المسلمون وهيرو اونودا

المسلمون وهيرو اونودا

هيرو اونودا الذي توفى ليلة امس لمن لا يعرفه كان جنديا في قوات الجيش القيصري الياباني التي احتلت جزيرة لوبانگ الفلبينية في الحرب العالمية الثانية. وقُبيل ان تضع الحرب اوزارها انهى هيرو اونودا دورة تدريب عسكرية خاصة لخوض حرب العصابات رُقي بعد ان اجتازها بنجاح الى مرتبة ملازم، كانت الآوامر العسكرية الى الجنود اليابانيين المقاتليين قاطعة الصرامة تنص على مواصلة القتال الى النهاية وعدم الاستسلام مطلقا.
بعد ان انتهت الحرب، لم يسلم هيرو نفسه للقوات الامريكية المتواجدة في الفلبيين، لم يكن الوحيد الذي لم يقتنع بهزيمة اليابان، فقد كان هناك معه ثلاثة جنود لم يضعوا السلاح وفضلوا الاختباء في غابات جزيرة لوبانگ الكثيفة. احدهم سلم نفسه في سنة 1950 اي بعد مرور 15 سنة على انتهاء الحرب، اما الاخران فقد ماتا دون ان يقرا بان الحرب قد انتهت فعلا وان اليابان قد خسرت.
هيروا اونودو استمر بالتخفي مدة ثلاثين سنة، وخلال كل هذه السنوات لم يكن يخطر على باله بأن القيصر الياباني قد وقع صك الهزيمة والاستسلام واذعن للولايات المتحدة الامريكية، رغم انه، اي هيرو، قد اطلع على المناشير التي اسقطتها الطائرات والتي تؤمر الجنود اليابانيين بتسليم انفسهم لان الحرب قد انتهت، ورغم ان رفاقه في السلاح، من غير مرافقيه الثلاثة، قد ادركوا حقيقة الهزيمة واستسلموا على فترات متفاوتة للقوات الامريكية، استمر هو على اعتقاده الاعمى فكانت حصيلة الذين قتلهم ثلاثين فلبينيا ما كانوا ليٌقتلوا لولا حمقه.
هيرو لم يلق بسلاحه حتى اخبره بذلك قائد فرقته العسكرية المسن الذي قدم الى جزيرة لوبانگ الفلبينية في سنة 1974 في مهمة خاصة ووحيدة هي اعطاء امر لهيرو اونودا بالقاء السلاح.
ورغم ان هيروا قتل ثلاثين فلبينيا بعد انتهاء الحرب، وهي جريمة مع سبق اصرار حسب العرف الجنائي، اصدر رئيس الجمهورية الفلبينية عفوا خاصا عنه، ليس تقديرا لشجاعته، ربما اقرارا بغبائه.
عند رجوع هيرو اونودا الى اليابان استقبله اليابانيون استقبال الابطال وبحماس مسعور لا يعرف له سببا. فما هو وجه البطولة في تصرف احمق عاش في الغابة لمدة ثلاثين سنة على الحشائش والاحراش والحشرات وتمزقت ثيابه وهي عليه حتى تحولت الى اسمال لا تستر جسمه وبقى محتفظا بسيف السوماراي وبندقيته القديمة الصدئة دون ادراك انتهاء الحرب.
قصة هيرو اونادا فريدة من نوعها ولا يتكرر حدوثها، وقد تكون صعبة على التصديق او قد يتوخى الانسان اسبابا اخرى غير تلك التي ابرزتها الصحافة لتسهيل تصديقها، اذ من الصعب تصور احد بمثل هذه الهبالة والخبال، لكن لا يصعب علينا نحن العرب والمسلمون تصديق اي قصة من قصص اللامعقول. فنحن ابطال اللامعقول، بل ربما استسقى صموئيل بكيت قصصه من تراثنا الذي ليس له من المعقول والواقع سوى وجوده في عقولنا.
فبلداننا العربية والاسلامية وهي استثناء سلبي دائم لا بد من الاشارة اليه عند الحديث عن بلدان العالم التي وصلت الى القمر وحطت مركباتها الاستكشافية على المريخ وكشف علمائها الغاز الخارطة الجينية للانسان وحلوا متاهات والغاز الكون، بلداننا العربية والاسلامية، رغم جدبها وقلة مياهها واتساع صحاريها وفقر شعوبها وشحة انتاجها، تعج بغابات كثيفة من الغباء والحمق والبلادة، بحيث يختفي خلف كل شجرة غباء مئة هيرو اونودا لا يعتقدون بان الماضي قد ولى وانتهى واننا نعيش في القرن الواحد والعشرين، وان الناس لم تعد تصدق بخرافات المحدثين وسفاهات المفسرين والروائيين، وان البخاري ومسلم والترمذي والطوسي وغيرهم، ليس الا نكرات لا يعرفها احد غير اولئك الذين يجدون في تعلم الغباء فائدة ومنفعة. وان شعوب العالم لم تعد تهتم بخلافات الاديان والطوائف ولا بقداسات الانبياء والاوصياء.
في غابات الغباوات العربية والاسلامية ينتشر الاف الهيرو اونودوون، الذين يعتقدون بان النبي محمد لازال يقاتل المشركين و يرسل بجماعاته لقطع الطريق على قوافل قريش، وان خليفته ابو بكر لا زال منهمكا بالاستعداد لحروب الردة، وان الفرس المجوس تعد العدة للاخذ بالثأر من الخليفة عمر بن الخطاب لأنه اخضعهم وسلب ملكهم واستعمر بلادهم، وان ابن سبأ اليهودي هو المسؤول الاول عن شق وحدة المسلمين وتقسيمهم بين شيعة وسنة، وان البليد محمد بن عبد الوهاب مؤسس فرقة الوهابية هو مجدد الاسلام ورافع لوائه وخنجر الله المسلول.
هيرو اونودو الياباني نتاج لثقافة تقول بتفضيل الموت على الهزيمة، انه ثمرة لثقافة الساموراي الذي يفضل ان يبقر بطنه بسيفه على ان يستسلم، ربما يمكن تفسير حماس اليابانيين الجنوني عند استقبالهم له بانهم يحيون ايضا ثقافة الافتخار القومية، ربما استقباله بكل تلك الحفاة انتقادا لقيصر اليابان على التسليم بالهزيمة.
لكن ابو قتادة وابو مصعب وابو القعقاع وابو عمر وابو حفص والشيخ الاسير وداعش والنصرة وانصار السنة والقاعدة واخوان المسلمين وجيش المختار وعصائب اهل الحق وفرق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، نتاج اي ثقافة غير تلك التي لا يتعلم منها الانسان سوى الغباء وضياع العقل.واي ثقافة تلك التي تجود بها نجد والقصيم وكهوف تورا بورا وقندهار؟
وكيف لنا تفسير الحماس الذي تبديه الطوائف الاسلامية وهي تصفق وتهلل لفرقها المتقاتلة التي يبيد احدها الاخر وتستمر في رفد مجاميع الارهاب والقتل الاسلامي بالمقاتلين والذباحين والمعتوهين وبمجاهدات النكاح اللاتي يجدن في اطفاء غلمة الذباحين طريقا سالكة الى جنان الله!!
بل كيف لنا تفسير من لا يحسب نفسه على هذه الطوائف الدينية المتقاتلة، من ادعياء الثقافة والمتياسريين، الذين يعتقدون بان قطر والسعودية ودويلات الخليج الوهابية هي رائدة الديمقراطية في البلدان العربية؟
واذا كان قائد الفرقة امر هيرو اونودا بالقاء السلاح فاستجاب الضابط لقائده دون مناقشة، فكيف لنا ان نقنع كل هذه الحشود المخبولة التي لم تكتف بتحويل الشوارع والمساجد والبيوت والسيارت الى سلخانة، فحولت الفضائيات وتطبيقات التليفونات ومواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الاكترونية الى وسائل لاصدار اوامر القتل والذبح وتضييع العقول؟
فكيف لن ان نعيد النبي محمد، او عمر او ابو بكر الى الحياة مرة اخرى لكي يامرهم بالاستسلام الى العقل والكف عن هذا الخبال الاجرامي.؟
لكن حتى لو عاد احد منهم هل يصدق به احد؟
مرزا غلام احمد القياداني مؤسس طائفة الاحمدية، الذي ادعى بانه الامام المهدي الذي بشر به النبي محمد وهو ايضا المسيح الموعود الذي بشرت به التوراة، قال مرة، لنفرض بانني ليس المهدي ولا المسيح الموعود، وان الله قد ارسل المهدي والمسيح الحقيقيَن كما يدعي المسلمون، فهل سيصدقون بأي منهما ؟
ثم اكمل قائلا بانه متأكد بان لو عاد محمد الى الحياة مرة اخرى لما صدق به احد ولرجموه وكذبوه وطردوه واستمروا في معاركهم الدموية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *