‘المفكر العـراقي غسان العطية لـ ’’القدس الأسبوعي

 

الحرب الأهلية والتقسيم آتيان

أمريكا منحت العراق للنظام الإيراني كما منحت لبنان لنظام الأسد

 

حاورته: أناهيد سركيس

 

Posted: 17 May 2014 02:06 PM PDT

 

قال المفكر والباحث العراقي غسان العطية في حوار مع صحيفة ‘القدس العربي’ بأن مستقبل العراق مظلم، وان إيران إذا أرادت للمنطقة وللعراق الاستقرار يجب عليها أن تجبر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على المغادرة… وأضاف العطية في مجمل حديثه لـ’القدس العربي بان الولايات المتحدة الأمريكية منحت العراق لإيران كما منحت لبنان إلى حكومة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. وقال العطية إن الأكراد والأحزاب الدينية الشيعية كانت منظمة لذلك استولت على الحكم عقب الفراغ الذي ولده سقوط نظام صدام حسين، وفي ما يلي نص الحوار:

ـ من سياق التاريخ بين الأمس واليوم، لماذا وصلنا إلى الوضع الحالي…!؟

بعد 90 سنة من استقلال يعود العراق إلى المربع الأول ويصير السؤال هل سيبقى العراق دولة موحدة؟ ما يربط الطرف الكردي بالعراق هو البترول، ما يربط بعضنا ببعض كعراقيين هو البترول، فلولاه لانتهت الدولة. 90′ من ميزانية الدولة البالغة الآن 150 مليار دولار سنويا، مصدرها البترول في الوقت الذي تبلغ نسبة العاطلين عن العمل من الشباب 25%. في السبعينات أعطي العراق جائزة اليونسكو لمحو الأمية، لدينا الآن لا اقل من 7-8 ملايين أمي. 

كان العراق يخرج أطباء وأول جامعة للطب في العالم العربي كانت فيه، المريض العراقي الآن يسافر إلى الأردن أو الهند أو أربيل كي يحصل على العلاج.

المرارة تطغى على حديثي، يقول لي احدهم أنت ابن الجنوب وتدافع عن السنة؟ أقول إني أدافع عن الإنسان العراقي، لهذا السبب اشعر بالمرارة. في لقاء مع احد قياديي حزب الدعوة، قال لي إن الأكراد يحسدوننا على الحرية التي نتمتع بها في بغداد، في الوقت الذي في بغداد لا حرية غير حرية الموت والقضاء على الخصوم والاغتيالات وأوامر اعتقال وملفات غريبة خلقت حالة من الرعب. أقول هذا وأنا احد المطلوبين للسلطة.

 كردستان آمنة، حصل تفجير واحد اعتقل فاعلنوه بعد ساعة فقط، في بغداد يحصل حوالي 40 تفجيرا يوميا ولا من يعتقل. القول إن الوضع في بغداد أحسن محض عنجهية وما يثير الاستغراب إن الكل يرمي المسؤولية والعيب على الآخرين.

الطائفية كانت موجودة حتى إبان عملية الإدماج الأولى التي جرت في العهد الملكي. في أول وزارة فتشوا عن وزير شيعي ومعمم واحد إبان عام 1924، وصولا إلى عام 1958 كان لدينا في العراق، 4 رؤساء وزراء شيعة. في العشرينات وأنا ابن عائلة عشائرية، لم يكن احد بيننا يحمل شهادة ابتدائية… في الخمسينيات صار بيننا في المنطقة نفسها أطباء ومهندسون، الدولة هي التي قامت بهذه الانجازات. المؤشر الاجتماعي كان يشير إلى المزيد من الاندماج وكان اليسار يقود المعارضة في حينه.

مع الأسف المفصل الذي فجر الوضع برمته هو الثورة الإيرانية. بدأت مرحلة جديدة، إذ أن حركاتنا السياسية في العراق متلقية، لم تأتنا حركة من نبتة عراقية إلا في العهد الملكي، إحدى هذه الحركات كان حزب الاستقلال برئاسة الشيخ مهدي كبة وهو شيعي، والحزب الوطني الديمقراطي برئاسة كامل الجادرجي. أما بعد ذلك فكانت أحزابنا قاطبة متلقية، الشيوعيون موسكو قِبلتهم، قامت ثورة ناصر فأصبحت قِبلة القوميين، البعثيون أيضا قِبلتهم في الخارج، الآن جاءت الموجة الجديدة، الإسلامية الشيعية وقِبلتها طهران، الإسلام السني قِبلته حركة الإخوان المسلمين. تسأل نفسك أين النبتة العراقية؟ لا وجود لها…! 

احتلال العراق مأساة كبيرة ندفع الآن ثمنها، واليوم تسأل البعثيين هل تعلمتم من الدرس، تجد إنهم ما زالوا يمجدون أخطاء صدام حسين.

كشباب كان حلمنا تحرير فلسطين، وكانت عندنا فلسطين واحدة، الآن لدينا أكثر من فلسطين، سوريا، مصر، العراق، ليبيا.. الخ، السؤال هو متى نراجع أنفسنا، وقد مررنا بفشل بعد فشل؟

أقول البلد الوحيد الذي يمكن أن يكون منارة الأمة العربية ويعيدها إلى طريق الصواب هو مصر، ولكن مع الأسف يبدو أنهم وجدوا حكم العسكر الأكثر صحة. ليس بالإمكان أحسن مما كان، وربما البصيص الايجابي الذي أراه الآن يكمن في تونس، حزب النهضة هو الوحيد الذي فضل أن يستقيل ويشكل حكومة تكنوقراط ويعيد الشعب إلى لحمته عبر الانتخابات، إنها بارقة أمل.

ـ انتخابات في ظل استقطاب طائفي وأثني هل هي حل للمشكلة الراهنة في العراق أم زيادة في تعقيدها؟

الانتخابات في أي بلد ديمقراطي حقيقي هي وسيلة لحل الخلافات، يحل البرلمان وينتخب الشعب وتشكل حكومة جديدة وتنتهي المشكلة. الانتخابات إحدى ممارسات الديمقراطية ولكنها تحتاج إلى مؤسسات ومستلزمات ديمقراطية لا وجود لها في العراق، فهي أولا بحاجة إلى مواطن يقول أنا عراقي، لا شيعي أو سني أو جبوري، أو دليمي الخ…

هذا المواطن غير موجود في العراق. السبب الآخر في غياب كل هذه المؤسسات، يكمن في تهديم صرح الدولة في إجراء حصل بعدما اسقط نظام صدام. هذا الفراغ من استفاد منه ومن ملأه؟ الأكراد، والأحزاب الشيعية الدينية المحمية من إيران، والتي تربت هناك، حصل هذا لكون الطرفين منظمين. بقية العراقيين من غير الأكراد والشيعة كانوا غير جاهزين للانتخابات، والموقف الوحيد الذي اتخذه أبناء العرب السنة هو المقاطعة. كان القرار خطأ، ومن كان ضحية هذه العملية؟ كل الأقليات قاطبة وليس فقط السنة، فالمسيحي الذي كان يعتقد إن أمريكا ستحميه صار من أول ضحاياها. الصابئة المندائيون وجودهم أقدم من أي عربي في العراق، الآن لا يزيد عددهم عن 5000 مندائي، ولا يزيد عدد المسيحيين الآن عن نصف مليون. هكذا عدنا من كوننا دولة إلى طوائف.

انتخابات في حالة مثل هذه ستفرز دولة طائفية غير قادرة على الوصول إلى حلول وسط. منذ 2010 لحد اليوم دخلنا مرحلة جديدة، تؤشر بوضوح على أن من يمسك بزمام السلطة سيستمر بالفوز سواء بالمال أو القوة، حيث سخرها بشكل واضح لصالح بقائه، وبدأ يلعب على الوتر الطائفي والاثني، فكل معارض هو إرهابي وداعشي، فهناك الخطر الكردي والخطر السني، وبالأغلبية وحدها بإمكانه أن يقضي عليها، من له الغلبة، من له المال والسلطة والسلاح.. أما الأصوات الشيعية المعتدلة التي تشعر بكونها مهمشة كذلك؟ اظهر الإسلاميون الشيعة عدم كفاءة والجيد أنهم ليسوا كتلة واحدة بل إن انقسامهم صار واضحا.

الانتخابات الحالية تشير بوضوح إلى أن المالكي سيأتي بالكتلة الأكبر. هذه الكتلة مهما كبرت فليس بإمكانه الإتيان بـ163 صوتا ليشكل حكومة، إذا فلا بد من أن يأتلف مع آخرين. القاعدة التي وضعت، هي إن رئاسة الوزراء متروكة للشيعة، والشيعة من يمثلهم بالتأكيد ليس العلماني واليساري بل الإسلامي. هؤلاء كلهم الآن يعيشون لحظات خلاف فيما بينهم، الصدريون والمجلس الأعلى ودولة القانون، الصراع سيكون كيف يختارون رئيس وزراء جديدا؟

اللعبة الآن لا يعرفها المراقب العربي، وهي أنهم متمسكون بان يكون رئيس الوزراء من ‘الملة’ نفسها، فمثلا لا يمكنهم القبول بإياد علاوي. وهم يريدون الآلية التي تناسبهم. وبالتالي من يحسم الأمر هو إيران، ما الذي تريده إيران، بعدما استطاعت أن تحول مع سوريا، حياة الأمريكان في العراق إلى جحيم. العراقيون ساروا وراء الشعارات وجرى استخدامهم من قبل النظام السوري لإخراج الأمريكان، وما أن خرجوا حتى أصبح العراق تفاحة سقطت في الحضن الإيراني. الآن انتهى الموضوع وصار العراق حديقة إيران الخلفية. السؤال الآن هل تريد إيران العراق بقرة حلوب مستقرة أم لا؟

إن أرادت الاستقرار ستعمل على تغيير المالكي، إن لم ترد فسيبقى المالكي، من صاحب القرار في إيران؟ الجواب أكثر من مركز سياسي. القرار المعتدل الذي يتمثل بظريفي أو روحاني قد يفكر بطريقة أخرى، لكن الملف العراقي ليس مسؤولية الخارجية بل الحرس الثوري، وهو المسؤول أيضا عن ملف سوريا ولبنان.

ـ أين العرب مما يحصل في العراق؟

العرب بذلوا جهدا عام 2010 بتشكيل لجنة سداسية من خمس دول عربية زائدا تركيا، وكان لها دور في تجميع المعارضة العراقية وتم اثر الاجتماع إنشاء القائمة العراقية. وفي اللحظة التي لم تنل القائمة الحكم انفرط عقدهم وهم الآن مشتتون بقوائم متعددة. العرب وحسب معرفتي المباشرة أصابهم شعور بالتعب من العراقيين، إذ إن الكثير من العراقيين ممن ذهبوا إلى الخليج حولوا المساعدات الخليجية إلى مورد مالي تماما كما كانت المعارضة العراقية في التسعينيات تفعل لتتحول إلى دكاكين للإثراء الشخصي، فخسروا الكثير من ثقة بلدان الخليج. لذا فان أبناء المحافظات السنية غاضبون ليس فقط على المالكي بل على قياداتهم التي أثرت على حسابهم وتاجرت باسمهم… وهذا الذي دفع الكثير منهم إلى خيار حمل السلاح ضد الحكومة في الانبار..

الجانب الآخر إن المالكي كان يتبع سياسة فرق تسد، فيقوم بتهميش البعض وشراء البعض الآخر من القائمة العراقية، وحاول لعب اللعبة نفسها مع الأكراد، لكنه لم يفلح. ولهذا السبب سنرى يوم الاثنين، إن إياد علاوي العلماني من أصول شيعية، حصل على أصوات تفوق الأصوات التي حصلت عليها قوائم سنية، لان الشارع العربي السني بدأ يشعر بان الورقة الطائفية لا تخدمه، بل الورقة المدنية أو العابرة للطائفيين هي التي ستنفع، ويا ليت لو هذا التحول كان قد حصل قبل عشر سنوات.

ونقول هل يستطيع العرب مساعدة العراق؟ نعم باستطاعتهم ولكن من هم العرب، فالخليجيون أنهكتهم صراعاتهم الداخلية، الخلاف القطري السعودي، الإماراتي، وعلى ماذا، الحقيقة اشعر بمرارة فلا احد منهم يستطيع أن يكون قائدا للعرب. مع الأسف الانقسام الخليجي – الخليجي صب في صالح خصوم المنطقة. 

ـ المالكي رئيس الوزراء ووزير الدفاع والداخلية وقائد القوات المسلحة ما هي المسافة التي تحد بينه وبين الحاكم المستبد أو الدكتاتوري، وما مصادر قوته؟

سنقرأ أولا ما قاله الأمريكان عن المالكي، فقد نشرت صحيفة ‘نيويوركرز′ تقول إن بوش لم يعجب بالجعفري فطالب بإبداله، هكذا حصل إن بدل بالمالكي. أرادوا شخصا ضعيفا لا قويا. عاش المالكي اغلب حياته في المنافي، ولم يكن له أي دور سياسي يذكر، حتى انه عندما سئل عن طموحه قال، أن أصير موظفا أو قائم مقاما، تدريجيا القوة والسلطة صنعتا منه إنسانا طموحا، بدأ يجمع السلطات الحساسة بيده وأصبح يحكم 8 وزارات بالوكالة، وصار قائدا للجيش، ليؤسس لديكتاتورية جديدة لكنها قائمة على أسس طائفية. المالكي أخطأ، فبدلا من كسب الاعتدال السني والكردي بدأ يهمش الطرف المعتدل السني الذي لم يبق له أي دور، وبالتالي حل محله التطرف السني تحت مسميات داعش وغيرها. في حديث معه قلت له بأنك بحاجة إلى حليف عربي سني، فقال نعم ولم لا. أمريكا تقول عنه انه ينظر في عينيك ويكذب عليك. كل الوعود التي أعطاها للغرب ولأمريكا وللعرب لم يف بها فهل سيفي بوعده لي؟ لا يهمه كلام احد.

في تجربة أخرى زرت الانبار واقترحت عليه تشكيل لجنة للتحقيق في الأحداث هناك، فقام بتشكيل لجنة من شخصيات محسوبة عليه. فقلت له إن 80% من طلبات المعتصمين هي حقوق إنسان (وظائف، رواتب تعيينات، مشاكل إنسانية)، وفي بلد ميزانيته تعادل ميزانية سوريا ولبنان مجتمعة ليس هذا بالشيء الصعب. قالت اللجنة إن الحل هو من صلاحيات البرلمان. كنت متفائلا بمجيء المالكي للسلطة، على أساس انه بدأ بعملية تشبه صولة الفرسان، حين ضرب جيش المهدي في البصرة ونال تعاطف الناس، وصوَّت له السنة والشيعة، النتيجة بعد 4 سنوات خسر نصف الشيعة وخسر السنة واليساريين والأكراد والليبراليين، ومع كل هذا الآن يبقى بالحكم، لماذا لأنه يعتمد على قاعدة شيعية يمارس عليها عملية تخويف وترهيب من العدو، العدو هم داعش والسنة والأكراد وغيرهم. بهذه الروحية المالكي لا يمكن أن يحكم، وإذا شكل حكومة ثالثة أقولها بكل صراحة، وأنا مسؤول عن كلامي إننا نتجه إلى حرب أهلية لا تنتهي إلا بتقسيم العراق. إن أتت نتائج الانتخابات بالمالكي لولاية ثالثة بدعم إيراني، فمعنى ذلك إن العراق سينزلق إلى حرب أهلية.

ـ مدى تأثير اللاعبين الإقليميين والدوليين في مستقبل العراق، أمريكا وإيران مثلا؟

الأمريكان دخلوا الحرب من غير أن يفكر بوش باحتلال العراق، وجاءت الفكرة على الرادار السياسي الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر. إيران نفسها سهلت الاحتلال الأمريكي للعراق على أن تعترف أمريكا بزعامتها للمنطقة، ولكن بوش الابن رفض ذلك، وتصور بأنه قادر أن يحكم العراق بدون إيران، فكانت النتيجة أن تحول الإيرانيون إلى أعداء مباشرين لأمريكا محولين الشارع كله ضد أمريكا.

الكثير من المراقبين لا يعرفون مدى الإنهاك الذي أصاب الأمريكان في العراق، ففي الفلوجة والرمادي قدموا ضحايا بالآلاف مما دفعهم للتفكير بالخروج من العراق غير مهزومين وغير منتصرين. بذلك هبط سلم الأولويات الأمريكية في العراق من نشر الديمقراطية وبناء دولة متحضرة إلى عملية خروج آمنة ومحاولة إبقاء العراق بلدا مستقرا. نحن ساعدنا إيران لملء الفراغ الذي تركته مغادرة أمريكا للعراق.

كانت هناك نظرة عراقية ساذجة ترى بان الحرب على أمريكا لها الأولوية ومن ثم تجري محاربة إيران وإخراجها. الآن ينطبق علينا المثل القائل: ‘على نفسها جنت براقش’. 

ضيعنا فلسطين بشعارات قومية، رفضنا حل الدولتين، وضيعنا بذلك فرصة أساسية ولكننا وصفنا بالخيانة كل من طالب بحل الدولتين وبالنهاية ضيعنا كل فلسطين. وبهذه الشعارات القومية، أردنا تحرير فلسطين وانتقدنا العهود الملكية التي أضاعت فلسطين، فأتى جيلنا وضيع كل فلسطين. فمتى تقوم الصحوة، وهل سنظل نساق كالغنم بشعارات لا طائل منها.. لماذا لا ننقد أنفسنا ونقول أخطأنا، العالم العربي تبريري هو اخطأ ولكنه يلوم غيره. المشكلة إن الزعامات العربية لم تكن ديمقراطية يوما أو جامعة للكل. العهود الملكية، إن كانت في مصر أو ليبيا أو العراق قياسا بما لحقها كانت أفضل.

ـ ما هو أثر تجارب الانتخابات الثلاثة في مسار التحول الديمقراطي، وهل هناك أي بعد ديمقراطي كأساس لبناء مستقبلي؟

لا مجال أبدا، الديمقراطية هي مجموعة مقومات، الانتخابات واحدة منها، في جو عشائري وطائفي، هل يصوت العراقي كإنسان أم كانتماء طائفي… الأنظمة الدكتاتورية فيها انتخابات، الأسد، صدام، مبارك ولكن لا يمكن أن نسميها ديمقراطية، والآن في الجزائر ولاية انتخابية رائعة، ولكن السؤال هل يشعر المواطن إن هذه الانتخابات تعبِّر عنه؟ في 2013 تقدمتُ باقتراح إلى المالكي مفاده: إذا تريد أن تمتص نقمة الناس كلها فيجب أن يصار إلى حل البرلمان، ومجلس الوزراء، وإجراء انتخابات مبكرة في ظل حكومة تكنوقراط، ورئيس الحكومة لا حق له بالمشاركة في الانتخابات وإنما إدارتها فقط. عندئذ سيشعر العرب السنة بان هذه انتخابات بوجوه جديدة، ونمتص الصراعات فيما بيننا، وهذا الاقتراح كان سبب غضب الحاكم عليَّ.

ـ كيف ترى الآن طبيعة أو ملامح الحكومة المقبلة أهي تنميط على ما سبق من تجارب عرفناها أم هناك جديد خاصة إن القوائم ذات الأغلبية أبان حملاتها اقترحت شعارات التغيير؟

المستقبل مظلم. قارنوا كيف سلمنا آباؤنا العراق وكيف نسلم نحن العراق لأبنائنا. الطبقة الوسطى الآن مهجَّرة، وكل من يملك الإمكانية يترك العراق، الثقافة محدودة ومن يحكم هم أبناء الريف، من الشرهين، وعمرهم لا ولاء لهم للدولة، ويعتبرونها عدوة، ويرون الدولة شيئا غريبا، فهم غير قادرين أن يكونوا جسرا ما بين الكل. هل بإمكان هذا أن يتعلم؟ اعتقد إننا نفتت العراق بين ليلة وأخرى.

هناك لعبة جديدة اسمها ‘سنّة المالكي’، حيث انه لا يمكنه أن يشكل حكومة لوحده، إلا بشراء الذمم ودفع الأموال. فقد انتبه السنّة العرب أخيرا إلى ضرورة المشاركة بالتصويت، وأوقفوا عمليات العنف، المشاركة جاءت حتى لا يتركوا المجال لسنّة المالكي. ولكن مع كل هذا فان لا اقل من 15% من سنّة المالكي سيفوزون.
ـ ما هي داعش ومن أين جاءت؟

لا احد يعرف تماما من أين أتت داعش، حتى أهل الانبار لا يعرفون ذلك. المالكي يقول حين دخلنا الاعتصامات بالقوة وجدنا 35 قياديا ضمن معتصمي الانبار من داعش. وإذا بهم يسيطرون على الانبار كلها. يقول المالكي، إنهم جاءوا من سوريا، لماذا إذن لم تحمِ نفسكَ من سوريا…!؟

الحقيقة هناك علامات استفهام كثيرة حول داعش، هناك إضافة لهم قوى أخرى هي المجلس السياسي ومجلس العشائر، هؤلاء قوة فاعلة في الانبار، من سيحكم العراق عليه أن يفاوض من ليس لهم أجندة دولية منهم، بل أصحاب المطالب، كما يفاوض الأمريكان طالبان وكما فاوض الانكليز الجيش الايرلندي السري. قاتلنا الأكراد 80 سنة لم نكسر شوكتهم، بل تحولوا إلى دولة مستقلة، فمن يريد مقاتلة السنّة بهذه الطريقة فانه يقع في خطأ كبير.

صحيح إن الحل بيد الشيعة ولكن السنّة يملكون مفاتيح التغيير. فهل من مصلحة الشيعة أن ينتهي العراق كدولة من يديهم اقصد ‘الشيعة الإسلامية’؟

المرحلة التي نمر بها صعبة جدا. ظهور داعش في سوريا خدم بشار الأسد بالتهديد بان البعبع الذي سيحل محله سيشكل خطرا على المواطنين. كذلك في العراق الناس تفضل بقاء المالكي على أن تنتهي داعش. الكثير من العرب السنّة يخافون من داعش، ويريدون الخلاص منها، ولكن يبدو إن المالكي استعمل داعش انتخابيا ونجح في ذلك. كي تلغي الإرهاب ينبغي أن تجفف حاضنته، العرب السنّة هم القادرون على وقف الإرهاب وليس الشيعة.

حين يقول الحاكم لا حل غير الحل العسكري فهو لم يتعلم الدرس، ويعني أيضا إن بقاءه في السلطة هو الأساس، فإيران مثلا تدعمه ليس حبا بهِ، بل رغبة بالمزيد من النفوذ في العراق. هنا تتحول مصالحنا الوطنية إلى نوازع البقاء في الحكم من قبل سلطاتنا، وتضيع الروح الوطنية بذلك. 

ـ والآن، هل من إرادة لواشنطن على العراق؟

أصر الطرف الإيراني على أن يبقى الملف النووي مفصولا عن أية قضية أخرى أو أي موقف إقليمي، ووافقت أمريكا على ذلك. أمريكا وخاصة مدرسة أوباما تعتقد بان بناء الأمة الأمريكية يبدأ من داخل أمريكا وليس من خارجها. ومن أفكارها (مدرسة أوباما) إن معارضي أمريكا في المنطقة هم غير ديمقراطيين، دول الخليج ليس فيها ديمقراطية وبالتالي فان يبقى الوضع في العراق على ما هو عليه أفضل على الأقل هناك انتخابات. إضافة إلى إن عداءنا مع إيران ممكن حله مع مرور الوقت آخذين بالاعتبار سيادة المصلحة وعلى رأسها أن تساعد إيران أمريكا في محاربة الإرهاب، والإرهاب محسوب على السنّة، فبالتالي إثارة النعرة السنّية ـ الشيعية ستساعد في الحرب على الإرهاب العالمي.

كما تريد أمريكا أن تلعب إيران دورا في أفغانستان عقب مغادرة قواتها للمنطقة، وان تسيطر على تجارة الأفيون التي لها ثقل دولي. وأخيرا النفط، أمريكا تريد النفط الخليجي وإيران ضمانة ذلك. مقابل ذلك كما سلمت أمريكا لبنان لحافظ الأسد، فما المانع أن تسلم العراق لإيران، طالما إن مصالحها مضمونة…!؟ كل هذه المعطيات جاءت بسبب غياب الثقل العربي المركزي.

ـ ما الحكمة في الأمر.. شعب يدين الحاكم في السر وينتخبه في العلن؟

مع الأسف الوعي السياسي في العراق بسيط ولنا في ذلك سوابق. الناس بالملايين رفعوا الملك عن الأرض والشيء نفسه فعلوه مع عبد الكريم القاسم، وبالملايين أيضا صفقوا لصدام حسين، لا ألوم المواطن وإنما قادة الرأي من المنافقين الدجالين الذين يكذبون ويبررون ويمارسون سياسة الإنكار. تعلمنا من الثقافة العالمية احترام حقوق الإنسان لكونه إنسانا فقط. 

ـ بخصوص الإعلام أين اخطأ أو أصاب؟ 

الإعلام ذو وجهين. أعرف الآن وأنا في لندن ما يجري في العراق من خلال الإعلام. الإعلام جعلنا أكثر وعيا بما يجري ولكنه بالمقابل سيف ذو حدين. في زمن صدام كانت الفضائية ممنوعة، الآن أصبح كل حزب له فضائية، لدينا الآن أكثر من 90 فضائية، المواطن العراقي يستلم من هذه الفضائيات المعلومات ومعظمها مظللة وطائفية، فكيف سيعرف طريقه؟ وبالتالي تحول الإعلام إلى أدوات عنف شحن طائفي وكراهية، وإذا سألتني كيف نعالج ذلك؟ أقول لكَ بكل صراحة الإناء ينضح بما فيه… الإعلام لا يستطيع أن يدعم نفسه ماليا وهو غير قادر اليوم على الوقوف على قدميه… لا وجود لدعم من الطبقات الوسطى أو الشركات وإنما من الدول لذلك يبقى الإعلام بيد سلطات. 

ـ هل أنت في حال هجرة جديدة الآن؟

قبل أشهر قليلة هُدِدتُ من قبل حكومة المالكي ما بين النفي والاعتقال، فاخترت النفي. فصِلت في عام 1956 وهاجرت إلى لبنان، تعرضت للملاحقة والسجن والنفي وصولا إلى صدام حسين حين حلل دمي، النظام يذبحني والمعارضة تتهمني بالعمالة للنظام، والآن الفورة الدينية الطائفية تعطي لنفسها الحق بان تقتل اعتمادا على نصف آية. رجل الفكر لا يصلح لان يكون رجل حزب، أن تكون في السلطة معنى هذا أن تتغير. أن تكون في عجلة كبيرة وأنت مسمار صغير فانك تخدم العجلة، ليس من مصلحتك أن تكون في الحكم وهذا ليس تعففا. اعتقد إن الفكر السياسي العربي الآن هو المطالب بالمصداقية. منطقتنا تشبه رقاص الساعة، جئنا بموجة الاستقلال الأولى ثم أخذتنا الموجة اليسارية، والشيوعية، عاد الرقاص إلى نقطة أخرى صرنا عروبيين قوميين وفي دورته الآن صرنا إسلاميين. بعد فشل التجربة الإسلامية في العراق وليس في العراق فقط ما هو البديل؟ الأم الولادة بماذا تحمل؟ سوف نرى ذلك وربما أولادنا سيرون.

يجب أن يولد تيار إنساني يرتكز على حقوق الإنسان ويؤمن بالتعددية والآخر، هل سنشهد هذا الوليد، هل ممكن أن تظهر الليبرالية الجديدة؟ هذا هو التحدي الأكبر.

 

حاورته: أناهيد سركيس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *