المحارب القديم

unnamed-2

عماد عبد اللطيف سالم

لا استطيعُ أن أصدّقَ أنّ اربعينَ عاماً قد مرّتْ على معرفتي بهذا الرجل – الأنسان . انها تبدو لي الآن ، وكأنّها أربعون ثانيةً فقط . أربعون لحظة .
المجدُ للذاكرة .. التي لا تستطيع الهرب .

فاروق عبد الجبار البصري

تَعِبَ المحارب العتيق ، أم أتعبتموه ؟
أم أدركه القنوط وهو على رصيف محطته الأخيرة ؟

****
(إلتقاني عام 1976 بعد أن أقاموا عليَّ الحَجرْ داخل الثكنة في أرضٍ نائية في شمال العراق.
كنا جنودا نحارب عراقيين تسميهم السلطة، عُصاة.
إلتقاني وأنا أكاد ألملم وأستردُّ وعيّي ، بعد أن إنتفضتُ بلا وعي. 
كان هادئاً صامتاً قلقاً ودوداً مسالماً. 
ربما وجدَ في تمردي بعض من رغبة ينطوي عليها.
جاء من ثكنته المجاورة ، جلس عند رأسي ، نهضتُ ، فرَبتَ على كتفي وقدم لي علبة سجائر و(لفة) أسدُّ بها رمق جوعي.
لم أسأله منْ تكون ؟
كانت زيارته تلك تكفي لتوريطه … لتصنيفه في طابور المشبوهين!.

بعد أيام إستدعاني ضابط أمن الثكنة :
– ما صلة القرابة بينك وبين عماد عبد اللطيف سالم ؟
– لا أعرف أحدا بهذا الإسم .
– الجندي في الكتيبة 148 الذي زارك منذ أيام.
– لا أعرفه إطلاقا.
– وبأي صفة يزورك ؟
– لا أدري.
الى بقية الأسئلة البدوية التي مرت على الكثيرين غيري.

الآن فقط عرفت أسمه ، لكني لم أخبره بحكاية ضابط الأمن ، حتى لا أسبب له قلقا هو في غنى عنه!..

****
إنتقلت كتيبته الى منطقة (گه ره ژوري)، 
فكتبَ لي من هناك : 
(لا تُهادن … ربما شرارةٌ هنا أو شرارةٌ هناك تصنعُ ثورة!!).

****
بكى عماد عندما تصاعد الدخان يلفُّ غابات الجوز والبلوط، 
فكتب لي :
(عندما أحرق الجيش سفح كاروخ صباح أمس ، كانوا قد أحرقوا قلبي معه)!.

**** 
أربعون عاما ، كنتُ كلما أضعفُ وأكاد (أتعقل) واُهزمُ ، يدسُّ لي ترياقا جديدا يعيد لي جنوني!.

عام 1992 قلتُ له ذات نهار ونحن نسير فوق جسر الشهداء ببغداد :
أنا هزمتُ يا عماد!.
قال : كلنا مهزومين يا رفيقي ولكن بدرجات!.

****
أفحصوا رئتيه،
ستجدون ترسبات الكاربون والأبخرة السامة التي كانت تتصاعد من محركات باصات الـ (تاتا) التي كان ينتقل بها من والى الجامعة، تملأُ صدره.
كان يتقاضى ربع دينار عن المحاضرة الواحدة!…. (ثمن أجرة الصعود الى الحافلة تاتا). 
قلت له : لماذا لم تهاجر ، إن معظم زملائك الأساتذة تركوا العراق!.
قال : أحبُّ طلبتي … ما ذنب هؤلاء الطلبة؟ ، إذا أنا وذاك وذلك هاجر، منْ يبقى ليعلمهم ؟!.

أربعون عاما ظلَّ يشكو إغترابه وغربته، وإنفصاله وعزوفه وإعتكافه وعزلته الإختيارية.

****
هل تعب الرجل، أم أتعبتموه فآثر الهزيمة مجددا الى عزلته (الشاسعة)؟
لا أعرف منْ منا ، قبل منْ ، إنهزم أولا.
لكننا في كل الأحوال هُزمنا.
من قال إننا لم نكن مهزومون منذُ كنا في أرحام إمهاتنا ؟
منْ ؟

ـــــــــــــــــــــــ
(( قالت الأرضُ لنا :
الآن قِفوا !.
حينَ وقفنا ، 
قلتُ في شيءٍ من الحُبِّ لها ، سيدتي هل تأمرينْ ؟
لم تعد وقفتنا أمراً ولكن ، 
نحن طول العمر كنا واقفين!)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *