من روائع المتنبي

ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله

وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعم

ومن البلية عذل من لا يرعوى

عن جهله وخطاب مـن لا يفهم

والظلم من شيم النفوس فإن تجد

ذا عفــة ، فـلعـلــة لا يـظــــلــم

يؤذى القليل من اللئـام بطبعــه

من لا يقـــل كما يقـــل ويلــــؤم

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

حتــى يراق على جوانبــــه الدم

لا يخـدعنــك مـــن عــدو دمعـــه

وارحم شبابك مــن عدو ترحــم

والهــم يختـرم الجسيـم نحــافــة

ويشيب ناصيـة الصبى ويهــرم

ولقـد رأيـت الحـادثــــات فلا أرى

يققا بميـت ، ولا ســرورا يعصم

(اليقق : البياض)

لـــو فـكـر العاشـق فـــى منتــهى

فـؤاده يخفــق مـــن رعـبـــــــه

وغايــــة المفــرد فـــى سـلـمــــه

كفايــــة المفرط فــى حربـــــــه

فـــلا قـضـى حاجـتـــــه طــــالـب

حســن الذى يســبيه لـم يســبه

(الرعب : المقصود به هنا الخوف الشديد من الموت)

يـدخـل صبـر المـرء فــى مدحـــه

ويـدخـل الإشـفـــاق فــى ثـلبــه

(الإشفاق : الخوف – الثلب : الذم)

وليس حياء الوجه فى الذئب شيمة

ولكنـه من شيمة الأســـد الورد

كدعواك ، كل يدعى صحة العقل

ومن ذا الذى يدرى بما فيه من جهل

وليس الذى يتبع الوبل رائدا

كمن جاءه فى داره رائد الوبل

ومن جهلت نفسه قدره

رأى غيره منه ما لا يرى

إذا ما عدمت الأصل والعقل والندى

فما لحياة فى جنابك طيب

ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة

بين الرجال ولو كانوا ذوى رحم

أتى الزمان بنوه فى شبيبته

فسرهم ، وأتيناه على الهرم

ومن ضاقت الأرض عن نفسه

حرىّ أن يضيق بها جسمه

إذا أتت الإساءة من وضيع

ولم ألم المسئ فمن ألوم

لا تشتر العبد إلا والعصا معه

إن العبيد لأنجاس مناكيد

وهل ينفع الجيش الكثير التفافه

على غير منصور وغير معان

وفى الجسم نفس لا تشيب بشيبه

ولو أن ما فى الوجه منه حراب

وما العشق إلا غرة وطماعة

يعرض قلب نفسه فيصاب

أعز مكان فى الدنا سرج سابح

وخير جليس فى الزمان كتاب

ما كل ما يتمنى المرء يدركه

تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن

لحى الله ذى الدنيا مناخا لراكب

فكل بعيد الهم فيها معذب

وكل امرئ يولى الجميل محبب

وكل مكان ينبت العز طيب

وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا

لمن بات فى نعمائه يتقلب

لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها

سرور محب ، أو مساءة مجرم

وإذا الحلم لم يكن عن طباع

لم يكن عن تقادم الميلاد

(الحلم هنا بمعناه الخلقى)

وما كل هاو للجميل بفاعل

ولا كل فعال له بمتمم

وفى الناس من يرضى بميسور عيشه

ومركوبه رجلاه ، والثوب جلده

وإذا لم تجد من الناس كفءا

ذات خدر أرادت الموت بعلا

وإذا ما خلا الجبان بأرض

طلب الطعن وحده والنزالا

وإذا الرماح شغلن مهجة ثائر

شغلته مهجته عن الإخوان

وكثير من السؤال اشتياق

وكثير من رده تعليل

وإذا العذل فى الندى زار سمعا

ففداه العذول والمعذول

وجرم جره سفهاء قوم

وحل بغير جارمه العذاب

وإذا خامر الهوى قلب صب

فعليه لكل عين دليل

وما فى سطوة الأرباب عيب

ولا فى ذلة العبدان عار

وما يوجع الحرمان من كف حازم

كما يوجع الحرمان من كف رازق

نبكى على الدنيا وما من معشر

جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا

وجائزة دعوى المحبة والهوى

وإن كان لا يخفى كلام المنافق

ما الذى عنده تدار المنايا

يهون علينا ان تصاب جسومنا

كالذى عنده تدار الشمول

وتسلم اعراض لنا وعقول

وما الحسن فى وجه الفتى شرفا له

إذا لم يكن فى فعله ، والخلائق

وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا

إذا لم يكن فوق الكرام كرام

وما بلد الإنسان غير الموافق

ولا أهله الأدنون غير الأصادق

وكم ذنب مولده دلال

وكم بعد مولده اقتراب

وأتعب من ناداك من لا تجيبه

وأغيظ من عاداك من لا تشاكل

ووضع الندى فى موضع السيف بالعلا

مضر كوضع السيف فى موضع الندى

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

وما قتل الأحرار كالعفو عنهم

ومن لك بالحر الذى يحفظ البدا

وأتعب خلق الله من زاد همه

وقصر عما تشتهى النفس وحده

فلا مجد فى الدنيا لمن قل ماله

ولا مال فى الدنيا لمن قل مجده

فما الحداثة من حلم بمانعة

قد يوجد الحلم فى الشبان والشيب

(الحلم هنا بمعنى العقل)

حسن الحضارة مجلوب بتطرية

وفى البداوة حسن غير مجلوب

وللنفس أخلاق تدل على الفتى

أكان سخاء ما أتى أم تساخيا

إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى

فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا

ومن يجعل الضرغام للصيد بازه

تصيده الضرغام فيما تصيدا

إذا كان بعض الناس سيفا لدولة

ففى الناس بوقات لها وطبول

إذا لم تكن لليث إلا فريسة

غذاه ، ولم ينفعك أنك فيل

ووجه البحر يعرف من بعيد

إذا يسجو ، فكيف إذا يموج

فما ترجى النفوس من زمن

أحمد حاليه غير محمود

ومن الحلاوة فى الزمان مرارة

لا تختطى إلا على أهواله

يدفّن بعضنا بعضا ، وتمشى

أواخرنا على هام الأوالى

وما التأنيث لاسم الشمس عيب

ولا التذكير فخر فى الهلال

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت فى مرادها الأجسام

وما كل سيف يقطع الهام حده

وتقطع لزبات الزمان مكارمه

(لزبات الزمان : شدائده)

مشيب الذى يبكى الشباب مشيبه

فكيف توقيه ، وبانيه هادمه

وقد يتزيّا بالهوى غير أهله

ويستصحب الإنسان من لا يلائمه

غيرى بأكثر هذى الناس ينخدع

ان قاتلوا جبنوا او حدثوا شجعوا

وما الحياة ونفسى بعدما علمت

أن الحياة كما لا تشتهى طبع

(الطبع : الدنس والعيب)

إن السلاح جميع الناس تحمله

وليس كل ذوات المخلب السبع

وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى

وما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا

بذا قضت الأيام ما بين أهلها

مصائب قوم عند قوم فوائد

وفى تعب من يحسد الشمس نورها

ويجهد أن يأتى لها بضريب

ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت

على عينه حتى يرى صدقها كذبا

أعيذها نظرات منك صادقة

أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

وما انتفاع أخى الدنيا بناظره

إذا استوت عنده الأنوار والظلم

إذا رأيت نيوب الليث بارزة

فلا تظنن ان الليث يبتسم

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا

ألا تفارقهم فالراحلون هم

شر البلاد مكان لا صديق به

وشر ما يكسب الإنسان ما يصم

(يصم : يعيب)

وما صبابة مشتاق على أمل

من اللقاء كمشتاق بلا أمل

خذ ماتراه ودع شيئا سمعت به

فى طلعة البدر مايغنيك عن زحل

وليس يصح فى الأفهام شئ

إذا احتاج النهار إلى دليل

وأحلى الهوى ماشك فى الوصل ربه

وفى الهجر ، فهو الدهر يرجو ويتقى

ونهب نفوس أهل النهب أولى

بأهل المجد من نهب القماش

إذا مالبست الدهر مستمتعا به

تخرقت ، والملبوس لم يتخرق

وإطراق طرف العين ليس بنافع

إذا كان طرف القلب ليس بمطرق

ومن قبل النطاح وقبل يأتى

تبين لك النعاج من الكباش

والغنى فى يد اللئيم قبيح

قدر قبح الكريم فى الإملاق

وكم من عائب قولا صحيحا

وآفته من الفهم السقيم

فقد يظن شجاعا من به خرق

وقد يظن جبانا من به زمع

(الخرق : الخفة والطيش – الزمع : الارتعاد)

وكل شجاعة فى المرء تغنى

من لا يرى فى الدهر شيئا يحمد

يرى الجبناء أن العجز عقل

وتلك خديعة الطبع اللئيم

من خصّ بالذم الفراق فإننى

ولا مثل الشجاعة فى الحكيم

وما تقر سيوف فى ممالكها

حتى تقلقل دهرا قبل فى القلل

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى

عدوا له ما من صداقته بدّ

ولكن حبا خامر القلب فى الصبا

يزيد على مر الزمان ويشتد

وشيخ فى الشباب ، وليس شيخا

يسمى كل من بلغ المشيبا

وإنى رأيت الضر أحسن منظر

وأهون من مرأى صغير به كبر

إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص

على هبة فالفضل فيمن له الشكر

ليس الجمال لوجه صح مادنه

أنف العزيز بقطع العز يجتدع

(المادن : أرنبة الأنف – يجتدع : يقتطع)

ومن ينفق الساعات فى جمع ماله

مخافة فقر ، فالذى فعل الفقر

وإذا أتتك مذمتى من ناقص

فهى الشهادة لى يأتى كامل

كل حلم أتى بغير اقتدار

حجة لاجئ إليها اللئام

ومكايد السفهاء واقعة بهم

وعداوة الشعراء بئس المقتنى

وأنفس ما للغنى لبّه

وذو اللب يكره إنفاقه

ما كل من طلب المعالى نافذا

فيها ولا كل الرجال فحولا

تلف الذى اتخذ الجراءة خلة

وعظ الذى اتخذ الفرار خليلا

والعار مضاض وليس بخائف

من حتفه من خاف مما قيلا

(مضاض : مؤلم)

ومن يك ذا فم مرّ مريض

يجد مرا به الماء الزلالا

أبلغ ما يطلب النجاح به الطبع ، وعند التعمق الزلل

وما كل بمعذور ببخل

ولا كل على بخل يلام

لعنت مقارنة اللئيم فإنها

ضيف يجر من الندامة ضيفنا

(الضيفن : الذى يتبع الضيف)

وشبه الشئ منجذب إليه

وأشبهنا بدنيانا الطعام

إذا كان الشــــــــــــــــــــــــــــــــباب السكر ، والشيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب هما … فالحياة هى الحمام

أعيذكم من صروف دهركم

فإنه فى الكرام متهم

وإنما الناس بالملوك وما

تفلح عرب ملوكها عجم

خير الطيور على القصور وشرها

يأوى الخراب ويسكن الناووسا

( الناووس : المقبرة)

تذلل لها واخضع على القرب والنوى

فما عاشق من لا يذل ويخضع

وكاتم الحب يوم البين منهتك

وصاحب الدمع لا تخفى سرائره

ورب مال فقيرا من مروءته

لم يثر منها ، كما أثرى من العدم

ومن العداوة من ينالك نفعه

ومن الصداقة مايضر ويؤلم

على ذا مضى الناس : اجتماع وفرقة

وميت ومولود ، وقال ووامق

(القالى : المبغض الكاره – الوامق : المحب)

وإذا سحابة صد حب أبرقت

تركت حلاوة كل حب عقلما

إذا اشتبهت دموع فى خدود

تبين من بكى ممن تباكى

والذل يظهر فى الذليل مودة

وأود منه لمن يود الأرقم

فقر الجهول بلا قلب إلى أدب

فقر الحمار بلا رأس إلى رسن

وما الجمع بين الماء والنار فى يدى

بأصعب من أن أجمع الجد والفهما

(الجد : الحظ)

إذا لم تكن نفس النسيب كأصله

فما الذى تغنى كرام المناصب

(النسيب : الشريف – المناصب : الأصول)

هذا الوداع وداع الوامق الكمد

هذا الوداع وداع الروح للجسد

من يهن يسهل الهوان عليه

مالجرح بميت إيلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *