق فيه من البارحه فضل نبيذها , واخذ ماقطر منه من رقيق الخمر فوضعه بين يديه مع بقايا الفاكهه والنقل الذي حمله معه من فضله العشاء فأكل وشرب وطرب على دغدغه اوتارة, وربما طرب واطرب المغنيه وتمسخر لها وانبسط وابسطها الى ان يقضي اربه منها . ثم خرج فأحضر لها الجدر وحملها الى منزل محصلها ثم دخل معها , بعد ان يحصل لنفسه نصيبا معلوما , وربما وطأ المغنيه فسرق من جدرها اي مكسبها من القوادة , فإذا دخل تقدم وجلس في خيار المجلس بعد ان يحمل رب المنه العظمى في حصول صاحبته, ويعرفه انه استخلصها من لهوات الاسود وآثرة بها على كل من في الوجود, فيقدم له مختار الاطعمه فيأكل كلماوقع بيدة طعام مستحسنمن دجاجه مشويه ووسط طيب مبزر, وسنبوسق محشو معطر وحلاوة ناشفه , جعلهُ في خريطه مشمعه يحملها معه لاحقاً.
ثم يرجع للشراب فيقدم له مختاره فيقول : (انا ضعيف الطبقه في الشراب , احب ان اقدر على نفسي فيه, ثم إني ايضا احتاج الى الابقاء على نفسي للتصرف على هذة السيدة ) فيأخذ خُماسيه يضعها الى جانبه فكلما جاءة قدح فرغ فيها وربما يتناول السقي فيغالط فيه حتى يملأ الخماسيه .
وكلما وقع له نقل مُستحسن , من سفرجله عظيمة وخوخه مخططه وتفاحه حمراء وفستق مملوح ولوز مقشر , رماة في خريطه اخرى معه معدة لذلك فإذا كان غي اثناء المجلس نظر , فإن كان فيه امرد حسن الوجه يستحسنه رصدة الى ان يخرج لقضاء حاجته فيخرج خلفه فيقول له في خلوة : (كيف ترى هذة الجاريه ؟) فيقول له الامرد: (في نهايه الحسن والظُرف) فيقول له : (مايكون عندك,وتبيت عندك في ليلتك هذة؟) فيقول: (هذا هو المحال الذي لايمكن كونه. كيف وقد غرم عليها رب هذا المنزل وعلى مبيتها عندة العشرة دنانير ونحوها وحصلت في منزله ؟) فيقول له: (هذا مالايلزمك , مايكون عندك ؟) فيقول له : (ماعندي الا روحي وإلا فهذا شئ لايتوصل اليه لا بالمال ولا بالجاه) فيقول له : (قد اصبت الغرض هي حاجه بحاجه فأعرف ماقلت) فيقول له: (قد عرفت فإن فعلت شيئا فأنا غلامك وعلى ان هذا عندي من المحال ) فيقول له: (ارجع الى مكانك فإن رأيت تشويشا وانفصالاً فأتبعنا).
ثم يعود كل واحد مكانه ويصبر قليلا ثم يقوم ويخرج على انه يتفقد البيت فيرجع من باب الدار ويقف على باب المجلس فيفتح يديه على الباب او يقف ويُشبك اصابع يديه,ويطرق برأسه الارض فيقول له بعض الحاضرين : (ماشأنك ؟ اجلس واطلق اصابعك فإن هذا يدل على الشر ) فيقول له : (وههنــا خير؟ وبقي من الشر شئ الا حضر ؟) فيقول له الحاضرون : (ماتقول ويحك؟). فيترك جوابه ثم ينظر الى الجاريه نظر كئيب ويظرب يدًا على يد, فتقول له: (ويحك مالخبر؟) فيقول لها تعالي اعرفك ,فتقوم له فيقول لها بكلام سر يسمعه من يقرب منها :” الامير على الباب ” أو يطلبك ” او اسماً يسميه ما انزل الله به من سلطان وهي تعلم مقصدة في التخفيف عنها بالانصراف والراحه في الخلوة لمنزلها…
فتعود كئيبه فيقول لها محصلها : (بالله عليك عرفيني مالقضيه؟) فتقول له : (هذا مملوك الوالي او الامير الفلاني قد بلاني الله به بليه يتبعني حيث كنت فيؤذيني ويؤذي من اكون معه, الا ان يغيب عنه موضوعي , وما ادري من دله اليله علي ) فتقوم القيامه على الرجل لاسيما إن كان يؤثر الستر ويخشى الفضيحه فيقول : (وكيف الحيله ؟) فتقول : (ما اقدر اخرج اليله لئلا يقتلني ) فيقول لها القواد : (احسنت ياستنا , هذة افعال الاحرار ! اتنظرين غذاً رجلا محتشما يحضرك في منزله؟ تخشين انت على نفسك وتفضحين هؤلاء السادة وتتركينه يدخل عليهم وهم سكارى اخر الليل , يقتلهم وتسلمين انت, او يكبسهم الآن وانتِ. فهو صديقك مايطرأ عليك شئ معه . لا والله لا اضفُر واحدٍ من هؤلاء الجماعه يُفدى بألف مدينه منك , ولئن يقتلك في الزقاق اولى من ان تحل بهم فاقرة بسببك , ثم اني ما ارد إلا لمثل هذا اليوم (إين إزارك؟) فتقول له : (هذا هو )فيأخذة ويطويه ويدخله في عبه ويقول لصاحب المنزل : (ابصر لي الساعه ملحفه وسخه) فإذا احضرها له قال لها : (إلتفي بهذة وقومي واخرجي قدامي ويفعل الله مايريد) فإذا قامت شال جميع ما اعدة وبسط منديلاً يضم فيه خيار فاكهتهم , وأطفأ شمعه فجعلها معه وتبعها , فإذا وصل الى باب الدار وقف من داخله يوهم انه يخشى أن يعرف به الشخص الذي واقف,حتى يخيل الى اصحاب الدار أن الشخص انصرف خلف المرأة لما خرجت , ثم يفتح الباب ويخرج كالفأر الى جهه غير جهتها, وينصرف ارباب المنزل مذعورين , ويتتبع الامرد القواد الى الدار فيجددون حالتهم , ويتولى القواد السقي فيُترع الجاريه والامرد فيسكرهما ويبيت بينهما الى الصباح , فيكون هذا دأبه مع الزمان .

*اما (المسكن)

فهو قواد كثير المال, متسع الحال يشتري جواري وغلماناً ويتخذ داراً واسعه نظيفه البناءويعد فيها آله حسنه وفرشا نظيفا وشرابا كثيرا واواني ظرافاً, ويتعرض قوافل التجار . فإذا رأى رُفقه يتوهم فيهم القصد واليسار
يكونون اربعه او خمسه او اكثر او اقل , تعرض لهم عند وصولهم باب المدينه واوهم انه دلال على امتعه تجاراتهم, على ماجرت عادة الدلالين مع التجار , فيصلون لمنزله اما بأمتعتهم وإما ان يضعوا امتعتعهم في الخانات ويصلوا بأنفسهم , فيدخلهم الحمام ثم يفرش لهم الفراش الرفيع ويقدم لهم الاطعمه اللذيذة ثم يحضر النبيذ والفاكهه والشطرنج وأسفاراً من الكتب في السير والادب وغير ذلك. ثم يقول لهم : (يا اصحابنا من شاء منكم ان يشرب ومن شاء منكم ان يلعب ومن شاء ان يقرب ).

فإن كان الزمان صيفا وكان وقت القائله اغلق عليهم الابواب وارخى الستور وادخل عليهم غلماناً على عددهم يتولى كل واحد منهم تكبيس واحد من التجار والترويح عليه , فإذا نام تجرد ودخل في الإزار.
فإذا جاء الليل احضر لهم الشراب وانواع الفاكهه وآلات الملاهي ,فإذا كان وقت النوم تقدمت لكل رجل جاريه تفرش له وتتولى خدمته ,فإذا دخل في فراشه تجردت ودخلت معه في الفراش.

فلايزال هذا دأبهم ماشاءوا ان يقيموا, واذا ارادو الانصراف جمعوا له الحمل من المال فدفعوها له,ومنهم من لايرجع الى بلدة بدرهم من ماله بل ينفقها في دارة ويصير جميع مامعه للقواد , وربما عشق غلاما من اولئك الغلمان او جاريه من تلك الجوار,فكان ذلك اسرع لتلاف ماله ودمارة.

فهذة اصناف القوادين على القِحاب.

واما الصنفان المختصان بالقيادة على العلوق وهم: المُستعشقود وصندل ,فها نحن نبينهما:
-اما المُستَعشَقود: فإن هذة كلمة من كلمتين مركبه وهما العشق والقيادة . وذلك ان يكون لواطاً فقيرا لايبلغ وسعة للاتصال بالغلمان الحسان ونيل الغرض منهم فيقود عليهم, فإذا ارتهنو معه في ذلك وانكشفوا له لم يسعهم مخالفته , وربما دب عليهم وهم سكارى او نيام ويتوصل اليهم بوجوة عديدة يسهلها الامتزاج وكثرة المخالطه.

-واما صَندَل: فغلام امرد ,الا انه ليس بفاره ولانافق ولا مرغوب فيه لقصورة في الجودة عن غيرة فيقود على الغلمان, فإذا اتفق ان يخلف غلام ميعاد رفيقه وقد تجهز الطعام والشراب والمنزل الخالي واستحكم شبق اللائط فلا يجد احداً, رد يدة على الغلام القواد واكتفى به بحكم الضرورة ويسمون هذا: صندل.
وذلك ان الامثال السائرة ” إن لم تأت العجله بحطب وإلا فهي صندل” معناة :إن لم تأتِ بحطب يوقد وإلافهي صالحه للوقود.
والقواد الذي يكون على هذة الصفه فهو قليل النصح محرش بين الغلام واللائط,نمام على الغلام لأن غرضه الايستقيم امرة حتى يخزى به.

واما اصناف القوادات من النساء فهن:
1- المريدة
2- الحاجيه
3- المتصرفه
4- الدلاله
5- القابله
6- الماشطه
7- الحماميه
8- الخافضه
9- الطرقيه
10- الحجامه

* فأما( المريدة )
فهي عجوز تتزيا بزي الصلاح والعبادة وتلازم الصلاة والسجادة وتعلق في عنقها سبحه وتتعاهد الى النسوان وتكثر الدعاء لهن ولصاحب المنزل .
وهي اعدى على المرأة المستورة من الذئب على الخروف ,واسرع في إفسادها من السوس في الصوف.

*واما (الحاجيه )

فهي قوادة تُشهر بأمرها بغيبتها , وتمحي ماوقع في النفوس منها بتوبتها ثم تعود, وربما سكنت في غير بلدها الذي تُعرف فيه, فدخلت الى الديار بحجه الحج. وربما استصحبت معها شيئا من اثر الحجاز مثل خرقه حرير سوداء تقول انها من استار الكعبه, وشيئا من تراب تقول انه من تراب القبر, وغير ذلك . ثم تسببت الى الفساد وبلغت بناموس الحج غايه المراد.

في الحديث الشريف

جاء في غريب الحديث عن رسول الله (ص) : لا يدخل الجنّة صقّار. و هو القوّاد

و عنه (ص) إن الله غرس الفردوس بيده و قال : و عزّتي و جلالي لا يدخل مدمن خمر و لا دَيّوثو عنه (ص) لا يدخل الجنّة دَيّوث و لا يقبل الله من الصقور يوم القيامة صرفا و لا عدلا..

و جاء في غريب الحديث عن رسول الله (ص) :إن الله غرس الفردوس بيده و قال : و عزّتي و جلالي لا يدخل الجنّة ديّوث و لا يقبل الله من الصّقور يوم القيامة صرفا و لا عدلا…

عنه (ص) : لا يدخل الجنّة القُنْدُع . و هو القوّاد

و من أسماء المرأة القوّادة التي كانت قبل ذلك بغيّا : الواصلة.

فروي عن عائشة (ض) أنها قالت : ليست الواصلة التي يعنون ، و لا بأس إذا كانت المرأة زعراء أن تصل شعرَها ، و لكن الواصلة أن تكون بغيّا في شبابها ، فإذا يئست وصلته بالقيادة… و أمّا الزعراء فهي قليلة الشعر ، و أمّا الواصلة فقد جاء في لسان العرب لابن منظور أن الواصلة من النساء مَن تصل شعرها بشعر غيرها ، و المستوصلة هي الطالبة لذلك و التي يُفعل بها ذلك .

و في الحديث أن النبي ، لعن الواصلة و المستوصلة…

و روي عن عائشة (ض) أنها قالت : ليست الواصلة بالتي تعنون ، و لا بأس أن تعرّي المرأة عن الشعر قتصل قرنا من قرونها بصوف أسود ، و إنما الواصلة التي تكون بغيّا في شبيبتها . فإذا أسنت وصلتها بالقيادة,,

و من كبار القوّادات: ظُــلْمةِ ، التي تضرِب بها العرب المثل ، فيقولون:

أقود من ظُلْمَــةَ
يقول التيفاشي و العامّة تذهب بهذا المثل عن غير مذهبه ، فيقولون أقود من الظّلمة يعنون بذلك : الليل،و يضيف : لعمري إن لهذا وجها ، إلا أنّ المثل لم يجئ إلا في المرأة المسمّاة : ظُلمة, أمّا وجه ما يريده النّاس من ذلك أيضا فصحيح، و ذلك إنّ الظّلام يستُرُ المُحبّ في زيارة محبوبه ، و يجمع بينه و بينه لغيبة الرقيب ، فينزل منزلة القوّاد. و كذلك الفجر ، لمّا كان يفضحه أنزلوه منزلة النّمّام… و في نفس الصددحكي أن أبا الطّيّب المتنبّي لمّا أنشد كافور قصيدته التي مستهلّها:

من الجآذر في زي الأعاريب
فبلغ قوله :
أزورهم و ظلام الليل يشفع لي
وأنثني و بياض الصّبح يغري بي

حسده جميع الأدباء الحاضرين بمجلس كافور على هذا البيت لما فيه من بديع التقابل، فقالوا : تراه أخذ هذا المعنى من أحد أو هو له ؟ فقال لهم شيخ راوية للشعر، كان يحضر المجلس و لا يكاد يسلم أحد من اعتراضه ؛ يقول الثعالبي في يتيمة الدهر أنه ابن جنّي؛( أجِلّوني ثلاثة أيام ، فأنا آتيكم به )فأجّلوه. فأتاهم فقال: البيت مسروق من مصراع لابن المعتزّ ، صغير العروض ، خامل اللفظ ، و هو قوله من هذا البيت:
لا تَلْقَ إلاّ بليل مَنْ تُواعِدُه
فالشّمسُ نمّامة و الليلُ قَوّاد

ـ يتيمة الدهر ، الثعالبي ج1 ص115

و نرجع لما نحن فيه لنقول:إن الظّلمة التي يضرب بها العرب المثل في القيادة امرأة من العرب ذكروا أنها كانت صبية في المكتب ، فكانت تسرق دُوِيّ الصّبيان و أقلامهم فلمّا أشبّت زنت ، فلمّا عجزت قادت ، فلمّا قعدت اشترت تيسا فكانت تنزيه في بيتها على العنوز

حكى المدائني
أن رجلا من عمّال السلطان كان لا يزال يأخذ قوّادة و يسجنها ثمّ يأتيه مَن يشفع فيها فيُخرجُها ، فلمّا كثر ذلك عليه أمر صاحب شرطته فكتب في قصّتها: تجمع بين النّساء و الرّجال ، لا يتكلم فيها إلا زانفإذا أتاه أحد يتكلّم فيها قال : أخرجوا قصّتها ننظر فيم سُجِنَتْ..فإذا قرئت القصّة قام الشفيع مستحياًو حكي عن المبرّد:أنه كان له غلام يقود له على الغلمان ، فقال له ذات يوم بمحضرٍ من الناس: ( إمض فإن رأيتَه فلا تقُلْ ، و إن رأيْتَهُ فقلْ ) . فذهب الغلام ثمّ عاد فقال : (لم أرَهُ فقلتُ له ، فجاء فلم يجئ ) ، فسئل الغلام بعد ذلك عن معنى هذا الكلام فقال: (أنفذني إلى غلام فقال : إن رأيت مولاه فلا تقل له ، فذهبتَ فلمْ أر مولاه فقلت للغلام ، ثمّ جاء مولاه فلم يجئ الغلام

كان حمدان بن بُشر قوّادا على أبي نؤاس في زمن وِجارته ، فحدّث أبو حاتم السّجستاني قال :
مرّ أبو نؤاس في بعض سكك النصرة و معه حمدان بن بُشر ، و كان يقود عليه ، فرمقهم النّاي فاستحيوا ،فقال حمدان لأبي نؤاس : ( تقدّم حتّى أتبعك) ، فقال أبو نؤاس : )تقدّمنب أنت * ، ثمّ أنشد :
أقول لحمدان بن بُشْر مجاوبا و قد رشقتنا باللحاظ النواظر
و قَنَّعّ منْه الرأسَ ثُمَّتَ قال لي تــقدّم قليلا إنّني متــأخّــــــر
تقدّم قليلا يعرف النّاس شأننا بأنّــك قــــــوّاد و إنّي مؤاجَر
غلّست يوْماً إلى المسجد الجامع لصلاة الغداة ، فإذا أنا بأبي نؤاس يكلّم امراة عند باب المسجد ، و كنت أعرفه في مجالس الحديث و الأدب ن فقلت : ( مثلك يقف هذا الموقف لحقّ أو لباطل ) ، فمضى ثمّ كتب إلي في ذلك :

إنّ التــي أبصَرْتَني سحرا أكلّمها ، رسول
أدّت إلــيّ رسالــــة كادت لها نفسي تزول
من فاتـــر العينيــن يُتعِــبُ خِصْــرَه ردْفً ثقيل
متنكّب قوس الصّبا يرمي و ليس له رسيل
فلـو أنّ إذْْنَــكَ بيننا حتى تسمَّع ما نـــقول
لرأيت ما استقبحت من أمري هناك ،هو الجميل

و حدّث محمّد بن مظفّر ’ كاتب إسماعيل بن صبيح ، قال : قال لي إسماعيل
قال لي الرّشيد يوما :
( يا إسماعيل ،أَبْغِني (أطلب لي) جارية ، وصيفة فطِنَة ، مقدودة تسقِني ، فإنّ الشرب يطيب من يد مثلها )
قال ؛ فقلت : يا سيّدي على الجهد ، إلاّ أنّي أحبّ أن تصفها لي
فقال لي : إجعل قول هذا العيّار إماماً لك ؛ يعني أبا نؤاس
فقلت : و ما هو ؟ قال : قوله
مـــن كــفِّ ساقيةٍ ناهيك ساقيـةً في حسن قدٍّ و في ظُــرْفٍ و في أدبِ
كــانت لـربّ قيّـان ذي مغالبــة بالكشـخ محتـرِفٍ بالكشـخ مكتســــب
فقد رأت و ردّت عنهنّ واختلفت مــــا بينهــنّ و من يهويـــن بالكتـب
و جُمِّشَتْ بخَفِيّ اللحظ فانجمَشَت و جرّتِ الوعْدَ بين الصّــدق و الكذبِ
تَمَّــتْ فلم يــر إنسان لهــا شبها فيمن برا الله من عجْمٍ و منْ عــرَبِ
قال
فلا و الله ما قدرت على جارية فيها بعض ذلك
أمّا الكشخ فهو القِوادة و جمّشت تعني غوزلت و دوعبت ، أمّا فعل برا يبري الباري فمرادفه خلق يخلق خالق

دّث الصّلت ، قال :
كنّا عند سفيان بنَ عُيَيْتة ‘ فذكروا قول مالك بن دينار : و أمّا إبليس و الله لقد عصي فما ضرّه ، و لقد أطيع فما نفع فقال له رجل : إن أذنت يا أبا محمّد أنشدتك لهذا العراقيّ ، يعني أبا نؤاس ، في هذا المعنى شيئا,,قال : هات ، فأنشده
عجِبْت من إبليس في كبْرِه و خبْثِ ما أظْهَرَ من نِيّتِهْ
تـــاه على آدم في سجــدة و صـار قوّدا لذرِّيَتِــــــه
فاستضحك سفيان و قال :
و أبيك ، لقد ذهب مذهبا ، و ما تنفكّ عن مُلْحَةٍ تأْتينا من هذا الشّاعر

قال أبو منصور الثعالبي
و من أحسن ما سمعت في قوّاد قول السرّيّ الموصليّ في رجل اسمه إدريس
من ذمّ إبليس في قيادته فإنّني شاكر لإدريس
كلّم لي عاصيا فصار له أطوع من آدم لإبليس
و كان في سرعة المجيء به آصف في حمل عرش بلقيس
و آصف هو كاتب النبي سليمان و هو الذي دعا الله بالاسم الأعظم فرآى سليمان العرش مستقرا عنده

أمّا المأمون فيؤثر عنه

بعثتـك مرتــاداً ففُـــــزْتَ بنظــرة و أخلفْتَني حتّى أسأت بك الظّنّا

و ناجيْتَ منْ أهوى و كنت مقرّبا ليت شعري عن دُنُوِّكَ ما أغنى
و ردّدت طرفا من محاسن و جهها و متّعت باستسماع نغمتها أذنا
أرى أثــرا منهــا بعينيك لم يكن لق د سرَقَتْ عيناك من وجْهها حسنا
و من هؤلاء الأرسال من يميل للمعشوقة و يميل إليه فيتآلفان و يتركان العاشق المرسل


حدّث الرّياشيّ قال:

كان أبو ذؤيب يبعث ابن عمّ له ، يقال له خالد بن زهير ، إلى امرأة كان يختلف إليها، يقال لها أمّ عمرو ، و هي التي كان يشبب بها ، فراودت الغلام على نفسه فأبى ذلك حينا و قال : أكره أن يبلغ أبا ذؤيب. ثمّ طاوعها ، فقالت :ما يراك إلا الكواكب !!
فلمّا رجع إلى أبي ذؤيب قال :قال و الله إني لأجد ريح أم عمرو فيك !!فقال فيهما
تريدين كيما تجمعيني وخالدا وهل يجمع السيفان،ويحك، في غِمْدِ
أخالد ما راعيت منّي قرابة فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي
فردّ عليه خالد
فإنّ التي فينا زعمتَ و مثُلَها لفيكَ ، و لكنّي أراك تجوزها
ألم تنتقِذْها من يد ابن عويمر و أنت صفيّ نفسه و وزيرها
فلا تجْزعنْ من سنّة أنت سرتها فأوّل راضي سنّة من يسيرها
شرح أشعار الهذليين للسّكّري ، ج 1 ، تحقيق عبد الستار أحمد فراج ، بيروت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *