لا ترفعوا مصاحف “أبو اسماعيل” ودعوا “أبو خليل” في ميدانه

ترفعوا مصاحف “أبو اسماعيل” ودعوا “أبو خليل” في ميدانه

د. نضير الخزرجي

كشفت حوادث المعارك التي تخوضها القوات المسلحة العراقية في محافظة الأنبار مع المجاميع المسلحة التي عقدت العزم على اسقاط نظام بغداد بأجندات مذهبية بغيضة ومؤازرة اقليمية لئيمة، أنّ السلطة المحلية بشرطتها غير مهيئة لمثل هذه الظروف، فما أن تم رفع الخيم من ساحة الاعتصام على الطريق الدولي حتى استبيحت مدن الأنبار وأقضيتها وتُركت مخافر الشرطة ملعباً للعبث والسرقة والحرق والتدمير، وفي غضون ساعات سقطت عدد من الأقضية والقرى بأيدي المقاتلين التي ربما سمّاها البعض بالقاعدة والآخر بداعش وثالث بالثوار ورابع بقطاع الطرق، لكنّ المحصلة النهائية أنهم مقاتلون عراقيون وعرب وعجم تمترسوا في منازل هذه المحافظة ومزارعها وفيافيها تحت مرآى الحكومة المحلية وبدعم مفضوح من بعض أجهزتها وتحت مسمع الحكومة المركزية التي كبّلتها سياسات الحلفاء في الحكم.

في مثل هذه الأوضاع الصعبة فإن سقوط الفلوجة بيد مقاتلين وجدوا الغطاء المحلي والإقليمي، جعل حكومة بغداد على المحك وفي وضع صعب للغاية، فالمقاتلون على أبواب العاصمة، فإن استقروا في الفلوجة زحفوا على بغداد من غربها وهيأوا الأجواء النفسية واللوجستية لزحف المقاتلين من شرق بغداد وشمالها وجنوبها، هذه الوضعية العسكرية الخطيرة لاشك أنها أجبرت السلطة السياسية والعسكرية على تحريك القطعات المسلحة لإعادة المدن الساقطة الى أحضان الحكومة المركزية وبسط الأمن ومنع حدوث سيناريو سوريا بقضم المدن الواحدة تلو الأخرى، مع قناعة رأس السلطة التنفيذية أن الشركاء في الحكم يتمنّون اللحظة التي ينتهي فيها سياسياً أو جسدياً حتى ولو كان على يد السياسيين المتمذهبين والمسلّحين الطائفيين وبهدى سياسة (عدو عدوي صديقي)، وهي سياسة ظل الشركاء يمارسونها منذ أعوام طويلة ولن يتوقفوا حتى وإن تمكنت السلطة المركزية من عدوها في الأنبار وغيرها، فلا أحد من الشركاء وصل الى قناعة بأهمية المشاركة السياسية لسلامة العراق وأهله، فكل ينادي بالمشاركة وكل يخطط أو يتآمر أو يبادر (سيان) للإستحواذ على السلطة وتحت مسميات ومطالب لها أول وليس لها آخر.

بعض الشركاء يعتصرهم الألم وقد تضاربت مشاعرهم، لأن السلطة المركزية استطاعت من قبل وأد الفتنة الطائفية وتمكنت اليوم وبقدر كبير أن تبعد شبح السيناريو السوري عن العراق، وجذبت إليها الأضواء من جديد لتثبت مرة أخرى وبرأي مراقبين أنَّ ربّانها رجل دولة اجتاز مرحلة المراهقة السياسية التي لازال عدد غير قليل من الشركاء يسبح في بركتها.

 ومن معالم المراهقة السياسية حديث البعض عن خصوصيات الشرطة والجيش ومكان كل جهاز منهما من الجغرافية العراقية، فقالوا وقولهم حق يُراد به باطل أن الجيش محله من الخارطة العراقية الحدود وللمدن الشرطة، ولكن جهاز الشرطة في أول اختبار له ترك العهدة تسقط بيد المسلّحين، وعذرهم في هذا التراجع الأمني الخطير أنهم غير قادرين من ناحية العدة التسليحية والكيفية على مواجهة المقاتلين من داعش والقاعدة.

 لو سلّمنا جدلاً بهذه الحجة، يا ترى هل عجزت أجهزت الشرطة المحلية عن رصد سلاح المقاتلين المهاجمين وعديدهم حتى يُصار إلى ما صار إليه الوضع في الأنبار؟

في الواقع غاب الجواب أو حضر، وهو بالتأكيد ليس بخاف على المراقب ولا ببعيد عن عين السلطة المركزية، فالمواجهة الحتمية هي بين الجيش العراقي والمسلحين لقطع دابر الفتنة وسد الذرائع على الشرطة وعلى المتصيدين بالماء العكر السابحين ببركة المراهقة السياسية.

في مثل هذه الأجواء المحمومة ظهرت أصوات من داخل حكومة الشراكة الوطنية، تطالب بدفع الجيش عن المدن وتسليح الشرطة بالعدة القادرة على مواجهة عدة المقاتلين وعديدهم، وهي نفسها التي كانت تمنع تسليح الجيش العراقي وتعرقل عقد صفقات السلاح مع الأسواق العالمية!

وأتساءل: ماذا يحصل عندما يتم تسليح الشرطة المحلية بأسلحة أكثر من خفيفة؟

من الطبيعي أن يتم حينئذ إدخال الشرطة في دورات عسكرية وقتالية مكثفة للتدريب على الأسلحة المتوسطة والتعامل مع الأسلحة الثقيلة، بدعوى سد فراغ الجيش العراقي النظامي المحظور عليه دخول المدن حتى لا يتجاوز حدود جغرافية حركته، الأمر الذي يستدعي معه تحويل الشرطة المحلية الى جيش مقاتل، وتحتاج المدينة عندها الى أجهزة شرطة جديدة تشارك الشرطة القديمة، أي الجيش الجديد، في الحركة داخل المدن وعلى أطرافها، أي خلق جيش مواز للجيش العراقي النظامي، لأن الجيش الجديد خارج سلطة الحكومة المركزية وخارج سلطة القيادة العامة للقوات المسلحة، بزعم أنها شرطة محلية وليست جيشاً نظامياً خاضعاً لوزارة الدفاع، ولا يحق لأية سلطة أخرى التدخل بشؤونها إلا سلطة المحافظة، أي أن على حكومة المركز أن تدفع كل شيء مرغمة ولا يحق لها التدخل والمراقبة وتحريك القطعات العسكرية، تماما كما هو الحاصل في إقليم كردستان، وإذا كانت الفواصل الجغرافية تمنع الاحتكاك بين الإقليم وبغداد، فإن الفواصل بين بغداد وإقليم الأنبار غير المعلن رسميا معدومة، ولما كانت الحدود العراقية من طرف الأنبار مفتوحة على ثلاث دول لا يُراد للجيش العراقي أن يكون له وجود، ولا يُراد للسلطة المركزية أن تأخذ دورها الطبيعي في السيطرة ومراقبة الحدود، فإن انهيار السلطة المركزية قاب قوسين أو أدنى، ولن تهدأ أجواء بغداد والمحافظات الأخرى من السيارات المفخخة  والعبوات الناسفة والأسلحة الكاتمة حتى ترفع السلطة المركزية العلم الأبيض، ولا يهم مَن يكون على رأس السلطة المركزية أهو المالكي أو أمثاله من قادة الإئتلاف العراقي الموحد أو الجبهة الكردستانية، فالمهم أن تُعاد السجادة للوطء ولا يُلتحف بها كما تقتضي عملية الشراكة الوطنية المفترضة!

مرة أخرى .. نعم العراق بحاجة الى أجهزة شرطة وطنية رصينة تضبط إيقاع الأمن الداخلي، ولكن لا أن يحوّل “أبو إسماعيل” إلى “أبو خليل”، ولا أن يُمنع الجيش من مواجهة مقاتلين تقر الشرطة المحلية أنها بما تملك من أسلحة ومعدات عاجزة عن التصدي لهم، فهناك أزمات مفتعلة تمنحها إطلاق المبادرات الوطنية وأخواتها، الشرعية المزيّفة، فاستئصال الإرهاب قضية لا تحتمل التأجيل، والذي يده في النار غير الذي يده في الماء!

الرأي الآخر للدراسات- لندن

الأحد 12/1/2014م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *