إلى سينما النصر.. يا ولدي الحبيب‎ عماد عبد اللطيف سالم

صيام رقم اثنين ..
إلى سينما النصر.. يا ولدي الحبيبفي عام 1961 ، أو عام 1962 (لا أتذكّرُ بالضبط) ، تقرّرَ عقد احتفالٍ ضخم للجمعيّات الفلاحيّة ، على قاعة سينما النصر ببغداد ، بحضور الزعيم عبد الكريم قاسم.
طلبَت أُمّي من أبي ، أن يأخذَ عريضةً ، ويذهب الى سينما النصر ، ويقدّمها للزعيم شخصياً للحصول على دار.
كانت والدتي تُصِرُّ على أن يكون الدار في مشروع إسكان غربي بغداد (المعروف الآن بمنطقة الإسكان) ، حيثُ حصلَ أحد أقرباءها على دارٍ هناك ، ولأنّ المشروع قريبٌ من منطقة الكرخ حيثُ نسكن .. ولم لا ، فقد حصل الآلآف على دورهم بهذه الطريقة ، بدل سكنهم في بيوتٍ مُستأجرة . 
رفضَ أبي ذلكَ رفضاً قاطعاً.
وفي الموعد المُحدّد ، وفي غفلةٍ من أبي الذي خرج كالعادة ، ليعملَ من الصباحِ حتّى المساء ، نزعتْ أُمّي عنّي قميص وبنطلون المدرسة ، وألبَسْتني دشداشة بازة مُقَلّمة ، ونَعالاً جِلْدياً بائِداً .. وإلى سينما النصر ، يا ولدي الحبيب.
وجدتُ هناك الآلآف من لابسي الدشاديش والعُقُل ، والأحذية البائدة .. فانحشرتُ معهم ، وتمكّنتُ من الدخول الى قاعة السينما بنجاحٍ ساحق ، بعد معركةٍ شرسة مع حاملي العرائض الآخرين ، بينما فشل في الدخول اإلى القاعة عشرات المئات من الفلاّحين الأشاوس.
كانت الخطَة الموضوعةُ بإحكامٍ ، تقضي بأن أكونَ واقفاً في أقربٍ مكانٍ يتواجدُ فيه الزعيم .. أي في الطابق الأوّل، وفي خانة “الشواذي” أصحاب بطاقات الأربعين فلس على وجه التحديد .. وأن أهتُفَ بحياتهِ بصوتٍ عالٍ لكي يسمعني .. ويطلبُ مقابلتي .. ويضعُ يدهُ الكريمة فوق رأسي .. فتَضُجُّ القاعةُ بالهتافِ والتصفيق .. وأُسَلّمَهُ العريضة .. وأحصل على الدار.
أوّلُ فشلٍ ذريعٍ للخطّةِ حدث بعد دخولي إلى القاعةِ مباشرةً ، إذْ جرّتْني الحشود الهادرة الى الطابق الثاني من السينما ، حيثُ لا يمكنُ لأيّ زعيمٍ أنْ يسمعني ، حتّى لو كان الزعيم عبد الكريم .. لذا بذلتُ جهوداً جبّارة لكي أصلَ إلى “اللوجات” المُطلّة على شاشة السينما ، حيث كان الزعيم يُلقي خطابهُ أمامها بالضبط .. وأنحَشَرتُ على سياج “اللوج” ، وصحتُ بأعلى صوتٍ كانَ لي في حياتي : عاش الزعيم عبد الكريم قاسم .
كرّرتُ ذلكَ عدّة مرّات .. ولا أعتقدُ أنّ فلاّحاً واحداً قد سمع هتافي ، ناهيكَ عن الزعيم عبد الكريم ، في يومِ الحَشْرِ ذاك.
بعد أنْ بحّ صوتي من الصياح ، دون جدوى، قرّرتُ أنْ أصرخَ صرخةً واحدةً أخيرة ، لعلّي أُنقذُ الخطّة من فشلٍ ذريع ، فصِحتُ مثلَ “فرّوجٍ” عمرهُ ثلاثة أشهر ، وصدري مضغوطٌ بشدّة على حافّة “اللوج” : حاشَ الزئيم عبد الكريم .. حاشَ الزئيم عبد الكريم .. وبالطبع ، “لا صدى يوصَلْ ، ولا باقي أنين”.
بعد ذلك بقليل ، جاء مجموعة أشخاص ، وجمعوا من الفلاّحين(وأنا منهم) العرائضَ التي تتضمنُّ مطالبهم .. وغادرَ الزعيم سينما النصر ، مُلْحِقاً بي هزيمةً قاسية.
ومن يومها .. لم نحصل على دار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *