«طريق التبغ» لإرسكين كالدويل: فضائل الأشرار البائسين

ابراهيم العريس

«لقد مشيت في ذلك الدرب في صميم فصل الشتاء، ورأيت الناس الجائعين الملتفّين بالأسمال البالية يذهبون إلى لا مكان ويأتون من لا مكان، ملتمسين الطعام والدفء، راغبين في أن يعرفوا ما إذا كانت أشياء مثل الطعام والدفء، لا تزال موجودة في بقعة ما من بقاع العالم. إنهم لم يلتمسوا شيئاً أكثر من الغذاء الكافي لأن يمسك عليهم الحياة حتى مطلع الربيع. بحيث يكون في مقدورهم أن يزرعوا القطن للموسم الجديد. كان لهم من الإيمان بالطبيعة، بالأرض، وبالنبات الذي في الأرض، ما جعلهم لا يفهمون كيف يمكن للأرض أن تخونهم أو تخيب رجاءهم، ولكن خانتهم وخيبت رجاءهم…». ليست هذه السطور سوى جزء من التقديم الذي كتبه إرسكين كالدويل لروايته الأشهر «طريق التبغ»، تلك الرواية التي من الواضح أن الكاتب يتحدث فيها عن عالم يعرفه جيداً، عن أناس طبعوا طفولته وصباه. فهو أتى أصلاً من تلك البيئة «البائسة البيضاء»، التي كانت تهيمن على مدن الجنوب الفقيرة في الولايات المتحدة الأميركية خلال سنوات القحط وبالتحديد عشرينات وبداية ثلاثينات القرن العشرين. ولئن كانت هذه العبارات تبدو حافلة بالمرارة والغضب والحسرة وصولاً حتى إلى نوع من السوداوية التي تبدو عادة، غريبة بعض الشيء عن ما يستدعيه الحلم الأميركي، فإن الرواية نفسها على العكس من هذا، تحفل بالمواقف المرحة، ناهيك بالتعاطف الذي يبديه الكاتب حتى مع أكثر الشخصيات شراً، وأكثر المواقف إيلاماً، دع عنك بعد هذا كله تلك النهاية الملتبسة التي يمكن أن يقال عنها أنها كانت نهاية سعيدة بعد كل شيء. ومن المؤكد أن هذا ما جعل الرواية تحقق حين صدرت في العام 1932، أي في عز مرحلة الفقر والجوع التي تلت الانهيار الاقتصادي الكبير الذي حدث في العام 1929، نجاحاً كبيراً، إلى درجة أن المسرحية التي اقتبست منها في برودواي، ظلت تعرض ثمانية أعوام متواصلة، مع أنها لم تكن مسرحية موسيقية، ما جعل من كالدويل واحداً من أكثر الكتاب شعبية في ذلك الحين.

ومهما يكن من الأمر فإن «طريق التبغ» التي كانت الرواية الثالثة له، هي ما صنع شهرة إرسكين كالدويل، ليس فقط ككاتب، بل ككاتب إنساني لا يحاول في أدبه أن يعطي دروساً وأن يصنف الناس أخلاقياً على ما كان اعتاد أن يفعل أدب من النوع الوعظي كان سائداً في ذلك الحين. فالناس في رواية «طريق التبغ» هذه فقراء وبائسون وخطاة ولصوص، ولا يأبه واحدهم بمصائب الآخر، لكن السؤال يبقى: هل ترى هؤلاء الناس ولدوا هكذا؟ أو هل تراهم اختاروا بإرادتهم أن يكونوا أشراراً؟ أبداً يقول كالدويل، إن مجتمع البؤس الخارج عن إرادتهم هو الذي صنعهم. وبالتالي فإن الكاتب يقدم لنا من دون أية أحكام مسبقة أو أحكام أخلاقية ذلك العالم الغريب في الرواية المتحلق من حول أسرة جيتّر ليستر، المزارع البائس الممتلئة حياته بالخطايا وبالأطفال الذين أنجبت له زوجته آدا سبعة عشر ولداً في بيتهم الضيق الفقير الواقع في خراج بلدة أوغوستا بولاية جورجيا الجنوبية. لقد مات باكراً خمسة من أولئك الأولاد، وهرب معظم الباقين إلى المدينة: وهناك في الحلقة المحيطة بأسرة ليستر صهر العائلة لوف بنزي الذي لا يتوقفون عن محاولة سرقته، على رغم أن زوجته ابنتهم بيرل ذات الإثني عشر عاماً التي تزوجها لا تقربه بل حتى لا تتحدث إليه. وهناك «الداعية» الدينية – من دون أن يكلفها أحد بذلك! -، بيسي التي تقرب من الأربعين، وترملت غير مرة بعدما كانت مومساً، وها هي الآن تغري إبن الأسرة ديود (16 سنة) بالزواج منها مقابل أن تشتري له سيارة يقودها فيتجولان معاً للدعوة إلى الدين. إذاً، من حول هذا العالم بما فيه من احتيال وبؤس وأكاذيب وقبح (بل حتى قبح بالمعنى الجسدي، حيث تطالعنا الابنة الباقية في البيت ليستر مشوهة الشفة ما ينعكس عليها أخلاقاً شيطانية، كما تطالعنا بيسي بوجه خال من الأنف تقريباً ما يجعلها شبيهة بالخنازير). ولكن هل ثمة من يحفل بهذا؟ إن «طريق التبغ» ترينا أن لا أحد يحفل وتقول لنا لماذا، ولكن بأسلوب هو أدنى إلى الفكاهة والتعاطف، ناهيك بالتضافر بين العنف والحنان…
العنف، الحنان، الجنس والهزل الصاخب، هي السمات والأمور التي طبعت على الدوام أدب الأميركي إرسكين كالدويل، أحد أكبر أدباء الولايات المتحدة شهرة في العالم، وعلى الأقل بفضل «طريق التبغ» كما بفضل روايته الثانية التي، بدورها ترجمت إلى شتى لغات الأرض، «أرض الله الصغيرة». ومع هذا، وعلى رغم انتشار أدبه ذلك الانتشار الكبير، نادراً ما صُنّف كالدويل في خانة أدباء الصف الأول الأميركي إلى جانب إرنست همنغواي أو وليام فولكنر. ومن هنا اعتبر على التوالي أصغر الكتاب العظام، أو أعظم كتاب الصف الثاني. ومع ذلك ليس ثمة أدنى شك في أن كالدويل كان، كما نلاحظ في «أرض التبغ» ولكن كذلك في معظم نصوصه الأخرى، من أفضل الذين سجلوا مدونات حياة وآلام الريفيين في الجنوب الأميركي، لا سيما البائسين منهم والمحبطين والذين نادراً ما تتحقق آمالهم. وهذا ما جعله ذا حظوة في فرنسا والاتحاد السوفياتي تفوق حظوته في بلده الأم.
غير أن هذا لم يمنع عالم الأدب من نسيان كالدويل بشكل شبه تام، بحيث أن الكثيرين تساءلوا حين رحل الرجل عن عالمنا عام 1978، كيف يموت الآن وكنا نعتقده ميتاً منذ زمن بعيد. ذلك أن أدب كالدويل العنيف والكلاسيكي والواقعي إلى حدود التخمة تبدّى، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أدباً ينتمي إلى عوالم ماضية. والحال أن كالدويل نفسه كان يشجّع على ذلك، فهو لم يسع أبداً إلى تطوير لغته أو أساليبه، وظل رصده للواقع الأميركي رصداً متشبعاً برؤى المراهق الذي كانه، خلال الربع الأول من هذا القرن، حين قيض له أن يرافق أباه الكاهن المبشر، متجولاً بين كنيسة وأخرى في ولاية جيورجيا الجنوبية مسقط رأسه. ولقد أتاح ذلك التجوال لإرسكين أن يرصد أحوال الناس ويدخل إلى سرائرهم، ما وفر له ترسانة معرفية تتعلق بطبائع البشر وعلاقاتهم وتطلعاتهم، ساعدته كثيراً في كتاباته اللاحقة. وهو وصف هذا كله في الكتاب الفذ الذي وضعه عن أبيه في 1968 بعنوان «الجنوب العميق: مذكرات وملاحظات»، فأتى مكملاً لكتاب ذكريات سابق كان أصدره أوائل الخمسينات ووصف فيه تكونه كروائي، وهو الكتاب الذي ترجم ونشر بالعربية لدى «دار الهلال» القاهرية.
على عكس عدد كبير من الكتاب الآخرين من أبناء جيله، كان من نصيب كالدويل أنه قرر منذ حقبة مبكرة في حياته أن يصبح كاتباً، لذلك انتقل إلى ولاية مين الشمالية في 1926، وكان في الثالثة والعشرين من عمره، حيث بدأ تجاربه التي أوصلته في 1932 إلى نشر «طريق التبغ» التي حققت له على الفور شهرة واسعة، خصوصاً أن تحويلها إلى مسرحية وعرضها في برودواي طوال ما يقرب من ثمانية أعوام على التوالي كان ظاهرة لافتة في ذلك الحين، لكن كالدويل لم يركن إلى ذلك النجاح، بل استفاد منه لمواصلته الكتابة، فأصدر على الفور «أرض الله الصغيرة» (1933) ثم «اضطراب في تموز» (1940). وهو بعد كتابه الروائي الرابع «طفل جيورجيا» (1943) راح يكتب القصة القصيرة، والتحقيقات الصحافية اللافتة التي غالباً ما كانت ترافقها صور التقطتها زوجته المصورة مارغريت بورك – وايت. وبرفقتها زار الاتحاد السوفياتي حيث تابعا الغزو الألماني للأراضي السوفياتية خلال الحرب العالمية الثانية، ولذلك اعتبرا على الدوام صديقين مخلصين لذلك البلد، وهو ما جرّ عليهما مشاكل عدة في بلدهما. أما آخر سنوات حياته فقد أنفقها كالدويل في تدوين مذكراته وكتابة القصص القصيرة، ناهيك عن خوض النضال الاجتماعي الذي طبع أدبه ككل ولم يتخل عنه لحظة واحدة.

ــــــــــــــــ
جريدة الحياة اللندنية ، 1 يوليو 2016.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *