ذكريات أول طبيب عراقي سكن السويد.

من محافظة العمارة في جنوب العراق غادر محمد زاير الى السويد في آب العام 1959،ويعد اول عراقي سكن السويد آنذاك، في هذا الكتاب (حياتي في العراق) يسرد الرجل ذكرياته العراقية، طفولته في مدينة العمارة وحياته العائلية. 
ومن ثم الذكريات التي عاشها في المرحلة الابتدائية في المدرسة الشرقية، والمرحلة الثانوية، وانتقاله الى بغداد في العام 1949 ودخوله الكلية الطبية الملكية في بغداد، وكذلك ذكرياته مع الدكتور (داود كباي) ومشاركاته في النشاطات السياسية، اذ يسرد التفاصيل الدقيقة عن انتفاضة تشرين العام 1952 وثورة العام 1958، حتى مغادرته العراق في 22 آب 1959. 
يقول الدكتور محمد زاير:عندما وصلت الى السويد كنت لا املك من المال سوى  300 كرونر سويدي، (شدهما على بطنه خوفا من فقدانها ومعه جنطتهكان السويديون في ذلك الوقت معزولين عن العالم الخارجي يوجد زنجي واحد غريب عن البلد في استوكهولم في ذلك الوقت يعمل في احد المخازن والناس يأخذون اطفالهم لمشاهدة هذا الضيف الغريب،كنت اشعر بالترحاب في كل مكان والكل يريدون دعوته خاصة انه قادم من بلاد الف ليلة واليلة،من بغداد وكان الناس يرددون كلمات علي بابا .. الخليفة في بغداد .. وحرامي بغداد) دخل مدرسة الاطفال لتعلم اللغة السويدية وكان يجلس في اخر الصف، والاطفال فرحون لوجود هذا الكائن الغريب،بعد ثمانية اشهر من الوصول، امتحن في اللغة ونجح فيها وصدر امر تعيينه طبيبا ممارسا في مستشفى سولهم بمدينة بوروس،في العام 1964 حصل على الشهادة الطبية السويدية والاختصاص في جراحة العظام، ثم قدم اطروحة الى جامعة لند السويدية في 28 مايس 1973 عن مرض بلاونت النادر الذي يسبب تقوس السيقان عند الاطفال، فنال درجة جيد جدا،اصبح عضوا في نقابة الاطباء السويديين، وفي جمعية جراحة العظام الاسكندنافية والبريطانية، شغل منصب رئيس قسم بين العام 1977 – 1995،استغرق عمل اطروحة الدكتوراه ثماني سنوات من العام 1965 حتى العام 1973 وقد اخضع لنقاش استمر اكثر من ساعتين من قبل البورد ألذي إختارته ألجامعة برئاسة دوسنت ألبرغ، بعد إنتهاء المناقشة رُفع ألعلم ألعراقي خلأل ألحفلة ألساهرة ألتي أُقيمت مساء نفس اليوم حضرها بروفسور باور, بروفسور فيبرغ, بروفسور موريس, دوسنت ألبرغ, دوسنت لندبرغ, دوسنت أمنيوس, دوسنت براتستروم, ألدكتور ألمتقاعد ريسنجر مديرمستشفى سولهم في بوروس ألذي كان له كل ألفضل في ألحصول على ألزمالة, مع عدد كبير من ألعوائل وألزملأء ألسويدين ومعهم أخوه حامد ألذي جاء من بغداد ومعه عائلة عراقية أرمنية تسكن ألسويد (كَريكَور دنكيزيان). وفي يوم 30 مايس 1973 إحتفلت ألجامعة بصورة رسمية بكل الحاصلين على الدكتوراه فدخلوا الكاتدرائيه المشهورة بعد أخذهم ألتصاويرألتذكارية, حيث وُزعت الشهادات مع القبعة ألأكاديمية والخاتم في الوقت الذي كانت تُطلق فيه المدافع طلقاتها خارج الكاتدرائية إحتفالأ بالمناسبة. 
مدينة العمارة يقول محمد زاير، لا ادري متى ولدت، رغم ان ابي كرر القول بأنه كتب ذلك في احدى مفكراته القديمة، اما امي التي كانت لا تقرأ ولا تكتب فقد قالت: انت ولدت بصفر بعد الظهر ولاتعرف السنة او اليوم وانما تتذكر الناس وهم يكسرون الاباريق والتنك بضربها في الحائط مرددين (اطلع ياصفر،راح صفر جانه اربيع،يامحمد ياشفيع)،اما اختي رتبة فتقول:               
(إنت وُلدت والناس كانت مخبوصة بالملك فيصل ألأول لزيارته ألأخيرة للعمارة يوم 16 شباط 1932 وفي دائرة ألنفوس …) قيدوا ولادتي العام 1931، اما مكان ولادتي فكان في خرابة جدرانها من الطين، كانت الخرابة تقع في زاوية التقاء شارع السوارية مع دربونة مراد الطباخ مقابل العطار سيد جعفر وموزان ابو الكبة الذي كان يحتل الرصيف صباحا لبيع الكبة، من المفارقات بعد انتقالنا من الخرابة ازيلت من الوجود في بداية الاربعينيات وبنى مكانها التاجر (عبد الحسين الابكع) دارا اوروبية ذات طابقين سكنها القنصل الايراني، يتذكر محمد زاير بناء السوق الكبير في المدينة او سوق محمود الشابندر،حيث شيد هذا السوق من شارع نهر دجلة وينتهي بسوق العجم ويبلغ طوله حوالي 400 متر وعرضه ستة امتار، عند مدخله يقع المقهى الكبير (مقهى الطيف السامرائي وبعده دكان ارحيم ابو العبي، ثم دكان القندرجي محمد امين الذي كان مشهورا ببيع قنادر الروغان والانواع الاخرى ثم مقهى سلمان الذي كان متميزا ومشهورا بالمرايا الكبيرة والسجاد وجودة الشاي والقهوة ثم تستمر الدكانين المتنوعة فهناك دكان اليهودي (باتا) لبيع الملأبس والسدارة العراقية ودكان اليهودي إبن القالبجي لبيع المناشيروالمبارد والبراغي ودكان ملا جاسم البزاز لبيع الأقمشة الإنكَليزية.، ودكان عطا الخصي ذو النظارات السميكة يبيع الكراموفونات والاشياء المنزلية الاخرى)،وتذكر اول دار سينما صامتة بنيت من القصب في مكان حماية الاطفال مقابل بيت
حنا الشيخ والذي كان مبنيا على الطراز الاوروبي ذي طابقين مع شرفة واسعة، يقول د. محمد زاير في مذكراته: ان مدينة العمارة على الرغم من الاهمال الذي تعانيه، فقد اعطى العراق مجموعة من الكفاءات تركوا بصمات في التاريخ ومنهم، العالم عبد الجبار عبد الله واول مهندس بحري تخرج في الثلاثينيات وعمل في الفاو توني برجوني، واول من حصل على شهادة الدكتوراه في الاثار هو حلمي صابر واول شهادة في الطب البيطري في ثلاثينيات القرن العشرين حصل عليها صادق محمد جواد الكواز وغيرهم في الحقوق والهندسة المعمارية،وفي الادب العربي والفلسفة ومن الضباط الاوئل كان طه الشيخ احمد مدير الحركات العسكرية في زمن عبد الكريم قاسم . 
مدرسة “الملا” فطنت على نفسي وانا اجبر بالاكراه الذهاب الى( الملا) كان بيت الملا (ملا كريم) قرب حمام السوارية وكانت الغرفة المخصصة للتعليم،مصنفة للاطفال حسب اعمارهم، كان ملا كريم في العقد الخامس من عمره زورخانجيا معروفا لثناء شبابه ثم معلما في العشرينات ومدرسا لعلوم الدين في قلعة صالح افتتح بعدها الملا بمفرده فسميت (مدرسة التهذيب الاهلية) مازلت اتذكر صلعته ولحيته المخلوطة بالسواد والبياض والدشداشة البيضاء والخيزرانه التي لا تفارقه، والتي يستعملها في عقوبة الفلقة، كان نظام المدرسة غريبا فكنا نتناوب الرقابة على المرحاض وحبوب الماء والباب الرئيس حتى لا ينهزم الاطفال، اما ملابسنا فهي الدشداشة واكثرنا حفاة، كانت الاجرة الشهرية في الملا روبية، ويعد  الملا الحاكم المطلق في (مدرسة التهذيب الاهلية) ينهي ويحكم ويضرب كما يشاء،اما اذا وصلنا في قراءة القرآن الى سورة (عم يتساءلون) فعلينا ان ندفع بعض الدراهم تبركا واستبشارا لهذه المناسبة المباركة، وكذلك الحال اذا وصلنا الى جزء تبارك، فعلينا التبرع بمبلغ اكبر،واذا ما ختم احدنا القرآن فتقام زفة (الختمية) في ظل الموسيقى الشعبية والهوسات والاستعراض في الشوارع وتقديم الحلويات والشربت مع طشير ويهليه في البيت ولبس الزبون ألأصفر ألذي لبسه وجرًبه أخي حامد والذي مازلت أحتفظ به، في طرف اخر يتحدث محمد زاير عن نفسه فيقول(كنت البس دشداشة مقلمة ام الزيك لها جيب جانبي كبير وكنت حافي القدمين اسوة بزملائي الحفاة الذين يدرسون في الملا، شعري طويل اشعث غير ممشط واخاف من الماء،تبدأ الدراسة في هذا السجن في الصباح الباكر ونعود الى البيت عند المساء، لا يبقى من الوقت الكثير للعب مع الاطفال الاخرين، كنت مجتهدا في علوم الدين والحساب والكتابة لكي اتجنب الخيزرانه والفلقة،وكنا نلعب داخل المدرسة، (النقيسة وغميضة الجيجو وتنور مفلش) ولكن الحزن كان يعتصرني،وفي يوم ماعندما ذهبت الى المدرسة امتزج الخوف والحزن والاشمئزاز من مدرسة التهذيب الاهلية وأخذت اضربها بالحجارة، الامر الذي استفز الملا كريم وارسل مجموعة من اعوانه الذين امسكوا بي واقتادوني اليه لاعاقب بالفلقة وكانت أخر ذكرى مؤلمة من أيام ألملا. 
المدرسة الشرقية الابتدائية في ايلول العام 1938 وافق الوالد على ان اترك الملة كريم وانتظم في المدرسة الشرقية، اخذني شقيقي حامد الى الحلاق سيد محمد عند مدخل السوق واشترى لي قميصا وبنطالا وحذاء وذهبنا الى المصور الشمسي مزعل فهد (الصورة على غلاف الكتاب) عندما تم تسجيلي في المدرسة كان مدير المدرسة غضبان رومي، عندها قدم لي كتابا ليمتحني  قرأت  له بسهولة تامة، وذهبت بعد التسجيل الى الصف الثاني،استقبلني مرشد الصف المعلم حسين فوزي قصير القامة بدين الجسم ويحمل عصا صغيرة وغليظة، وهنا التقيت بصديق العمر احمد عبد اللطيف العاني (رب اخ لم تلده امك) كان مرشد الصف المعلم حسين فوزي، آية في الانضباط  لقد غرز فينا حب الوطن.  
وفي العام 1936 زار الملك غازي مدينة العمارة بين الهتافات والهلاهل والتصفيق افتتح جسر الكحلاء والمشرح ووضع حجر الاساس لدار البلدية، وكنا نحن الصغار نتحدث عن وقوفه بوجه الانكليز وعزمه على طردهم من العراق. 
ولكن في 4/4 /1939 وكنا جالسين في الصف دخل علينا المعلم حسين فوزي واضعا المنديل على وجهه وهو يبكي وقال،ان الملك قتل، طلب منا ان نحمل صورته المعلقة في الصف ونطوف بها في ارجاء المدرسة،وكان مركز مدينة العمارة قد اكتظ بالناس والعشائر التي كانت تحمل صورة الملك واللافتات والهوسات المدوية.  
بعد انتهاء المرحلة الابتدائية انتقلت الى المدرسة الثانوية، مدير المدرسة عبد الوهاب الركابي وكان شديد البأس،يدور في المدينة والخيزرانه بيده لمعاقبة الطلاب الذين يجلسون في المقاهي ويلعبون (الدومنه) ،كانت للاحداث الوطنية اثارها على مدينة العمارة في تلك السنوات،عندما كنت في الصف الرابع الثانوي عمت المظاهرات الوطنية جميع انحاء العراق، كان ذلك في العام 1948،تعطلت المدارس في العمارة وظهر العديد من الخطباء وعلى رأسهم الطالب عزيز حميد من اهالي مسيعيده (اصبح لاحقا مسؤول الحزب الشيوعي بالعمارة) والطالب سعد انصيف الذي كان خطيبا يثير الحماس وطالب في الخامس ادبي اسمه اديب مهدي الصالح، كانت جموع المتظاهرين في ذلك اليوم تقتلع القطعة الخشبية المعلقة على بناية مكتبة الارشاد البريطانية الملاصقة الى بيت شواي الفهد، كان الطالب عبد الله مريوش يعلن سقوط صالح جبر وبريطانيا، لم تهدأ مدينة العمارة الا بعد سقوط الحكومة وتشكيل اخرى برئاسة سماحة السيد محمد الصدر، حيث عمت فرحة الانتصار.    
الانتقال الى بغداد انتقلت الى بغداد،فنزلت في فندق الاهالي بشارع الرشيد سيد سلطان علي، كان ذلك في صيف العام 1949،لم يتدخل الوالد في تحديد مستقبلي بعد انتهاء المرحلة الاعدادية،قدمت اوراقي في بغداد الى الكلية الطبية وكلية الهندسة والكلية التوجيهية فقبلت في جميعها وأُذيعت أسماء ألمقبولين من دار ألإذاعة ألعراقية ففضًلت ألكلية ألتوجيهية لمدة سنة على أمل ألدراسة خارج ألعراق, لكني عُدت بعدها فقدمت على ألكلية ألطبية ألملكية وقُبلت بها،انتقلت بعد قبولي الى فندق المعرض في الباب المعظم والقريب من الكلية الطبية الملكية والمقابل الى وزارة الخارجية في الشارع العام وسجن بغداد المركزي من الجانب الايسر، بسبب كثرة المصطلحات الانكليزية فقد كنت اذهب الى مقهى مخصص للدراسة يقع في شارع النهر قرب مطعم شريف حداد وكان مقهى هادئا وجاهزا لشرب الشاي والاكل الخفيف، بدأت اتعرف على اصدقاء جدد يدرسون في الكلية الطبية الملكية،ومنهم رضا شعيب وسعد الوتري وهشام ماهر السلمان وكامل ألدوركي وصادق علوش ومظفر ألزبير وصباح ألزبيدي، اقيمت حفلة التعارف وهو تقليد يقام كل سنة لكي يتم التعريف بين الطلاب والاساتذة،أعقبتها فعاليات موسيقية ورياضية. كما حضرت مرة مع بعض الزملأء ألمناظرة ألخطابية بين ألشعراء والخطباء في كلية تربية البنات, قدًمت فيها ألشاعرة نازك ألملأئكة أجمل أشعارها وأيضا ألشاعرة عاتكَه وهبي ألخزرجي.، في تلك السنوات اشتركنا في اضراب كلية الصيدلة يوم الاحد 19 /10 /1952،وقد انتقل الاضراب الى الكليات الاخرى،صاحبت الاخوان احمد العاني وابراهيم الجوادي في احدى هذه المظاهرات بشارع الكفاح ولم يدر بخلدنا ان الشرطة سوف تطلق الرصاص،وما ان ارتفعت الهتافات الوطنية حتى بدأ صوت الرصاص يتعالى،اصيب احمد العاني برصاص وشاهدنا مدخل الطلقة ومخرجها في البنطال ولكن لم تمسه بسوء،انتهت الانتفاضة نهاية بائسة ففي ليلة 23/11/1952 اصدر بيان الحاكم العسكري باعلان الاحكام العرفية وشاهدنا بعض المدرعات منتشرة في الباب المعظم . 
ذكريات مع الدكتور داود كباى. خلال عطلت صيف 1951زرت الدكتور اليهودي داود كباى في عيادته الواقعة في الطريق الفرعي من شارع المعارف باتجاه محلة اليهود، رحب بي كثيرا حينما علم بأني بدأت بدراسة الطب،كان المرضى الفقراءيحيطون به من كل حدب وصوب، ومن جميع أقضية مدينة العمارة، فقد كانت له شهرة واسعة بين الفلاحين والفقراء يأخذ ماقسم الله منهم حتى لوكان درهما ويجري بعض العمليات منها في العين والحالات الاخرى مجانا،وكان يثير حفيظة الدكتور جعفر الحسني والدكتور عبد الحميد المؤمن فحاربوه ورفعوا التقارير ضدهذات مرة سألني اذا كنت راغبا بمصاحبته الى مناطق الاهوار في المجر الكبير،لانه يجري دراسة تفقدية مع اخذ عينات من المرضى المصابين بمرض (البجل) وهو مرض جلدي يشبة مرض السفلس ولكنه لا ينتقل بواسطة الجماع شكرته وتحمست للفكرة،بعدها اخذنا سيارة السلطات الصحية الى المجر الكبير، توغلنا في الاهوار،رأينا من الامراض مايشيب لها الطفل،فقر الدم البلهارزيا والملاريا والسل ومرض البجل، حيث القروح الجلدية الكبيرة التي اتلفت المناطق التي اصابتها ومنها العيون والانف والفم، الناس فقراء مع جواميسهم والماء وسوء التغذية وانعزالهم عن العالم، اخذ الدكتور داود كباى عينات من المرضى لكي يرسلها الى المختبر، لم نستطع النوم في احدى الصرايف مع (لسعات الحرمس وروائح السرجين المحيطة بنا) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *