سيدة الجنوب وتيمور

سيدة الجنوب ….
تيمور طفل عراقي كردي تم نقله مع عائلته المتكونة من والدته وجدته
وأختاه مع العديد من العوائل الكردية الاخرى من سجن كركوك الى بادية السماوة للتخلص منهم بعد انتهاء العمليات العسكرية في الشمال نهاية
الثمانينات . وصلوا لصحراء السماوة مساءا ……
هذه الصحراء المترامية التي وهبها الله جمالا ونقاء وبراءة … ووهبها الحكام
وجها مرعبا للموت والنفي والعزلة فضمت بين حناياها وتحت رمالها شواهد
لاجساد حلمت يوما بالحرية وبحياة أفضل . عند نزولهم من الشاحنات وجدوا
أن الشفلات العسكرية أعدت لهم حفرأ عميقة مستطيلة فوضعوا على شكل ارتال امام الحفر وتطلق عليهم النار تباعا الرتل تلو الاخر وبعد ذلك تقوم
المعدات بدفنهم . وعندما اطلقت النيران على عائلة تيمور سقطوا في
الحفرة أما هو فقد أصابته رصاصة في صدره ولم تقتله وعندما نظر حوله في
الحفره شاهد أمه وجدته وأختاه قد قتلوا فشعر بالصدمة والحزن تمزق قلبه
وفجاءة شاهد طفلة لازالت على قيد الحياة فطلب منها مرافقته بالخروج من الحفرة والهروب لكنها اخبرته انها لاتستطيع ذلك وكان جسمه الصغير وأصابته
لاتسمح له بمساعدتها فخرج زاحفا من الحفرة وأستمر بالزحف متخفيا بالغبار الذي تثيره الشفلات وواضعا يده على جرحه النازف وقلبه مملوء بالحزن والوعة على اهله وبالحسرة على الطفلة التي لم يستطع أنقاذها
وبعد حلول الظلام والسير الى لاشيء في صحراء مرعبة شاهد الطفل شيء أسود يقترب منه فأذا هي ثلاثة كلاب شرسة تعوي وتكشر عن أنيابها
أنه موقف رهيب لايفرق شيأ عن الوقوف أمام حفرة الاعدام … لم يلاحظ
تيمور وجود خيمة قريبة من المكان هذه الخيمة تسكنها عائلة سيدة عربية
عراقية سماوية تدعى أم حسين أكسبتها الصحراء صفات النقاء والفطنة ومنحها الجنوب صفات الرحمة والطيب والانسانية … قالت لآبنها حسين
أذهب وأنظر ما الامر فالكلاب لاتعوي الا أذا رأت شيء .بعد لحظات دخل
حسين الخيمة ومعه طفل مصاب شاحب الوجه من كثرة النزف والخوف
لايعرف التكلم بالعربية فكان ينطق كلمة واحدة هي كلار .. كلار .فهمت
سيدة الجنوب الامر فأحتضنته ولم تستطع حبس الدموع التي انهمرت
من عينيها ومسحت على رأسه . فشعر تيمور بالامان وحنان الآم يسري
بجسده المنهك . وقامت بشد الجرح وخلعت ملابسه وأحرقتها وألبسته
دشداشة عربية وأفهمته أن يتواصل بالاشارات لكي يظن من يراه انه
أخرس ولا ينكشف أمره وأسمته علي عبد الله. في الصباح الباكر انتقلت
عائلة أم حسين مع أبنها الجديد تيمور أو علي للعيش في قرية قريبة
من مدينة السماوة وهناك تمت معالجته وعاش كأحد ابناء العائلة لابل
الابن المدلل للسيدة الكبيرة التي تحملت الكثير وتحدت السلطة التي
لو عرفت الامر لن تبقيها هي وأبنأها عل قيد الحياة .في التسعينات
استطاع تيمور الوصول الى كردستان ومن هناك سافر الى الولايات المتحدة
الامريكية . وبعد الاحداث التي مر بها العراق عام 2003 عاد تيمور بلهفة
لرؤية أمه الجنوبية فأخبروه أنها ترقد في المسبشفى فذهب اليها وجلس
عل ركبتيه يقبل يديها والدموع تنهمر منهما .