الفلسفة والسينما : علاقة الفلسفة بالسينما

الفلسفة والسينما : علاقة الفلسفة بالسينما

بقلم : حسن العمراني
 السينما كحقل إبداعي تخيلي تهم الفيلسوف على أكثر من صعيد، إذ تملك القدرة على حمل الإنسان على التفكير والاندهاش وتهبه، بفضل خلقها وابتكارها صورا جديدة للحياة، فرصة تجديد فهمه لذاته وللعالم من حوله. أو ليس التفكير، كما يعلمنا دولوز، هو “اكتشاف وابتكار إمكانات جديدة للحياة”[1]؟
إن المتأمل في علاقة الفلسفة بالسينما لا بد أن تنتصب أمامه أسئلة على درجة كبيرة من الأهمية يمكن بسطها كما يلي:
ماذا يمكن أن تقدم الفلسفة للسينما؟ وماذا يمكن أن تقدم السينما للفلسفة؟ بل وقبل هذا وبعده، كيف يستقيم الجمع بين الفلسفة التي تقدم عادة كخطاب نخبوي غارق في التجريد، وبين السينما كحقل إبداعي جماهيري تندغم فيه الصورة ويمتزج فيه الفكر بالخيال على نحو فريد؟
هناك أكثر من طريقة واحدة لمقاربة هذه ا؟ لإشكاليات: فقد يبدو مغريا، مثلا، معرفة الكيفية التي تعامل بها كل من برغسون وجيل دولوز مع السينما، الأول من خلال كتابه الشهير التطور الخلاق، حيث وظف فيه مفاهيم الديمومة، الحركة، الشعور.. في قراءة الصورة السينمائية، والثاني من خلال كتابيه: “الصورة، الحركة” و”الصورة-الزمان” حيث استثمر فيهما دولوز جملة من المفاهيم الفلسفية و”الآليات المنطقية لتحليل الخطاب السينمائي لدى أشهر المخرجين العالميين أمثال: ازنشتاين، هتشكوك، فلليني، برتولوتشي، غودار، دوسيكا…إلخ.
بيد أن غنى هذه المواضيع وتشعبها من جهة، وضيق الحيز المخصص لهذه الورقة من جهة أخرى، يحولان دون تفصيل القول فيها، إذ أن الأمر يحتاج إلى بحث مطول يتغيا إلقاء الضوء على نوع الحوار الذي يمكن أن يقيمه الفيلسوف بين الصورة والمفهوم حتى يتسنى له الابتعاد بالفلسفة من تهمة التجريد الخالص التي تتربص بها. ولهذا سنعمل في البداية على إبطال دعوى أن الفلسفة تفكير نظري خالص يسبح في سماء المعقولات، ثم سنتجه إلى مساءلة لغة السينما في علاقتها بالصورة والكتابة والواقع، لنخلص إلى أنه إذا كانت مهمة الفلسفة هي أصلا وضع المفاهيم والتفكير بواسطتها، فإن السينما بدورها “تفكير” يتوسل بالصور، والصوت أيضا، والخيال.. للتعبير عن المضامين الفكرية والأشكال الجمالية.
1 – هل الفلسفة نظر عقلي خالص؟
لقد دأب البعض على فك الارتباط بين الفلسفة والسينما والنظر إليهما وكأنهما قارتان معرفيتان منفصلتان، حجتهم في ذلك أن الفلسفة نمط من المعرفة يعلو على كل الأغراض، ما دامت تقوم على خلق المفاهيم المجردة، قاصدين بالتجريد مفارقة المحسوس والتعالي عليه.
ولتكذيب هذه الدعوى لا نحتاج إلى التنقير بعيدا، بل يكفي أن ننظر في معنى التجريد الذي لا يعدو كونه “انتزاعا الصور المعقولة من الموضوعات المنظور فيها (الأشياء، الأفراد..) وإنشاء المعاني الكلية التي تشترك فيها هذه الموضوعات، وقد بين أحد الدارسين كيف أن الفلسفة تنهل من المحسوس بل وتتوزع مذاهبها أحيانا بحسب دوائر حسية مخصوصة، وفيما يلي بيان ذلك من أمثلة مرتبطة بالبصر واللمس:
أ – الإدراك البصري: من المفاهيم المأخوذة من دائرة حاسة البصر نذكر المفهوم اليوناني theôria  من theôren بمعنى “رأى بالعين”، وأيضا المفاهيم الفرنسية ذات الأصل اللاتيني: contemplation من contemplare بمعنى تأمل، وspeculation من speculare بمعنى “نظر”، وintuition من intueri بمعنى “رأى”.
ب – الإدراك اللمسي: من المفاهيم المأخوذة من دائرة اللمس، نورد الاسم الذي يطلق على المفهوم الألماني وهو Das Begriff من Begrifein بمعنى “أمسك”، وكذلك المفاهيم الفرنسية ذات الأصل اللاتيني compréhension من conpréhendère بمعنى “أمسك”[2].
أما فيما يخص توزع المذاهب الفلسفية تبعا للحواس، فحسبنا أن نشير إلى التقسيم الطريف الذي وضعه فيورباخ، حينما اعتبر “اللمس والشم والذوق أدوات حسية تنتمي إلى التيار المادي، بينما خص التيار المثالي بالإبصار والسمع، العين والأذن يمثلان الرأس في حين تقوم بقية الحواس بتمثيل البطن. كذلك تجدر الإشارة إلى المقاربة العميقة والمرحة التي قام بها د.عبد السلام بنعبد العالي في كتابه ثقافة الأذن وثقافة العين، عندما ربط العين بالرؤية والتفكير، بل العقل، وقرن الأذن بالنقل والحفظ والذاكرة أي أن العين ترتبط بالنظر والتأويل والنقد والتحرر من الأحكام المسبقة، بينما تكون ثقافة الأذن ثقافة السمع والمحافظة والوثوقية والتقليد[3].
والآن بعد بياننا الصلة الوثيقة التي تربط المفهوم بالمحسوس، ومن ثم الفلسفة بالواقع، نكون قد أبطلنا دعوى “الفلسفة كنظر عقلي خالص” وأثبتنا مشروعية الحديث عن الفلسفة في علاقتها الجدلية بالسينما. لنمض إذن إلى بسط هذه العلاقة الممكنة من خلال الحديث عن السينما كفضاء إبداعي متميز.
2 – السينما كتابة بالصور وأفق للتفكير الفلسفي:
يسود الاعتقاد لدى الكثيرين بأن السينما فن تسلية وترويح عن النفس، وأنه لا ينبغي أن نأخذها مأخذ الجد، وبالأحرى أن نعتبرها مصدرا من المصادر الباعثة على التفكير وممارسة التفلسف. يقوم هذا التصور على تمجيد للنص المكتوب وشبه احتقار للصورة المرئية “فالمكتوب يتسم بطابع نقدي بينما الصورة نرجسية. الأول موقظ في حين أن الثانية سبب من أسباب الغفلة وتراخي الانتباه”[4]. والحال أن الصورة السينمائية لا تقل أهمية عن الكتاب، إذ تستطيع هي الأخرى، شحذ الذهن وحثه على التفكير. إن الفكر لا ينبجس من تلقاء ذاته، بل يحتاج إلى شيء يحمله على أن يبسط أجنحته، وهذا الشيء قد يكون عبارة عن تلاق أساسي، ربما كان اللقاء بسقراط أو بسمفونية أو لوحة تشكيلية أو بفلم..إلخ. “يعرف الإنسان، كما يقول هيدغر، كيف يفكر متى كانت لديه الإمكانية، غير أن هذا الإمكان لا يضمن بعد أننا قادرون على ممارسة التفكير”[5]. ويرى دولوز من جهته، “أن السينما تمنحنا القدرة على التفكير، إذ تقوم بإحداث نوع من الصدمة على مستوى الفكر، فتنقل إلى الجهاز العصبي ذبذبات خاصة(…) فكأنها تقول، معي أنا الصورة-الحركة (image-mouvement)، لن تستطيعوا أبدا الإفلات من هذه الصدمة (choc) التي توقظ المفكر النائم بداخلكم”[6]. فالصورة-الحركة تجبرنا على التفكير وتدفعنا إليه دفعا. بالطبع نحن لا نتحدث هنا عن السينما التجارية التي تقوم في معظم الأحيان على العنف والجنس…إلخ، ولا عن السينما التجريبية التي تعرض أفكارا مضطربة مشوشة بأساليب فجة ومبتذلة، بل إننا نقصد ذلك النوع من السينما الذي يوفر إمكانية التفكير بطريقة مغايرة في ذواتنا وفي العالم من خلال خلق صور مبتكرة للحياة في تقاطعها مع الخيال، في إطار كتابة ترفع المخرج إلى مستوى المؤلف. لكن هل يجوز لنا الحديث عن الكتابة في السينما؟ وهل يرقى المخرج برؤيته وأساليبه إلى مستوى المؤلف؟
تختلف الكتابة السينمائية عن الرواية والشعر، إذ أن لها منطقا خاصا. فإذا كانت الفلسفة مثلا تتحدد ماهيتها من خلال “وضع المفاهيم” فإن السينما تنبسط، كما يقول كوكتو، “ككتابة بالصور”. لكن ما المقصود بالصورة؟ وبأي معنى تحضر في السينما؟
لا يتسع هذا الموضع للحديث عن المكانة التي حظيت بها الصورة في تاريخ الفلسفة، بل حسبنا أن نشير بشكل خاطف للمجهود التنظيري الذي قام به هوسرل في سبيل إعطاء الصورة الوضع الذي تستحقه. لقد وجه هذا الفيلسوف انتقادات عنيفة لبعض التصورات الفلسفية المتداولة في عصره، وعلى رأسها التصور الديكارتي الذي كان يقضي بشيئية الصورة أي أنه كان يعتبرها شيئا جسمانيا يتولد عن الآثار التي تحدثها الأجسام الموجودة في عالم الأعيان، والتي تنقلها الحواس إلى عالم الأذهان. المادة والوعي، ضمن هذا التصور، يقصي بعضهما بعضا. والصورة مجرد موضوع، مثلها في ذلك مثل الموضوعات الخارجية. ضد هذا التصور، عمل هوسرل على تقديم نظرية جديدة تروم فحص ماهية “الصورة استنادا إلى مبدأ القصدية الذي تعبر عنه العبارة الهوسرلية الشهيرة: “كل وعي هو وعي بشيء ما”. فالقصدية، بحسب هذا التصور، هي البنية الجوهرية المحددة لكل وعي، فهناك الوعي من جهة، ثم الموضوع الذي ينصب عليه هذا الوعي من جهة ثانية، والذي لا يمكن أن يوجد إلا خارجه. لقد “أفرغت القصدية الوعي، وجعلته دون محتوى، فبفضلها صفا الوعي وأصبح واضحا كريح شديدة، أصبح لا يشوبه شيء إلا حركته ليخرج من ذاته. ليس فيه شيء إلا ذبيبه خارج ذاته. وإذا حدث ما لا يمكن حدوثه ودخلتهم في وعي ما، يأخذكم الدوار ويقذف بكم إلى خارج، قرب الشجرة، وسط الغبار، لأن الوعي لا داخل له(…) وإذا حاول الوعي أن يعود إلى ذاته ويتحد معها وينغلق على نفسه انعدم”[7].
يتعلق الأمر، كما هو واضح، بعلاقة قصدية تربط وعيا ما بشيء ما. وتبعا لذلك، ستغدو الصورة صورة لشيء ما. وعلى الجملة نقول إنه بتسليطه الضوء على البنية القصدية للصورة يكون قد نقلها من مستوى الوعي الساكن إلى مستوى الوعي التركيبي في علاقة بموضوع ترنسندنتالي، كما يكون قد نفى عنها طابع التشيؤ الذي ما فتئ ديكارت يفرغ الجهد من أجل تثبيته. يقول سارتر مؤكدا نفس المعنى: “الصورة نمط من الوعي، إنها فعل وليست “شيئا”.
وبالعودة إلى السينما نؤكد أن الصورة تشكل الأداة الأساسية المعتمدة داخل الفيلم، حيث “تشكل المادة الفيلمية الأولية، ولكنها الأكثر تعقيدا أيضا، لأن تكوينها يتميز، بالفعل، بازدواج عميق: فهي نتاج نشاط أوتوماتيكي لآلة تقنية قادرة على إعادة إنتاج الواقع الذي يتقدم إليها بدقة وموضوعية. غير أنها في نفس الآن، نشاط موجه في الاتجاه المحدد والمرغوب فيه من طرف المخرج”[8]. ومن غير الخفي أن دولوز قام بتقسيم الصور السينمائية إلى ثلاث لقطات محددة. [1] الصورة-الإدراك الحسي (image perception) وتقابلها اللقطة العامة (plan général)، [2] الصورة-الإدراك الوجداني (image-affection) وتقابلها اللقطة المكبرة (gros plan)، [3] الصورة-الفعل (image action) وتقابلها اللقطة المتوسطة (plan moyen). غير أنه لا ينبغي أن يفوتنا التذكير بأن اللغة السينمائية لا تتشكل فقط من الصور، بل يدخل في ركابها الفن التشكيلي، الموسيقى، المناظر، والعدسات المختلفة، والحوار والحركة..إلخ. إن الفيلم شبكة مبنية للعديد من القوانين: منها ما هو خاص بالسينما، أي ما يستعمل في السينما فقط؛ وما يستعمل فيها وفي غيرها، أي ما هو غير خاص بالسينما. وقد عمل فانوي على إحصاء هذه القوانين وإبرازها على النحو التالي:
أ – القوانين الخالصة: حركات الكاميرا السائرة (travelling)، الماسحة (panoramique)، استعمالات خارج الحقل الصوتي، التناظر الحقلي، تنويع اللقطات (متوسطة، أمريكية، مكبرة..) الخدع السينمائية، التركيب (الصور، الضجيج) العلامات (التبطيء، السرعة)، أدوات الربط (الوصل، الفصل كالربط بالسواد)..إلخ.
ب – القوانين غير الخالصة: وتدخل في زمرتها مجموعة من المكونات المأخوذة من حقول أخرى كالموسيقى، الحوار، التشكيل، الملابس..إلخ[9].
استنادا إلى ذلك نقول إن السينما لغة صور لها مفرداتها وبديعها وبيانها وقواعد نحوها، وأنه متى اشتط السينمائي، كما يخبرنا صلاح أبو سيف، في استعمال اللغة السينمائية بعيدا عن الهدف الأصلي، أصبح لا يختلف عن الذي يربط الكلمات ربط منغما دون أن يكون لها معنى، كأنها تمتمات معتوه يخرف بألفاظ ليس لها معنى وليست من اللغة في شيء.
يتعين علينا الآن بعد أن بينا كيف أن للسينما لغة خاصة، أن نوضح بأي معنى يمكن الحديث المؤلف في السينما. لا يختلف إثنان على أن العمل السينمائي يكون ثمرة لتضافر جهود فريق من التقنيين قد يجاوز عدد أفراده المائة في كثير من الأحيان، غير أن هناك إجماعا على أن المخرج هو الذي يتحمل مسؤولية العمل في نهاية المطاف، لأن عليه يقع عبء توجيه وتأطير الفريق الذي يشتغل معه، وهو الذي يحدد الرؤية الفنية للفيلم ويبصمها ببصمته الخاصة. وقد شهدت فرنسا، في الستينات من القرن المنصرم، نقاشات محتدمة حول المخرج ومكانته، حيث أفرزت ظاهرة “سينما المؤلف” التي يعتبر غودار وتروفو وروهمر أبرز روادها. فالفيلم بالنسبة لهؤلاء جميعا تعبير عن عالم ذهني استطاع المخرج-المؤلف نسجه بعناية فائقة. بل إن غودار يذهب إلى حد القول بأن المخرج يمكنه إبداعه من الرقي إلى مرتبة الفيلسوف حيث يعمل على خلق رؤى وتصورات جديدة يكتبها بواسطة الكاميرا! فالسينما عنده ليست فرجة بل كتابة تنهل من الرواية الجديدة تقنياتها في السرد والتخييل، ومن الفلسفة قدرتها على توليد الأسئلة وخلخلة الأفكار الجاهزة. كما اشتهر بتوظيفه، إلى جانب الصور، حوارات مكتوبة بطريقة غير مألوفة في الحياة اليومية، وقريبة جدا مما هو متداول في الحقل الروائي.
لقد عمل غودار، وزملاؤه في تيار الموجة الجديدة، على التقريب بين الأدب والفلسفة والسينما، كما ناهضوا بقوة فكرة “موت المؤلف” التي انتشرت في الأوساط الثقافية الفرنسية على الخصوص بفضل كتابات رولان بارت وبعض أنصار المنهج البنيوي. إن المؤلف بحسب غودار حي يرزق ويبدع مثله في ذلك مثل باقي المبدعين  في المجالات الأخرى. ولعل أكبر شاهد على ذلك هو تاريخ السينما الذي يحفل بأعمال ذات قيمة فكرية وفنية عالية المستوى غيرت نظرة الإنسان لذاته وبدلت علاقته مع العالم والآخرين.
3 – الصورة والواقع:
كان يحلو لبارت عند حديثه عن الصورة وما تثيره من قضايا، أن يذكر بدلالتها الاشتقاقية القديمة، حيث ترجع كلمة image إلى الأصل اللاتيني imitari الذي يعني المحاكاة. يسمح هذا الربط بطرح جملة من الأسئلة نصوغها على النحو التالي: ما نوع العلاقة التي تربط الصورة السينمائية بالواقع؟ هل تكمن وظيفتها في جعله ينعكس على مرآتها أم أنها تعمل على إبداعه وإعادة تشكيله؟
إن المتأمل في علاقة السينما بالواقع لا يلبث أن يتبين أن هناك أسلوبين لمقاربتها: الأول يؤمن أن بوسع الصورة أن تعكس الواقع وأن تطبق صورة طبق الأصل له؛ والثاني يضع الواقع موضع إشكال. وبالمثل هناك منهجان لمقاربة السينما في علاقتها بالحقيقة: أولهما يدعي أن ما تلتقطه عين الكاميرا هو الحقيقة العارية من كل الشوائب، في حين أن الثاني يقوم باستشكال الحقيقة ومساءلتها.
من المعروف أن السينما في بدايتها كانت تتوسل بالصور لتقديم أفلام تسجيلية تروم تعقب الواقع في أدق تفاصيله. إذ كان الهاجس الأكبر لدى السينمائيين هو استنساخ الواقع وترك وثائق بصرية تضطلع بعرض حقيقته في “صفائها ونقائها”. بيد أن هذه الأعمال كانت غارقة في وهم كبير، لأن كل فيلم وثائقي إلا ويحمل معه نصيبه من الكذب (docu-ment) مهما حرص صانعه على الدقة والأمانة. فالكاميرا، إذ تصور الواقع لا تعكسه كما هو، بل تجتزئه وتعمل على تقطيعه، ثم تعيد توليفه وفق رؤية المشرف على العمل. هذا فضلا عن أن هذه الصور الوثائقية يمكن التحكم فيها وتغيير معناها عن طريق المونطاج أو استعمال تعليقات جديدة.
ومع ظهور التلفزيون وقع تحول نوعي في الإنتاج السينمائي، حيث استطاع تحرير السينما من واجب إنجاز أفلام وثائقية، تماما مثلما حررت الصورة الفوتوغرافية أهل الرسم من سلك طريق المحاكاة الذي كان يقتصر على إعادة إنتاج ما هو موجود في الواقع. وبهذا انتقل الفيلم من مجرد أداة للتسجيل إلى أداة للتعبير الفني تتشكل لحمتها الأساسية من الخيال الذي يصور لنا عوالم وهمية تبعث الحماس في النفس وتصحبها إلى مملكة الجمال. بالطبع يظل الواقع مصدر إلهام دائم للمبدع، إذ منه يقتات وبه ينتعش خياله التواق إلى السفر بعيدا عن عالمنا المرئي. ولعل هذا هو المعنى الذي رمى إليه الشاعر ريلك عندما كتب في قصيدته “نحل اللامرئي”. “إننا نلحس باستمرار عسل المرئي لنجمعه ونضعه في الخلية الذهبية للامرئي”.
على أن هذه الحقيقة على جلالها انحجبت عن بعض المدارس السينمائية، ونخص منها بالذكر هنا “تيار الواقعية الجديدة” في إيطاليا. وقد عرف هذا التيار بحرصه على الالتصاق بالواقع والإنصات إلى نبضه بعيدا عن الطرق المعتمدة في الرواية أو المسرح أو السينما التي تعتمد على اقتباس بعض طرائقهما. ويعد زفاتيني Zavattini من أهم المنظرين الذين أكدوا على أن الحرب والمقاومة في إيطاليا هي التي كشفت للسينمائيين أهمية الواقع وخصوبته. فهو يقول بأن “للسينما القدرة على الاتصال بالواقع في ديمومته وحيويته”، لهذا كان يدعو في كثير من أعماله إلى ضرورة ردم الهوة بين الفن والواقع والتخلي التام عن الأشكال السردية والآليات التخييلية المعمول بها في الأدب، لأن من شأنها أن تنأى بنا عن الواقع وتبتعد عن “الحقيقة” المنشودة. ومن أهم الأعمال التي تنتمي إلى هذا التيار نذكر على سبيل المثال لا الحصر: Rome ville ouverte (1945)، le voleur de bicyclette (1944)، la terre tremble (1948).. وقد لجأت كلها إلى مفاهيم وتقنيات خاصة قطعت مع الكتابة الروائية بكل أصنافها. وقد تعرض هذا التيار لانتقادات عديدة لعل أقلها عنفا تلك التي صدرت عن كياريني (Chiarini)، الذي كان يميز بين الفرجة السينمائية والفيلم: تحيل الأولى على واقع مركب يهيمن عليه البحث عن المتعة التي يحققها الإخراج والعمل السينوغرافي من خلال الحرص على إبراز جمالية الصورة وتقنيات الحكي عبر توظيف المتخيل: أما الثاني فإنه يختار طريق الفيلم الخالص، وذلك بالاستغناء عن النموذج التقليدي في الحكي والإخراج، والاجتهاد في إقامة علاقة مباشرة مع الواقع. بيد أن العلاقة مع الواقع، حسب كيارني دائما، لا تعني خلودا إلى السلبية والفتور، بل عملا مضنيا يتوخى صياغة الوقائع الأصلية بطريقة خلاقة، وهذا ما يشكل في رأيه خصوصية السينما. بينما حث أرسطارسيو Aristarcio على ضرورة تجاوز الفيلم الوثائقي الذي يكتفي بملاحظة الواقع من الخارج عن طريق وضع الكاميرا أمامه كما لو كان الأمر يتعلق بمرآة عاكسة. ويقترح هذا الناقد، وهو قريب جدا من الواقعية التي اشتهر بالمنافحة عنها الشيوعيون أمثال لويس أراغون، ضرورة إنشاء سينما نقدية ملتزمة بقضايا الشعب وفاضحة لممارسات حاكميه. إلا أن أعنف انتقاد تعرضت له “الواقعية الجديدة” وكل التيارات القريبة منها، هو ذلك الذي صدر عن الموجة الجديدة بفرنسا، وهي تتشكل كما بينا ذلك من قبل، من فنانين، بعضهم ينحدر من الحقل الروائي (مرغريت دوراس، ألان غريي..) والآخرون جاؤوا إليها من النقد السينمائي (تروفو، غودار، روهم..). ولا حاجة بنا إلى التذكير بأهم خصائص الرؤية الفنية لهذه المدرسة، فقد سبقت الإشارة إلى ذلك، بل يكفي أن نقول بأنها كانت تسخر من الاتجاهات التي تزعم أن بمقدورها تصوير الواقع كما هو، ورصده في مختلف جزئياته وتلوناته. وكانت تدعو، وما زالت مع غودار على الخصوص، إلى الوصل بين الأدب والفلسفة من جهة والسينما من جهة ثانية، وهذا لعمري ما نجحت في تحقيقه إلى حد بعيد من خلال العديد من أفلامها.
قبل الختام:
والآن وبعد أن أبطلنا دعوى مفارقة الخطاب الفلسفي للملموس، وبعد تطوافنا في رحاب السينما من خلال استشكالنا لعلاقة الصورة السينمائية بالواقع، ولعلاقة المخرج بمؤلفه (الفيلم) الذي هو ثمرة كتابة سينمائية لا تخلو في الغالب من عمق، نخلص إلى أن السينما كحقل إبداعي تخيلي تهم الفيلسوف على أكثر من صعيد، إذ تملك القدرة على حمل الإنسان على التفكير والاندهاش وتهبه، بفضل خلقها وابتكارها صورا جديدة للحياة، فرصة تجديد فهمه لذاته وللعالم من حوله. أو ليس التفكير، كما يعلمنا دولوز، هو “اكتشاف وابتكار إمكانات جديدة للحياة”[10]؟
الهوامش :
………………………
[1]  – Deleuze (G), Nietzsche et la philosophie, PUF, 9è édition, 1995, p115.
[2] – طه عبد الرحمن، القول الفلسفي، المركز الثقافي العربي، ص142.
[3] – عبد السلام بنعبد العالي، ثقافة الأذن وثقافة السمع، دار توبقال للنشر، ص7-8.
[4]  – Regis de bray, Vie et mort de l’image, Gallimard, p330.
[5]  – Heidegger (M), Qu’appelle t-on penser, PUF, p21.
[6]  – Deleuze (G), L’image-temps, Edition Minuit, p203.
[7] – عبد السلام بنعبد العالي، التراث والاختلاف، المركز الثقافي العربي، ص106-107.
[8] – نور الدين أفاية، السينما، الكتابة والهوية، مجلة الوحدة، العدد 37-38، السنة 1987.
[9] – عبد الرزاق الزاهير، السرد الفلمي: قراءة سيميائية، دار توبقال.
[10]  – Deleuze (G), Nietzsche et la philosophie, PUF, 9è édition, 1995, p115.
——————————————————————————————
المصدر : مجلة فكر ونقد – العدد 49/50 (16)   مايو/يونيو 2002

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *