جمهوريات تكسير الأشياء الجميلة- عماد عبد اللطيف سالم

جمهوريات تكسير الأشياء الجميلة

( إلى الشباب ، و ” الأجيال ” الشابة تحديداً : مُلاحظات .. بهدف البحث عن إمكانيّةٍ ما ، لـ ” تغييرٍ ” مُمكنٍ ، و إيجابيّ .. في العراق الراهن ) .

عشتُ سبعة وخمسين عاماً * مع “دولة “عراقيّة،بجمهوريّاتٍ ثلاث (1958،1968 ،2003) **.. لا تُجيدُ غير ” تكسير ” كلّ شيءٍ جميلٍ ، وذي معنى ، في اولئكَ الذين لم يكونوا ، يوماً ما ، جزءاً منها .
ومادامت الشروط التي انبثقتْ عنها ” بُنْيَةُ ” هذه الدولة قائمة ، ولم تتغير قط .. فأنّ ظهور ” جمهوريات ” جديدة ( أو ، ربما ، مجرد جمهوريّة رابعة إضافية ) ، سيبقى يدور في إطار تداول ” قسري ” للسلطة ، لم يصبح ” سلميّا ” ، في حقبة ما بعد العام 2003 ، إلاّ بفعل ضغط عاملٍ خارجيٍّ حاسم ، وحاكِم . وهكذا شهدنا هذا ” التداول ” ضمن ترتيبات ” سلطوية ” لحكومات متعاقبة ، تعمل على ادامتها ” فئة ” سياسية تابعة ، تفتقر إلى الحد الأدنى من الكفاءة ، وتدور في مسار مُحدّد لدولة فاشلة .
ومنذ عام 1958 ، وإلى هذه اللحظة ، تم هدر الكثير من الموارد . الكثير من المال ، والوقت ، والدم ، والتعب ، والوجع العراقيّ الكثيف ، دون جدوى .
ومع إدراكي بأنّني لستُ مؤهّلاً ، على نحو كافٍ ، لإسداء النصائح . وبأنّي لن أكون وصيّاً ، بأي شكل من الأشكال ، على قناعات الناس في هذا البلد .. غير أنّني أرى ( وقد أكون مُخطئاً في ذلك) ، بأن ” التفاؤل ” لوحده قد لا يُفضي إلاّ لمزيدٍ من الخراب . ويُقدّمُ مصيرُ الأجيال السابقة من العراقيين ، ( الذين كانوا اكثر تفاؤلاً من الأجيال الحالية بكثير ، بصدد نتائج ” التغييرات ” التي شهدوها طيلة خمسين عاماً من حياتهم المهدورة ) ، درساً ماثلا للعيان ، وقابلاً للتمحيص والدراسة ، واستخلاص العِبَر .
إنّ جيلنا ” القديم ” مطعونٌ في نواياه ، ومشكوكٌ في دوافعه ، ومجروحُ في ولاءاته . ومع امتلاكه لقدراتٍ مهنيّة وعقلية جيدة ، وخبراتٍ تراكميّة رصينة ، فإنّهُ قد أصبح خارج التاريخ ” الخاص ” ، لـ ” التشكيل الأجتماعي – الأقتصادي ” – العراقي ” الجديد ” . ولهذا فإنّهُ لم يعد قادراً على ممارسة دورٍ فاعلٍ ومؤثِر لوقف هذا العبث ، ووضع حدٍّ لانسداد الأفق القائم .
هذا يعني أن الشباب ، أو ” الأجيال الشابّة ” ، هي صاحبة المصلحة الحقيقية في ” التغيير ” . هي ” الهِبَة ” الديموغرافيّة التي بوسعها فعل ذلك . هي من عليها أن تحملَ في خلايا عقلها الجميل ، وعروق أذرعها الفتيّة ( قبل البنادق والعقائد وإرث الكراهية ) ، كلّ ما تستطيع حملهُ من معاول ، ومجارف ، وفؤوس ، ومكانس ، وجرادل ماء .. لتخليص الأرض التي يعيشون عليها ، وفيها ، من كلّ هذا السَبَخ .. وكلّ هذا السَخام .. وكلّ هذه الوساخة .
لا أريدُ أن أقول لكم : أنّنا معكم .
سأعترفُ لكم الآن بـ : أنّكُم وحدكم .
قد يستطيع البعض منّا تقديم أشياء معينّة . أهمها ما نستطيع تقديمه في ” صفوف ” المدارس ، و ” قاعات ” الكليّات ، وصالات المؤتمرات .. ومكاتب الأجتماعات .. وأوراق الأستشارات .. ولكنها تبقى ، على أهميتها ، أشياء قليلة . أشياء لا تفي بالغرض المطلوب ، ولا يمكنُ أن تُقدّمَ دعماً حقيقياً ، بالقدر الضروري ، والكافي ، لأداء المهمة .
يمكنُ أن نحشِدَ لكم ظاهرة ” صوتيّة ” هنا ، وظاهرة ” كتابيّة ” هناك .. ولا شيء آخر .
وهذا لا يصنعُ فرْقاً مهماً في واقع الحال .
الفرق الأهم .. تصنعونهُ أنتم .
افعلوا ذلك .. الآن .. ولا تعيشوا ” رُبْعَ ” حياةٍ ، يُفتَرَضُ أنّها كلّها لكم .. بانتظار المصادفات السعيدة .
خلاف ذلك ، فإنّ نصف قرنٍ من الخيبة سيكونُ من نصيبكم حتماً .. تماماً كما كان من نصيب آباءكم وأجدادكم .
أولئكَ الذين قرّروا في يومٍ ما .. أمّا أن يفِرّوا من ” لعنة ” هذا البلد ..
أو أن يعيشوا ( إلى هذه اللحظة ) على رعاية السماوات ، وجمهورياتها الثلاث ، داخل دروب العراق الطويلة ، المُغلَقة .

ملاحظتان :
* كان عمري سبع سنين عندما بدأتْ الجمهورية الأولى . وقد عشتُ ، و شاهدتُ ، وسمعتُ ، وقرأتُ عنها كثيراً . ومع احترامي الشديد لآراء الكثيرين الأيجابيّة بصددها ( وقد كان فيها قطعاً بعض الأيجابيات ) .. فإنّني أدركتُ ، بمرور الوقت ، أنّني دفعتُ ، ( مع ” بعض ” العراقيين من أمثالي ) ، ثمناً فادحاً ، ومُمتدّاً ، لنتائجها المريرة . ولم يتضّح لنا ذلك إلاّ فيما بعد .
** هناك من يقوم بتقسيمها إلى خمس جمهوريات ، هي ( حسب تعاقبها الزمني ) : 1958 – 1963 و 1963- 1968 و 1968- 1979 و 1979 – 2003 و 2003- حتّى الآن .
وأرى ( وقد أكون مخطئاً في ذلك ) ، أنّنا اذا أغفلنا الجانب الشخصي لـ ” الزعامة السياسية ” ، فأن التقسيم الثلاثي هو الأكثر تعبيرا عن ” بنية ” نظام الحكم في كل جمهورية من الجمهوريات الثلاث ( وليس الخمس ) . نعم .. لقد كان عبد الكريم قاسم يختلف عن الأخوين عارف . وهذان يختلفان عن البكر . والبكر يختلف عن صدام . والزعامات التي جاءت بعد العام 2003 تختلف عن كلّ هؤلاء .. ولكن ، ومع ذلك ، فأنّ طبيعة وخصائص ” الحكم ” في هذه الجمهوريات الثلاث كانت محكومة بمتغيرات وضغوط خارجية حاسمة . وتشترك جميعها بخصائص بنيويّة أعاقت قدرتها على انجاز تقدم او تطور محسوس في العراق ، بفعل ظروف تكوينها ( ونشأتها ) ذاتها . وهناك الكثير من الدراسات التي تعتمد هذه المنهجية في مقاربة هذا الموضوع .. وهناك دراسات أخرى تقوم على منهج مختلف في التقييم . غير إنّني أميل ” شخصيا ” ( وقد لا يكون موقفي هذا موضوعيا بالضرورة ) ، إلى المنهج الأوّل في التقييم و المراجعة التاريخية ، مُستنِداً في ذلك الى مبدأ ” الكلفة – العائد ” في جميع المجالات ، وعلى امتداد المراحل التاريخية المختلفة التي مرّ بها العراق ، وليس على وفق أيّ اعتبارات ، أو مواقف ، أو ” مباديء ” أخرى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *