ثورة السودان الان .. و “ثوراتنا” السابقة‎

تستحقُّ السودانُ “زعيماً” جديداً أفضل من البشير ، وليسَ جنرالاً هو النائبُ الأوّلُ للبشير ، ووزير دفاعه ، ومطلوبُ مثلهُ للمحكمة الجنائية الدولية ، واسمهُ مُدرَجٌ في “القائمة السوداء” للولايات المتحدة الأمريكية ، لأتّهامهِ بارتكاب جرائم حربٍ ، وجرائم ضد الانسانيّة ، وانتهاكه حقوقَ الانسانِ في بلده.
كانَ البشيرُ يشقُّ الجموع الغفيرة من مؤيدّيه ، وهو يُهدّدُ و”يَزبِدُ” ، ويتوَعّدُ ، مُردّداً الكثير من الآيات القرآنيّة في خطاباتهِ المُرتَجَلة (حالهُ حالَ جميعِ الطغاةِ في العالَمين العربي والأسلامي) ، وسط غُبارٍ كثيفٍ تثيرهُ سيّاراتُ موكبهِ وحماياته ، وهرولةُ مئات الآلاف من الأقدامِ الحافيةٍ من حوله.
كان يفعلُ ذلكَ كلّما ازداد ضغطَ المجتمع الدولي عليه لآجبارهِ على تسليم نفسه لمحكمة الجنايات الدولية .. وكان يفعلُ ذلك وبيدهِ “عصا” يلوّحُ بها في وجوه معارضيهِ ، في الداخل والخارجِ على حدٍّ سواء .
كانَ البشيرُ يسرقُ كأيّ لُصٍّ عاديّ ، ويقطعُ يدَ السُرّاقِ (وسطَ المجتمع الذي أفقرَهُ الى حدّ الجوع) بحدّ السيف .. وكان “يزني” بالشعب كُلّه ، ويَرجُمُ “الزناة” بأحجار “الشريعةِ” التي “كيّفَ” حزبهُ أحكامها كما يشاء ، كما تفعلُ الأحزابُ الاسلاميّة “الحاكمة” في كُلّ مكانٍ وزمان *.
ماذا سيفعلُ للسودانِ والسودانيّين ، “خَلَفٌ” كهذا .. وهو كان نائباً أوّلَ لـلرئيس “السَلَف” ، ووزير دفاعه ، وشريكهُ في جميع “الأخطاء” ، وجميع “الجرائم” ؟
ماذا بوسعهِ أن يُقدّم للسودانيّين بعد ثلاثين عاماً من الاستبداد ، و تطبيق “الحدود” ، و حُكم “الشريعة” ؟
بماذا سيُقايِضُ المحكمة الجنائية الدولية التي تُطالِبُ برأسهِ ، ورأسِ “سَلَفِه” ؟
هاهو “الزعيم” الجديد ، يُردّدُ في “بيانهِ الأوّل” الآياتَ القرآنية ذاتها التي كان سَلَفَهُ لا يمِلُّ من ترديدها في كلّ مناسبة ، ليضحكَ بها على “الأتباع” .. و يُعَطِّلُ العمل بـ “الدستور” ، و يُشكّل “مجلساً للحُكم” ، ويُنَصِّبُ نفسهُ “رئيساً” لمدةِ عامين ، ويُعلِن حالة الطواريء ، ويمنع التجوال .. والأهمّ من هذا كُلّه هو اعلانهُ الاحتفاظ بـ “كنز” البشير ، من خلال “اعتقالهِ في مكانٍ آمن ” !!!!!.
لو لم “يسقط” البشير ، لما فعَلَ شيئاً أفضل ممّا فعلهُ هذا ” الجنرال” ، في “متاهة” السودان الحاليّة .
لم يبقَ على “الزعيم” الجديد ، سوى أن يُعيدَ رفعَ العصا في الوجوه ، ويرقصُ “العَرْضَةَ” أمامَ الحُشود ، أسوةً بسلَفِه .
ماهو هذا “النمط” الجديد من “الثورات” ، الذي ينتهي بالشعوب الى مصائر كهذه ؟
لماذا لمْ تَعُدْ “المقدمات” المنطقيةِ لهذا النمط من الثورات ، تؤدي الى “النتائج” المنطقية ، التي تنتظرها الشعوبُ منها ؟
هل يحدُثُ ذلكَ لأنَ “الثورة” لم تعُد ثورة ، بل ديكوراً مُلحَقاً بالانظمة الحاكمة ، و “الشعوبُ” لم تَعُد شعوباً ، بل قطيعاً من الاتباعِ الراكعينَ لسطوةِ السُلطة والثروة ؟
هل يحدثُ ذلك لغياب “دالّةٍ” مُحدّدةٍ لأهداف “التشكيل الاقتصادي – الاجتماعي القائم ، ومعرفتهِ لما يُريدهُ من عملية التغيير ، معرفةَ اكيدة ؟؟
أمْ يحدثُ ذلكَ لغيابِ “الوعي” الجامعِ لـ “الطبقات” الثورية ، ولتداخل “الخطابات” والوسائل اللازمة لتحقيق “الانتقالِ” لوضعٍ أفضل .. بحيث اختلطتْ “المادية الديالكتيكيّة” ، و “تناقضات” انماط الانتاج وعلاقات الانتاج ، بـ “الرثاثة الشعبويّة” ، واستبداد “الزعماء” الثوريّين ، وانتهازيّة “المُنَظّرين” ، و طروحات “المُجاهدين” ، و “السرديّات” المثيرةِ للأتباع “الموالين” ، وبنادق الكلاشنكوف ، وحدّ السيف ، وأحكام النَبْذِ للمارقينَ و “الخوارجَ” ، وأحجارِ الرَجْمِ لـ “الزُناةِ” بالعقائد السائدة .. كلّها معاً ؟
لستُ ادري ، ولستُ مؤهَّلاً للإجابة عن اسئلةٍ كهذه .
وأتمنى أن يتصدى لذلك غيري .. لأعرفَ ماهذا الذي يحدثُ لنا ، ولغيرنا ، بالضبط .. والى أين سيقودنا ويقودُ غيرنا في نهاية المطاف ، كلُّ هذا .

* لمزيدٍ من التفاصيل حول طبيعة وسمات نظام حكم البشير “الأسلامي” ، راجع المقال المهمّ للأستاذ سهيل سامي نادر ، الموجود على صفحته الشخصية ، بعنوان ” صورة نظام البشير كما عرفته عام 2012 ، والذي ورد فيه ما يأتي :
إليكم ما ينقله عليش من إحدى الصحف في يوم 24 مايو من العام 1985 : (شهدت شوارع الخرطوم موكباً فريداً، يتكون من عشرات المواطنين، بعضهم قُطعَت يدُه والبعض قُطعت رِجله، ومنهم من فَقَد عينه، وقد توجهوا جميعاً من مركز ‘الأطراف الصناعية’ إلى مقر المجلس العسكرى، وقدِّر عددهم بما لا يقل عن 600 شخص، ما بين 18 و25 عاماً، طبقت عليهم بعض الحدود ).
هذا مشهد يوم الحشر – السوداني .
حافظ الشيخ الزاكى واحد من اعمدة النظام الدينيين قال عام 1983 لصحيفة الشرق الأوسط، تمهيداً لتطبيق الحدود في السودان مخففا منها (على مدى 6 قرون فى الدولة الإسلامية لم تُقطع إلا ست أيادٍ فقط).
لكن هذه الإحالة الى الإسلام القديم ، مثل إحالات الترابي ، ما أن نقربها من جمهورية السودان التي يقودها عسكري جلف حتى يبدو الأمر أننا إزاء جريمة تتغطى ببرقع . لأننا إذا قارنا تطبيق الحدود في الماضي وفي الحاضر ، فسنعرف أن السودان طبق الحدود خلال عام واحد مئة ضعف مما جرى بستة قرون ].

وأيضاً .. قدّم العقل الجميل فارس كمال نظمي على صفحته الشخصية ، تحليلاً موجزاً وعميقاً لما أسماهُ بـ “الربيع السوداني” ، تحت عنوان “الربيع السوداني قد يكون مختلفاً ” ، أرى أنّ من المهمّ جداً الأطّلاع عليه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *