السيرة النبوية العطرة

 

السيرة النبوية العطرة كاملة
 
الغزوات .. أسبابها ومشروعيتها


بعد أن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وكان بها اليهود من بني قينقاع و قريظة و النضير، أقرهم عليه الصلاة والسلام على دينهم وأموالهم، واشترط لهم وعليهم شروطاً، وكانوا مع ذلك يظهرون العداوة والبغضاء للمسلمين، ويساعدهم جماعة من عرب المدينة كانوا يظهرون الإسلام وهم في الباطن كفار؛ وكانوا يعرفون بالمنافقين، يرأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، وقد قبل صلى الله عليه وسلم من هاتين الفئتين (اليهود والمنافقين) ظواهرهم، فلم يحاربهم ولم يحاربوه بل كان يقاوم الإنكار بالحجج الدامغة والحكم البالغة.

فلم يكن صلى الله عليه وسلم يقاتل أحداً على الدخول في دين الله، بل كان يدعو إليه ويجاهد في سبيله بإقامة ساطع الحجج وقاطع البراهين.

ولكن لما كانت قريش أمة معادية له، مقاومة لدعوته، معارضة له فيها، وقد آذته وآذت المسلمين وأخرجتهم من ديارهم، واستولت على ما تركوه بمكة من الأموال، وآذت المستضعفين الذين لم يقدروا على الهجرة مع رسول الله وأصحابه، أذن الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم وقتال كل معتد وصادٍّ عن الدعوة.

فأول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك مصادرة تجارة قريش التي كانوا يذهبون بها إلى الشام والتي يجلبونها منه.

وكان بعد ذلك – عندما تدعو الحال لقتال من يقف في وجه الدعوة من قريش أو غيرهم – يخرج إلى القتال بنفسه ومعه المقاتلون من المسلمين، وتارة يبعث مع المقاتلين من يختاره لقيادتهم، وقد سمى المؤرخون ما خرج فيه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه (غزوة) سواء حارب فيها أم لم يحارب، وسموا ما بعث فيها أحد القواد (سرية).


الغزوات والسرايا إجمالا

في السنة الأولى من الهجرة بعث سريتين.

وفي السنة الثانية
غزا بنفسه سبع غزوات وبعث سرية واحدة،
وأكبر غزواتها غزوة بدر:
غزوة (ودان) وهي قرية بين مكة والمدينة،
وكان خروجه لها ليعترض عيراً لقريش فوجدها قد سبقته فرجع.
غزوة (بواط) وهو جبل جهينة بين المدينة وينبع،
وكان خروجه فيها ليعترض عبر قريش فوجدها قد سبقته فرجع.
غزوة (العشيرة) وهي موضع من بطن ينبع
وسنأتي على ذكرها في الأصل عند الكلام على غزوة بدر الكبرى.

غزوة (بدر الأولى).
(بدر) موضع بين مكة والمدينة،
وهو إلى المدينة أقرب في الجنوب الغربي منها،
 خرج فيها لتعقب من أغار على سرح المدينة فلم يجده.

غزوة (بدر الكبرى) وسنشرحها في الأصل.

غزوة بني (قينقاع)
 وهم حي من اليهود حول المدينة نبذوا عهد المسلمين وخانوهم،
 فخرج إليهم وحاصرهم خمس عشرة ليلة، حتى طلبوا منه أن يخرجوا من ديارهم بالنساء والأولاد ويتركوا للمسلمين الأموال، فقبل منهم ذلك وأجلاهم.

غزوة (السويق)
 التي خرج فيها أبو سفيان في مائتين إلى المدينة وأحرق بعض نخلها،
 فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ففروا
 تاركين ما كانوا يحملون من أجربة السويق (ولذلك سميت غزوة السويق).

وفي السنة الثالثة
 غزا أربع غزوات وبعث سرية واحدة، وأهم غزواتها غزوة (أحد) :

غزوة (غطفان)
وهم حي من قيس بلغ النبي صلى الله عليه وسلم تجمعهم للإغارة على المدينة،
فخرج اليهم فتشتتوا في رؤوس الجبال.

غزوة (بحران) وهو موضع بجهة الفرع من المدينة به قبيلة بني سليم، أرادوا الإغارة على المدينة فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فتفرقوا.
غزوة (أحد) وسنشرحها في الأصل.
غزوة (حمراء الأسد) وقد ذكرت بالأصل.

وفي السنة الرابعة 
غزا ثلاث غزوات وبعث ثلاث سريات:

غزوة (بني النضير) وسنأتى على ذكرها في الأصل.

غزوة (ذات الرقاع):
 اسم لصخور فيها بقع حمر وبيض وسود في جبل بجهة نجد؛ بلغه عليه الصلاة والسلام أن قبائل من نجد يتهيئون لحربه، فخرج إليهم في سبعمائة مقاتل فلم يجدوا غير النسوة فأخذوهن وعادوا، أما رجالهم فإنهم تفرقوا في رؤوس الجبال.

غزوة (بدر الآخرة)
وسيأتي الكلام عليها في آخر غزوة أحد.

وفي السنة الخامسة
غزا أربع غزوات أشهرها غزوة الخندق:

غزوة (دومة الجندل)
 وهي جهة بين المدينة المنورة ودمشق، على بعد خمس ليال من دمشق وخمس عشرة ليلة من المدينة، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن بها جمعا من الأعراب يعتدون على من يمر بهم وأنهم يريدون القرب من المدينة، فخرج إليهم في ألف من أصحابه، فلما علموا بقربه منهم تفرقوا وغنم المسلمون مواشيهم.

غزوة (بني المصطلق)
وهم حي من خزاعة ساعدوا قريشا على حرب المسلمين في غزوة أحد ثم تجمعوا لحرب المسلمين، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في جمع كثير فالتقى الجمعان بجهة (المريسيع) وهو ماء لقبيلة خزاعة؛ فانهزم المشركون بين قتيل وأسير،
وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت زعيمهم الحارث وأعتق سائر نسائهم، وفي أثناء رجوع المسلمين من هذه الغزوة حصلت حادثة الإفك المشهورة.

غزوة (الخندق)
 وغزوة (بني قريظة)
وسيأتى الكلام عليهما في الأصل.

في السنة السادسة
غزا ثلاث غزوات وبعث إحدى عشرة سرية، ومن غزواتها غزوة الحديبية:
غزوة (بني لحيان).
غزوة (الغابة).
غزوة (الحديبية).

وفي السنة السابعة 
غزا غزوة واحدة وهي غزوة خيبر وبعث ثلاث سرايا. 


وفي السنة الثامنة
غزا أربع غزوات، وبعث عشر سرايا، وأكبر غزواتها غزوة فتح مكة المكرمة وغزوة حنين:
غزوة (مؤتة).
غزوة (الفتح).
غزوة (حنين).
غزوة (الطائف)، وسيأتي الكلام على جميعها في الأصل.

في السنة التاسعة
 غزا غزوة واحدة وهي غزوة تبوك، وبعث سرية واحدة.


وفي السنة العاشرة
بعث سريتين، وفيها حج حجة الوداع.


وفي السنة الحادية عشر 
بعث سرية واحدة.

فجملة الغزوات التي خرج للقتال فيها بنفسه صلى الله عليه وسلم:
 سبع وعشرون غزوة،
و جملة السرايا التي بعث فيها القواد ولم يخرج فيها بنفسه:
خمس وثلاثون سرية.
 ولنتكلم على المهم من تلك الغزوات باختصار.



غزوة بدر الكبرى


كان من عادة قريش أن تذهب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتشتري فتمر في ذهابها وإيابها بطريق المدينة، ففي شهر جمادى الثانية من السنة الثانية للهجرة بعثت قريش بأعظم تجارة لها إلى الشام في عير كبيرة (وهم يسمون الركب الخارج بالتجارة عيرا) خرج بها أبو سفيان بن حرب في بضعة و ثلاثين رجلا من قريش، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في مائة وخمسين رجلا من المهاجرين فلم يدركهم، وتسمى هذه غزوة (العشيرة)، باسم واد من ناحية بدر.

ولما علم برجوعهم من الشام خرج إليهم في العشر الأوائل من شهر رمضان في ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، معهم فرسان وسبعون بعيرا، وسار حتى عسكر بالروحاء، وهو موضع على بعد أربعين ميلا في جنوب المدينة. 

وكان أبو سفيان حين قرب من الحجاز يسير محترسا، فلما علم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الطريق المسلوكة وسار بساحل البحر، ثم بعث رجلا إلى مكة ليخبر قريشا ويستنفرهم لحفظ أموالهم، فقام منهم تسعمائة وخمسون رجلا فيهم مائة فارس وسبعمائة بعير، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروج هذا الجمع استشار أصحابه فأشاروا بالإقدام، فارتحل بهم حتى وصل قريبا من وادي بدر، فبلغه أن أبا سفيان قد نجا بالتجارة وأن قريشا وراء الوادي، لأن أبا جهل أشار عليهم بعد أن علموا بنجاة العير ألا يرجعوا حتى يصلوا بدراً فينحروا ويطعموا الطعام ويسقوا الخمور فتسمع بهم العرب فتهابهم أبدا.

فسار جيش المشركين حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي (أي الشاطئ البعيد للوادي)، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه حتى نزلوا بالعدوة الدنيا من الوادي، ولم يكن بها ماء فأرسل الله تعالى الغيث حتى سال الوادي فشرب المسلمون وملئوا أسقيتهم، وتلبدت لهم الأرض حتى سهل المسير فيها، أما الجهة التي كان بها المشركون فإن المطر أوحلها، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه حتى نزل بأقرب ماء من القوم، وأمر ببناء حوض يملأ ماء لجيشه؛ كما أمر بأن يغوّر ما وراءه من الآبار حتى ينقطع أمل المشركين في الشرب من وراء المسلمين، ثم أذن لأصحابه أن يبنوا له عريشاً يأوى إليه، فبني له فوق تل مشرف على ميدان القتال.

فلما تراءى الجيشان، وكان ذلك في صبيحة يوم الثلاثاء 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة قام النبي صلى الله عليه وسلم بتعديل صفوف جيشه حتى صاروا كأنهم بنيان مرصوص، ونظر لقريش فقال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني.
 

ثم برز ثلاثة من صفوف المشركين، وهم عتبة بن ربيعة وابنه الوليد وأخوه شيبة وطلبوا من يخرج إليهم، فبرز لهم ثلاثة من الأنصار، فقال المشركون: إنما نطلب أكفاءنا من بني عمنا (أى القرشيين)، فبرز لهم حمزة بن عبد المطلب و عبيدة بن الحارث و عليّ بن أبي طالب، فكان حمزة بإزاء شيبة وكان عبيدة بإزاء عتبة وكان عليّ بإزاء الوليد، فأما حمزة وعليّ فقد أجهز كل منهما على مبارزه، وأما عبيدة فقد ضرب صاحبه ضربة لم تمته وضربه صاحبه مثلها، فجاء علي وحمزة فأجهزا على مبارز عبيدة وحملا عبيدة وهو جريح إلى صفوف المسلمين، وقد مات من آثار جراحه رضى الله عنه.

ثم بدأ الهجوم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش يشجع الناس ويقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)، وأخذ من الحصباء حفنة رمى بها في وجوه المشركين قائلا: شاهت الوجوه ( أي: قبحت)، ثم قال لأصحابه: شدوا عليهم. فحمى الوطيس (أي: اشتد القتال). وأمد الله تعالى المسلمين بملائكة النصر، فلم تك إلا ساعة حتى انهزم المشركون و ولوا الأدبار، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتلوا منهم سبعين رجلا وأسروا سبعين، ومن بين القتلى كثيرون من صناديدهم.

ولما انتهت الموقعة أمر عليه الصلاة والسلام بدفن الشهداء من المسلمين، كما أمر بإلقاء قتلى المشركين في قليب بدر، ولم يستشهد من المسلمين سوى أربعة عشر رجلا رضي الله عنهم.

بعد أن انتهي القتال في بدر ودفن الشهداء والقتلى؛ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع الغنائم فجمعت، وأرسل من يبشر أهل المدينة بالنصر، ثم عاد عليه الصلاة والسلام بالغنائم والأسرى إلى المدينة، فقسم الغنائم بين المجاهدين ومن في حكمهم من المخلَّفين لمصلحة، وحفظ لورثة الشهداء أسهمهم، وأما الأسرى فرأى بعد أن استشار أصحابه فيهم أن يستبقيهم ويقبل الفداء من قريش عمَّن تريد فداءه، فبعثت قريش بالمال لفداء أسراهم، فكان فداء الرجل من ألف درهم الى أربعة آلاف درهم بحسب منزلته فيهم، ومن لم يكن معه فداء وهو يحسن القراءة والكتابة أعطوه عشرة من غلمان المسلمين يعلمهم، فكان ذلك فداءه.

وكان من الأسرى العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُعفه من الفداء مع أنه إنما خرج لهذه الحرب مُكْرَها، وقد أسلم العباس عقب غزوة بدر ولكنه لم يظهر إسلامه إلا قبيل فتح مكة.

وكان منهم أيضاً أبو العاص بن الربيع زوج زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد افتدته رضى الله عنها بقلادتها فرُدَّت إليها، واشترط عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمكّنها من الهجرة إلى المدينة فوفي بشرطه، وقد أسلم قبل فتح مكة، فرد إليه النبي صلى الله عليه وسلم زوجته. ومنهم من منَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم بغير فداء؛ كأبي عزة الجمحي الذي كان يثير بشعره قريشاً ضد المسلمين، فطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفكه من الأسر على ألا يعود لمثل ذلك، فأطلقه على هذا الشرط، ولكنه لم يف بعهده بعد، وقتل بعد غزوة أحد.

ومن قتلى قريش: أبو جهل بن هشام، و أمية بن خلف، و عتبة و شيبة ابنا ربيعة، و حنظلة بن أبي سفيان، و الوليد بن عتبة، و الجراح والد أبي عبيدة، قتله ابنه أبو عبيدة بعد أن ابتعد عنه فلم يرجع.

وأما شهداء بدر الأربعة عشر فمنهم ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، فمن المهاجرين: عبيدة بن الحارث و عمير بن أبي وقاص، ومن الأنصار: عوف و معوّذ ابنا عفراء الخزرجيان، وهما اللذان قتلا أبا جهل، ومنهم سعد بن خيثمة الأوسيّ أحد النقباء في بيعة العقبة.

وهذه الغزوة الكبرى التي انتصر فيها المسلمون ذلك الانتصار الباهر، مع قلة عَددهم وعُددهم وكثرة عَدد العدوّ وعُدده، من الأدلة الكبرى على عناية الله تعالى بالمسلمين الصادقي العزيمة الممتلئة قلوبهم طمأنينة بالله تعالى وثقة بما وعدهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الفوز والنصر.

ولقد دخل بسببها الرعب في قلوب كافة العرب، فكانت للمسلمين عزاً و هيبة و قوة، و الحمد لله رب العالمين.




غزوة أُحُد

بعد أن مضى على غزوة بدر عام كامل؛ وكانت عير قريش لم تزل موقوفة بدار الندوة؛ اجتمع من بقى من عظمائهم إلى أبي سفيان، و اتفقوا على أن يتركوا ربح أموالهم في تلك العير استعداداً لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ربحها نحو خمسين ألف دينار، فاجتمع منهم ثلاثة آلاف رجل ومعهم حلفاؤهم من بني المصطلق وغيرهم، وخرجوا بالقيان و الدفوف و الخمور، و معهم هند امرأة أبي سفيان وخمس عشرة امرأة ليشجعنهم ، وساروا حتى وصلوا إلى ذي الحليفة بالقرب من المدينة.

وقد كان العباس بن عبد المطلب بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب يخبره فيه بخروج القوم، فجمع عليه الصلاة والسلام أصحابه وأخبرهم الخبر، واستشارهم في البقاء بالمدينة حتى إذا قدم القوم إليها قاتلوهم، فكان رأى الأكثرين الخروج للقاء العدو، ففي يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من شوال في السنة الثالثة للهجرة صلى الجمعة بالناس، وحضّهم في خطبتها على الثبات و الصبر، ثم دخل حجرته فلبس درعين وتقلد السيف وألقى الترس وراء ظهره، ولما خرج للناس بعُدَّته هذه قال بعض من أشار بالخروج: نتبع ما عرضته من البقاء، فقال: ما كان لنبي لبس سلاحه أن يضعه حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه.

ثم عقد الألوية واستعرض الجيش وسار بألف رجل حتى منتصف الطريق بين المدينة و جبل أُحُد، و هو جبل في شمال المدينة، فرجع عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين في ثلاثمائة من أصحابه، ثم سار الجيش حتى نزل الشِّعب من أُحُد و جعل ظهره للجبل و وجهه للمدينة؛ وقد نزل المشركون ببطن الوادي بالقرب من أُحُد، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرماة؛ وكانوا خمسين رجلا؛ فجعلهم خلف الجيش على ظهر الجبل، وأمرهم ألاّ يبرحوا مكانهم، ثم عَدَّل الصفوف و خطب في الجيش بالنصائح والمواعظ، ثم خرج رجل من صفوف المشركين فبرز له الزبير بن العوام فقتله؛ و قتل علىُّ بن أبي طالب حاملَ لواء المشركين، واسمه حمزة أرطاة، وخرج من صفوف المشركين عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق يطلب المبارزة فهمَّ أبو بكر أن يبرز إليه، فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا له: متعنا بنفسك يا أبا بكر.

ثم التقت الصفوف، وجعلت نساء قريش يضربن الدفوف و ينشدن الأشعار تهييجاً لرجالهن، فدارت رحا الحرب، وكانت الغلبة للمسلمين، إلا أن الرماة لما رأوا انكشاف المشركين ترك أكثرهم مكانهم الذي أُمروا ألا يتحولوا عنه، وتحولوا إلى العسكر، وخلوا ظهر المسلمين للعدو، واشتغل بعض الجيش بالغنائم، فاختلت الصفوف، فتحولت فرسان المشركين بقيادة خالد بن الوليد وجاءوهم من خلفهم، فأصابوا فيهم، وأُذيع قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأضعف ذلك من عزائم الجيش، وانهزم جماعة من المسلمين، وانكشف مكان النبي صلى الله عليه وسلم للعدو فأصابته الحجارة، و وقع لشقه، فأصيبت رباعيته (السن التي بين الناب والثنية)، وجرح وجهه وشفته، و دخلت حلقتان من المغفر في وجنته، والمغفر هو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وقد عالج أبو عبيدة بن الجراح نزع هاتين الحلقتين من وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزعهما، وكسرت في ذلك ثنيتاه رضى الله عنه.

وأحاط به الكفار فدافع دونه خمسة من الأنصار، وعاد إليهم فئة من المسلمين حتى أجلوا الكفار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ممن امتاز بالمدافعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت: سعد بن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، و أبو طلحة الأنصارى الذي نثر كنانته بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، و أبو دجانة الذي كان النبل يقع في ظهره وهو منحن على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بعد أن أجلى الكفار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه كعب بن مالك الأنصارى، فشرع ينادى: يا معشر المسلمين أبشروا، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اسكت، ثم سار عليه الصلاة والسلام نحو الشِّعب بين سعد بن أبي وقاص و سعد بن عبادة، ومعه أبو بكر و عمر و عليّ و طلحة و الزبير وغيرهم، وجاءت فاطمة الزهراء رضى الله عنها فغسلت عنه الدم وضمدت جروحه، وأقبل أبي بن خلف من المشركين يقول: أين محمد؟ لا نجوتُ إن نجا، فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بحربة فوقع عن فرسه، وأصيب في عنقه، ومات بسبب ذلك، ولم يقتل بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد غيره، لا في هذه الغزوة ولا في غيرها.

ثم أراد عليه الصلاة والسلام أن يعلو صخرة في الشِّعب لينظر جماعة المشركين فلم يتمكن من القيام بنفسه، فأعانه طلحة بن عبيد الله حتى أصعده على الصخرة، فرأى جماعة المشركين على ظهر الجبل فقال: لا ينبغي لهم أن يعلونا. فأرسل إليهم عمر بن الخطاب في جماعة فأنزلوهم، وقد صعد أبو سفيان ربوة ونادى بأعلى صوته: إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعْلُ هُبَل (اسم صنم لهم)، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يجيبه، فأجابه عمر رضي الله عنه بقوله: الله أعلى وأجلّ لاسواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فلما سمع أبو سفيان صوت عمر قال: هلمَّ إلي ياعمر، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه، فقال أبو سيفان: أنشدك الله ياعمر أقتلنا محمدا؟ فقال عمر : اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن.

ثم نادى أبو سفيان: إن موعدكم بدر العام المقبل، فأجيب من قبل المسلمين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، هو بيننا وبينك موعد، وقد أخلف أبو سفيان موعده فلم يخرج في العام التالي، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد خرج في ذلك العام إلى بدر ولم يلق أحدا، وسميت تلك الغزوة غزوة بدر الأخرى أو الصغرى.

ثم انصرفوا، وتفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم القتلى وأمر بدفنهم، وعاد إلى المدينة في منتصف شوال .

وقد بلغ عدد قتلى المسلمين في هذه الغزوة سبعين شهيدا، منهم أربعة من المهاجرين والباقون من الأنصار، وقتل من المشركين اثنان وعشرون.

وجعلت زوجة أبي سفيان ومن معها من النساء يمثلن بالشهداء، فجدعن الآذان والأنوف، واتخذن منها قلائد، وبقرت زوجة أبي سفيان بطن حمزة، ولاكت كبده تشفيا من نكايتهم في غزوة بدر.

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة بليلة واحدة أن يخرج معه لتعقب العدو كلُّ من حضر هذه الغزوة، فلما شعر أبو سفيان بذلك همَّ أن يعود بالمشركين للقاء المسلمين، فقيل له: إن محمدا قد أقبل في جميع أصحابه، فخاف وانثنى عن عزمه، واستمر راجعا إلى مكة، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه في حمراء الأسد، وهو موضع على ثمانية أميال من المدينة في طريق مكة، أقام هنالك ثلاثة أيام، ثم عاد إلى المدينة بعد أن تأكد من انصراف المشركين إلى مكة.




غزوة الخندق

كان بين المسلمين من الخزرج وبين يهود بني النضير المجاورين للمدينة عهد على التناصر، فخان اليهود عهدهم مع المسلمين، حيث هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج عليه الصلاة والسلام إليهم في السنة الرابعة للهجرة حتى أجلاهم عن مواطنهم، فأورث الله تعالى المسلمين أرضهم وديارهم، ولم يقر لهؤلاء اليهود قرار بعد ذلك فذهب جمع منهم إلى مكة، وقابلوا رؤساء قريش واتفقوا معهم ومع قبيلة غطفان على حرب المسلمين، فتجهزت قريش ومن تبعهم من كنانة، وتجهزت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، وتحزبوا جميعاً على محاربة المسلمين، حتى بلغ عدد جميعهم عشرة آلاف محارب قائدهم العام أبو سفيان.

فلما سمع رسول الله صلى عليه وسلم بتجمعهم لذلك استشار أصحابه فيما يعمل لمقاومتهم، فأشار سلمان الفارسيّ رضي الله عنه بحفر خندق في شمال المدينة من الجهة التي تؤتى منها المدينة، فحفروه وجاءت قريش ومن معها من الأحزاب ونزلوا خلف الخندق، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين أمام الخندق، واستمروا على هذه الحالة يترامون بالنبل بضعاً وعشرين ليلة، وقد رتب رسول الله صلى الله عليه وسلم حراسا على الخندق لئلا يقتحمه الأعداء ليلا، وكان يحرس بنفسه أصعب جهة فيه، ولما طالت المدة اقتحم جماعة من المشركين الخندق بخيلهم، فمنهم من وقع فيه فاندقَّ عنقه، ومنهم من برز له بعض شجعان المسلمين فقتله، وقد استمرت هذه المعركة يوما كاملا. 




غزوة بني قريظة


ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن يهود بني قريظة القاطنين بجوار المدينة يريدون نقض ما بينهم وبينه من العهود، فاسترجع من جيشه خمسمائة رجل لحراسة النساء والذرارى، ولما علم المسلمون بأمر بني قريظة اشتد وجلهم لأن العدو قد أصبح محيطاً بهم من الخارج والداخل، ولكن الله سبحانه وتعالى قيَّض لرسوله صلى الله عليه وسلم من انبث بين الأعداء يفرق جموعهم بالخديعة والحيلة، حتى استحكم الفشل بينهم، وخاف بعضهم بعضاً، وأرسل الله تعالى عليهم ريحا باردة في ليل مظلم أكْفَأت قدورهم وطرحت آنيتهم، فارتحلوا من ليلتهم، و أزاح الله تعالى هذه الغُمَّة التي تحزَّب فيها الأحزاب من قبائل العرب واليهود على المسلمين.

وكانت هذه الحادثة بين شهري شوال وذي القعدة من شهور السنة الخامسة للهجرة، واستشهد فيها من المسلمين ستة، و قتل من المشركين ثلاثة.

ولما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخلع لباس الحرب حتى حاصر بني قريظة لخيانتهم ونقضهم للعهد، واستمر محاصراً لهم خمساً وعشرين ليلة، حتى كادوا يهلكون ولم يروا بدًّا من التسليم لما يحكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضوا بأن ينزلوا على حكم سيدهم سعد بن معاذ، فحكم بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم وأخذ غنائمهم، فحبس الرجال في دور الأنصار حتى حفرت لهم خنادق ضربت أعناقهم فيها، وكانوا نحو سبعمائة رجل، وبذلك أراح الله المسلمين من شر مجاورة هؤلاء الأعداء، والله عزيز ذو انتقام.



غزوة الحديبية وصلحها

أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة الخندق بقية السنة الخامسة للهجرة، وفي السنة السادسة خرج إلى بني لحيان الذين قتلوا عاصم بن ثابت ومن معه، فوجد القوم قد تفرقوا، ثم إلى ذى قَرَد لرد إغارة عيينة بن حصن على لقاحه صلى الله عليه وسلم (واللقاح: جمع لَقْحة، وهي الناقة الحلوب)، ففر العدو بعد مناوشة لم تطل، ثم إلى بني المصطلق لما بلغه أنهم يجمعون له الجموع، فهزمهم وغنم منهم أموالا وسبايا.

ثم خرج صلى الله عليه وسلم في ذى القعدة من تلك السنة إلى مكة يقصد العمرة، وخرج معه من المهاجرين والأنصار ألف وخمسمائة، وساق معه الهدى ليعلم الناس أنه لم يخرج محاربا، وأمر أصحابه ألا يستصحبوا معهم من السلاح إلا السيوف مغمدة في قُرُبها، حتى لايدخلوا المسجد الحرام بسيوف مجردة، فسار عليه الصلاة والسلام بهذا الجمع حتى وصلوا عسفان، وهو موضع على مرحلتين من مكة، فجاءه من أخبره أن قريشاً اتفقت على صد المسلمين عن مكة، وتجهزت للحرب، وأخرجت خالد ابن الوليد في مائتي فارس ليصدوا المسلمين عن التقدم، فسار المسلمون من طريق آخر تملك مكة من أسفلها، حتى وصلوا إلى مهبط الحديبية، وهي بئر بقرب مكة سمى الموضع باسمها، فبركت ناقته صلى الله عليه وسلم، فأمر أصحابه بالنزول، وهناك جاء رسول من قريش يسأِل عن سبب مجيء المسلمين، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بمقصده، فلما رجع إلى قريش لم يثقوا به، فأرسلوا آخر، فلما رأى الهدى وسمع التلبية رجع وقال لقريش: إن القوم جاءوا معتمرين، وما ينبغي أن يُصَدُّوا، وما ينبغي أن تحج لخم وجذام وحمير ويمنع عن البيت ابن عبد المطلب، فلم تسمع قريش لقوله، وبعثوا آخر فرأى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم احترامهم لنبيهم ومحبتهم إياه، فرجع إلى قريش وحدثهم بما رأى وقال : إنى والله ما رأيت ملكا في قومه مثل محمد في أصحابه . فتكلم القوم فيما بينهم، وقالوا: نرده عامنا ويرجع إلى قابل.

ثم أرسل رسول الله صلى الله عيه وسلم إليهم عثمان بن عفان رضى الله عنه في جوار رجل من بني أمية ليعلمهم بقصده، وخرج معه عشرة من المسلمين لزيارة أقاربهم بمكة، فقالت قريش: إن محمدا لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ثم منعوا سيدنا عثمان رضى الله عنه ومن معه من الرجوع، وشاع بين المسلمين أنه قد قتل، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه للبيعة على القتال، فبايعوه على ذلك، وكان ذلك تحت شجرة سميت بعد بشجرة الرضوان، وسميت هذه البيعة أيضاً بيعة الرضوان، وبعث المشركون طلائعهم فأسر المسلمون منهم اثني عشر رجلا.

ولما سمعت قريش بهذه البيعة خافوا أن تدور عليهم الدائرة؛ فأرسلوا أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للمكالمة في الصلح، وبعد أن أطلقوا سبيل سيدنا عثمان ومن معه، وأطلق المسلمون من أسروهم، اتفق معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قواعد الصلح،
وهي أربعة أمور: ترك الحرب بين الفريقين عشر سنين. وأن يرجع رسول الله والمسلمون من عامهم دون أن يدخلوا مكة؛ فإذا جاء العام الثانى دخلوها بدون سلاح سوى السيوف في القُرُب وأقاموا بها ثلاثة أيام بعد أن تخرج منها قريش. وأن من أتى إلى المسلمين من قريش ردوه إليهم، ومن جاء الى قريش من المسلمين لايلزمون برده. وأن من أحب أن يدخل في عهد المسلمين دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل فيه.

وأملى النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب، فكتب بذلك وثيقة، وقد رضي المسلمون بما رضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تألموا من بعض هذه الشروط، ثم تحلل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من عمرتهم وعادوا إلى المدينة، ) وقد نزلت في هذه الحادثة سورة الفتح.




مراسلة رسول الله صلى الله عليه وسلم للملوك 

بعد تلك الهدنة التي تمت بصلح الحديبية أمن المسلمون شر قريش،
 وأصبحت طرق المواصلة مع سائر الجهات متيسرة،
فشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نشر الدعوة وتعميمها،
فكاتب ملوك الأرض يدعوهم وأممهم إلى الإسلام،
واتخذ له خاتما نقشه : (محمد رسول الله)


قيصر ملك الروم

فبعث دحية الكلبي بكتاب إلى قيصر ملك الروم و كان بالقدس،
 فلما وصله الكتاب، وكان أبو سفيان بالشام في تجارة،
فاستدعاه وسأله عن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب.
فسأله: هل تكلم بهذا القول أحد قبله؟
فقال: لا .
فسأله هل كنتم تتهمونه بالكذب؟
فقال: لا .
فسأله: هل كان من آبائه ملك؟
فقال: لا.
فسأله: هل أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟
فقال: بل ضعفاؤهم.
فسأله: فهل يزيدون أم ينقصون؟
فقال: بل يزيدون.
فسأله: فهل يرتدُّ أحد منهم كراهية في دينه؟
فقال: لا.
فسأله: هل يغدر إذا عاهد؟
فقال: لا.
فسأله: هل قاتلتموه وكيف حربكم وحربه؟
فقال: حاربناه، وكانت الحرب بيننا وبينه سجالا، مرة لنا ومرة علينا.
فسأله: بم يأمركم؟
فقال: يقول اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهي عما كان يعبده آباؤنا،
ويأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة.
فاستنتج ذلك الملك مما ذكر أنه نبي،
وقال لأبي سفيان: إن كان ما كلمتني به حقا فسيملك موضع قدميّ هاتين،
 ثم جمع عظماء الروم وحادثهم في اتباع هذا النبي،
فنفروا وقد غلب عليه حب ملكه فلم يسلم،
 ولكنه رد دحية ردا جميلا.



أمير بصري

وأرسل عليه الصلاة والسلام الحارث بن عمير بكتاب إلى أمير بصرى،
 فلما بلغ مُؤْتَة من قرى الشام تعرض له شرحبيل العسالي فقتله،
 ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره.


أمير دمشق

وأرسل عليه الصلاة والسلام كتاباً الى أمير دمشق التابع لملك الروم،
 فلما وصله الكتاب وقرأه رمى به واستعد لحرب المسلمين،
 واستأذن ملكه في ذلك فلم يأذن له.


المقوقس أمير مصر

وأرسل عليه الصلاة والسلام حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى المقوقس أمير مصر من قبل ملك الروم،
وكان بالإسكندرية،
فلما قرأه قال لحاطب: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده؟ 
فقال له حاطب: ألست تشهد أن عيسى رسولَ الله هو ابنُ الله ؟
فلِمَ لَمْ يمنعه الله حين أخذه قومه ليقتلوه؟

فقال المقوقس لحاطب:
 أحسنت، ولقد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهي عن مرغوب فيه،
ولم أجده بالساحر الضار، ولا بالكاهن الكذاب، وسأنظر. 
ثم كتب ردا لجواب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بكـلام لا اعتراف فيه ولا إنكار،
 وأهدى له جاريتين، إحداهما مارية التي تسرى بها عليه الصلاة والسلام
وأتى منها بولده إبراهيم عليه السلام .

النجاشي ملك الحبشة

وأرسل عليه الصلاة والسلام كتابا إلى النجاشي ملك الحبشة،
 فلما قرأه قال للرسول: إني أعلم والله أن عيسى بَشَّر به، 
ولكن أعواني بالحبشة قليل .


كسرى ملك الفرس

وأرسل إلى كسرى ملك الفرس فاستكبر ومزق الكتاب،
 فمزق الله تعالى ملكه كل ممزَّق.



المنذر بن ساوى ملك البحرين
 
وأرسل إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، فأسلم و أسلم معه بعض قومه، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم أميراً من قبله على جهة البحرين.


ملكي عمان

وأرسل إلى جعفر و عبد الله ابني الجلندي ملكي عمان، فأسلما بعد أن سألا عما يأمر به النبي وينهي عنه، فقال لهما رسول النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأمر بطاعة الله عز وجل وينهي عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهي عن الظلم والعدوان والزنا وشرب الخمر؛ وعن عبادة الحجر والوثن والصليب.


ملك اليمامة

وأرسل عليه الصلاة والسلام الى هوذة بن على ملك اليمامة، فطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل له بعض الأمر فلم يجبه.



غزوة خيبر

بعد أن تم صلح الحديبية واستراح المسلمون من غزوات قريش، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستريح أيضاً من أعدائه القريبين الذين يتربصون به الشر، وهم أهل خيبر الذين حزبوا الأحزاب على المسلمين في غزوة الخندق، فخرج صلى الله عليه وسلم إلى خيبر في أول السنة السابعة للهجرة، وكانت خيبر محصنة بثمانية حصون، فعسكر المسلمون خارجها، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخيلهم ليرهبهم، فلما رآهم مصرين على القتال بدأهم بالمراماة، واستمروا في المناوشة سبعة أيام، ثم حمل المسلمون على اليهود حتى كشفوهم عن مواقفهم، وتبعوهم حتى دخلوا أول حصن، فانهزم الأعداء إلى الحصن الذي يليه، فقاتلوا عنه قتالا شديدا حتى كادوا يردون المسلمين عنه، ولكن المسلمين اقتحموا عليهم هذا الحصن حتى ألجأوهم إِلى الحصن الذي يليه، وحاصروهم فيه ومنعوا عنهم جداول الماء، فخرجوا وقاتلوا حتى انهزموا إلى حصن آخر، وهكذا حتى لم يبق غير الحصنين الأخيرين فلم يقاوم أهلهما، بل سلموا طالبين حقن دمائهم، وأن يخرجوا من أرض خيبر بذراريهم، لايأخذ الواحد منهم إلا ثوبا واحداً على ظهره، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، وغنم المسلمون من خيبر غنائم كثيرة من دروع وسيوف ورماح وأقواس وحلى وأثاث ومتاع وغنم وطعام.

وقد قتل من اليهود في هذه الغزوة ثلاثة وتسعون قتيلا، واستشهد من المسلمين خمسة عشر شهيدا.
وفي هذه الغزوة أهدت امرأة يهودية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذراع شاة مسمومة فأخذ منها مضغة ثم لفظها، حيث أعلمه الله تعالى أنها مسمومة، وقد اعترفت تلك المرأة بما فعلت، وقالت: قلت إن كان نبياًّ لن يضر، وإن كان كاذباً أراحنا الله منه. فعفا عنها صلى الله عليه وسلم.

وبعد فتح خيبر أرسل صلى الله عليه وسلم إلى يهود فدك، فصالحوا على أن يتركوا له أموالهم ويحقن دماءهم، فأجابهم لذلك.

وبعد رجوع المسلمين من خيبر قدم من الحبشة بقية من كان فيها من المهاجرين، منهم جعفر بن أبي طالب و أبو موسى الأشعري و قومه، بعد أن أقاموا بها عشر سنين.

وقد أسلم بعد غزوة خيبر ثلاثة من عظماء الرجال: خالد بن الوليد و عمرو بن العاص و عثمان بن طليحة العبدري




عمرة القضاء

ولما حال الحول على صلح الحديبية خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه إلى الحديبية الذين صُدُّوا معه عن البيت عام الحديبية، ليقضوا تلك العمرة التي صُدُّوا عنها حسب عهدة الحديبية، فلما وصلوا إلى مكة خرجت منها قريش ودخلها المسلمون وقضوا عمرتهم، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام وانصرفوا إلى المدينة بسلام.



سرية مؤتة

في منتصف السنة الثامنة للهجرة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً مؤلفاً من ثلاثة آلاف مقاتل، للاقتصاص من عمرو بن شرحبيل أمير بصرى من قبل الروم لقتله الحارث بن عمير الذي بعثه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام، فلما بلغ هذا الجيش أرض مؤتة قابلهم الروم والعرب المتنصرة في مائة وخمسين ألفاً، وكان قائد المسلمين زيد بن حارثة فقُتل، فتولى القيادة جعفر بن أبي طالب فقُتل، ثم عبد الله بن رواحة فقُتل، وكان هذا الترتيب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن استشهد من سماهم النبي صلى الله عليه وسلم اتفق الجيش على تولية خالد بن الوليد، فجعل يخادع الأعداء حتى ألقى الله الرعب في قلوبهم وانصرفوا.
 
 
 
 
 
د/رامى الجمال
DR. RAMY AL-GAMMAL
Prof. of General Surgery
Cairo university . Cairo Egypt
سيرته صلى الله عليه وسلم في قومه قبل النبوة

قد علمت أن الله تعالى قد أكرم آل حليمة السعدية التي أرضعته صلى الله عليه وسلم،
 فبدل عسرهم يسراً وأشبع غنيماتهم وأدر ضروعها في سنة الجدب والشدة،
 كما بارك سبحانه وتعالى في رزق عمه أبي طالب حينما كان في كفالته،
 مع ضيق ذات يده، وأنه سبحانه وتعالى كان يسخر له الغمامة تظله وحده
 من حر الشمس في سفره إلى الشام، فتسير معه أنى سار دون غيره من أفراد القافلة.
وكان سبحانه وتعالى يلهمه الحق ويرشده الى المكارم والفضائل في أموره كلها،
حتى إنه كان إذا خرج لقضاء الحاجة في صغره بَعُدَ عن الناس حتى لا يُرى.

وكان سبحانه وتعالى يكرمه بتسليم الأحجار والأشجار عليه،
ويُسمعه ذلك فيلتفت عن يمينه وشماله فلا يرى أحداً.

وقد كان علماء اليهود والنصارى
 – رهبانهم وكهنتهم-
 يعرفون زمن مجيئه صلى الله عليه وسلم
 مما جاء من أوصافه في التوراة وما أخبر به المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام
فكانوا يسألون عن مولده وظهوره
وقد عرفه كثيرون منهم لما رأوا ذاته الشريفة أو سمعوا بأوصافه وأحواله صلى الله عليه وسلم.

وقد نشأ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ممتازاً بكمال الأخلاق،
متباعداً في صغره عن السفاسف التي يشتغل بها أمثاله في السن عادة،
حتى بلغ مبلغ الرجال فكان أرجح الناس عقلاً، وأصحهم رأياً، وأعظمهم مروءة،
 وأصدقهم حديثاً، وأكبرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش، وقد لقبه قومه (بالأمين)،
 وكانوا يودعون عنده ودائعهم وأماناتهم.

وقد حفظه الله تعالى منذ نشأته من قبيح أحوال الجاهلية،
 وبَغَّض إليه أوثانهم حتى إنه من صغره كان لا يحلف بها ولا يحترمها
 ولا يحضر لها عيداً أو احتفالاً، وكان لا يأكل ما ذبح على النُّصُب،
و النصب هي حجارة كانوا ينصبونها ويصبون عليها دم الذبائح ويعبدونها.


ولقد كان صلى الله عليه وسلم لين الجانب يحن إلى المسكين،
 ولا يحقر فقيراً لفقره، ولايهاب ملكا لملكه، ولم يكن يشرب الخمر مع شيوع ذلك في قومه،
 ولا يزنى ولا يسرق ولا يقتل، بل كان ملتزما لمكارم الأخلاق التي أساسها الصدق والأمانة والوفاء.

وبالجملة حفظه الله تعالى من النقائص والأدناس قبل النبوة كما عصمه منها بعد النبوة.

وكان يلبس العمامة والقميص والسراويل، ويتزر ويرتدى بأكيسة من القطن،
 وربما لبس الصوف والكتان، ولبس الخف والنعال وربما مشى بدونها.
وركب الخيل والبغال والإبل والحمير.
وكان ينام على الفراش تارة وعلى الحصير تارة وعلى السرير تارة وعلى الأرض تارة،
ويجلس على الأرض، ويخصف نعله، (أي يخرزها ويصلحها) ويرقع ثوبه،
 وقد اتخذ من الغنم والرقيق من الإماء والعبيد بقدر الحاجة.
وكان من هديه في الطعام ألا يرد موجوداً ولا يتكلف مفقوداً.

معيشته صلى الله عليه وسلم قبل النبوة

محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم كان جده هاشم كبير قريش وسيدها،
وكانت قريش أشرف قبائل العرب، وكانت إقامتهم بمكة وضواحيها،
وكانت معيشتهم من التجارة في الثياب والبز (متاع البيت من جنس الثياب) وما يحتاجه العرب،
 وكان لهم رحلتان تجاريتان إلى الشام إحداهما في الصيف والأخرى في الشتاء،
 وكان أكثر ما يقتنون من النَّعم الإبل والغنم للانتفاع بظهورها وألبانها وأصوافها وأوبارها.
فلما بلغ سناًّ يمكنه فيه أن يعمل عملا كان ينفق على نفسه من عمل يده،
 وقد كانت فاتحة عمله رعاية الغنم، 
كما هي سنة الله تعالى في أنبيائه وأصفيائه؛
 لتدريبهم على رعاية الخلق بالرفق الذي تستدعيه هذه الرعاية،
 فكان ينفق من أجرة رعايته، ثم كان يتجر فيما كانت تتجر فيه قريش وينفق من كسب تجارته.
 وفي كل ذلك كان يعمل على قدر الحاجة،
 لا مستكثراً من الدنيا ولا تاركا لها تركا كلياًّ،
 ليهيئه الله تعالى لما أراده سبحانه منه من التفرغ للدعوة إلى دينه القويم.

تعبده صلى الله عليه وسلم قبل البعثة

كان من العرب قبل الإسلام من ينتمي إلى دين اليهودية،
ومنهم من يدين بالنصرانية- على ما فيهما من تغيير وتحريف،
 والباقون عبدة أصنام وأوثان،
 وكان على ذلك عامة قريش إلا نفرا قليلا منهم كانوا يعيبون على قومهم عبادة هذه التماثيل.
     
وقد فُطر سيدنا محمد بن عبد الله – صلوات الله عليه وسلامه- على طهارة القلب وزكاء النفس.
فطره الله تعالى على ذلك
 ليكون على تمام الصلاحية لتلقى شريعته المطهرة وإيصالها إلى الخلق على أتم وجه وأكمله.
     
فلذلك كانت نفسه الكريمة مجبولة على ما هو الحق،
لا تعرف غيره، ولا تقبل سواه، فكان يأنف عن الباطل بطبعه ويألف الحق بسجيته،
فلم يحكم عليه شيء من عادات قومه:
 لا في تحسين باطل ممقوت، ولا في تقبيح حق مقبول.
     
ولقد كانت تلك فطرة أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي فُطر عليها قبل نبوته؛
 كما كان ذلك شأن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
يفطرون على الإقبال على الله تعالى،
وتنصرف هممهم وأنفسهم الزكية قبل نبوتهم عما يكون عليه أقوامهم
من باطل العقائد وفاسد العادات والتعبدات.
     
نشأ صلى الله عليه وسلم مقبلا على الله تعالى بقلبه، خالصاً لله تعالى،
 حنيفا لم يحم الشرك حول قلبه الكريم، فكان بأصل فطرته مبغضاً لهذه الأوثان،
 نافراً من هذه المعبودات الباطلة، فلم يكن يحضر لها عيدا ولا يتقرب إليها ولايحفل بها،
 وإنما كان يعبد خالق الكون وحده،
مقبلا عليه سبحانه بما هو مظهر العبودية والإخلاص من تفكير وتمجيد.
     
وكان يطوف بالكعبة ويحج كما كان الناس يحجون اتباعاً لملة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
ولم يثبت من طريق صحيح التزامه التعبد على شريعة أحد من الأنبياء السابقين
 صلوات الله عليهم أجمعين.
     
والذي ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يختلى في غار حراء من كل سنة شهر
(وكان يوافق ذلك شهر رمضان)،
يعبد الله تعالى بالتفكر، ويطعم المساكين مما كان يتزود به في مدة خلوته
(وروى أنه كان يتزود الكعك والزيت، وكان كلما فرغ زاده رجع الى أهله فتزود وعاد)،
  وكان إذا انتهي من خلوته ينصرف إلى الكعبة
 فيطوف بها سبعاً أو ماشاء الله من ذلك قبل أن يرجع إلى بيته.
     
ويسمى حراء : 
جبل النور،
وهو على يسار السالك إلى عرفة،
وبه ذلك الغار الذي كان يتعبد فيه النبي صلى الله عليه وسلم،
 وهو ضيق المدخل، ومساحته من الداخل تقرب من ثلاثة أمتار،
وبه نزل الوحي عليه صلى الله عليه وسلم لأول مرة كما سيجيء،
 ويقال أن جده عبد المطلب كان يتعبد في حراء،
 ثم تبعه في ذلك من كان يتعبد منهم كورقة بن نوفل وأبي أمية بن العزى.
      
وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب العزلة والخلوة من زمن طفولته إلى أن بعثه الله تعالى رحمة للعالمين.
     
وقبيل مبعثه كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح،
أي واضحة وصريحة كوضوح ضوء الصباح وإنارته،
أى أنها تتحقق في اليقظة مثل ما يراها في المنام، 
فكان ذلك مقدمة لنبوته صلى الله عليه وسلم.

بدء الوحي

لما كمل سنه صلى الله عليه وسلم أربعين سنة-وهو سن الكمال،
أكرمه الله تعالى بالنبوة والرسالة رحمة للعالمين.
     
فبينما هو صلى الله عليه وسلم في خلوته بغار حراء،
 وكان ذلك في شهر رمضان على أصح الروايات،
 إذ جاءه جبريل الأمين عليه السلام بأمر الله تعالى، ليبلغه رسالة ربه عز وجل،
  وقد تمثل جبريل عليه السلام في هذه المرة بصورة رجل.
 فقال له: اقرأ، فقال له عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ
 (لأنه صلى الله عليه وسلم كان أمياً لم يتعلم القراءة)،
فغطه جبريل عليه السلام في فراشه غطا شديدا (أى ضمه وعصره بشدة)،
ثم أرسله فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطه ثانية
 ثم أرسله وقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، 
ثم غطه الثالثة وأرسله فقال له:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ اْلإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ اْلأَكْرَمِ،
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ اْلإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).

فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف عنه جبريل عليه السلام
وهو يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل.
فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله يرجف فؤاده
 مما أدركه من الروع لشدة مقابلة الملك فجأة وشدة الغطّ التي اقتضاها الحال.

ولما رجع عليه الصلاة والسلام إلى أهله، ودخل على زوجه خديجة رضى الله عنها
 قال: زَمِّلوني زَمِّلوني (أى اطرحوا عليَّ الغطاء ولفوني به – ليذهب عنه الروع)،
 فلما ذهب عنه الروع أخبر خديجة رضي الله عنها بما كان،
 فقالت له: أبشر يا ابن عم واثبت، فإنى لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.
      
ثم ذهبت خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمها ورقة بن نوفل،
 وكان شيخا كبيرا يعرف الإِنجيل وأخبار الرسل،
فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رآه،
 فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى،
أي أن هذا الملك الذي جاءك هو الناموس؛
أى صاحب سر الوحي الذي نزله الله تعالى على نبيه موسى عليه الصلاة والسلام؛
 لأنه يعرف من الكتب القديمة وأخبارها أن جبريل هو رسول الله إلى أنبيائه.
     
ثم تمنى ورقة أن لو كان شابا
يقدر على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم عند ظهوره بأمر الرسالة ومعاداة قومه له؛
لأنه يعرف من أخبار الرسل أن قومهم يعادونهم في مبدإ أمرهم،
 ثم توفي ورقة بعد ذلك بزمن قريب.

فترة الوحي وعودته

بعد هذه الحادثة فتر الوحي وانقطع مدة لا تقل عن أربعين يوما،
 اشتدّ فيها شوق النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوحي وشقّ عليه تأخره عنه،
 وخاف من انقطاع هذه النعمة الكبرى:
 نعمة رسالته عليه الصلاة والسلام بين الله عز وجل وبين عباده
 ليهديهم إلى صراطه المستقيم.
     
فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يمشى في أفنية مكة إذ سمع صوتا من السماء،
فرفع بصره فإذا الملك الذي جاءه بغار حراء وهو جبريل عليه السلام،
 فعاد إليه الرعب الذي لحقه في بدء الوحي
فرجع إلى أهله وقال: دثروني دثروني
(التدثير بمعنى: التزميل السابق بيانه).
      
فأوحى الله تعالى إليه:
يـَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرْ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ*
 وَلاَتَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ* وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
     
فأنذر:
حذر الناس من عذاب الله إذا لم يفردوه بالعبادة.
فكبر:
 أي عظِّمْ ربك وخُصَّه بالتعظيم والإجلال.
فطهر:
أي حافظ على الطهارة والنظافة من الأقذار والأنجاس.
والرجز فاهجر:
 أي اترك المآثم والذنوب.
ولا تمنن تستكثر:
أي لا تتبع عطاياك وهباتك بالطمع في أخذ الزيادة ممن تعطيه.
ولربك فاصبر:
 أي اصبر على ما يلحقك من الأذى في سبيل الدعوة إلى الإسلام ابتغاء وجه ربك.
     
فكان ذلك مبدأ الأمر له صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الإسلام
 وبعد ذلك تتابع الوحي ولم ينقطع.


كيفية الوحي

للوحي طرق متنوعة
وقد عرفت أن من مبادئه الرؤيا الصادقة،
 فرؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي من قبيل الوحي.
     
ومن طرق الوحي
 أن يأتي الملك إلى النبي متمثلا بصورة رجل،
فيخاطب النبي حتى يأخذ عنه ما يقوله له ويوحي به إليه،
وفي هذه الحالة لا مانع من أن يراه الناس أيضا،
 كما حصل في كثير من أحوال الوحي لنبينا عليه الصلاة والسلام.

ومن طرق الوحي أيضاً
أن يأتي الملك في صورته الأصلية التي خلقه الله تعالى عليها،
 ويراه النبي كذلك فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، 
ولم يحصل هذا لنبينا عليه الصلاة والسلام إلا قليلا.
     
ومن طرق الوحي أيضاً
 أن يلقى الملك في روع (أي ذهن) النبي وقلبه ما يوحي به الله إليه،
من غير أن يرى له صورة، 
وقد حصلت هذه الكيفية أيضاً لنبينا صلى الله عليه وسلم.
     
وأحيانا كان يأتي الملك مخاطباً للنبي بصوت وكلام مثل صلصلة الجرس (أي صوته)،
وهذه الحالة من أشد أحوال الوحي على النبي،
 فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم عندما يأتيه الوحي بهذه الكيفية
 يعرق حتى يسيل العرق من جبينه في اليوم الشديد البرد، 
وإذا أتاه وهو راكب تبرك به ناقته.
     
وقد يكون الوحي بكلام الله تعالى للنبي بدون واسطة الملك،
 بل من وراء حجاب، 
كما حصل ليلة الإسراء لنبينا صلى الله عليه وسلم.


أنتظرونى فى الرسالة القادمة لنكمل معاً السيرة النبوية العطرة
د/ رامي الجمال
 
DR. RAMY AL-GAMMAL
Prof. of General Surgery
Cairo university . Cairo Egypt

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *