قراءة كتاب فانسون جوف “القراءة” -علي كامل

“أنا لا أقرأ الكتاب بغية أن أكتب نقداً عنه بقدر ما أستسلم بدرجة عالية لإغرائه” (أوسكار وايلد)


لندن: صدر الكتاب النقدي (القراءة) عن دار المطبعة والوراقة الوطنية في مراكش (المغرب) بدعم من الأستاذ مولاي حفيظ العلمي أحد أبرز الرواد ورموز رجال الأعمال الحداثيين في المغرب، المعروف بمساهمته الدائبة في احتضان وابراز عدد من النتاجات الفكرية الواعدة في الحقل الثقافي والمعرفي في البلاد.
الكاتب الفرنسي فانسون جوف هو أحد أبرز الدارسين المعاصرين في المشهد النقدي والأدبي في فرنسا فهو يسعى من خلال دراساته ذات الطابع التقريبي والمنهجي إلى توضيح المفاهيم المجردة وإخضاعها إلى منطق التطبيق. وقد انعكس ذلك في مجمل مؤلفاته بدءاً بكتابه (الأدب من منظور رولان بارت) ١٩٨٦، مروراً بكتابيه (الأثر ـ الشخصية في الرواية) ١٩٩٢و (شعرية الرواية) ١٩٩٨، وصولاً إلى كتابه (شعرية القيم) ٢٠٠١.
هذا الكتاب، الذي ترجمه وقدم له كل من محمد آيت لعميم ونصر الدين شكير، هو مقاربة عميقة ممنهجة لموضوع القراءة، فعالياتها ومستوياتها ورهاناتها، من خلال عرض مختلف التيارات التي تناولت العلاقة  بين القراءة والقارىء. إلا أن الشيء المميز ولعله الجديد في هذا الكتاب هو بحثه ليس في العلاقة بين النص ومؤلفه، تلك التي سادت الكثير من البحوث الأدبية التقليدية، إنما العلاقة بين النص وقارئه هذه المرة. هنا يتم اقصاء الكاتب، ليتأسس العمل على خلفية حوار يجمع بين النص وقارئه، لأن فعل الكتابة كما يرى د. لعميم “هو فعل بناء يشيِّد النص من خلاله قارئه النموذجي”. من هنا، ونتيجة التأثير والتفاعل بين الإثنين، يصبح لدينا نصّان، أحدهما للكاتب والآخر للقارىء. ففيما نص الكاتب معطى، يكون نص القارىء بناء، رغم أن النص عموماً هو (آلة كسولة) على حد تعبير أمبرتو إيكو، يدأب القارىء على تشغيلها.
فانسون يفترض النص بوصفه قيمة والقارىء باعتباره وحدة مزودة بالكفاءات والقدرات، ليتساءل عن القصد بدراسة القراءة. فهل هي دراسة لإمكانات القارىء، أم هي دراسة النص الذي تستند عليه تلك الإمكانات؟ ومن بعد، هل العلاقة بالنتاج الأدبي لها صلة بالممارسات الثقافية والنماذج الأيدلوجية والثوابت السيكولوجية؟
فانسون يجيب على كل هذه الأسئلة بأن هناك طريقتين لمقاربة هذا المشكل: فتحليل القراءة يعني التساؤل إما عن الطريقة التي ينبغي اتباعها في قراءة النص، أي نص، وإما بشأن ما نقرأ أو ما يمكن قراءته في ذلك النص.
إن منظّري القراءة والتلقي لم يتفقوا أبداً على وضع معطى لفعالية قراء العمل الأدبي، وبذا اختلفت توجهاتهم ومدارسهم. فانسون جوف في كتابه هذا سعى أن يستخلص أربعة توجهات كبرى في هذا المستوى.
ـ مدرسة كونستانس ممثلة برائديها ياوس ونظريته (جمالية التلقي) من جهة، ونظرية آيزر (القارىء الضمني) من جهة أخرى.
ـ التحليل السيميائي لـ (أمبرتو إيكو) الذي يقترح تحليلاً تشاركياً للقراءة.
ـ الدراسات السميولوجية لـ (فيليب هامون وأوتن) التي تمنح القارىء السلطة في فهم النص من خلال جزئياته مع أخذ التفاصيل بعين الاعتبار.
ـ نظرية (القارىء الواقعي) عند ميشيل بيكار، الذي ينتقد القراءات النظرية التي أنجزها قراء مجردون داعياً إلى فحص القراءة الواقعية والمجسدة.
يتضمن الكتاب ستة فصول منطلقها التساؤل الأساسي حول: ماهية القراءة، الصعوبات النظرية بشأن القارىء، الكيفية التي نقرأ بها، ماذا نقرأ، ثم التجربة المعايشة للقراءة، ويختم أخيراً بتأثير القراءة ذاتها. أما المتن التطبيقي لهذه المفاهيم فهو متن سردي وروائي في الغالب وبعض النصوص الشعرية.
في مقدمته القيّمة للكتاب كتب د. محمد آيت لعميم، يقول: “يعتبر كتاب (القراءة) لفانسون جوف كتاباً هاماً، فهو جامع ماتع، لدرجة أن الناقدة الفرنسية آن موريل، صاحبة كتاب (النقد الأدبي) حين وصلت في كتابها إلى الحديث عن نظريات القراءة والتلقي أحالت عليه مباشرة ولم تتناول هذه النظريات لاقتناعها التام بأن هذا الكتاب قد تكفّل بالمهمة”.

– See more at: http://www.elaph.com/Web/Culture/2013/12/856684.html?entry=Readings#sthash.kXFnYcdD.dpuf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *