فضائح الصين في غذاء الإنسان والحيوان

إعداد: د. صلاح الدين عبد الرحمن الصفتي
 
لعل كفانا أن نعرف ما كشفه  التقرير السنوي لمنظمة الأغذية العالمية (الفاو)‏,‏ عن أن عدد الأشخاص الذين يعانون المجاعة‏ حول العالم‏ خلال عام 2008‏,‏ بلغ مليار شخص‏,‏ بزيادة‏40‏ مليونا عما كان عليه في العام الماضي‏. كما أشار التقرير إلي أن آسيا وإفريقيا هما من أكثر القارات التي تعاني نقص الغذاء‏,‏ موضحا أن نسبة الأشخاص الذين يعانون سوء التغذية كانت‏20%‏ في عام‏1990,‏ ثم انخفضت إلي‏16%‏ في عام‏2005,‏ وعادت للارتفاع مرة أخري عام‏2007.‏ ونحن هنا بصدد إشكالية حقيقة تُهدد البشرية، لابد البحث لها عن حلول حقيقية أيضاً للتخلص منها أو على الأقل العمل معاً على تقليل عدد الجائعين قدر المُستطاع، ولكن لم ولن يكن ذلك إلا بالعمل الجاد البعيد كل البُعد عن الخديعة أو الفساد أو الزيف.
ولا أحد يشك في أن المارد الصيني حقاً يستحق كل الاحترام والتقدير، بلد المليار و300 مليون نسمة، البلد الذي يعشق العمل والإبداع، بلد استطاع إغراق العالم بأثره بمنتجاته، بلد استطاع بقدراته البشرية الهائلة أن يضع نفسه في مقدمة الكيانات الاقتصادية الكبرى حول العالم، حيث صنعت الصين كما يقول العامة من الناس من الإبرة إلى الصاروخ، وهدد هذا البلد كثير من الصناعات الاحتكارية لكثير من بلدان العالم المتقدم والتي من أهمها صناعة الالكترونيات ومستلزمات الحاسب الآلي، ولعل ما ساعد هذا البلد العملاق على التوغل والانتشار بمنتجاته عبر دول العالم انخفاض تكلفة العمالة الصينية لوفرتها في ظل سياسات صناعية حرة داخلية، هذا إلى جانب تطبيق اتفاقية التجارة الحرة (جات) والتي فتحت الحدود الدولية أمام جميع السلع على كافة أشكالها دون قيود للتداول بين البلدان، حيث لا يحمي تلك السلع في الأسواق إلا قدرتها على المنافسة والمتمثلة في السعر المناسب والجودة العالية، وللأسف لا ينطبق الأخير على معظم السلع الصينية في أسواقنا العربية، بل نراه جلياً في دول العالم المتقدم فيما يُعرف بمنتجات الدرجة الأولى. وسوف أعرض خلال السطور القادمة فضائح تناولتها وسائل الإعلام العالمية عن مُنتجات صينية  تم إنتاجها وتداولها حول العالم وما لهذه المُنتجات من أثار سيئة تصل إلى حد إحداث الضرر المُباشر لحياة الإنسان والذي وهبت تلك الحياة من أجله ليحيا أمناً مُعافاً.
** فضيحة الحليب المسموم:
          انتشر خبر الحليب الصيني المسموم في الصين وعدة دول حول العالم، وتتلخص هذه الإشكالية في خلط الحليب المُجفف (البودرة) بمادة الميلامين Melamine السامة وهي مادة صناعية كيميائية تُستخدم في صناعة الأواني الميلامينية، كما تُستخدم في أعمال الديكورات المنزلية مثل مواد عزل وتغطية الخشب، وبالتالي فهي مادة صناعية لا يمكن للإنسان بأي حال من الأحوال أن يتناولها كغذاء، إذن فلماذا يُضاف الميلامين إلى بودرة الحليب؟ والإجابة ببساطة هي أن أهم العناصر الغذائية في الحليب هو البروتين، ومادة مادة الميلامين تحتوي على نفس البروتين المحتوي على عنصر النيتروجين، حيث أن إضافة الميلامين إلى الحليب توفر من كمية الحليب الحقيقية المُضافة، ولأن الميلامين أرخص كثيراً من الحليب الحقيقي، فإن ذلك يوفر كثيراً من الناحية الاقتصادية لمصانع الحليب ويُجلب لها الكثير من الأرباح. ولعل من العوامل التي ساعدت على سهولة غش الحليب بالميلامين هو أن تلك المادة السامة ليست لها طعم أو رائحة لذا يصعُب تميزها واكتشافها بسهولة. وتم اكتشاف فضيحة الحليب الصيني المسموم لأول مرة عام 2007 عند موت الكثير من القطط والكلاب بشكل مفاجئ، وبتحليل حليب تلك الحيوانات الأليفة وجد احتوائه على مادة الميلامين، وفي مطلع عام 2008 ظهر في الصين زيادة غير طبيعية في حالات حصى الكُلى عند الأطفال الرُضع، وبعد نتائج من البحث والتحليل تمت في شهر أغسطس عام 2008 اكتُشف مادة الميلامين في حليب بودرة صيني يُسمى “سانلو” ، وفي الشهر التالي مباشرة (سبتمبر) طالبت حكومة  نيوزيلندا من دولة الصين بحث وتحري تلك الإشكالية، وفي ذات الشهر ظهرت مادة الميلامين في كثير من المُنتجات الغذائية في تايوان. ولعل السؤال المُلح الآن ماذا يحدث للإنسان عند تناوله مادة الميلامين؟ والإجابة أن تلك المادة تبقى وتترسب في أنابيب الكليتين على شكل حصوات كبيرة، مما تؤدي إلى غلق تلك الأنابيب، وتُسبب ألماً شديداً ومنع للتبول وتضخم وتورم في الكليتين. ولعلاج تلك الحالة لابد لها من إجراء الجراحة أو التفتيت لإزالة تلك الحصى، ولكن أثبت إنها تُسبب أضراراً للكلية غير قابلة للشفاء، والتي قد تؤدي إلى فشل الكلية القيام بوظائفها مما يُعرف بالفشل الكلوي، والذي يلزم معه إجراء الغسيل الكلوي بمعدل مرتين أسبوعياً، وقد قد تحدث الوفاة للمريض نتيجة لاحتباس البول وانتشار المواد الضارة بالدم.  وتتفاقم المشكلة بشكل كبير مع الأطفال الرُضع وذلك لآن الكُلى في تلك الأطفال صغيرة غير متطورة، علاوة على تناولهم كميات كبيرة جداً من الحليب لأنه يُعتبر غذائهم الرئيسي، وأظهرت وسائل الإعلام وجود أكثر من 13 ألف طفل رضيع بمستشفيات الصين يُعانون من مشاكل الكُلى، بل يخضع الكثير منهم لعمليات غسيل الكُلى.
          إذن كيف ننتبه لهذه الإشكالية الخطيرة وكيف نتعامل معها، وما هي المواد الغذائية التي يتم استيرادها من الصين والتي يجب أن نتجنبها؟ الإجابة هي كل المُنتجات التي تحتوي على الحليب ومشتقاته مثل الكريم والجبن واللحوم المُصنّعة وجلوتين القمح ومعظم الغذاء المُصنّع، وأن يكون تجنب تلك المُنتجات لفترة لا تقل عن 6 أشهر حتى تعلن جميع الشركات خلو مُنتجاتها من أي مواد ضارة بصحة الإنسان، علنا لا ننسى المقولة الشهيرة غذائنا دوائنا … ودوائنا غذائنا.
    
** البيض المُزيف:
        اشتهرت الصين بتقليد العديد من المُنتجات العالمية مع تغيير حرف أو أكثر من أسم المُنتج الأصلي حتى لا تضع الشركة المُنتجة لهذه السلعة المُقلدة نفسها تحت طائلة سرقة علامة تجارية لسلعة أخرى، وللأسف فإن معظم تلك السلع المُقلدة إن لم يكن كلها ذات جودة رديئة لا ترقى لمقارنتها بالسلع الأصلية. وفي أخر صيحات التقليد الصيني للسلع والمُنتجات هي سرقة العلامة التجارية لسلعة طبيعية، يُمثل الصانع لتلك السلعة الدجاجة وتُمثل السلعة المسروقة البيضة، حيث أنتجت الصين مؤخراً بيض صيني لا تكاد تفرقه أو تميزه عن البيض الحقيقي، حيث يتكون من عدة مركبات مُصنّعة موجودة في البيض الطبيعي بداية من الكالسيوم وحتى البروتين، ويُستخدم في ذلك بعض القوالب حتى يأخذ كل من الصفار والبياض والقشرة شكله الطبيعي. ولعلي ربما أرى في ذلك تهديداً قادماً  لصناعة إنتاج البيض من الدجاج، لأنه مع الإنتاج الصينى لهذا النوع من البيض المُقلد والذي قطعاً سوف يقل سعره بمقدار كبير عن البيض الحقيقي والذي ربما يجد طريقه في كثير من البلدان خصوصاً البلدان العربية والإفريقية والتي تُعاني أزمات اقتصادية طاحنة تجعل الكثير من مواطنيها ربما يلجئون لهذا النوع من البيض المنخفض سعره وذو الفائدة المجهولة والتي ربما لا يهتم بها البعض بالقدر الذي يهمه هل يقدر على شرائه أم لا، ولعل الشبه الكبير بين هذا البيض المزيف والبيض الحقيقي سوف يجعله أكثر رواجاً على اعتباره بيض حقيقي ولا عزاء للذمم الخربة.
 ** الميلامين في غذاء الحيوان
          إذا طال الغش غذاء الإنسان فبالطبع سوف يكون الحيوان أكثر استباحاً لذلك، فقد نشر الموقع الالكتروني العالمي المتخصص في تغذية الحيوان والدواجن Watt Feed E-News تحت عنوان “الميلامين في مسحوق كسب فول الصويا الصيني”  في عدد شهر ديسمبر 2008 من مجلة غذاء الحيوان، حيث تبين بعد إجراء التحاليل الخاصة لكُسب فول الصويا الذي تم استيراده من الصين، وجود مادة الميلامين السامة به، وتجدر الإشارة هنا أن كسب فول الصويا هو أكثر مصادر البروتين النباتي استخداماً حول العالم في علائق الدواجن والحيوان حيث يُمثل نسبة قد تصل إلى 30% من مكونات غذاء الطائر. وبناءاً على ذلك أصدرت المفوضية الأوروبية قراراً بمنع استيراد أي أغذية للأطفال أو الرُضع والتي تحتوي على الصويا أو مُنتجات الصويا بعد التأكد من وجود مستويات مرتفعة من مادة الميلامين في كُُسب فول الصويا الصيني، وتجدر الإشارة إلى أن المفوضية الأوروبية هي الفرع التنفيذي بالإتحاد الأوروبي، كما أقرت بأنه سوف يتم اختبار كافة المُنتجات ذات العلاقة بالصويا أو أي شحنات غذائية تحتوي على مساحيق للتأكد من سلامتها. وأقر أيضا  خبراء المفوضية الأوربية بأن قرار منع الاستيراد لا يتم رفعه حتى يتم اختبار عينات الصويا سواء الخاصة بغذاء الإنسان أو الحيوان والتأكد من خلوها من الميلامين. وفي تأكيد رسمي من هونج كونج أظهر أن المجموعة الرابعة من البيض المُصدّر من الجزر الصينية الرئيسية لهونج كونج احتوت على كميات كبيرة من مادة الميلامين، وفي نفس الإطار أيضاً لوحظ وجود مادة الميلامين بتركيز 6.6 جزء في المليون في غذاء السمك المُنتج من الصين والمُصدّر إلى هونج كونج، وقد تم الكشف على عينة من الأسماك التي تناولت هذا الغذاء الملوث بالميلامين، وإن كانت لم تظهر عليهم أعراض مرضية واضحة، ولكن لم يمكن التكهن بعد بالآثار المترتبة على تناول الإنسان لهذه الأسماك.  وفي نفس الإطار فإن السلطات الفرنسية قامت بسحب ما يقرب من 300 طن من الصويا من الأسواق والذي تم استيراده من الصين بغرض إنتاج الدواجن العضوية في غرب فرنسا، وذلك بعد التأكد من أن نسبة مادة الميلامين بهذه الشحنة كانت أكثر 50 مرة من المعدل القياسي المسموح به، حيث لوحظ أن واحدة من بين ثلاثة مجموعات مُختبرة من إجمالي 293 طن كان مُعدل الميلامين المُقدر بها بلغ 116 ملجم/كجم، بينما الحد المسموح به يبلغ 2.5 ملجم. وفي نفس هذا السياق قامت السلطات الفرنسية بسحب جميع المُنتجات الغذائية التي تم صناعتها من الصويا خلال تلك الفترة. ولعل هذا يُظهر لنا النسب المرتفعة والمُخيفة للميلامين في الصويا والتي لا شك أنها تُسبب مخاطر كبيرة ومُحتملة على حياة كل من الإنسان والحيوان الذي يتناولها على حد سواء.
          لعل ما قمت بعرضه في هذا المقال أظهر ما تم تناوله في المجلات والمواقع الالكترونية العالمية عن فضائح وبدع صينية لابد لها من وقفة ولكني أظن بل وأجذم أن ما خفي كان أعظم، فإنه بلا شك ولا ريب أنه يجب رفع القبعة لكل اكتشاف أو اختراع يخدم البشرية ويُساعد على نموها وازدهارها، وإعلان الحرب وبلا هوادة على كل من يُخرب ويخدع ويُحطم خليفة الله في الأرض. فيا أيها المارد الصيني العملاق أفيق وانتفض، فإن توالي الفضائح عن السلع الصينية يضر بلا شك إن آجلاً أو عاجلاً بالكيان الاقتصادي الصيني الهائل، وربما هذا سوف يُساعده بل ويُرحب به أيضاً  كيانات اقتصادية أخرى لا تتمنى سوى اختفاء الغزو السلعي الصيني للعالم بأثره، لذا فإن استمرار إغراق العالم بالسلع الصينية لا يتأتى إلا بعمل جاد يبعد كل البعد عن الفساد والإفساد، كي لا يكون هلاك الكيان الصيني الضخم على يد أبناءه وعندئذ لا يلوم إلا نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *