ساكن قصادي – كاظم العبادي

ساكن قصادي !!
بقلم : د.كاظم العبادي

جاءتني  في الصباح مكالمة هاتفية … من صديق كانت نبرة صوته  هذه المره تختلف عن  كل مكالماتنا السابقة , حيث شابها الكثير من الحزن ومختلطة ببعض من الاسى  والالم … كان التوتر واضحا في نبرات صوته وهو ينطق الكلمات الحزينة التي  تناقضت مع حالة الفرح التي يعيشها البلد ابتهاجا بالنتائج الطيبة التي  حققها فريق جماعي لفئة عمرية ووصف بانه انجاز رياضي … قال لي ببساطة  وجدية وانا صامت استمع اليه … اعتذر منك  وانت الذي لا تجامل في مثل هذه القضايا … حيث جاملت كما يجامل اغلبية  البشر واصابني نفس شعور الفنانة نجاة الصغيرة في اغنيتها “ساكن قصادي”  عندما حاولت ان ترسم الضحكة على شفتها رغم الحزن الشديد الذي كان يتخفى  وراء البسمة … هنا قطعت صمتي بعد ان نفد صبري وطلبت منه ان يخبرني عما  يشعر به حتى يكون كل شئ واضحا امامي لكي اقيم الموقف.

وصف لي  شعوره قائلا … تدرك جيدا حبي لهذه اللعبة الشعبية , حيث ان جميع فرقها  ومنتخباتها وصورها ساكنة في وجداني ومهجتي , وان حبي لها كان يكبر ويتنامى  مع مرور الايام , كنت انتظر على احر من الجمر وكما كل الجماهير المخلصة  الوفيه لافرح بانجازاتها ونتائجها وبلوغها لما تستحق , وعلى الرغم من  معرفتي بوجود ادلة كثيرة على وجود تلاعب باعمار اللاعبين , اضافة الى اعطاء  النتيجة حجما اكبر من حجمها عندما وصفت  بالبطولة او الانجاز على الرغم من  انها تمثل مرحلة تعليمية للاجيال لا اكثر وان الفروسية او المرجلة  الحقيقية هي في المشاركة في البطولات الكبيرة التي تشارك فيها المنتخبات  الاساسية … واستطرد قائلا لقد شاركتهم الافراح اسوة بنجاة الصغيرة  حيث  شاركتهم احدى جلسات الاحتفالات تاركا لعيني مهمة التعبير عن الفرح  والابتهاج , وشربت العصير المثلج وانا احدق باستغراب لما يحدث , هل يعقل ان  يصل حجم الاحتفالات والافراح لهذا المستوى , وان الاغلبية تعرف جيدا خلفية  هذا النجاح , وتعرف جيدا ان ما حصل ليس له اي ربط بالعراق الجديد او  النظريات العلمية في بناء اجيال البلد , لقد تهت وسط هذه الاجواء بعد ان  تزاحمت في راسي احاسيس مختلطة ومشاعر غير منطقية وغير صحيحة لم اكن مقتنعا  بما افعله لاني لم اكن راضيا عما اراه وعما يحدث ,  واختصر كلامه قائلا لا  ادري لماذ تذكرت مرة اخرى قصيدة “ساكن قصادي” وفي مقطعها الاخير بالذات  وصوت نجاة الحزين الشجي الكل حولي كانوا فرحين او يدعون الفرح بخداعهم  الاخرين وربما خداعهم وفكرت ترى هل يفكرون مثلي باننا نخدع انفسنا واننا في  الحقيقة يجب ان نبكي على مستقبل البلد وطريقة النظر الى مستقبل اجياله ,  وافعال لا تعبر عن اخلاقه وسياسته وتوجهات الخيرين وتطلعات العلميين من  ابناءه.

قلت له بعد ان استمعت اليه بذهول من حقك ان تجامل لكن ليس  على حساب الوطن , كيف تجامل على حساب ضياع مصالح الغير وفرص ابناء البلد  فهذا غير مقبول , كيف تقبل ان تعين البعض على باطل او فعل فيه ظلم وهضم  لحقوق الغير , بفعلك هذا قمت بتمجيد من لا يستحق وشجعته على ما هو ليس اهلا  له , انك تعلم يا صديقي ان ليس من الانصاف السكوت على الباطل وعلى النفاق  فكيف بنا ونحن نجامل , المجاملة لا تعني السكوت على الباطل وحسب وانما هي  المشاركة في الباطل , الم تروا ان زمن المجاملات قد انتهى بذهاب عصر الظلم  والقسر والطغيان والخوف من الحاكم والمسؤول , فعلام هذا الخوف بل علام هذا  التردد الذي يصل الى حد الجبن والتخاذل , لماذا والى متى نبقى ساكتين وكيف  يسكت من يرى الاخطاء تقترف في كل يوم وفي كل مناسبة وكانها اصبحت ديدن  الجميع , والكل راض عما يحدث , والكل سعيد باستثناء نجاة الصغيرة التي بقيت  مختبئة خلف بابها وشباكها ولم تفصح بحبها لجارها بل انها ومن شدة جبنها  وقسوتها على نفسها نزلت لتشارك في زفافه وترسم علامات الفرح في عينيها وفي  كل كلمة كتبها حسين السيد والتي غنتها نجاة كانت هناك اشارة الى الجبن  والتخاذل وشيء من المازوكيه (Masochism) التي يتلذذ بها الجبناء حين يصل  بهم الامر الى الاقتناع بانهم عاجزين وغير قادرين على الدفاع وانهم اصبحوا  لقمة سائغة للضبع النهم الجسور , لا اقول ليتك لم تتصل بي بل حسنا فعلت حيث  ذكرتني بواقعنا البائس المرير الذي خذلناه وشربنا عصير انتصاراته الزائفة  الباهتة , ضحكنا على انفسنا باننا على حق وان ما نفعله حق , ويحكم عن اي حق  تتحدثون ؟ وما لكم لا ترعون ؟ هل ظننتم اننا سنضحك ونفرح معكم ونشرب معكم  عصير الفرح , ونرسم الفرحة مثل نجاة الصغيرة , بالتاكيد لا … نحن لسنا  كذلك. ليس كلنا نجاة الصغيرة. فمن تبرع بشرب عصيركم اليوم لانه اما ضعيف او  مجامل , فغدا ثمة من يطرق باب جار نجاة الصغيرة ويقول له بالفم المليان  وبكل قوة انا احبك وسنقول لكم انكم مخطؤن وانكم لستم على حق وانه يجب تصحيح  هذا الواقع عاجلا ام اجلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *