الاديب عماد عبد اللطيف سالم

إنّهم .. يشبهونهم

عماد عبد اللطيف سالم


لم يكن الأمْرُ بِيَدِنا .. لنختارَ عقائدَ لاقَتْلَ فيها .
لنختارَ أفضل الآلهة .
أفضل بَلَدٍ صالِحٍ للسَكَنِ الآدميّ .
أفضل أبٍ .. وأفضل أمٍّ .
أفضل الأهل . أفضل الجيران . أفضل الأصدقاء .
أفضل وجهٍ أوّلَّ .. للحبِّ الأوّلِ ،
وأفضل آخر وجهٍ ، نبتسمُ لهُ في غفوتنا الأخيرة .. ثم نموتْ .
كانت هذه أفضلُ هفواتنا .. أن يختار الآخرون لنا مصائرنا .. التي لم يكن بوسعنا تلافيها .
ومع ذلك فإنّنا ” أقتَرَفْنا ” هذه ” الخطايا ” ، بطيبةِ طفلٍ ، وقبلناها كما هي . فنحنُ في كلّ الأحوال لم نكن نعرفُ أنّ العالم سيكونُ سيّئاً إلى هذا الحدّ .
غير ان ماهو أسوأ من هذا العالم الذي نحن فيه الآن .. هم أولئكَ الذين أرتدوا أفضل دروعهم ، وشحذوا أمضى سكاكينهم ، ووضعوا أجمل كتاباتهم في خنادقهم .. وبدأوا بالزعيق في وجوهنا .. لأنّنا وجدنا أنفسنا ” بالصدفة وحدها ” .. هنا .. في ” مناطق ” ليست مناطقهم .. وقرب” مساجد ” ليست مساجدهم .. ونسمّى بـ ” أسماء ” لا تشبه أسماءهم ، وننتمي ” قسراً ” لـ ” مذاهب ” هي ليست ” مذاهبهم ” بالضرورة .
وهؤلاء ” مثقفون ” ( بكلّ ماتحملهُ هذه الكلمة من معنى ) . أصبحوا لا يطيقون وجودكَ بينهم ، أو في أي مكانٍ آخر في بلدكَ هذا . إنهم يدفعونكَ دفعاً للقبول بان هذا البلد لم يعد لك ، وإنّهُ أصبح ” بلدهم ” ، وحدهم ، وأنكَ غيرُ مُرَحّبٍ بكَ فيه .. وأن عليك ان تغادرهُ .. مادمتَ لم تمت بعد .. وانت في ” أرذلِ العُمْرِ ” هذا .
هؤلاء ” مثقفون ” .. بدأوا بالأعتقاد بانّكَ أدنى منزلة منهم .. وبأنّ ” العِرْقَ ” الذي تنتمي اليه ، هو عِرْقُ وَسِخٌ ، وينبغي إجتثاثهُ من الفردوس ذو المذهب الواحد .. والذي هو ” مذهبهم ” في نهاية المطاف .
لم يعُدْ هؤلاء بحاجة للتوريّة .. ولا للتخفّي . فهم أشجعُ الشجعان في مواجهة ” اندادهم ” أينما كانوا .. لأن ” قضيتهم أصبحت فجأة ” مُقدّسة . ودرجة قداستها بلغت حدّ ” قدسية ” تلك الأرباب ، والعقائد ، التي كتبوا كثيرا في نقدها ، وتعريتها .. ذات يوم من تلك الأيام الجميلة .. القريبة جداً .
ليس بوسعك بعد الان ان تكتب كلمة .. أو أن تطرح رأيا ، أو أن تُعجَبَ بنّص ، أو أن تشيد بأحد .. أو أن ترثي شخصا مات .. دون ان تحسب حساب تهكمهم وسخريتهم ، ونرجسيتهم الفاقعة ، وإحتكارهم للحقيقة المطلقة .
شخصياً .. كنت أعتقد أنّ مستقبلنا مضيءٌ فقط بـ “وجودهم “. وأن لا أملَ للعراق في غدٍ أفضل بغيابهم عنه . كنتُ أؤمن بشجاعتهم ، وأحترم ” وعيهم ” الذي راكموه في سنوات القهر والقحط والمحنة ، وأنحني لأرادتهم في أن يكونوا أفضل المخلوقات ، وأجملها في هذا العالم .
كنتُ أقُصُّ للجميعِ قصص ” حيادِهم ” و تجردهم ، وحكمتهم المبكرة .. وأقرأ قصائدهم ، وأغنيها لنفسي .. وأتغنى بسيرتهم ، على قصرها ، وأتعلّمُ منهم الكثير .
أعترفُ الآن بأنني كنتُ مخطئا جداً ..
وبأنّ هؤلاء الفتية الرائعون ” المثقفون ” .. لا يختلفون عن أولئكَ الذين يحاربونهم في شيْ .
إنهمْ .. يشبهونهم .

لم يكُنْ ما يحدُثُ يستحِّقُ شديدَ الأسَفْ ..عندما كُنّا نشعرُ ، جميعاً ، بالأسف الشديد .
هناك .. في ذلك الزمان البعيد .. عندما كانت المُعلّمةُ تُعلّمُنا معنى أن نكونَ آسفين ، عند أولّ هفوة ، أو عند أبسَطِ سوء سلوك .
كان الجميعُ يشعرُ بشديد الأسف .. عندما كانت الخطايا .. بسيطة جداً .
تحنُ نُقتَلُ الآن .. ولا أحد يُعرِبُ عن أسَفِهِ لقَتْلِنا .
لا أحدَ يقولُ لنا : إنّني آسف..لأنّني سمحْتُ بقتلِكُم .. وانا آسفٌ جداً ..لأنّكُم موتى .
العالمُ كلّهُ أعْرَبَ عن أسفه هذا اليوم ، لأنّ إنتحارياً  تونِسِيّاً  فجّرَ نفسهُ في مدينة ” سوسة ” الساحلية .. ولَمْ يَمُتْ أحدٌ في التفجير ِ سواه .
العالمُ كلّهُ سبقَ لهُ أن شَعَرَ بالعارِ والأسف ، لأنّ ” طالبان ” أطلقت النار على رأس الطفلة الأفغانية  ” مَلالَة ” .. التي لم تَمُتُ نتيجة لذلك .. والتي كانت تحاولُ الأستمرار في الدراسة رغم التهديد .
الأكاديمية السويدية كانت آسفة جداً ، لأنّها لم تمنحها جائزة نوبل للسلام .
الرئيس ” الصديق ” باراك أوباما ، قابَلَها في البيت الأبيض ، وقالَ لها أنّهُ آسفٌ جداً ، لأنّ مجانين ” طالبان ” أطلَقوا النارَ على رأسها الجميل .
لم يَقُل أحدٌ لمُعلمّة اللغة الأنجليزية في إحدى مدارسنا : إننا آسفون .. لأنّ مجانين آخرين ، من ذات الفصيلة ، ذبحوها هي وعائلتها .. من الوريد إلى الوريد .
سيدي الرئيس باراك أوباما 
انتظرُ منكَ أن تعتذر لدولةِ رئيس وزرائنا عن هذه الهفوة .
وان تُعرِبُ لهُ عن شديد الأسف .. لأنّ دمنا ليس رخيصاً إلى هذه الدرجة .
سيدي الرئيس باراك أوباما
إن هذه المعلمة كانت تعلّمُ التلاميذ كيف يقولون WE ARE SORRY .. وبِلُغتِكَ أنت .
وأنها ذُبِحُتْ .. لا لأنها كانت تريدُ مقابلتَكْ .. ولا لتحصلَ على ” نوبل ” 
بل من أجل ان يتعلّم التلاميذُ منها معنى الأسف .. بلُغَةٍ أخرى .. غيرَ لُغَتِنا .
وصيّةُ أبٍ .. ظَلَّ مُستيقِظاً طيلةَ حياتهِ .. دون جدوى .
 
يا بُنيّ  ..
إذا كان العالمُ الذي تعيشُ فيهِ رائعاً .. فأبقَ مُستيقِظاً دائماً .. وتَمتَعْ بكلّ لحظةٍ فيه .
امّا اذا كان سخيفاً .. فإنّ أفضلُ شيءٍ يمكنُ أن تفعلهُ في هذا العالم السخيف ، هو أن تنام .
فإذا إستَيقَظْتَ ووجدْتَ أن العالمَ الذي تعيش فيه ، لايزالُ سخيفاً كما كان .. عُدْ ثانيةً إلى النوم .
وإذا إستيْقّظْتَ ووجَدْتهُ سخيفاً جداً .. عليكَ أن تنامَ مدّةً أطول .
وإذا أستمَرّ على سخافتهِ ، فالأفضلُ لكَ .. أنْ لا تستيقظَ أبداً .
تَذكّرْ دائماً  أن ” كامو ” قد قال يوماً : ” سأنامُ .. إلى أنْ يُستهْلَكَ هذا العالم ” .
أخيراً بُنيّ .. إذا لم تكُنْ تعرِفُ من هو ” كامو ” ، ( وأنت لاتعرفهُ بالفعل ) ..  فكُنْ على ثِقَةٍ بأنّ العالمَ الذي عاشَ فيهِ ” كامو ”  هذا ..
لمْ يكُنْ سخيفاً أبداً .. إلى هذا الحَد .
قبلَ قليلٍ ، في التلفزيون ، سمعتُ أحدهم يقول :
” سنَعِدُّ لهم  من الخيلِ والرجالِ مالا طاقة لهم به . وسننتصرُ عليهم ، ونرِدُّ كيدَهُم إلى نّحْرِهِم . “
ماهذا يارجل ؟
ألا تعرفُ ماذا يمكنُ أنْ تفعل طائرة ” أباتشي ” واحدة ، بمليونِ حِصان ْ ؟
ألا تعرفُ ماذا يمكنُ أنْ تفعل طائرة واحدة ، بدون طيّار ، بعشرةِ آلافِ فارِسْ ؟
ألا تعرفُ ماذا يمكنُ أن تفعلهُ طائرة ” أواكس ” واحدة ، بأمّة مترامية الأطراف ، تنتمي بأكملِها .. إلى زرقاء اليمامة ؟
الكتّاب الشجعان .. موجودون خارج بغداد .
الكتّاب الشجعان .. قليلونَ في بغداد . 
نحنُ الكتّاب ، غير الشجعان ، تنقصنا الشجاعة الكافية ، للكتابة عن العراق ، رغم أنّنا الأكثريّة في بغداد .
ولأنّنا نخافُ كثيراً – ولاتنقصنا الأسبابُ في تبرير ذلك – فإنّنا سنكتفي ، حاليّاً ، بكتابة قصائد في الحُب . 
وسنُراعي أنْ يكونَ هذا الحُبُّ ” عُذْرِيّاً ” قدر الأمكان .
نحنُ نعرفُ أنّ الكثير من” الشرائح المثقفّة “، تميلُ إلى جعلِ الممارسات ” غير الأفلاطونيّة ” محظورةً علينا ، وذلكَ لمخالفتها لأشتراطات الرُبعِ الرابعِ من العُمْر .
كما انّنا نعرفُ أيضاً ، أنّ هناك ” خطوطاً حمراء ” لايجوزُ لـ “جنوننا ” المتأخِر أنْ يتجاوزها .
وانّ هناك ” أخطاء ” أخرى ، لانملكُ لا الرغبةَ ، ولا القُدْرّةَ ، على إقترافِها .
نحنُ نعرفُ أيضاً ، بأنّنا كان يجبُ أن نموت قبل وقتٍ طويل .
كان يجبُ أنْ نكونَ موتى الآن .. وأنْ لا نتسببَ لكم بأي أزعاج .
غير انّ هذا لم يحدُثْ ، لسببٍ ما ، نحنُ أيضاً .. لاندري ماهوَ .
إيّها الفِتْيَةُ الرائعون ..
ما معنى السعادة في آخر العُمر
إذا كان ” كبارُ السنِّ ” في هذا البلد
يُجْبَرونَ على إنتعالِ أحذيّةٍ ضيّقَة ؟
لا أدري لماذا ..
أرى دائماً ،  بيننا .. ومعنا 
رئيسُ وزراءنا العتيد ، نوري السعيد 
وهوَ ينظرُ إلينا من بعيد 
 ويَهُزُّ رأسَهُ بهدوء 
وظِلُّ إبتسامةٍ ساخرةٍ يعلو شفتيه 
ويقولُ لنا .. بما يشْبهُ العَتَبْ :
 ماذا فَعَلْتُمْ بأنفسكم ؟
كلنّا نكتبُ عن المطر الآن .
نحنُ نحتاجُ  إلى شيءٍ أقلُّ كثافَةً من الدم ، لتحتفي أحزاننا به ،
وأكثرُ كثافةً من جسد إمرأة بعيدة  .. ليحتفي حنيننا به  .
هكذا أحتفى به ” السيّابُ ” قبلَ ستّين عاماً ،
وهكذا خاضَ أجدادنا في طينهِ قبل ستّة آلاف عام .
بالنسبةِ لنا .. 
هذا أوّلُ يومٍ أمطرت السماءُ فيهِ على العالم .
هذا أولُّ أيامِ الخَلْق .
المطرُ ليسَ أعجوبةً .. إلاّ لنا ،
نحنُ الذينَ لم نتعوّد على البَلَل الجميل .
نحنُ الذينَ لم نتعوّد .. إلاّ على بَلَلْ الدموعِ 
والطوفانِ
والطاعونِ
ولُعابِ الغُزاة القدامى
واللصوص الجُدُدْ .

كلُّ تلك الأشياء البعيدة

عماد عبد اللطيف سالم


كلُّ تلكَ الأشياء البعيدة ..
تبدو جميلة
عدا وجهكِ
وغرفة خافتة الأضاءة
وشيء من الأسى
فوق غبار الستائر .
كلّ تلك الأشياء البعيدة ..
تبدو بعيدة
إلاّ رائحة ” الشَبّوي ”
التي تفوحُ من ثيابكِ القديمة
السوداءُ .. أو الزرقاء
المُنَقَطّة بالأبيض .
كلُّ تلكَ الأشياء البعيدة ..
تبدو صالحة للحنين
إلاّ النسيان
ذلكَ الذي لايزالُ يحبو ،
مثل قُبَلٍ قصيرة
فوق أصابعكِ الطويلة
التي تشبهُ الليل .

***
مثل بقرة هندوسيّة هادئة
أجوبُ شوارعَ بغداد
باحِثاً عن وجهِها
بين السكاكينِ التي أسْلَمَتْ توّاً .
تلكَ الأرضُ .. أرضي
تقاسَمَتْ ” سواد ” عينيها
القبائلُ العربيّة الظافرة
وتوَزَعَتْ رائحتها الحلوة
على ” أفخاذ ” قريش
تاركَةً إيايّ
أُصَلّي لعطشِ النخلِ فيها
صلاةَ الغائبِ
وحدي .
***
كنتُ أراها
كلّ خميس
وحدَها
في الحديقة .
تتهادى كالمَلِكات .
تمشي في درب الظُلُماتِ
كنورٍ غامر .
تدمعُ عيناها اللوزيتان ، السوداوتان ، الخضراوتان ، الزرقاوتان ..
كآلهةٍ تبكي .
في الخميس الفائت
الحديقة خالية
وسيدتي الصغيرة
تزوجَتْ بَدَوّياً
في الرُبعِ الخالي من العُمر .
في هذا اليوم .. يوم الأحد ..
رأيتهُ معها .
نَزِقٌ كثَوْرٍ يافع .
سعيدٌ كبَقرة .
حزينٌ كحمار .
حاِلمٌ .. كبَغلٍ عُمرُهُ ستة أشهر .
لماذا يتزوجُ مخبولٌ
مَلِكَةً كالنور
ويتركني وحدي
أعانقُ ظلّها
في الحديقة ؟

***
ان المطر يستدعي الوجوه البعيدة .
وحين أمدّ يدي الآن ..
يبللها الماء ..
ولا يبللها دمعُ العيون البعيدة .
كثيفُ الأسى ..
هذا المطر البغداديّ
البطيءُ
كأنينِ روحي .
لهذا .. ففي كلّ مزنة حزنٍ ..
أجلسُ لأذرف الحنين ..
فوق أصابعها
التي تشبهُ هذا الغيمَ
وحدي .
***
لَمْ يَعُدْ كلُّ شيءٍ ..
كما كان .
الأذى ، لم يَعُدْ يُسَبّبُ الأذى ..
لجُرْحٍ غائِرٍ في الخشَبْ .
ولا الروحُ تريدُ أن تفتحَ البابَ ،
لِمَنْ يَطْرُقُ البابَ ..
ويُقاسِمُني حنينَ الوسادة .
لمْ يَعُدْ الأسى ..
يهيمُ حُبّاً بالكلماتِ ،
ويحلَمُ بالطَلْعِ النابتِ في الشفتينِ ،
وينتظِرُ القُبلَةَ القادمة .
لم يَعُدْ المساءُ طويلاً بما يكفي ،
لإحصاءِ الدبابيسِ فوق قلبي .
لم يَعُد النهارُ مُضيئاً كما كان ،
ليكونَ وجهُكِ كافياً ،
لقرنٍ كاملٍ من الليل ،
دون نجْمَةٍ واحدة ..
في تلك َالسماء البعيدة .

في  مدينتي ، المُقدّسُ حُزنُها .. مثلُ أمّي
الزُهدُ والأسى .. مُتلازِمان .
ومّنْ يتخلون عن الزهدِ ، ويتركونَ الأسى لنا .. وَحْدَنا .
منْ ليس لهم صلة بجثثنا ،
وماءنا الآسن ،
وأكواخنا الصدئة ،
وأطفالنا العراة ،
وشبابنا المذهولون ،
وثروتنا المنهوبة ،
لا يحّقُ لهم الحديثَ بأسمنا .
إنّهُم لا ينتمون إلينا .
إنّهُم لا ينتمون إليه .
 
يامدينة الوجوهِ العتيقةِ ، والكتب المُندَرِسَةِ  ، وسياراتِ الأعيانِ ، و” مَصْلَحِةِ ” الفقراء .
يامدينة الغانياتِ ، والزعماءِ ، والثوّارِ ، والصعاليكِ ، والشعراء ، وكتّابِ التواريخِ القصيرةِ جداً .
يا حاضرةِ الأزبالِ البهيّة .
يا أحياءَ الخروفِ الأبيضِ ، والخروفِ الأسودِ ، والثَور البُنيّ .. والأبِلِ الصُفْر .
يا أحلام الفِتْيَة المُطفَأة ، مصباحاً بعد مصباح ، في شوارع الأُنْسِ القديمة .
أيتها الصحراءُ التي قايَضَتْ عديدَ آلهتها ، بحفنَةٍ من الكائناتِ الجُوَفْ ،
 وحوّلَتْ عُشّاقَها إلى  مجانين  ،
 وكلَّ قصّةَ حُبٍّ فيها .. إلى سَبْيٍ صغير .
يا بغداد المُسالِمَةُ ، المُتَصالِحَةُ ، إلاّ مع اهلِها .
ها هي خرائبُ أرواحنا ، تكتبُ تاريخكِ المُلْتَبِسْ .
هاهو خشبُ الشناشيلِ يئِّن ،
وشارع الرشيدِ يذوي .
فإذا ما داسَ الغزاةُ مرّةً أخرى ..
 على ماتبَقّى من هذا السَبَخ العجيب 
أتمنّى لو أنّكِ تمَعّنْتِ قليلاٍ  ..
في وجوهِ أنذالَكِ الجُدُد .
ولو أنّكِ أيضاً ..
تَرَكْتِ فيالقَ الأوغادِ ، التي أنتصَرَتْ على ذهولكِ العظيم ،
تدخلُ إلى بيوتكِ الفارغةَ .. آمنةً مُطْمَئِنّة . 
وأتمَنّى .. لو أنْكِ  تذهبينَ ،
 في نهاية هذه ” الأوديسّة البغدادية ”  العجيبة ،
للبحثِ عن دِجْلَةَ أخرى ..
وأهْلٍ آخرون .

مع الأسَفِ الشديد

عماد عبد اللطيف سالم

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=384742

لم يكُنْ ما يَحدُثُ يستحِّقُ شديد الأسف .. عندما كُنّا نشعرُ ، جميعاً ، بالأسف الشديد .
هناك .. في ذلك الزمان البعيد .. عندما كانت المُعلّمةُ تُعلّمُنا معنى أن نكونَ آسفين ، عند أولّ هفوة ، أو عند أبسَطِ سوء سلوك .
كان الجميعُ يشعرُ بشديد الأسف .. عندما كانت الخطايا .. بسيطة جداً .
تحنُ نُقتَلُ الآن .. ولا أحد يُعرِبُ عن أسَفِهِ لقَتْلِنا .
لا أحدَ يقولُ لنا : إنّني آسف..لأنّني سمحْتُ بقتلِكُم .. وانا آسفٌ جداً ..لأنّكُم موتى .
العالمُ كلّهُ أعْرَبَ عن أسفه هذا اليوم ، لأنّ إنتحارياً تونِسِيّاً فجّرَ نفسهُ في مدينة ” سوسة ” الساحلية .. 

ولَمْ يَمُتْ  في التفجير ِ 

 

أحدٌ 

سواه .


العالمُ كلّهُ سبقَ لهُ أن شَعَرَ بالعارِ والأسف ، لأنّ ” طالبان ” أطلقت النار على رأس الطفلة الأفغانية ” مَلالَة ” .. التي لم تَمُتُ نتيجة لذلك .. والتي كانت تحاولُ الأستمرار في الدراسة رغم التهديد .
الأكاديمية السويدية كانت آسفة جداً ، لأنّها لم تمنحها جائزة نوبل للسلام .
الرئيس ” الصديق ” باراك أوباما ، قابَلَها في البيت الأبيض ، وقالَ لها أنّهُ آسفٌ جداً ، لأنّ مجانين ” طالبان ” أطلَقوا النارَ على رأسها الجميل .
لم يَقُل أحدٌ لمُعلمّة اللغة الأنجليزية في إحدى مدارسنا : إننا آسفون .. لأنّ مجانين آخرين ، من ذات الفصيلة ، ذبحوها هي وعائلتها .. من الوريد إلى الوريد .
سيدي الرئيس باراك أوباما
انتظرُ منكَ أن تعتذر لدولةِ رئيس وزرائنا عن هذه الهفوة .
وان تُعرِبُ لهُ عن شديد الأسف .. لأنّ دمنا ليس رخيصاً إلى هذه الدرجة .
سيدي الرئيس باراك أوباما
إن هذه المعلمة كانت تعلّمُ التلاميذ كيف يقولون WE ARE SORRY .. وبِلُغتِكَ أنت .
وأنها ذُبِحُتْ .. لا لأنها كانت تريدُ مقابلتَكْ .. ولا لتحصلَ على ” نوبل ”
بل من أجل ان يتعلّم التلاميذُ منها معنى الأسف .. بلُغَةٍ أخرى .. غيرَ لُغَتِنا .

إلى الناس أجمعين :
إنّني  لا اكتبُ ” شِعْراً “
فأنا لستُ بـ ” شاعِر ” .
إنّني لا أكتبُ ” نَثْراً “
فأنا لستُ بـ ” ناثِر ” .
إنّني ، وفي هذا العُمر ،  أنتمي لأولئكَ الذين يقولُ عنهم نصيّف الناصري :
 ” متصير شاعر .. لو يجي الله ” .
لذا .. فأنا أكتبُ فقط ، أشياء لا أستطيعُ ” توصيفها ” حتّى لنفسي .
أشياءَ أحاولُ من خلالها تأجيل ” موتي ” قليلاً .. أو تحسينَهُ على الأقل .
إنّني لا أكتبُ من أجلِ ردّ ” القضاء ” .. بل من أجل ” اللطف ” بنفسي .
إنًني أكتبُ .. لأنّني خائف .
هل هذا كثيرٌ عليّ ؟ 
إذا كان الأمرُ كذلك ..
فأنا حقّاً .. آسفٌ لأزعاجكم .
كُلّنا .. كيوسف في البئر
لا أحدَ يفتحُ عينيه .. ليُبصرَ دمنا الخفيف ..
وهو يطفو فوق المخلّفاتِ الصَلبةِ للقتَلَة ْ.
لا أحدَ ينتظرُ البدو َ الذين يمرّونَ صُدفَةً .. ليعلكوننا .. مثل صُبّيرٍ رخيص ْ ..
نحنُ الذينَ نـَقُصُّ عليهم أحلامنا عن القحطِ .. والقمحِ .. ونساءِ ” العزيز ” المستحيلاتْ
والسلاطينَ القابضينَ على الحُنجُرَةْ .
 
***
 
أنتَ تحتاجُ  المرأةَ – الحُلمَ
لتعقِدَ صفقَتَكَ الأخيرة مع العالم 
العالم الذي أحببتهُ كثيراً
فلمْ ينتبِهْ لكَ .. وأنتَ تشيخُ وحيداً .. كفَحْلِ النخيل .
وها أنتَ .. في هذه العُزلةِ الموحِشَة
تحاولُ أن تفترِضَ أنّكَ تُحِبُّ وجهاً جميلاً .. لأمرأةٍ ما .. لاتعرفها
 لكي تكون احلامكَ مُضيئة .
في هذا العُمرِ ..  نحنُ  نحتاجُ شيئاً كهذا ،
 لكي نموتَ بسلام ،
والأبتسامةُ مرسومةٌ .. على وجوهنا المُطفأة .
 
***

ذهبتُ لزيارة امّي 

رأيتُ على جدار غرفتها رقعةً
” لا تحزن ْ إنّ اللهَ معنا ” .

لم تكنْ أمّي في البيت 

والغرفةُ خاليةٌ
كنتُ وحيداً ..

فحَزَنْتْ .

 

***

 
كنتَ تتمنى أن تعبِرَ جسوراً كثيرةً .. ذاهباً صوبَ حُلمكْ .
وأنتهى العمرُ قبل أن تكتشِفْ ..
أنّ المرايا لاتتعرفُ على وجهكَ في الفراغِ المُقابلْ .
وأن الجسورَ لمْ تكُنْ موجودةً .. إلاّ في مُخيّلتكَ التي تشبهُ البحر .
وأن النساءَ تتداولُ جَسَدَكَ .. كالذهبِ المغشوش .
وأنّ لا حبيباتَ في إنتظاركَ .. يُلَوّحنَ لكَ .. كأنّهُنَ واقفات على جُرف روحك .
وأن رائحة الأمّ قد ماتت معها .. منذُ أنْ قرّرَ أبوكَ الزواجَ بجنيّاتِ الحروبِ .. التي لا تنتهي .
 
***
 
 
كلُّ إناثِ البطاريقِ عادتْ .. عَداها .
أنظرُ إلى بطريقِنا الطفل ، كسيراً  ، وينظرُ إليّ ،
ونمضي معاً إلى الثلجِ العظيم .
يقولُ لي .. قدْ تعودُ
أقولُ .. لا .. لن تعودْ
فنشعرُ بالبَرْدِ ، لأوّلِ مرّة ،
منذُ الشتاءِ القديم .
 
***
 

لا أحَدَ يُجيد ُ قراءة  التاريخ ْ.. مثل ُ أمــّي .

كانت تردّدُ على مسامعي دائماً .. مقطعها المفضّل  في  ” إلياذة ” الروح :

 ترَفّق ْ بروحِك َ يا بُنيّ ..فلا بدائل َ للحُزن ِ هنا ..غير ُ الله ِ ..أو السُلطان ِ.. أو المنفى .. 

أو هذا الذي أنتَ فيـــه .

 ***

 

حينَ تبدأُ لُغَةُ النارِ بالعزفِ
سأنزَعُ نايَ الماءِ عن فَمي
وألملمُ خوفي 
وأجيءُ لأحميكِ من رصاصِ لا يفهمني
وقاتلٍ لايعرفني
وسكاكين لاتثقُ بقلبي
وبنادق محشوّة بـاليائسين .
وكلّما همَمْتِ بي .. داهمَكِ الأسى 
وكلّما همَمْتُ بكِ .. كان الضجيجُ يمنعني من البَوْحِ 
فأرتدي قميصي الذي لمْ يُقّدْ
وأعودُ إلى البيتِ وحدي
لأعْلِكَ صُبّيركِ النابتِ في فمي
مثل حصانٍ عتيق .
 
***
 

كُلّنا .. كيوسف في البئر

عماد عبد اللطيف سالم
emaasalem@gmail.com

كُلّنا .. كيوسف في البئر

كُلّنا .. كيوسف في البئر
لا أحدَ يفتحُ عينيه .. ليُبصرَ دمنا الخفيف ..
وهو يطفو فوق المخلّفاتِ الصَلبةِ للقتَلَة ْ.
لا أحدَ ينتظرُ البدو َ الذين يمرّونَ صُدفَةً .. ليعلكوننا .. مثل صُبّيرٍ رخيص ْ .
نحنُ الذينَ نـَقُصُّ عليهم أحلامنا عن القحطِ .. والقمحِ .. ونساءِ ” العزيز ” المستحيلاتْ
والسلاطينَ القابضينَ على الحُنجُرَةْ .
***

ذهبتُ لزيارة امّي 

رأيتُ على جدار غرفتها رقعةً
” لا تحزن ْ إنّ اللهَ معنا ” .

لم تكنْ أمّي في البيت 

والغرفةُ خاليةٌ
كنتُ وحيداً ..

فحَزَنْتْ .

***

أنتَ تحتاجُ المرأةَ – الحُلمَ
لتعقِدَ صفقَتَكَ الأخيرة مع العالم
العالم الذي أحببتهُ كثيراً
فلمْ ينتبِهْ لكَ .. وأنتَ تشيخُ وحيداً .. كفَحْلِ النخيل .
وها أنتَ .. في هذه العُزلةِ الموحِشَة
تحاولُ أن تفترِضَ أنّكَ تُحِبُّ وجهاً جميلاً .. لأمرأةٍ ما .. لاتعرفها
لكي تكون احلامكَ مُضيئة .
في هذا العُمرِ .. نحنُ نحتاجُ شيئاً كهذا ،
لكي نموتَ بسلام ،
والأبتسامةُ مرسومةٌ .. على وجوهنا المُطفأة .

***
كنتَ تتمنى أن تعبِرَ جسوراً كثيرةً .. ذاهباً صوبَ حُلمك .
وأنتهى العمرُ قبل أن تكتشِفْ ..
أنّ المرايا لاتتعرفُ على وجهكَ في الفراغِ المُقابلْ .
وأن الجسورَ لمْ تكُنْ موجودةً .. إلاّ في مُخيّلتكَ التي تشبهُ البحر .
وأن النساءَ تتداولُ جَسَدَكَ .. كالذهبِ المغشوش .
وأنّ لا حبيباتَ في إنتظاركَ .. يُلَوّحنَ لكَ .. كأنّهُنَ واقفات على جُرف روحك .
وأن رائحة الأمّ قد ماتت معها .. منذُ أنْ قرّرَ أبوكَ الزواجَ بجنيّاتِ الحروبِ .. التي لا تنتهي .
***
كلُّ إناثِ البطاريقِ عادتْ .. عَداها .
أنظرُ إلى بطريقِنا الطفل ، كسيراً ، وينظرُ إليّ ،
ونمضي معاً إلى الثلجِ العظيم .
يقولُ لي .. قدْ تعودُ
أقولُ .. لا .. لن تعودْ
فنشعرُ بالبَرْدِ ، لأوّلِ مرّة ،
منذُ الشتاءِ القديم .
***
لا أحَدَ يُجيد ُ قراءة التاريخ ْ.. مثل ُ أمــّي .
كانت تردّدُ على مسامعي دائماً .. مقطعها المفضّل في ” إلياذة ” الروح :
ترَفّق ْ بروحِك َ يا بُنيّ ..فلا بدائل َ للحُزن ِ هنا ..غير ُ الله ِ ..أو السُلطان ِ.. أو المنفى ..
أو هذا الذي أنتَ فيـــه .
***
حينَ تبدأُ لُغَةُ النارِ بالعزفِ
سأنزَعُ نايَ الماءِ عن فَمي
وألملمُ خوفي
وأجيءُ لأحميكِ من رصاصِ لا يفهمني
وقاتلٍ لايعرفني
وسكاكين لاتثقُ بقلبي
وبنادق محشوّة بـاليائسين .
وكلّما همَمْتِ بي .. داهمَكِ الأسى
وكلّما همَمْتُ بكِ .. كان الضجيجُ يمنعني من البَوْحِ
فأرتدي قميصي الذي لمْ يُقّدْ
وأعودُ إلى البيتِ وحدي
لأعْلِكَ صُبّيركِ النابتِ في فمي
مثل حصانٍ عتيق .

عراق .. أبو الريحه
 
ألف رحمة على والديه .. ذاك اللي كال على العراقيين :
” ذوله العراقيين .. بَلْوَة .
ميصدكون أكو شي .. بي شوية ريحه .. حتّى يَجْلبون بي .
هذا بي ريحة ” عائلة ” .. يجَلْبون بيه .
هذا بي ريحة ” عشيرة ” .. يجَلْبون بيه .
هذا بي ريحة ” سيّد ” .. يجَلْبون بيه .
هذا بي ريحة ” ملاّ ” ..  يجَلْبون بيه .
ذاك بي ريحة ” شيخ ” .. يجَلْبون بيه .
ذاك بي ريحة ” فهيم ” .. يجَلْبون بيه .
أكو شي .. مبي أي ريحه .. هُمّه يحطولَه ريحة .. ويجلبون بي . “
هسّه عِرَفتو ليش مَبُقى عند العراقيين شي بي ريحه .. لو لا ؟
صِدَكْ أبو المثل مِنْ كال : إنتو العراقيين .. وَردَة .

مايشتهيهِ رَجُلٌ حالِمٌ .. في الرُبع الرابعِ من العُمْر

عماد عبد اللطيف سالم
emaasalem@gmail.com

مايشتهيهِ رَجُلٌ حالِمٌ .. في الرُبع الرابعِ من العُمْر

أشتهي الآن ..
لفّةَ ” فلافل ” من ” أبو سمير ” .. في شارع سينما الخيام .
فِلم هِنديٌّ بالأبيض والأسود في سينما ” الوطني ” .
حسناء النهار ” كاترين دينوف ” ، في سينما غرناطة .
” بُطُلْ ” بيرة ” فريدة ” ، باردٌ جداً ، في بار ” بردايس ” سابقاً .. ” الجُنَينَة ” لاحقاً ( بعد قرار تعريب الأسماء الصادر عن مجلس قيادة الثورة ) .
خَسّ ، وفِجْلٌ أبيضٌ ، وبَصَلٌ أخضَرٌ ، و ” رارنج ” ، وكاسة ” روبة ” ، ورغيف خبزٍ باردٍ .. في حقول ” أبو دَلَف ” و ” محمد العزران ” ، على شواطيء العطيفية الثانية .
طاسَة ” طُرشي ” حنانش ” الشهير ، فرع الجعيفر .. قبل أن يتحول إلى فَرْعٍ للحزب .
سمَكَة ، بحجم اليد ، يصطادها ” عمّي حميد ” ، بعد شهرين من الصبر ، ويشويها لنا ، كأنّهُ نسخةٌ عراقيّةٌ من ” الشيخُ والبحر “.. فنفرَحُ بها .. كأنّها ” نوبل “.
أشتهي الآن ..
فريد الأطرش يُغني ” مُشْ كِفايَة ” .
أربعة ” إشياش ” كباب ، من ” عَرَبانَةٍ ” في الباب الشرقي ، بعد منتصف الليل .. تفوحُ منها رائحة ” الِليّة ” .
أشتهي الآن ..
أن تصومَ الناسُ ، وتُصَلّي ، حَقّاً ، بينما شارع ” أبو نؤاس ” ، مُكْتَظٌّ بروادِهِ .. إلى مَطْلَعِ الفَجْرِ .
” الحمزة ” في فلم “الرسالة” وهو يقولُ : ” رُدَّها إنْ إسْتَطَعْتْ “.. للمرّة الألف.
أشتهي الآن ..
أنْ أراكِ .. كما كُنتِ قبلَ أربعينَ عاماً ..
وأبكي .

ها نحنُ ..
يرصفوننا كالقطيع في شاحنات الوقت
ويتركوننا لنحتفل بعيداً عنهم .. بذهولنا المقدّس .
وفي رحلتنا القصيرة من المرعى إلى المَسْلَخ
ومن الليل .. إلى الليل
نغادرُ سجنَ الصمت .. إلى سجنِ الضجيج
ولا شيء آخــــر .
***
 
انني لا أعرف كيف اردّ  الجميل للجَمرْ 
 
هو الذي منحَ وجهكِ رمادهُ  الجديد .. كدشاديش العيد المقلّمة 
 
وجعلني أطيرُ من الفرحِ .. مثل يتيمٍ  مُبتديء .
 
هو الجمر .. الذي جعل الدفء صعباً .. كعيشٍ عاديّ..
 
و علّمني .. ان كل هذا التَوقَ اليكِ .. سهلٌ جداً .. مثل موتٍ قادم .
 
إنني لا أعرفُ كيف أردُّ الجميل للريح
 
هي التي تعلمتُ منها .. أن على الشاعر  ان يتنفّسَ اولاً .. هواءً نقيّاً ..
 
 لكي تصبحَ القصيدة مُمكنة  .. في درجة حرارة 50 مئوي 
 
ثم يلتقي بكِ لاحقاً  .. ويكتبُ لكِ .. قُبلتكِ  الأولى .
 
***
أنتِ نصيبي من الماء
ونافذتي على بحرٍ 
ليسَ لي .
وحينَ يبدأُ الأسى بالهطول
ويرتوي من حنينهِ 
عُشْبُ روحي
ستومئينَ لي بأصابعكِ البهيّة
مثل قليلٍ من العِطرِ
في غُرفةٍ مُظلمة .
 
***
***
في هذا الجزءِ الجميلِ ، من أزمةِ كلّ العُمر ،
 حيثُ يكونُ قد مرّ وقتٌ طويلٌ على أولّ خيبة ، وبضعُ لحظاتٍ على آخرها .
ثمّة أسماء قديمة لنساءٍ لازالت تتوسدُ تاريخَ الروحِ ِ ، وتاريخَ الرملِ .. وتاريخَ الماءْ . 
سلمى وهندُ وخولة ْ . بانٌ ولمياءُ ومروةْ . هندٌ وهاجرُ وبثينةْ . مُنى وليلى وبلقيسْ .
أسماءُ تعبقُ بسُلطةِ الرائحةِ ، وأستبداد المكان ، وسِحر ِ المُدن ِ العتيقة ْ .
لماذا إذاً ، حينَ تُغادرُ بيتكَ الآن ،
 لا ترى سوى الأبلْ .. ولا تمضغُ  غير العاقول .. ولا تشّمُ  سوى الوَبَرْ .
 
***
أنا أصومُ وأفطرُ طيلة هذا العمر ، مثل ولدٍ ضالّ ، أضاعَ أمّهُ في سوقٍ مُكتظّةٍ  بالمواعظ .
وحين وجدها عند آذان المغرب ، كانتْ لا تزالُ مُفطرَة من شدّة القلق .. وهو لا يزالُ  صائما من شدّة الخوفِ ،
وكانت السوقُ خالية من الناس ،
والجامعُ مكتّظٌ بالوعّـاظِ ..
 الباحثين عني .
 
***
أيّتُها الفارعةُ الطولِ .. كالليلِ
  • لولا أنّ المكان مزدحمٌ بالعيونِ

  • لجعلتُ منكِ في هذا اليومِ .. عيوني

    ولقلتُ لكِ أمامَ الجميعِ : سأبقى أحنّ ُ الى وجهكِ الذي يشبهُ الليل .. دوماً . ورغم أنَ حفل الغداء كان قصيراً ورغم أنّ النخلةَ غادرتْ باحة المطعمِ دون أن تلتَفِتْ غير أني التفّتُ .. وبقيت انتظرُ .. لعل السيدة تعود .. وتقول لي : مرحباً .. أيّها الغريبُ الكبيرُ .. أنا هِبَتُكَ الصغيرة .

    كانت رائحةُ الطَلْعِ .. بعد تلكَ الظهيرةِ

    قد غادرتِ الروحَ وعدتُ مغموساً بضوء عذوبتها

    إلى البيت وحدي .

    ***

لا أمتلكُ وقتاً كافياً للحب ،
وأمتلكُ دهراً كاملاً للكتابة عن الكراهية .
لاأمتلكُ وقتاً كافياً ، لكي أحبو نحو أمرأة تبعدُ بضع لحظاتٍ عن عيوني واصابعي ،
وأمتلكُ قروناً مظلمةً للكتابةِ عن إلهٍ يُفترضُ أنهُ في متناول الروح ، وموجودٌ في جميع الأمكنة .
لا أمتلكُ وقتاً كافياً للكتابةِ عن العيشِ ببُعدٍ واحدْ ،
وأمتلكُ وقتاً كافياً للكتابة عن موتنا .. المتعدد الأبعاد .
لا أمتلكُ وقتاً كافياً لأكونَ حُرّاً ، ولو لجزء من الثانية ،
وأمتلكُ عمراً كاملاً للكتابةِ عن تفاصيلِ سجنٍ واحدٍ ، من بين سجونٍ كثيرةٍ ، لن أغادرها أبداً .
***
يجبُ على الغريب القادم من التَيْهِ .. أن يكونَ مؤدّباً جداً في زرائبنا المقدسّة .
ويجبُ على الشحاذ الذي يئّنُ من القهر .. أن لا يطرقَ باب الدار مرّتينِ .. كي لا يزعجنا .
يجبُ على أمّي أن لاتموت ْ .. وعلى أبي أن لا يهذي  .. وأن يبقى أحدنا ملتصقاً بالآخر .. مثل قبور متجاورة .
يجبُ علينا أن نأكلَ بصمت ، كي لانمضّغَ ذلّنا علناً . وأن نحبّ بصمت ، كي لا نخدش حياء العشيرة .وأن نموتَ بصمت ، كي لا يرْتَبكَ القتلّة ْ .
يجبُ علينا ان نحاربَ دائماً .. أيّ شيءٍ وكلّ شيء .. وأن نُهزّمَ في نهاية اللعبة .
نحنُ القطيعُ الذي يختار زعيمه القادم من الصُدفة ْ .. ويركلهُ على مؤخرته ْ .. ثم يركضُ وراءهُ ، لمطاردة الشياطين ، في الجانب المُظلم من درب التبّانَةْ .
نحنُ الفصيلةُ التي قررتْ أن تنقَرِضْ .. وأن تتركَ المجموعة الشمسية .. للكائنات التي تعشقُ الضوء .
 
***
في الصف الخامس ِ .. من هذا العمرِ القصيرِ الأجلْ 
لم تعدْ وجوهنا تشبهُ .. إلى ذلك الحدِّ .. وجوهَ التلاميذ المضيئة ْ .
لقد أخذناها معنا ، مثل غبار ٍ عتيقٍ ، إلى البيتْ ..
 لنمسحَ عنها بهجة الروح .. في غُرفِ الضَجرِ الضيّقة ْ .
وها نحنُ .. بعد يوم ٍ واحد ٍ من الغيابِ الجميلْ .. هائمونَ كالريحْ
لمْ تعُدْ لنا ساعةٌ للدرسِ قادمة ٌ .. ولا صفٌّ أوّلٌ .. ولا صفٌّ أخير .
لم تعُدْ لدينا قاعة ٌ زرقاء كالبحر ِ البعيدْ .. نتبادلُ فيها الصمتَ مع الجدران ْ .. ونفتحُ فيها نوافذ َ أحلامنا .. على مسرّاتِ المصطباتِ السَهلةِ الطيِّ .. مثل أحزاننا .
ها نحنُ .. مثلُ عصافيرَ فقدتْ صوتها .. نُعيدُ خزينَ الحنينِ في كتبِ الذهولْ .. إلى أمينة المكتبة 
ونُنجزُ ” براءة الذمّة ِ ” من الوهمِ الطويلِ الأجَلْ 
ونَغلقُ القاعاتَ على ماتبّقى من ضحكاتنا في الممرّاتْ
ونتركُ الأستاذ الذي نحبُّ وحيداً
كأنهُ نسيانٌ حيّ
فوقَ منصّةٍ فارغة ْ .
 
***
أشتاقُ اليكِ كثيراً
وأتذكّرُ أنّ لون عينيكِ كان بُنيّاً .
ولكنهم فضّوا إعتصام ” رابعة ” .. وقتلوا ” الأخوان المسلمين ” .
و ” الأخوان المسلمين ” أحرقوا ” الأخوان غير المسلمين “.
وآخرون فجّروا عشر سيارات في بغداد .
وثمّة من يزحفُ نحو أحياء في سوريا .. لم يتم تدميرها جيّداً بعد .
و 1200 ” إرهابياً ” .. يكرهونَ المشنقة .. أغلَقوا السجن .. وشنَقوا السجّان .
وفُقراء بيروت .. يُقتَلونَ الآنَ في ” الضاحية ” .
هذهِ أشياءُ مدهشةٌ بالنسبة لي .. وأتابِعُها بشغَفْ .
لذا ..
لم أعُدْ أتذَكَرُ وجهكِ جيّداً
ولمْ أعُدْ أشتاقُ إلى احدْ .
 
***
 
سيدتي ..
أنا احبكِ حبّاً جمّاً
ولكنني لا استطيع ان أكتب لكِ شيئاً عن هذا الحبّ الان .
فالجنرالات – الثوار .. أعلنوا حالة الطواريء قبل قليل ..
وجنرالاتٌ آخرون هدّدوا بأعلانها لاحقاً .. في مكانٍ آخر .
لذا .. ليس من السهل ياسيدتي مواصلة الحبّ .. أو الصمت .. أو الكتابة .
سنفعلُ هذا في زمانٍ آخر .. ومكانٍ آخر .
لا مبرر للقلقْ
فقط صلّي معي  ، من اجل ان لايتم ذلك ..
 لا في المقبرة .. ولا في خيمةٍ على الحدود .
 
***
هذا أوانُ عرضِ الخرائط الكونيّة للأممِ القائدة ..
وطيِّ خطوطِ العصى الكولونياليّةِ .. للدوّلِ – الأزّقةِ ، المرسومةِ على الرمل . 
هذا أوانُ نبشِ خنادقنا المكتظّةِ بالأرباب والعقائدِ .. والجثث الحمقى .. النابتةِ مابين بيتٍ وبيتْ .
هذا اوانُ إنقراضِنا .. نحنُ المتفرجون الأبدّيون..الواقفون سلَفاً في طابور المهزومين.
هناك .. بعيداً عن فراديسِ هذا العالمِ المُمكِنَةْ
حيثُ نواصلُ إنتظارَ حصّتنا .. من الضوء .
 
***
 
سيعتقنا القادمون إلينا .. ِمنّا
نحنُ الأبناء السرّيون للسلاطين الحمقى ،
 وأحفادُ تاريخٍ طويلٍ من العسلِ المغشوشْ  ،
ونسلُ ماتبقى من صُلب ” عنترةَ العبسيّ ”  .. الذي لمْ يستطعْ أبداً ..
 الزواجَ بـ ” عَبلةْ ” . 
سيعتقنا القادمون إلينا .. مِنّا
نحنُ الذين نعرفُ مساحة مسالِخَنا جيداً .
غير أنّنا .. وبقليلٍ من العشب في باحتها .. حيثُ ينتطرنا القصّابون
نتقافزُ بحبورٍ ..
 كخرافٍ  سعيدة .
 
***

لم َ لا ..

أنزعُ  كلّ ُ هذا الهُراء ِعن الروح ِ .. وتبقى القصائد ُ حوْلها خالية  منّ الهمِّ .. ومُتْرَعَة بأطْلسِها الحُلو ُ .. وماء ِ مساماتِها المالح ِكالبحْرِ العَذب ِ .. وعينيها الجاحدتين ْ .

لم َ لا ..
ينزاح ُ هذا الشيب ُالمُقدّسُ / قليلا ً /عن هذا القلب ِ المخبول ِبعطر ِ جَدائِلِها
فيمضي / بما تبّقى من العمر ِ / إلى وجنتيها التُفاحتين ِويجلس ُ عند َ عينيها
ويصيح ُ خذيني إلى ” طروادة “ِ خوفك ِ سيدّتي  .. وسُدّيْ البوّاباتَ عَليّ .

لمَ لا   أعيش ُ مرّة ً أخرى ..

و أحْرص َ على أن ْ أكون َ وغْدا ً هذه ِ المرّة ْ  ..

من أجل  شفتيها البرحِيّتينْ

لمَ لا .

***
لم أعدْ أثقُ بالكلمات
لأنني عندما أضيفُ إلى وجهها بضعةَ أسطُرٍ ، لأصنع منه شيئاً يشبهُ البيتَ .. وألْتَفِتْ .. لا أجدها .
يأخذها منّي أميٌّ أحمقُ يشبهُ فَحْلاً قديماً .. وتمضي معهُ سعيدةً .. كأنها اكتشفتْ العجَلَةَ توّاً .. وأهدتها للتاريخ .
وأمامَ وجهي الذي لم يعُدْ بهِ ماء .. أراها تبني ، لثورها المجنّح ، اسواراً فارهةً من طينِ شَغَفي ، الذي لم ينشَفْ بعد .
ذلكَ الشَغَف الذي أسمتْهُ الكلماتُ حُبّاً .. وكنتُ أمضي وقتا طويلاً ، وأنا اكتبُ عنهُ بصوتٍ عالٍ ، شيئاً يشبهُ الشِعرَ ، لأقرأهُ ، في بيتها الفارغِ ذاك .
 
***
قلتُ لها : حبيبتي .. أريدُ أن أنامَ طويلاً .. ربما أحظى بأحلامٍ  جميلة .
قالتْ لي : إذهبْ لتنامْ . إنّكَ على أيّةِ حالٍ لاتنفعُ في شيء ..
لا في مَسحِ الأرضيّةِ ، ولا في غسلِ الأطباقِ ، ولا في تقطيعِ الخُضارِ ، و لا في شَطْفِ الملابسْ .
ثم قالتْ : إنّ أولادكَ لا ينامونَ أبداً . هل تعرفُ ذلك ؟
عندما نمتُ أخيراً ، كانت الأحلامُ كلّها .. سيّئةٌ جداً .
 
***
لقد تقدّمَ بي العمرُ كثيراً .
وبدلاً من الأسترخاء ، في إنتظارِ إغلاقِ السِتارَةِ على المشهدِ الأخير .. من هذه المسرحيّة المّمِلّة .
فأنّ عليَّ حضورَ مراسمَ دَفْنِ بضعةَ أشخاصٍ .. لا أرغبُ بحضورِ جنازاتهم .
أفرادُ العائلةِ .. مَثَلاً .
 
***
 
هذا العالمُ جميلٌ جداً ، لأن الاشياء التي تحدثُ فيه .. عاديةٌ جداً :
أنْ تموتَ مثل عصفور دون أنْ تزعجَ أحداً .
أن ينظرَ اليكَ البيتُ ، كأنكَ قطعة أثاث فائضة عن الحاجة .
أنْ تكتبَ لوجهٍ لم ترهُ أبداً .. إنّكَ مُدهشٌ جداً ، وعذبٌ جداً .. مثل وردة .
أن تكون صديقاً لخمسة آلاف يتيمٍ .. يتوسلونَ إليكَ أنْ تكونَ أباً للعائلة .
أنْ تسيرَ وحدكَ خلف جنازتكْ .. لأنّ ” رصيد حسابك ” غيرُ كافٍ .. لأجراء المُكالمَةْ .
 
***
لا هاتف هذا اليوم ،
لا قاعة دَرْسٍ ،
ولا أحد .
لمْ  يَقْرَعْ بابَ البيتِ أحَدْ .
حتّى ذلك المتسوّل الغريب ، الذي يأتي مُبتسِماً في آخر جُمعةِ من كلّ شهرٍ ، لم يأتِ هذا اليوم .. لأنّهُ كان يشعرُ بالضَجَر .
في أولِّ نَقْرَةٍ لي على ” كيبورد ” الوحشة .. لمَحْتُ  مُلْصَقاً لصديقٍ بلا ملامح ،
وشتيمةً فاحشةً على يمين ” الجدار ،
وتعليقاً شائِناً على يساره .
أغلقتُ الـ ” هوم ” مهموماً ..
 وعُدّتُ وحيداً إلى صمتِ بيتي .
ها أنذا أجلسُ الآن مثل معتوهٍ سعيد .. لأنّكم بعيدون جداً .
يالهُ من عالَمٍ صغير 
يالها من قريةٍ كبيرة .
 
***
 
لأنني عِشتُ الكثير من قصص الجُثَثِ القصيرة جداً ..  وما عادَ الموتُ يُحزِنُني .
فإن فَرَحاً داكِناً ينتابني بعد التاسعة مساءاً .. في كل يومٍ من تشرين ..
 حيثُ أجلسُ لأكتبَ يومياتي عن وجهِكِ العاديّ جداً . 
ذلكَ الذي يشبهُ الآن .. رغيفا بارداً .
عيونُ الجنود الكليلَة 
” الجنرالُ في متاهته ” .. ” ليس للكولونيل من يُراسِلُه ”  ..  ” إمرأةُ الملازم الفرنسي ” .
هذه عناوين رائعة ، لروايات رائعة ، كنتُ أحبّها جداً .
وبسببها كنتُ أتمنّى ، ولا أزال ، أن أكونَ جنرالاً أو عقيداً أو مُلازماً في الجيش  .. وليس موظفاً بائساً ، كما هو حالي الآن .
غير أنّ تاريخي ” العسكري ” ، قد لايسمحُ لي بتحقيق هذه الأمنيّة .
فخلال المدّة 1976-1978،كنتُ جنديّا ” مُكَلّفاً ” في ” شمال الوطن الحبيب “.
وخلال المدّة 1980-1983، كنتُ جنديّ ” إحتياط ” في ” جنوب الوطن العزيز”.
ولأنني كنتُ أرى الجنديّ الأيرانيّ الواحدَ ، وكأنّهُ عشرةُ جنودٍ في النهار ..
ولا أرى أي جنديّ ليلاً .. مهما كانت هويته .
ولأنني لم أعُدْ أميّزُ الصديق من العدو ، إلاّ بعد يومين من بداية المعركة .
فقد أحالوني إلى اللجنة الطبية في مستشفى البصرة العسكريّ .
وجاء في تقرير اللجنة آنذاك ، مايأتي : ” إنّ منسوبكم مُصابٌ بعيبٍ خُلُقيّ في العينين ، قد يمارسُ تأثيراً ضارّاً على الروح المعنوية للمقاتلين ، وذلك من خلال تضخيمه لعدد الأعداء المُحْتَمَلين ، وتقليلهِ لعدد الأصدقاء الفعليين ” .
وهكذا أصبحتُ خلال المدة 1983-1985 جُنديّاً ” غير مُسَلّح ” .
ومع ذلك ، لم يتم نقلي من ” الجبهة ” .. بل أنّ آمر سريّتي قال لي آنذاك :  شوف يَوّلْ . عبالك تطلع ” سلاح سِزْ ” ، وتِخْلَصْ ؟ لا أشو تبقى هنا .. حتّى لو حمّال بـ ” الحِجاباتْ ” .
خلال المدّة 1986-1987،أصبحتُ “جنديّ أشغالٍ” في مكانٍ قريبٍ من الجَبْهَة.  في عام 1987 ، أعادوا فحص بَصَري في مستوصف ” شرحبيل ” .. ومنحوني شرَفَ حمل السلاح ثانيةً . وقال لي أخصّائيّ العيون آنذاك : إنّ لكَ عَيْناً ، كعينِ الصَقْرِ ياولدي .
وهكذا تم إرسالي ، وأنا نصفُ أعمى ، و” نِصفُ حَمامَة ” ، مرّة أخرى .. إلى الجبهة .
في عام 1988 .. لم أعُدْ أرى شيئاً .. فأنتهت الحربُ .. وتم تسريحي من الخدمة .
بربكُم .. 
وبشرفكم ” المدنيّ “
هل يَمْلِكُ الكثيرُ من جنرالات اليوم .. تاريخاً كهذا ؟؟
نحنُ لا نزالُ بخير .
الأغلبيّةُ تُحّبُ الحياة .
القَتَلَةُ أقليّة .
كلُّ العراقيين كادحون َ ، طيبونَ ، ويريدون أن يعيشون بسلامٍ وكرامَة .
بضعةُ أنفارٍ منهم كذّابون ، ومنافقونَ ، ولصوص . وهؤلاء نعرفهم جيداً ، واحداً واحداً ، ونحفظُ أسماءَهم وسحناتهم عن ظَهْرِ قَلْب ، ولنْ ننسى مافعلوهُ بنا لحظةً واحدة .
العراقُ لايزالُ بخير 
وأنتم كذلك .
لا هاتف هذا اليوم ،
لا قاعة دَرْسٍ ،
ولا أحد .
لمْ  يَقْرَعْ بابَ البيتِ أحَدْ .
حتّى ذلك المتسوّل الغريب ، الذي يأتي مُبتسِماً في آخر جُمعةِ من كلّ شهرٍ ، لم يأتِ هذا اليوم .. لأنّهُ كان يشعرُ بالضَجَر .
في أولِّ نَقْرَةٍ لي على ” كيبورد ” الوحشة .. لمَحْتُ  مُلْصَقاً لصديقٍ بلا ملامح ،
وشتيمةً فاحشةً على يمين ” الجدار ،
وتعليقاً شائِناً على يساره .
أغلقتُ الـ ” هوم ” مهموماً ..
 وعُدّتُ وحيداً إلى صمتِ بيتي .
ها أنذا أجلسُ الآن مثل معتوهٍ سعيد .. لأنّكم بعيدون جداً .
يالهُ من عالَمٍ صغير 
يالها من قريةٍ كبيرة .
يقول غسان كنفاني : ” لاتَمُتْ قبلَ أن تكون نَدّاً ” .
وانا أقول : لا تَمُتْ قبلَ أن تكونَ وَغْداً .
لماذا ؟
لأنّ النِدّيَةَ ، لدينا ، فيها الكثيرُ من النَذالَة 
والقليلٌ جداً من إحترام الآخر .. والأعترافُ به .
في يومٍ ما ..  قبلَ سنين
 وفي اللحظةِ ذاتها التي رَكَلْتِ فيها جُثّةَ العراق العظيم .. بفَرْدَةٍ واحدةٍ من حذائكِ الأصفر الصغير ، ذو الكعب العالي ،  ومَضَيْتِ بعيداً عنْهُ .. وعَنّي ..
كنتُ أحبّكِ جداً .
الجيرانُ الذين لايتذكرونَ وجهكِ جيداً .. كانوا يُحبونكِ أيضاً .
النملةُ التي دُسْتُ عليها في الطريقِ اليكِ ، فماتَتْ ، كانت تُحبكِ جداً .
سائق التاكسي ، الذي كنتُ أحثُّهُ على الوصولِ اليكِ في الوقتِ المُحدّدِ ، قالَ لي : لابأس عليكَ ياصديقي .. إنها غيرُ موجودةٍ في المكانِ المُحدّدِ .. ولكنها تُحبّكَ جداً .
كلّهُم .. كانوا يكذبونَ جداً : الجيرانُ المُغَفّلونَ ، والنملةُ التي ماتَتْ عُنْوَةً ، والأبلَهُ الذي داسَ عليها .. وسائقُ التاكسي .
أنتِ وَحدَكِ .. من بين جميع الحمقى هؤلاء
كُنتِ صادِقَةً جداً .
أنتِ نصيبي من الماء
ونافذتي على بحرٍ 
ليسَ لي .
وحينَ يبدأُ الأسى بالهطول
ويرتوي من حنينهِ 
عُشْبُ روحي
ستومئينَ لي بأصابعكِ البهيّة
مثل قليلٍ من العِطرِ
في غُرفةٍ مُظلمة .
لأنني عِشتُ الكثير من قصص الجُثَثِ القصيرة جداً ..  وما عادَ الموتُ يُحزِنُني .
فإن فَرَحاً داكِناً ينتابني بعد التاسعة مساءاً .. في كل يومٍ من تشرين ..
 حيثُ أجلسُ لأكتبَ يومياتي عن وجهِكِ العاديّ جداً . 
ذلكَ الذي يشبهُ الآن .. رغيفا بارداً .
في بلدٍ ما ..
 ” رولان بارت ”  يعبرُ الشارع .
تدهسهُ شاحنة .
السائقُ يقول : ” يا الهي لو أنني كنت أعلم بأنني سأدهسُ رجلاً بهذه الأهمية ، وهذا المقام ، لما كنت قد خرجتُ من منزلي “.
السائق ذاتهُ يقولُ للقاضي : ” لستُ المُذنِبَ الوحيدَ ياسيدي . أنتم مُذنِبون أيضاً . لم يضَعْ أحدٌ منكم لافتةً تقول : إنتبِهوا ، إنّ رجلاً عظيماً قد يعبرُ الشارعَ من هُنا .. حيثُ ماتَ ” المؤلِّف ” .
في بلَدٍ آخر ..
سائقٌ آخر
قادَ سيارتَهُ المُفَخّخَة بإتجاهِ بيتٍ مُحدّدْ .
كانَ يعرفُ إنّهُ بيتُ ” جبرا إبراهيم جبرا ” .
لا يحتاجُ الأمرُ إلى لافتة .
لم يكن ذنبُ السائقِ أنّ ” جبرا ” لم يعُدْ موجوداً في البيت .
وكانَ على البيتْ
أن يلْحَقَ بصاحِبِه .
في أيامِ الحصارِ ” الجائر “
كنّا نأكلُ الخبز الأسْوَدَ ، والخِضار المُلوّنةَ .. مع الجميع .
كانت القطط والكلابُ هزيلةٌ جداً . والكثيرُ منها يموتُ بصمتٍ ، فوق القليلِ من القمامةِ ، المليئةِ بأعقابِ الخضروات الرخيصة .
في العيد فقط ، كانت الحيوانات الشاردة ، المذهولة مثلنا ، تجد في القمامة بقايا عَظْمَةٍ أفلتَتْ ، صُدْفَةً ، من بين أسناننا الشديدة الأخضرار .
في العيد فقط .. كانت ترتكبُ فِعْلَ العَيشِ المؤقَتِ ، مثلنا ، 
وتطاردُ ” وحشَ ” الباذنجانِ .. مع أطفالنا .
الآن .. في العيد .. نحنُ نأكلُ كثيراً 
لأنّ الأشياءَ التي نحاولُ نسيانها ، من خلال الأكل ، كثيرةٌ جداً .
” الأشياءُ ” التي نأكلها ، هي أيضاً ، كثيرةٌ جداً
واحزانُ دّمِها ، أكبرُ بكثيرٍ ، من فرَحِ اللحمِ النافرِ منها .
نائبٌ واحد ؟ نائبان ؟ ثلاثة ؟
كم نائبٌ يُقيمُ بيننا الآن .. نحنُ بقيّةُ أهلِه ..
ويتقاسمُ معنا ” الأمل ” في أنّ بعض المسَرّاتِ ، يمكنُ أن تكونَ دائمةً .. في العراق ؟
أتمنى لو عرفتهم
عندها سأمدُّ يدي اليهم ، وسأعلنُ أسماءهم على الملأ ، وسأبتهلُ لكي يفوزون بدورة أخرى .
سأبتهلُ لكي يبقى كلُّ واحدٍ منهم ، نائباً إلى الأبد .. طالما بقيَ العيدُ دائماً ، ومُمْكِناً ، 
وهُم هُنا معنا .. بيننا .. في العراق .
سعادة .. وطنيّة 
 
الكهرباءُ لا تنقطعُ عن البيت .
إنّ هذا يحدثُ الآن .
يا آلهي .
أنا لا أشعرُ أنّني في العراق . 
إنّ هذا شيءٌ جميلٌ جداً . شيءٌ رائعٌ حقاً .
هذا عيدٌ حقيقيّ .
شكراً جزيلاً لحكومة بلدي الرائعة .
أتمنّى أن لا تنقطعَ الكهرباءُ عن البيت .. حين يشتّدُ البردُ . أو عند سقوط المطر . أو عند طَفَحِ المجاري . أو عندما تقومُ مجاميعُ كبيرةٌ من العصافير الرماديّة ، بممارسة الحبِّ فوق الأسلاكِ البهيجة .
إذا أنقَطَعَتْ الكهرباءُ ثانيةً عن البيت ، لأي سببٍ كان .. حتّى وإن كان ذلك بسبب ” القاعدة ، والتكفيريين ، وأعوان البعث  “
فإنّ قدرتي على شتيمة ” العملية السياسية ” ، مثل قدرتي على الشماتةِ بها ،
ستكونٌ هائلة جداً .
يُذَكِّرُني العيدُ بِها .
بفُستانِها الأبيضِ المُنَقّطِ بالأسْوَدِ ذاك .
ذلكَ الفُستانُ كانتْ لهُ رائحة .
تساقَطَت النُقاطُ البيضُ من الروح 
نُقْطَة .. بعدَ نٌقْطَة 
وراحت الرائحة 
وبقيَ العيدُ 
 ذو اللونِ الواحد .
سيرك بوك CIRCBOOK
 
بين مدة وأخرى ، يُعلِنُ أحد ” الأصدقاء ” أنهُ  سيغلقُ صفحتهُ الشخصية على  ” الفيسبوك ” ، نهائياً أو إلى حين ، لأسباب معينة . هذه الأسباب ” المنطقية ” تُخفي وراءها  ، في الكثير من الحالات ، شعورا بعدم الرضا ، والأحباط ، والأمتعاض من خيارات الناس وأهتماماتهم . ومن بين هؤلاء الناس : كتّاب وصحفيون ومثقفون ، وأدباء مثله ، ( من جيلهِ أو من جيل تلامذته ) ، كان يعتقدُ أنهم سيلازمونهُ فيما يعرضهُ على ” جِدارِه ” .. مروراً وإعجاباً وتعليقاً .. ولا يكفّون عن الأشادة به .
وكقاعدة عامة ( لأن هناك إستثناءات بطبيعة الحال ) ، لايُمكنُ فهم ، أو تفسير ، توجهات وأهتمامات معظم الناس على الفيسبوك ، دون فهم ” الشخصية ” العربية  التي تتحكم بهذه التوجهات والأهتمامات .
إن ” الأنسان العربي ” لم يتحوّل إلى ” إنسانٍ كونيّ ” بعد .  إنّهُ لايزالُ يميلُ إلى ” الأثارة ” ، كعنصرٍ حاسمٍ في صياغة الفعل ، وردّ الفعل . إنهُ شخصيّة  ” سيركيّة ” ( من السيرك CIRCUS ) بأمتياز . وهذا ” الكائن ”  يُصَفِّقْ ، ويُعجَبُ ( إلى حدّ الوَلَه ) بمن يقوم بـ ” حركات ” مُفاجِئَة ، وسريعة ، وصادِمَة ، لاتستغرقُ سوى لحظات ٍ معدودات . وكلّما أزدادت الأثارةُ ، وأزدادت الدهشة ، كلما أزداد الأعجابُ والتصفيقُ ” الفرديّ ”  .. وصولاً إلى ” الهستيريا الجماعية ” .
هكذا نشأ ” ولاءنا ” لأكثر الزعماء إثارةً لـ ” مخيّلاتنا ” ، ورَسماً لـ ” سرديّاتنا ” ، حتّى وإن كان ثمنُ ذلك ضياعُ دمِنا ، وعَقلِنا ، وثرواتنا العامة والخاصّة ، وصولاً إلى ضياع أوطاننا .
ليس ” شَرطاً موضوعيّاً ” ، أن يحظى ” العقلُ ” ، ونتاجاتهُ ، بأهتمامنا . غير أن من ” طبيعة الأشياء ” أن يحظى البهلوانُ ، والمُهَرِّجُ ، والنطّاطُ ، والمُشَعْوِذُ ، والذي يمشي على حَبْلٍ مشدودٍ ، والحيوانُ المُدَرّبُ ، بجُلِّ إهتمامنا .
هذه هي أهمُّ ” قواعد اللعبة ” في الفيسبوك .
إنها قواعدُ الـ ” سيرك بوك ” .
إتقنوها
أو غادروا هذا ” العالم ” .. إلى الأبد .
 
 ” سُئِلَ الإمام أحمد :
متى يجِدُ العَبدُ طعمَ الراحة ؟
فقال : عند أولّ قَدَمٍ يضُعُها في الجَنّة ” .
وما دمنا هنا .. على هذه الأرض
ولم نذهب إلى هناك بعد 
دعونا نصنعُ جنّتنا بمحبة
ونتذوق مؤقتاً طعمَ الراحة 
ونفترضُ أنّ كلّ وجه سيصادفنا هذا اليوم .. هو جَنّة .
نحتفلُ بهِ ، كأننا نراهُ لأولّ مرّة
ونضُمّهُ بحنينِ إلى صدرنا
ونقولُ لهُ سلاماً أيها الفرحُ البعيد
ها نحنُ هُنا
ها انتَ بيننا
كل يوم وأنت بخيرٍ أيها الضوء 
 
وكلّ نسيانٍ .. وأنتَ معنا .
 
ما الذي سنخسره ؟
 
يمكننا أن نكره بعضنا البعض فيما بعد 
 
أمّا الآن .. فهيّا .. تعالوا
 
لنأكلَ لحم الخروف الحزينِ .. بحبورِ
ومحبّة .

 

 

 

أعياد .. صغيرة 
 
عندما يبدأُ طُلّابُ الصفوف الأولى بالدوام في الكليات ، يأتي طُلاّبُ الصفوف الأخرى ، للتَفرّجِ على دَهْشَتهِمْ .. وأسبابُ ذلكَ كثيرة .
ينظرُ إليهم ، أمثالي ، بأرتيابٍ أبويّ .
وينظُرونَ هُمْ إلَينا ، أيضاً ، وفي عيونهم عَتَبٌ مكبوت ، وشيء من الحزن ، ولسانُ حالِهِمْ يقول : هل تسْتَكْثِرونَ ذلكَ علينا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *