بورتريه أخير لنوري المالكي

كامل عبد الرحيم

بورتريه أخير لنوري المالكي

ما أن يستلم الحاكم العراقي مقاليد سلطته ، لا يفكر ببرنامجه (الحكومي) بل بطريقة موته ، أو مقتله بالأحرى ، فالسلطة في ثقافة وادي الرافدين تعني القبر أو القتل ، على العكس من الحضارة الفرعونية ، وفي العصر الحديث ، كان الملك فيصل الأول يتهيأ للموت ك(غريب) في بلاد لا تحب الغرباء ، فمات مسموماً ، أما ابنه الملك غازي ، فتطرف بعيداً ، ليبدو من أهل البيت فانحاز إلى جهة سياسية (عدمية) ، حتى قُتل بحادث سيارة مفتعل ، أما الحفيد الصغير ، الملك فيصل الثاني ، فلم تشفع له براءته ولا المصحف الكريم الذي حمله ، فأصابته رشقة رصاصات الثورة ، مروراُ ، كان خاله عبد الإله ، يفكر دائماً بترك كل شيء كتسوية مع أهل البلاد ، والرحيل من حيث جاء ، أو للجوء إلى حضن التاج الذي لا تغرب عن أراضيه الشمس ،لكنه انتهي مقطع الأوصال ، أما نوري السعيد ، فكان يردد بأنه يحمل غطاء (المنهول) للسياسة العراقية ، ولم تنفعه نظافة اليد من أن يبتلعه هذا (المنهول) .
أما عبد الكريم قاسم ، فكان يحاول ، وهو يوزع الدور للفقراء بمساحة 144 متراً مربعاً ، أو الأراضي لمن يفلحها ، كان يحاول أن يضمن قبراً له على الأقل ، لكن أعداءه فوتوا عليه هذه الفرصة ، فحقق رغبته الأخيرة بالموت بالطقم الخاكي وبذقن نظيف الحلاقة . قاتله، أو أحدهم ، عبد السلام عارف ، احترق في السماء وهو يحلق بطائرة (السلطة) ، أخوه ، أدرك خصومه أنه بلا وزن أو أهمية ، فاشترط أقرب معاونيه الذين انقلبوا عليه ، اشترطوا سلامته ، قائد الانقلابيين ، أحمد حسن البكر ، الذي قام بدور (فرانكشتاين) فخلق وحشاً ، فعمل هذا الوحش بأصله بالنهاية بتسميمه أو قتله غيظاً وعزلة ، نفس الوحش ، صدام حسين ، الذي قتل كل من يفكر بمعارضته أو من (شُبّه له) ، كان يعلم بمصيره ، وهو القتل ، حاول إنقاذ أولاده من هذا المصير ، لكنه رآهم بأم عينيه من حفرة في الأرض ، مثقوبين برصاص (المحررين) .
حتى آل الأمر إلى نوري المالكي ، الذي حكم نصف عمر الخراب العراقي ، وظل سبباً دائماً لهذا الخراب ، في النصف الآخر ، ومازال ، وكاستثناء ، نجا من اللعنة العراقية ، رغم أنه خرج من السلطة مدحوراً مهزوماً وبجيش مكسور وبوطن فقد ثُلثيه ، ومع (جريمة العصر) ، حيث سلّم إلى مقصلة داعش أقل بقليل من ألفي شاب مجند (شيعي) من أهل ملته ، لكنه نجا ، وكاد الشعب أن ينسى ما اقترفت يداه ، فيبتعد بما جناه من ثروة حرام ، لها أول وليس لها آخر ، ورغم أن حظوظه بالعودة إلى الحكم أو القبر ، شبه معدومة ، فهو يراهن ، أما على انشقاق في الحوزة الشيعية ، أو على حرب أمريكية إيرانية ، لتجده الأخيرة خير من يمثلها في هذه الحرب ، لكن لإيران جنوداً ، يذهبون أبعد منه ، وربما هم من يجعلونه سلماً ، يصعدون عليه وصولاً لمطامحهم ، فوّت فرصة ذهبية ، في المؤتمر الأخير لحزب الدعوة ، ليكون حاكماً لمقاليد الحزب من خلف الستار ، مثلما فعل الرفيق أبو داوود في المؤتمر الأخير لحزبه ، ومازال يلعب على وديعته ، وهي رسائله المشّفرة إلى الأمريكان والإيرانيين والكرد ، وفحواها ، أنا رجلكم ، وأفضل من يلعب لعبتكم على الحبال العراقية ، مدوَّخاً بما قاله أحد رموز الكرد(البديل الوحيد للمالكي هو المالكي نفسه) ، ومازال الوقت ملائماً للنفاد بجلده من غير مساءلة وبلا عدالة ، لكنه وعلى نهج المثل العراقي الشعبي (الدجاجة تموت وعينها على….) لا يستطيع تحمل فكرة ترك الساحة لغريمه حيدر العبادي ، وهو قصة أخرى ، فلم يتبق لديه سوى استثمار الأزمات الدورية مثل بائع العتيق ، وكانت آخر صفقة خاسرة له هي حادثة الكمان في كربلاء ، فقال في نفسه ، هي فرصتي لأكون ممثلاً للقدسية ، لكن المرجعية التي يراهن عليها ، صفعته ، بنعومة هذه المرة ، لعله يقرأ التأريخ جيداً ، فيُريح ويرتاح ، ليتفرغ لقراءة ما تبقى من خراب (اقتصادنا)……

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *