الصعيدي والشروكي

الصعيدي والشروكي

أمس وأنا أتابع مسلسل “شيخ العرب همام” ضحكت ملء فمي بسبب مفردة سمعتها من صالحة (صابرين) زوجة الشيخ همام، فحين كانت تتهكم من ضرتها وابنها شاهين قالت: أيوه يا اختي ابنك شملول وابن شملولة! ومفردة “الشملول” تعني “السبع” بلهجتنا أو “أخو اخيته”.
الحق أن المفردة أعادتني إلى أكثر من عشرين عاما فقد صادف في بعض الفترات أن زاملت مصريا ينحدر من الصعيد في العمل بمطعم في “الثورة”، وكان الصعيدي المذكور متمدنا ومثقفا لذلك لم أكن أتوقف في أوقات الفراغ عن استنطاقه عن بعض المعلومات الخاصة بقومه وكان “محمد” يجيب بكل أريحية.
وفي ذات يوم ألححت عليه أن يتذكر واحدة من “كولات” الصعيديات أثناء التعازي. و”الكولات” تعني بلغتهم “تعديدة” أي عبارة شعرية ترثي الميت أو تواسي ذويه. بعد لأي تذكر صديقي الصعيدي فصاح مثل أي صعيدية : ابكي عليه وقولي ..كان جدع شملولي!
ضحكنا، ثم سألني عما تقول نساؤنا فرحت ” أعد” له و”أصف” ، فأنا أحفظ عشرات “الكولات”: كل يوم الدنية تبز عيني ..شبيت وانجبيت من جاني العلم ..يا ذيب شطاعك للنومه ..سبع وبخيت وتخاف الزلم منه ..يا بعد أهلنه شيوجعج كللي ..
الحال أن التشابه بين أبناء جنوب العراق والصعايدة لا يقف عند “العد” على الموتى ، فهناك ظواهر أكثر من أن تحصى ومن ذلك الاشتراك في لصق حرف الشين في نهاية الكثير من المفردات. الصعايدة يقولون: ما كادرش على كديه وما فياش حاجة واصل. وأهالي أرياف العمارة يقولون أيضا : ما بياش وما اخذهاش. وفي مأثور الدارمي الكثير من هذا : ينشدني البطران شو وجهك اصفر ..كل مرض ما بياش صوفرني الاسمر.
وفي بيت دارمي طريف يتهكم شاعر من السمراوات فيقول : السمره ما خذهاش ولو كالو بلاش ..تبجي بتوالي الليل وتدمر الفراش.
عدا لصق الشين في نهاية بعض الكلمات يشترك الصعايدة مع عشائر المنطقة الغربية في قلب حرف الياء في بعض الأفعال إلى ميم فيقولون “ينادم” بدل “ينادي” . في حين يقلب أهالي الغربية الواو في بعض الأفعال إلى ميم أيضا فيقولون “أجم” و”راحم” بدل “أجو” و”راحو”.
فضلا عن هذا وذاك، حين يريد الصعايدة تعداد أمور معينة يقولون :أول هام وتاني هام. والجنوبيون يقولون شيئا مشابها إذ تتحول الـ”الهام” إلى “هيل” : أول هيل أنت موخوش آدمي!
والصعيدي حين ينادي أمه يقول : يا أماي والجنوبي يقول : يمه. وإذ يتعجب الصعيدي من شيء يقول : يا بوي ! والجنوبي يقول الشيء ذاته : يا بويه !
والغريب فعلا أن يشترك الصعايدة مع جنوبيي العراق في تسمية القبلة “حبّه”، تستمع إلى الصعيدي يقول : حبّ على يد عمك يا واد. ثم تنصت إلى ابن عمه العراقي الجنوبي وهو يقول : حبّ ايد عمك ، وانطيني حبه.
على أن ابرز تشابه برأيي بين الصعايدة والجنوبيين في العراق هو رقة المشاعر وحب الغناء والبراعة في الشعر. وهذا راجع إلى تشابه البيئة هنا وهناك حيث الطبع البشري يبدو لينا مثل الأرض التي خالطها الماء منذ الأزل . نسمع للصعايدة أغنيات مثل هذه : “عصفوري ياما .. عصفوري / لألعب وأوري له اموري”. أو ” يا عيني ماله / الواد دا ماله / أمك وأبوك ضربوك عشانه / يا عيني ماله / الواد دا ماله / سايق دلاله”.
أما عن ارتماس شبان الشريحتين في انهار العشق حد الغرق فحدث ولا حرج فالصعيدي إذا أحب صار مهبولا وكذلك العراقي وبالأخص ابن الجنوب. غير أن جنون العشق يقابله جنون في التمسك بالتقاليد ، ففي مصر لا يزوج الصعايدة بناتهم الى “الغرباء” كذلك في العراق وان بدا الأمر أخف كثيرا.
غير أن أكثر ما يثير حزني في الشريحتين، الصعايدة والشراكوه، هو التعامل معهم على إنهم مثال للسذاجة والغباء ، وهذه الصورة رسخت تماما بفضل الأعمال الدرامية حتى بات الصعيدي والشروكي، أنموذجين للبلادة وموضوعين للضحك.
في الثمانينيات ـ مثلا ـ ومع غزو الصعايدة للعراق ألف بعض ” الشقندحية” أبياتا من الدارمي العراقي باللهجة الصعيدية وصاروا يرددونها أمام الصعيدي نكاية بـ”غبائه”.
اسمعوا ما تبقى من تلك الأيام :
مش قلت لك يا عويس تسقي البهايم ..ايه الجرى يا عويس للظهر نايم!
اسمع يا عبد العال واسمعي يمه ..لازهق واسيب البيت واعملهه ظلمه!
..وعجبي !

محمد غازي الاخرس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *