من يعتذر عن قلب الظلام ؟؟

هكذا يُقرأ التاريخ ، حكومات تتعذر عن جرائم أسلافها ، ونحن نُمجّد بمن يبطش بنا .

 من يعتذر عن قلب الظلام

تقدمت الحكومة البلجيكية، بلسان رئيس وزرائها شارل ميشيل وباسم الحكومة الفدرالية وأمام جلسة موسعة للبرلمان، باعتذار رسمي إلى شعوب الكونغو ورواندا وبوروندي، عن الجرائم التي ارتكبتها السلطات الاستعمارية البلجيكية بحقّ أطفال هذه البلدان «المهجّنين»؛ أي أولئك الذين ولدوا من زيجات مختلطة بين البيض والسود. وتلك ممارسات انطوت على الخطف، والفصل العائلي، والترحيل، والتبنّي القسري للآلاف من الأطفال. ولأنّ هؤلاء كانوا يودعون، على نحو أقرب إلى الاحتجاز، في كنائس ودور أيتام وبعثات تبشيرية في مختلف أرجاء أفريقيا الوسطى؛ فقد سبق للكنيسة البلجيكية أن تقدمت، في سنة 2017، باعتذار مماثل، أقرّ فيه الأساقفة بأنّ الكنائس حظرت الزواج المختلط بين البيض والسود، وحرمت آلاف الأطفال من حقوقهم المدنية.
إجراء محمود، قد يقول قائل، حتى إذا تأخر ستة عقود على الأقلّ، وعملاً بالحكمة الشهيرة: أنْ تأتي متأخراً… لكنه محمود ناقص، إذا جاز القول، أو هو مجتزأ يذهب بالانتقاص إلى مستوى التستر أو التضليل أو تعمية الأعين عن الحقائق الأفظع في التاريخ الاستعماري البلجيكي؛ الأمر الذي ينسحب منطقياً، وتلقائياً، على التواريخ الاستعمارية الأوروبية كافة. هذه جرائم بحقّ الإنسانية، وجرائم حرب بامتياز، وإبادات جماعية، وفظائع تقشعرّ لها الأبدان؛ ارتكبها إسبان في الأمريكتَيْن وسائر «العالم الجديد»، وفرنسيون في الجزائر، وبريطانيون في الهند، ووبرتغاليون في أنغولا، وهولنديون في جنوب أفريقيا… ومنذ القرن الثامن عشر، بعيداً عن الساسة والحكومات، كان الأسكتلندي آدم سميث، مؤسس علم الاقتصاد السياسي، هو الذي عزى تفوّق أوروبا السياسي والاقتصادي والعسكري إلى ابتكارها ثقافة العنف، وتحويلها الحرب إلى علم، وإلى استثمار. وأمّا في أواسط القرن اللاحق، فقد كان المشرّع الهولندي هوغو غروتيوس، مؤسس القانون الدولي الحديث، هو الذي قال دون أن يرفّ له جفن: «أكثر الحروب عدالة هي تلك التي تُشنّ ضدّ الوحوش. وثمة بشر يشبهون الوحوش».
وكان الراحل إدوارد سعيد قد دافع، برأي سديد وحجّة بليغة، عن خلاصة تقول إنّ جوزيف كونراد استلهم وقائع وشخصيات حقيقية عند كتابة روايته الشهيرة قلب الظلام»، 1902. ومع صدور كتاب جديد يروي سيرة الملك البلجيكي ليوبولد الثاني (1835 ــ 1909)، يتضح أنّ أمثولة هذا الملك كانت في ذهن كونراد حين رسم شخصية كرتز ومملكته في الكونغو. ففي كتابه «شبح الملك ليوبولد: قصة الجشع والرعب والبطولة في أفريقيا المستعمرة»، يروي آدم هوكشايلد حكاية سفّاح في ذمّته دماء عشرة ملايين أفريقي كونغولي، هو القائل عن نفسه: «نيرون قدّيس بالمقارنة معي. إنني غول لا يتلذذ إلا بتعذيب الأفارقة الزنوج».
مغامرته تبدأ في عام 1885 حين قرر، هو الملك المتوّج وسليل أسرة ملكية كانت لها حصّة في معظم تيجان أوروبا عبر المصاهرة والخؤولة والعمومة، أنّ بين أبسط حقوقه الملكية تحويل بلد أفريقي، تفوق مساحته مساحة بلجيكا 80 مرّة، إلى ملكية فردية شخصية؛ له وحده. ولقد بدأ من حيث هاجرت الحداثة الأوروبية إلى الأصقاع النائية، فأنشأ «جمعية الكونغو العالمية» ذات الأغراض الخيرية والإنسانية والعلمية، ثم أعلن بعدها تحويل الجمعية إلى «دولة الكونغو الحرّة». ولقد جنّد خبراء العلاقات العامة في تأمين ما تحتاجه «الدولة» من دعم سياسي لدى حكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا، وليس بغير دلالة خاصة أن الولايات المتحدة كانت أوّل المعترفين بدويلته تلك.
شهوة القوّة، بأىّ معنى فرويدي أو نيتشوي، لم تكن الدافع وراء سلوك الملك، بل كان تكديس كنوز المطاط والعاج هو مبرّر تأسيس «الدولة» وإرساء ركائزها على نظام الاستعباد والرقّ والسخرة. وكان الأفارقة الكونغوليون يُجبرون على العمل عند رجال ليوبولد الثاني، فيقتلون الأفيال للحصول على العاج، ويجوبون الأدغال شجرة شجرة لجمع سائل المطاط. قطع اليد كان العقوبة الأولى للمسخَّر الذي يفشل في تنفيذ الحصة المناطة به من الإنتاج. قطع اليد الثانية كان العقوبة التالية، وأما الثالثة فهي الأخيرة والثابتة: رصاصة في الدماغ!
وخلال قرابة عقد واحد، انخفض عدد سكان الكونغو إلى النصف: كانوا عشرين مليوناً، فأصبحوا عشرة ملايين! وسجّل رحالة أوروبيون تفاصيل رهيبة حول فظائع جنود الملك، بينها أنّ إدارة «الدولة» كانت تعوّض رجالها عمّا فقدوه من ذخيرة نارية، استناداً إلى عدد الأيدي المقطوعة التي يجلبها هؤلاء في سلال، وكلّ يد مبتورة هي دليلٌ على استخدام رصاصة في قتل إفريقي. وللتذكير، هنا بالذات، وفي وصف مجازر ليوبولد الثاني تحديداً، دخلت إلى القاموس السياسي الدولي عبارة «جرائم بحقّ الإنسانية»، وكان الذي استخدمها للمرّة الأولى صحافي أمريكي أسود يدعى جورج واشنطن وليامز. وفي عام 1908 اضطر الملك ليوبولد الثاني إلى بيع دويلته هذه إلى الحكومة البلجيكية، التي سارعت إلى حلّها، وأقامت بدلاً عنها مستعمرة «الكونغو البلجيكية». الأموال التي كسبها الملك من مشروعه هذا قُدّرت بـ220 مليون فرنك بلجيكي (ما يعادل 1و1 مليار دولار بعملة هذه الأيام)، صرفها بالكامل على إمتاع عشيقته كارولين، البغيّ السابقة.
فأيّ رئيــس حكومة بلجيكية يمكن أن يعتذر عن قلب الظلام والبربرية ذاك؟ وكم سيأتي الاعتراف متأخراً، إنْ أتى؟)

عماد عبد اللطيف سالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *