ارثر ومارلين

التقى آرثر ميلر بمارلين مونرو وهو في سن الخامسة والثلاثين، وفي ذروة شهرته، وذلك عام 1950، في ستديو الشركة السينمائية الشهيرة “فوكس القرن العشرين” بهوليوود.
كان قد أنجز تأليف مسرحيتين: “كلهم أبنائي” و”موت بائع متجول” والأخيرة كانت أول مسرحية تفوز بثلاث جوائز مرموقة: جائزة بوليتزر، جائزة توني وجائزة نقاد مسرح نيويورك، في نفس الوقت.
كانت مارلين آنذاك فتاة غير معروفة نسبياً تبلغ من العمر 24 عاماً، وكل رصيدها الفني دوران صغيران في فيلمين فقط.
خلال لقاء آرثر بمارلين لاحظ المخرج الشهير إيليا كازان المشهد على النحو التالي: “كان هناك وميض مفاجئ من الشهوة في عيون آرثر”.
عندما دعا ميلر مارلين، باقتراح من كازان إلى حفلة، لم يتصرف بناءً على انجذابه الواضح نحوها. اعتقدت مارلين أن هذا يشير إلى احترامه لها والذي كان أكثر من كافٍ لجعله يبدو أفضل من الرجال الآخرين الذين عرفتهم.
كان لقاء مارلين بشخصية مثل آرثر بمثابة دعوة للاستيقاظ كما لو أنها اصطدمت، في حادث مفاجئ، بجذع شجرة، أو كما لو شربت ماء بارداً ومنعشاً عند اصابتها بحمى شديدة، كما أسرت بذلك صديقة لها عن هذا اللقاء.
لكن آرثر لم يستطع العودة إلى زوجته وطفليه في نيويورك محملاً بعقدة الذنب…
وستتزوج مارلين بطل البيسبول الأمريكي جو ديماجيو….
في عام 1951 التقى آرثر بمارلين في المطار عندما كان عائداً إلى نيويورك. أخبرها كم كان غير سعيد بزواجه الحالي، لذلك توقعت عودته قريباً إلى لوس انجلس. في غضون ذلك، وضعت صورته على رف كتب فوق وسادتها. وبناء على رسالتين متبادلتين، اشترت مارلين سيرة ذاتية لأبراهام لنكولن.
كانت قراءة السيرة واحدة من وصايا آرثر لها….
لم تلتق مارلين وآرثر شخصياً مرة أخرى حتى عام 1955 بعدما انتقلت إلى نيويورك للدراسة في ستوديو الممثلين وانهاء زواجها من ديماجيو الذي استمر أقل من عام. كانت عازبة وما زالت مهتمة جداً بآرثر، حتى أنها أقامت علاقة مع أصدقائه نورمان ميلر وهيدا روستن للاقتراب منه.
وسرعان ما شرع آرثر ومارلين في علاقة غرامية، على الرغم من حقيقة أنه ظل متزوجاً.
وثمة حقيقة أخرى: في السنوات التي تلت اللقاء الأول، أصبحت نجمة…
هذا يعني أن الصحافة أولت اهتماماً كبيراً لكل خطوة تقوم بها مارلين، ولا يمكن، بعد ذلك، أن تظل علاقتها بآرثر سرية.
أرادت مارلين أن تكون مع ميلر وقد بدا أنه يقدم لها إلى جانب الحب الشعور بالأمان الذي طالما كانت تتوق إليه.
لقد أحبت أيضاً فكرة أن يُنظر إليها على أنها ممثلة جادة تشارك حياتها مع كاتب مسرحي مشهور.
كان آرثر متردداً في ترك زوجته، لكنه كان يحب مارلين كثيراً. قال لها في إحدى الرسائل: “أعتقد أنه يجب أن أموت إذا فقدتك يوماً”.
في ربيع 1956، ذهب إلى ولاية نيفادا لإقرار إقامته حتى يتمكن من تطليق زوجته…
لقد فعلها أخيراً، وتزوج مارلين…
ووفقاً لكازان: “كان آرثر يبحث عن نوع من السلام الجنسي”.
أما صديقه نورمان ميلر، وهو روائي وصحفي أمريكي وكاتب مسرحي أيضاً فقد في سيرة ذاتية: “كان زواج آرثر بمارلين بمثابة ارتباط بين عقل أمريكي بارز وجسد أمريكي بارز”.
بينما كان آرثر في نيفادا، قدم طلباً للحصول على جواز سفر حتى يتمكن من مرافقة مارلين إلى إنجلترا لتصوير فيلم. كانت لجنة مكارثي في ذروة تحقيقاتها عن النشاط الشيوعي، وقد أدى طلبه إلى استدعائه للمثول أمام اللجنة للإدلاء بشهادته حول علاقاته بالشيوعية.
لم يكن ميلر عضواً في الحزب الشيوعي أبداً، كل ما في الأمر أنه ذهب إلى اجتماعات تابعة للحزب في الأربعينيات. أجاب على أسئلة المحققين لكنه رفض الكشف عن أسماء من حضر تلك الاجتماعات.
تم نصح مارلين بأن تنأى بنفسها عن آرثر أو ستتدهور حياتها المهنية. ومع ذلك، تجاهلت هذه النصيحة، وخاطرت بفقدان جمهورها، وظلت موالية لآرثر علناً وسراً. كان تفانيها بمثابة نعمة لميلر، حيث كان من الصعب إقناع الجمهور بالرجل الذي فاز بقلب ربة الجمال.
كانت قصة زواج أسطورية لكنها مؤلمة جلبت لنجمة السينما الكثير من المتاعب بينها عمليات إجهاض، وإدمان على المهدئات، وتعاطي المخدرات والاكثار من الشراب.
كما أثرت لفترة طويلة على مهنة آرثر وقدرته على الكتابة….
أصبحت مارلين بسحرها وجاذبيتها وشهرتها نقطة تحول قسمت حياة آرثر الطويلة (1915-2005) إلى قسمين: قبل مارلين وبعد مارلين.
وُلِد آرثر ميللر في نيويورك لعائلة ثرية يهودية بولندية مهاجرة. كان والده رجل أعمال ناجحاً امتلك مصنعاً لملابس النساء يعمل به أكثر من 400 عامل وموظف، وجال بائعوه في جميع أنحاء الولايات المتحدة للترويج لمنتجات مصنعه، وعاشت العائلة في مانهاتن وهي واحدة من المناطق الخمس التي تتكون منها مدينة نيويورك، وتضم أفخم الفنادق والمطاعم والمنازل والشركات، وكان لديها سائق ومنزل ريفي خارج المدينة، لكنه فقد ثروته وأفلس إثر انهيار الاقتصاد الأمريكي نتيجة الكساد الكبير في 1929، وانتقل بعائلته إلى أحد الأحياء الفقيرة في بروكلين حيث عمل الشاب آرثر خبازاً قبل الذهاب إلى المدرسة للمساعدة في إعالتها.
تخلى ميلر عن مسيرته ككاتب مسرحي لفترة طويلة ليساعد مارلين في مسيرتها التمثيلية، وقضى الكثير من الوقت عام 1961 في كتابة سيناريو فيلم المخرج جون هيوستن (The Misfits) الذي ستشارك ببطولته مارلين إلى جانب كلارك غيبل ومونتغمري كليفت.
دخلت مارلين المستشفى عدة مرات أثناء تصوير الفيلم…
قيل أن السبب وقوعها في حب الممثل الفرنسي إيف مونتان الذي كانت قد مثلت معه قبل عام تقريباً فيلم (Let’s Make Love) …
وكما يبدو، وضعت قصة الحب هذه نقطة النهاية على علاقة آرثر بمارلين…
انفصل آرثر ومارلين رسمياً عام 1961 في المكسيك. تزوج آرثر من إنج مورات، المصورة النمساوية الأمريكية المولد، وواصل كتابة المسرحيات، ومع ذلك، ظل دائم التفكير في الماضي.
توفيت مارلين في 5 آب/ أغسطس 1962….

رضا الاعرجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *