بيت من بيوت البصرة آل الذكير أنموذجاً

بيت من  بيوت البصرة
آل الذكير أنموذجاً
كاظم فنجان الحمامي
انفردت البصرة منذ تأسيسها بمكوناتها السكانية المتشعبة الجذور, وتميزت بمجتمعاتها العريقة المنبع, فحملت من المسميات العشائرية ما كان يتماشى مع التصنيفات العربية المتداولة عبر مراحلها التاريخية المتعاقبة, كالقبيلة والفريج والعشيرة والفندة والفخذ والجماعة والحمولة والطايفة, لكنها استقرت في الغالب على اصطلاح (بيت), في إشارة إلى البيت الشريف الذي اشتهر بالجود والكرم, وعرفه الناس بخصاله الطيبة الأخرى, كقول طرفة بن العبد في معلقته:-
وَإِنْ يَلْتَقِ الَحْيُّ الَجْمِيعُ تُلاِقني
إِلى ذِرْوَةِ البَيْتِ الشَّرِيفِ الُمصَمَّدِ
فظهرت في البصرة مجموعة كبيرة من البيوت من أصول متباينة ومذاهب متعددة, لكنها كانت منسجمة مع بعضها البعض, ومتوحدة في أنشطتها التجارية والزراعية والصناعية, نذكر منها: بيت الرديني, وبيت البدر, وبيت الصالح, وبيت البسام, وبيت المهيدب, وبيت الزامل, وبيت النقيب, وبيت الحمد, وبيت الوزان, وبيت الخضيري, وبيت معرفي, وبيت البـﭽاري, وبيت الغانم, وبيت الدعيجي, وبيت حنا الشيخ, وبيت أصفر, وبيت مارين, وبيت جيتا بائي كوكل, وبيت الصانع, وبيت الملّاك, وبيت الرحماني, وبيت الإمارة, وبيت الفداغ, وبيت العمر, وبيت الفريح, والعيسى, والمناصير, والمانع, والعطية, والرشود, والشريدة, والقناص, والسعدون, والشمخاني, وباش أعيان, وآغا جعفر, وغيرهم.
سنتحدث بالتفصيل عن كل بيت كلما سمح لنا الوقت بذلك, لكننا سنبدأ حديثنا عنهم ببيت (الذكير), تلك العائلة النجدية الجذر, العربية الأصل, العراقية الهوى, البصرية الملامح.
تعد عائلة (الذكير) من تفرعات عشائر (العتوب), التي تنتمي إلى قبيلة بني ساعدة, المعروفة في العراق باسم: (السواعد). وهي من القبائل غير الوثنية قبل الإسلام, ومنهم الصحابة: سهل بن سعد الساعدي, وأبو أسيد الساعدي, وأبو حميد الساعدي.
نشأت أسرة (الذكير) في بادية نجد, وكانت على ارتباط وثيق ببني ساعدة حتى انفصال جدهم (ماجد) عن قبيلته على أثر خلاف نشب بينه وبين أبن عمه, فترك البادية واستقر في القصيم حتى وفاته, ثم جاء من بعده أبنه إبراهيم, ثم حفيده محمد, الذي امتهن التجارة, وبرع فيها بين (الزلفي) و(الزبير), وكان أول من دخل العراق عام 1737م.
ظلوا يحملون لقب (آل ماجد) حتى ذلك الوقت, أما لقبهم (الذكير) فجاء عن طريق (مقبل) بن الشيخ محمد بن إبراهيم بن ماجد, وتعود حكاية اللقب الجديد إلى عام 1747م, ففي إحدى الرحلات التجارية كان (مقبل) صبياً موهوباً مفعماً بالحيوية والنشاط, يرافق والده في تجارته عبر الصحراء, وصادف أن يكون في القافلة فتى من قبيلة أخرى, اسمه (مقبل) أيضاً, وهو خادم القافلة لكنه كان كسولاً متقاعساً, فإذا ما نادوا على (مقبل) هذا جاءهم (مقبل) آل ماجد, ولبى طلبهم من دون تأخير, وتلافياً للالتباس بين (مقبل) و(مقبل), أطلقوا على نجل الشيخ محمد لقب (الذكير), وتعني الذكي أو الفطين أو النبيه أو الواعي, فحمل هذا اللقب عن جدارة واستحقاق, ثم تألق بفطنته وذكائه في عالم التجارة.
تزوج مقبل الذكير امرأة نجدية عام 1762 م, ورزقه الله بأربعة أولاد, وتزوج عام 1786 امرأة ثانية من (الزبير), فرزق منها عام 1794 بولد واحد اسمه (عبد الرحمن).
توفي (مقبل) عام 1822, فسار ابنه عبد الرحمن على نهجه في عالم التجارة, واستقر في مدينة (الزبير), وتزوج فيها, ورزقه الله بخمسة أولاد: (محمد وفهد ويحيى ومقبل وأحمد). أكمل الابن الأكبر (محمد) المولود 1820 مسيرة والده (عبد الرحمن بن مقبل).
توسعت تجارة (محمد بن عبد الرحمن الذكير) بين الكوت (واسط) والبصرة, ورزقه الله في العراق خمسة أولاد: (زيد وعبد العزيز وعبد الله وسليمان وحمد), ثم توفاه الله في الإحساء عام 1883, كانوا جميعهم يتعاطون التجارة ويتوسعون في آفاقها المتشعبة, اشتهر منهم (سليمان وحمد) بما عرفه الناس عنهما من مرونة في التعامل, وصدق في الوعود وعفة ونزاهة وكرم وسخاء.
فسليمان المولود في نجد عام 1875 جاء إلى (الحي), من ضواحي مدينة الكوت العراقية, عام 1886, واشتغل مع أشقائه (زيد), و(عبد العزيز), ثم انتقل إلى البصرة عام 1892, لكنه استبدل خطوط القوافل البرية عام 1895 بخطوط السفن البحرية, المترددة بين موانئ الهند وموانئ البصرة, ثم فتح مكتبه التجاري الأول في البصرة عام 1897, وتزوج امرأة زبيرية عام 1906, ثم تزوج بامرأة نجدية, فرزقه الله منها بابنه (محمد), ورزقه من الزبيرية بأبنائه: (عبد الله, وعبد العزيز, وعبد الرحمن, وأحمد).
اما شقيقه (حمد) فقد جاء إلى العراق عام 1893, واشتغل مع أشقائه في عالم التجارة, وكان متنقلا بين (الحي) في الكوت, وسوق الشيوخ في ذي قار, وقلعة صالح في (العمارة) والزبير في البصرة, ورزقه الله بولدين: (صالح وعبد الكريم).
كان الشيخ حمد الذكير رمزاً من رموز العدل والإنصاف والمروءة والحياد في المنازعات المتأججة بين الخصوم, وكان مرجعاً عرفياً وإنسانياً تأخذ برأيه المحاكم الشرعية, وتستشيره العشائر المتناحرة لحل مشاكلها المستعصية.
تذكر المراجع التاريخية أن الشيخ سليمان الذكير (رحمه الله) كان في غاية الوداعة وسعة البال, لا تفارقه الابتسامة, بينما كان الشيخ (حمد) صارماً, متقيداً بتنفيذ الأحكام والضوابط, لكنهما لم يتكبرا في يوم من الأيام على أحد, ولم يتعاليا على الناس.
توسعت أعمال بيت الذكير في البصرة, وأحرزوا سلسلة من النجاحات المتواصلة, في المجالات التجارية والملاحية والزراعية والثقافية والاجتماعية, على يد عميد الأسرة الشيخ (عبد الله بن سليمان بن محمد بن عبد الرحمن بن مقبل الذكير).
كان هذا الرجل من النخبة المنتخبة في البصرة, وكان ديوانه عامراً بالقضاة والأدباء والسياسيين وكبار التجار وأصحاب الوكالات البحرية العالمية, وكان مركزه التجاري مصمماً على الطريقة الأوربية المعاصرة, حيث تلمس ملامح التخطيط الإداري المتحضر, وتجد السجلات المنظمة, والحسابات المبوبة, ووصولات التسليم والاستلام, والملفات الموحدة, والطابعات والمكاتب والدواليب والخزانات الحديثة, والموظفين الأكفاء من حملة الشهادات العليا, في صورة رائعة من صور التجديد والتحديث والتطوير.
شيد أبناء هذا البيت الكريم مجموعة كبيرة من المساجد والمدارس ودور الأيتام على نفقتهم الخاصة, وظلت آثارهم شاهدة على كرمهم وإحسانهم حتى يومنا هذا.
كانوا قدوة للتجار في الصدق والأمانة وحسن التدبير, وكانوا عنواناً من عناوين البساطة والتواضع على الرغم من ارتفاع مواردهم المالية, وعلى الرغم من تزايد مساحات بساتينهم وحقولهم وأملاكهم الزراعية, وعلى الرغم من تعاظم عقاراتهم المشيدة في أرقى ضواحي بغداد والبصرة والعمارة والناصرية, وعلى الرغم من تراكم رؤوس أموالهم, وأنشطتهم التجارية المتصاعدة أفقياً وعمودياً, وعلى الرغم من تفرع مكاتبهم في عموم الموانئ الخليجية وفي الشرق الأوسط.
يقطن معظمهم الآن خارج العراق, لكنهم غرسوا جذورهم في بساتين شط العرب, وحملوا العراق في قلوبهم ووجدانهم حيثما ذهبوا. منحوه حبهم وإخلاصهم. حجزوا للعراق حيزاً كبيراً في ذاكرتهم التي لا تعرف الجفاء, فرسموا لنا صورة رائعة من صور الحنين والوفاء والأصالة.
حتى نساء هذا البيت الكريم, يحنن حنين النوق للزمن الخلي, ولم يتنازلن في يوم من الأيام عن وطنيتهن, وربما نجد في الحكاية التالية عِبرة وعَبرة:
قبل أعوام غادرت أكبر نساء بيت (الذكير) منزلها في البصرة متوجهة إلى الدمام, وكانت مرغمة لأسباب تعلمونها, ثم أصيبت هناك بمرض الزهايمر, الذي أتلف ذاكرتها, ولم تعد تتذكر شيئاً, وفي أمسية باردة من أمسيات شتاء عام 1992 تعرضت للإصابة بالتهاب الرئة, نُقلت على أثرها إلى المستشفى, وكانت في غيبوبة, لكنها حينما أفاقت من غيبوبتها, أمسكت بيد أبنها, وقالت له: متى نعود يا ولدي إلى البصرة ؟؟.
كانت هذه صفحة مشرقة من صفحات البيوت الكريمة التي عرفتها البصرة في زمن التواد والتلاحم والتراحم والوئام.
والحديث ذو شجون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *