يحيى السماوي ( سادن الوجع الجليل ) *

( سادن الوجع الجليل ) *

__________

عاتَبْتُ – لو سمعَ القريبُ عتابي . .

وكتبتُ – لو قرأ البعيـدُ كتابي !

//

وسألتُ – لو أنَّ الذين مَحَضْتُهُم

وِدّي أضـاؤوا حيرتي بجوابِ !

//

وَعَصَرْتُ ماءَ العينِ لو أنَّ الأسى

أبقى بحقلِ العمرِ عُشْبَ شبابِ

//

وَأنَبْتُ عني لو يُنابُ أخو الهوى

بسخينِ أحداقٍ ونزفِ إهـابِ (1)

//

وَتَرَنَّمتْ لــو لم تكن مشلـولةً

شفتي … ومصلوبَ اللحونِ ربابي

//

كيف الغناءُ؟ حدائقي مذبــوحةٌ

أزهــــارُها … ويبيسةٌ أعنابي

//

شجري بلا ظِلٍّ .. وكلُّ فصولـهِ

قيظٌ .. وظمــآنُ الغيومِ سحابي

//

طَرَقَ الهوى قلبي .. وحين فَتَحْتُهُ

ألقى به حـطـبـا ًوعودَ ثقابِ

//

حتى إذا كشَفَ الضحى عن شمسهِ

ألفيتُني ميتـــاً بنبضِ ثيــابِ

//

يتقاتل الضِـــدّان بين أضالعي :

عَزْمُ اليقــــينِ وحيرةُ المرتابِ

//

صُبْحي بلا شمــسِ .. وأما أنجمي

فَبَريقُ بارودٍ وومــــضُ حرابِ

//

روحي تمصُّ لظى الهجــيرِ وَتَسْتَقي

شفتاي من دمـــعٍ ووهجِ سرابِ

//

أرفو بخيطِ الذكرياتِ حشـــاشةً

خَرَمَتْ ملاءَتَها نِصــــالُ غيابِ

//

الدارُ بالأحبابِ .. ما أفياؤُهـــا

إنْ أَقْفَرَتْ داري من الأحبــاب؟

//

عابوا على قلبي قنــــاعةَ نَبْضِهِ

أنَّ الردى في العشــقِ ليس بِعابِ

//

أنا سادنُ الوَجَـــعِ الجليلِ خَبَرْتُهُ

طفــلاً .. وها قـارَبْتُ يومَ ذهابي

********

مـائـيّـةَ النـــيرانِ لا تترفَّقي

بيْ لو أتيتُكِ حامـــــلاً أحطابي

//

قـد جئتُ أستجدي لظاكِ .. لتحرقي

ما أَبْقَتِ الأيـــــامُ من أعشابي

//

أنا طِفْلُكِ الـصّبُّ … ابتدأتُ كهولتي

من قبــلِ بـــدءِ طفولتي وشبابي

//

لَعِبَتْ بيَ الأيـــــامُ حتى أَدْمَنَتْ

وَجَعي .. وَخَـــرَّزَتِ العثارُ شِعابي

//

يحدو بقافلتي الضَـــــياعُ كأنني

للـحـزنِ راحٌ والهمـــومِ خوابي(2)

//

إنْ تفتحي بــابَ العتـــابِ فإنني

أَغْلَقْتُ في وجـــــهِ الملامةِ بابي

//

أهواكِ ؟ لا أدري .. أَضَعـْتُ بداهتي

وأَضــاعني في ليــــلهِ تِغْرابي

//

كلُّ الــذي أدريـــهِ أني بَذْرَةٌ

أَمّا هــواكِ فجـــدولي وتُرابي

//

نَزَقي عفيفٌ كالطـــفولةِ فاهدئي

أنا طفلكِ المفـــطومُ .. لا ترتابي

//

الشيبُ ؟ ذا زَبَــدُ السنين رمى به

موجُ الحيــــاةِ على فتىً متصابي

//

” بضعٌ وخمسون ” انتهين وليــس من

فرحٍ أُخيــــطُ به فتوقَ عذابي !

//

الدغل والزُقّــــومُ فوق موائدي

والقيـــــحُ والغِسلينُ في أكوابي(3)

//

أحبيبةَ الوجــــعِ الجليل ِ مصيبتي

أن العــــراقَ اليومَ غابُ ذئابِ

//

لو كـــــان يفتح للمشرّدِ بابَهُ

لأتيتُهُ زحــفــــاً على أهدابي

//

وطويتُ خيمةَ غربتي لو أنهــــا

عَرَفَتْ أمانــاً في العراق روابـي

//

أوقفتُ ناعـوري على بستانِـــهِ

وعلى دجــــاهُ المستريب ِ شهابي

*****

عانَقْتُها فتوضَّأتْ بزفيرِهـــــا

روحي..وعطَّـــرني شميمُ خضابِ

//

كادت تَفرُّ إلى زنابقِ خصرهـــا

شفتي فـــــرارَ ظميئةٍ لشرابِ

//

سكرتْ يدي لمّــا مَرَرْتُ براحتي

ما بينَ موجِ جــــدائلٍ وقِبابِ

//

وحقولِ نعناعٍ تَفَتَّحَ وردُهــــا

وسهول ِ ريحان ٍ وطل ّ حباب ِ(4)

//

لُذْنا بثوبِ الليلِ نَسْترُ شوقنـــا

من عين مُلتصٍّ ومن مرتــــابِ (5)

//

فشربتُ أعـــذبَ ما تمنّى ظامئٌ :

شهدٌ غَسَلتُ بهِ مُضاغَ الصّــابِ (6)

//

يا أيها المجنونُ – صاحَتْ- دَعْكَ من

تُفـــــاحِ بُستاني وَزِقٍّ رضابي

//

جَرَّحْتَ فستــاني فكيف بزنبقي ؟

فَأَعِــــدْ عليَّ عباءتي وحِجابي

//

حتى إذا نَهَضَ الـمُكـبِّـرُ والدجى

فَرَكَ العيونَ ولاحَ خيـطُ شِهابِ

//

وتثاءَبَ القنديلُ … وابتدأ السنـا

عريانَ مُلْتَفّــاً بثــوبِ ضَبابِ

//

صَلَّتْ وصلَّيتُ النوافلَ مثلَهــا

وبسطتُ صَحْنَ الروحِ للوهّـابِ

*****

خوفي عليَّ – وقد تَلَبَّسَني الهـوى-

مني …ومنكِ عليكِ يومَ حسـابِ

//

إنْ كنتِ جاحـدةً هوايَ فهاتِـني

قلبي وتِبْرَ عواطـفي وصــوابي

//

نَمْ يا طريدَ الجَّنتينِ معـــانقـاً

وردا ً يشعُّ سناهُ بين هضـــابِ

//

عَرَفَتْكَ مخبولاً تُقايضُ بالنـــدى

جمراً وكهفَ فجيعــةٍ برحـابِ

*****

اصحــابَنا في دار دجلةَ عذرَكمْ

إنْ غَرَّبَتْ قدمـــاي يا أصحابي

//

جَفَّتْ ينابيعُ الوئــامِ وأصْحَرَتْ

بدءَ الربيعِ حـدائقُ اللبــلابِ

//

أحبابَنـا …واسْتَوْحَشَتْ أجفانَها

مُقَلي وشاكسَني طريقُ إيابــي

//

أحبابَنا عَزَّ اللقــــاءُ وآذَنَتْ

شمسي قُبيـلَ شروقِهـا بغيـابِ

//

أحبابَنا في الدجـــلتين تَعَطَّلَتْ

أعيــادُنا من بعــدكم أحبابي

//

ندعو ونجهل أَنَّ جُلَّ دُعائِنـــا

منذ احترفنـا الحقـدَ غيرُ مُجابِ

//

نَخَرَ الوباءُ الطائفيُّ عظامنـــا

واسْتَفْحلَ الطاعونُ بالأربــابِ

//

عشنا بديجورٍ فلمــا أَشْمَسَتْ

كشفَ الضحى عن قاتلٍ ومرابي

//

ومُسَبِّحينَ تكــاد حين دخولهم

تشكو الإلهَ حجارةُ المحــرابِ

//

ومُخَنَّثين يرون دكَّ مــــآذنٍ

مجداً … وأنَّ النصرَ حزُّ رقـابِ

//

واللاعقين يد َ الدخيل ِ تضرّعا ً

لنعيم كرسي ٍ بدار ِ خراب ِ …

//

جيف ٌ ـ وإنْ عافتْ عفونة لحمِها

أضراسُ ذئبان ٍ وناب ُ كلاب ِ…

//

وطنَ الفجيعة ِ والشقاء ألا كفى

صبراً على الدُخــلاءِ والأذنابِ

***
• من ديوان ” البكاء على كتف الوطن ” الصادر عام 2008
1الاهاب : الجلد لم يدبغ بعد
2 الخوابي : دنان الخمر وما شابه ذلك
3الغسلين : ما يسيل من أجسام أهل النار.
4الطل : اللذيذ من الروائح والنعم.
5الملتص : مسترق السمع
6الحباب : بضم الحاء : الحب والود . وبفتح الحاء: ما يعلو الماء أو الخمر من فقاقيع. الصاب : نبت شديد المرارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *