النشرة الاخبارية ليوم الثلاثاء 1 ذو القعدة 25 تموز

سفر الخروج

سفر الخروج Exodus، وعدد إصحاحاته (40). ويتناول قصة بني إسرائيل بعد يوسف، ومعاناتهم من الفراعنة، وظهور موسى وخروجه بهم من مصر، وتاريخ بني إسرائيل حتى يصل بهم إلى شرق الأردن. كما يحتوي هذا السفر الوصايا العشر التي أعطاها الله لموسى. ويهتم أيضاً بكثير من الأحكام التشريعية الخاصة بالقتل والسرقة والزنى؛ وكذلك التعاليم الدينية الخاصة بيهوه إله بني إسرائيل، ومنها وصف خيمة الاجتماع، وتابوت العهد، وما حدث لبني إسرائيل في غيبة موسى عليه السلام.

اخوان الصفا

جماعة «إخوان الصفا» ؟

 

معلومات لا تعرفها عن جماعة «إخوان الصفا» ؟ – عادل العوا

ليس من الغلو أن يعدَّ البحث في موضوع إخوان الصفا بحثاً عن لغز، بل عن كنز ثقافي عربي إنساني النزعة، تود فئات من المفكرين والعقائديين الاعتزاء له، إن لم يسعفها ادعاء انتمائه إليها، كما حاول أنصار فرق إسلامية شتى، وما يزالون.

    فإذا اتجه النظر إلى البيئتين التاريخية والجغرافية التي يُفترض ظهور حركة إخوان الصفا فيهما، وهما القرن الرابع الهجري في ظل الدولة العباسية، بدءاً من البصرة، وفي حدود سنة 3733هـ، ظهر أن السيادة الدينية غالبة في التقويم السياسي والثقافي والاجتماعي. وقد عزف العباسيون عن العصبية العربية،واستعانوا بالفرس ثم بالترك. وما عتم أولو النفوذ من هذه الأقوام غير العربية أن أخذوا يستبدون بشؤون الملك، وباتت الخلافة البغدادية متهافتة يدب فيها الفساد والانحلال، ولاسيما عندما دخل أحمد بن بويه بغداد غازياً فاتحاً سنة 334هـ فقابله الخليفة المستكفي بالله، واحتفى به، وبايعه أحمد، وحلف كل منهما لصاحبه، هذا بالخلافة، وذاك بالسلطنة. وفي ذلك اليوم شرّف الخليفة بني بوية بالألقاب. وأضفى على أحمد لقب صاحب العمران، معز الدولة، وهو من الشيعة الزيدية فأضمر أن يزيل الخلافة لتولية خليفة من الشيعة العلوية.

    وقد كثرت في تلك الحقبة الثورات الانفصالية، وأسس العبيديون الدولة الفاطمية في مصر سنة 359هـ وازداد عبث القرمطية، وبلغت الحياة الاقتصادية والاجتماعية مبلغاً من السوء في العراق خاصة حتى أكل أهل بغداد الميتة والسنانير والكلاب. واشتد التفاوت الطبقي بين فئات الخاصة والعامة. وتميزت في صفوف الخاصة مراتب الخليفة وأهل الدولة وأرباب النفوذ من الأعيان وأتباع الخاصة من جندٍ وأعوانٍ وخدمٍ وطوائف العبيد والجواري والخصيان. كما تميزت من العامة فئات الأدباء والمثقفين الذين طمحوا إلى اللحاق بالخاصة وكذلك أرباب التجارات الثمينة والصناعات الراقية، وبقي بمعزل عن ذلك سواد سكان الريف وأهل المدن يعانون من الشطّار والعيارين.

    وقد واكب هذه الأوضاع صراع صريح اضطرم بين العرب المعتزين بمنزلتهم التليدة والشعوبية الداعية خاصة إلى المساواة الإسلامية.

    ولقيت حياة اللهو، بل المجون، مرتعاً خصباً إلى جانب ارتكاسات جد وتقشف،وزهد وتصوف. وانعكس ذلك كله في ازدهار خصومة «عقائدية» بين ملاحدة ومؤمنين،وزنادقة ومتكلمين وامتزجت في هذه المعارك ثقافات يونان وفارس والهند بالإبداع العربي الأصيل وبأطلال الثقافات الغابرة: زرادشتية وآشورية وثنوية ومجوسية.

    وبقول وجيز: «لم يعرف المسلمون عصراً كالقرن الرابع للهجرة تناقضت فيه حياتهم العامة أشد التناقض» كما يقول طه حسين. وما لبث جدل هذا التناقض أن تمخض عن حركة تعكس معطياته وترمي إلى تجاوزها نحو ما هو أليق بالحياة الإنسانية بوجه عام. وتلكم هي – بوجه من أوجه الاعتبار الأساسي – حركة إخوان الصفاء.

    إن نظرة أولى إلى أقدم إشارة علنية صحيحة وصلت عن هذه الحركة السرية، بل المكتومة تُشعر بالظرف الذي نشأت فيه، كما تُنبئ – بشيء كافٍ من الدقة – بالارتكاس الشديد الذي اكتنف ظهورها، وقابل دعوتها وإنتاجها الثقافي، وكان علامة تسويغ سريتها وكتمانها.

    نعت أبو حيان التوحيدي [ر] في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» حياة الناس في زمنه بأنهم في «ظلمات البر والبحر، أعني الجهل وقلة الحياء». وأجاب في وصف زيد بن رفاعة بقوله:

    «هناك ذكاء غالب، وذهن وقاد، ويقظة حاضرة، وسوانح متناصرة، ومتسع في فنون النظم والنثر… وتبصر في الآراء والديانات، وتصرف في كل فن… وقد أقام بالبصرة زماناً طويلاً، وصادف بها جماعة جامعة لأصناف العلم، وأنواع الصناعة: منهم أبو سليمان محمد بن معشر البستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني والعوفي، وغيرهم فصحبهم وخدمهم».

    وأضاف قائلاً: «وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعشرة،وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قرّبوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله،والمصير إلى جنته.وذلك أنهم قالوا: الشريعة قد دُنست بالجهالات،واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة. وذلك لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية،والمصلحة الاجتهادية. وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية، فقد حصل الكمال».

    ولما جهر أبو حيان بهذا التعريف «المعاصر العليم»، ثارت حفيظة سيد تلك الندوة الثقافية «المتحررة» نفسه، فأنكر محمد بن بهرام وهو أبو سليمان المنطقي السجستاني مسعى الإخوان قائلاً كما يذكر صاحب «الإمتاع والمؤانسة»: «إنهم ظنوا ما لا يكون، وما لا يمكن، ولا يستطاع. ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة – التي هي علم النجوم والأفلاك والمجسطي والمقادير وآثار الطبيعة والموسيقى والمنطق…- في الشريعة،وأن يضموا الشريعة للفلسفة، وهذا مرام دونه حَدَد.. والله تعالى تمم الدين بنبيه، ولم يحوجه بعد البيان الوارد بالوحي إلى بيان موضوع بالرأي… وأين الشيء المأخوذ بالوحي النازل، من الشيء المأخوذ بالرأي الزائل.

    وبالجملة: النبي فوق الفيلسوف. والفيلسوف دون النبي..». وعندما أهاج الحريري غلام بن طرارة  يوماً في الوراقين (المقدسي)، وهو من إخوان الصفاء، اندفع مفصحاً عن بعض رأيه قائلاً: «الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب الأصحاء والأنبياء يطبون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم، وحتى يزول المرض بالعافية فقط.

    أما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلاً… وإنما جمعنا بين الفلسفة والشريعة، لأن الفلسفة معترفة بالشريعة، وإن كانت الشريعة جاحدة بها، وإنما جمعنا أيضاً بينهما لأن الشريعة عامة، والفلسفة خاصة، والعامة قوامها بالخاصة».

    فحركة إخوان الصفاء تود جمع الفلسفة والشريعة،ولكنها ترجح – كما سيأتي – جانب العقل الانتقادي على الإيمان الاتباعي. وقد ضمّ تنظيمها نخبة من «الجادين»، كما يقول ستانلي لين – بول، الذين أخذوا يجتمعون في أماكن خاصة،ومواعيد دورية معينة، على اختلاف رتبهم. وأطلقوا على أنفسهم اسم:

    «إخوان الصفاء، وخلاّن الوفاء، أهل العدل، وأبناء الحمد». وقد أصبحت العبارة الأولى كافية للدلالة عليهم، يضاف إليها في الغالب العبارة الثانية. ولكن جلّ الباحثين، على الأقل لم يفطنوا إلى دلالة العبارتين الأخيرتين. وسنبين مقصدهما في نظر الإخوان.

    كتم إخوان الصفاء أسماءهم، وأسرّوا عددهم، وامتنعوا عن البوح بأسرار جماعتهم، ولم يصل من آثارهم المباشرة إلا نوعان من رسائل تنسب إليهم. النوع الأول يضم خمسين بل إحدى وخمسين رسالة وهبوها للناس عامة، وبثّوها في الوراقين، ولا تكاد تجتمع كلها لدى شخص واحد – وقد نشرت في بومباي سنة 1305هـ، ثم أعيدت طباعتها في القاهرة سنة 1928م بتصحيح خير الدين الزركلي.

    والنوع الآخر هو «الرسالة الجامعة» – وقد طبعت بدمشق بتحقيق الدكتور جميل صليبا سنة 1948م – ويرى عارف تامر أنه نشر ما يسميه «جامعة الجامعة» في بيروت سنة 1959م.

    مؤلفو الرسائل

    كثرت النظريات التي تحاول فك لغز إخوان الصفاء، وتعارضت وتناقضت. وبعضها يذكر أسماء أعلام وضعوا الرسائل، فرادى أو مجتمعين، وبعضها الآخر يعزوها إلى فرق أو تيارات معروفة، معاصرة أو سابقة، وربما لاحقة.

    فمن قائل إن الرسائل من وضع مسلمة المجريطي، أو تلميذه أبي الحكم الكرماني. ولدى الرجوع إلى المخطوطة المحفوظة في المكتبة الوطنية بباريس برقم 2303، وهي أساس هذه النظرية، وُجد اسم المجريطي مكتوباً على حرفها جرياً على العادة القديمة بكتابة اسم مالك النسخة على جملة أوراقها فيقرأ الاسم عند جمع جوانب صفحات النسخة بإغلاقها. وبذا تبدد وهم القول بأن المجريطي مؤلف الرسائل، أو الرسالة الجامعة، وصح عدّه، أو تلميذه، أول من حمل الرسائل إلى بلاد الأندلس.

    والنظرية الثانية تنسب الرسائل إلى بعض أئمة الإسماعيلية، وهو تارة الإمام جعفر الصادق، وأخرى الإمام أحمد بن عبد الله، ثاني أئمة دور الستر. ولكن النسبتين غير صحيحتين، يرفضهما باحثون كثر، ويدحضهما النظر الانتقادي. وفي هذا المنحى يرى عبد اللطيف الطيباوي أن هناك من ينسب الرسائل إلى صحابي، أو إلى علي بن أبي طالب أو إلى معتزلي لم يذكر اسمه، أو إلى جابر بن حيان، أو إلى الحلاج، أو إلى الغزالي،على الرغم من تناقض فحوى الرسائل مع مذاهب جلّ هؤلاء الأعلام.

    والنظرية الثالثة تأخذ بما دار في ندوة أبي سليمان السجستاني وترى أن الرسائل من وضع خمسة من الأعلام المذكورين فيها. ويؤكد مصطفى غالب أنه عثر بعد محاولات كثيرة على أسماء بعض مؤلفي الرسائل من بعض المخطوطات الإسماعيلية السرية، وهم: 1ـ أبو سليمان محمد بن معشر البستي، ويعرف بالمقدسي، 2ـ أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، 3ـ أبو أحمد المهرجاني، 4ـ أبوالحسن العوفي، 5ـ أبو حيان التوحيدي، 6ـ زيد بن رفاعة، 7ـ محمد أبو الفرج، 8ـ أبو سليمان محمد بن طاهر السجستاني، 9ـ أبو زكريا العامري، 10ـ عبد السلام بن الحسن البصري، 11ـ أبو سفيان، 12ـ الحلواني، وقد أشير إلى إنكار السجستاني وغيره من أعضاء الندوة آراء الإخوان.

    أما الذين يعزون تأليف الرسائل إلى فرق معينة فإنهم ينسبون جماعة الإخوان إلى القرمطية أو النصيرية أو الدرزية أو الإسماعيلية.

    من ذلك أن ماسينيون يعد إخوان الصفاء من القرامطة. ولكن نص الرسائل ينكر فعال القرامطة واقتلاعهم الحجر الأسود، ويتهم مزدك الخرَّمي الذي ترتبط به القرمطية بالتمويه والتزوير على قلوب العامة والجهال.

    وإذ يكتفي الغزالي [ر] في «المنقذ» بفضح إخوان الصفاء لاستدراجهم قلوب الحمقى إلى باطلهم، يقرر ابن تيمية في «فتاويه» تماثل مذهب الإخوان والعقيدة النصيرية. ولكن نصوص الرسائل لا تنمّ عن هذا الالتقاء إلا إذا قصد ابن تيمية تأثر النصيرية بالرسائل لقوله: إن أصحاب الرسائل من أئمتهم. وفي الرسائل ذكر لمحمد r على أنه مدينة العلم، وأن علياً بابها، لكن لا يذكر اسم سلمان الفارسي إلا مرة واحدة، وعلى أنه من الصحابة وحسب.

    وفي مجال آخر يرى مكدونالد أن انتقائية الإخوان هي المذهب الحقيقي للفاطميين والحشاشين والقرامطة والدروز. ولكن من الثابت أن الرسائل سبقت ظهور المذهب الدرزي المتصل باختفاء الحاكم بأمر الله سنة 411هـ ويؤكد عمر فروخ صلة الرسائل بالمذهب الدرزي، ولكن على أساس تأثره بها، ولا عكس.

    وتبقى النظرية الإسماعيلية الشهيرة التي قال بها كثيرون من الإسماعيليين خاصة، وقد أفادوا – عقائدياً وسياسياً – من غموض أسلوب الرسائل فنسبوها كما فعل الداعي إدريس عماد الدين إلى الأمام المستور أحمد بن عبد الله أو نسبوها إلى الدعوة الطيبية اليمنية كما فعل حسين همداني. والأرجح أن أول ذكرِ للرسائل في المؤلفات الإسماعيلية يرجع إلى سنة 557هـ، وهذا يعني أن صلة الإسماعيلية بالرسائل هي صلة استفادة جرت في اتجاه واحد لاحق بالزمن المرجح لوضع الرسائل. وقد حكم برنارد لويس بأن الرسائل ليست إسماعيلية، بل قريبة منها.

    والثابت أن هذا القرب هو متح الإسماعيلية (وفرقها الفرعية، ومنها ما في قلعة ألموت) من الرسائل، وذيوعها بينهم، وإجلالهم إياها.

    ويكفي أن نلمح إلى أن مذهب الإخوان، وهو إنساني عقلي انتقادي، ينكر الاتّباع والطاعة العمياء، ويرى أن الديانات كلها – وليس الإسلام وحده – تقع على صعيد واحد، يبذّه صعيد الفلسفات وما يكتشفه الباحثون في الكون وفي أنفسهم، أما الإسماعيلية فهي موقف ديني، وهي تُلزم «بآداب اتباع الأئمة» وطاعتهم دوماً، بالدرجة الأولى.

    وفي إثر هذه النظريات المتنوعة «المرفوضة» يعتقد أن معطيات الرسائل تبرهن على استقلال حركة إخوان الصفاء عن جميع الحركات المذكورة وتثبت مباينة غرضهم لأغراضها كافة.

    ومن الراجح القول بأن جماعة إخوان الصفا يمثلون مرحلة متقدمة من مراحل تطور الفكر الاعتزالي المتأخر، وأن مذهبهم مذهب أخلاقي إنساني وتعاوني اشتراكي مثالي: فاسم جماعة إخوان الصفا الكامل يشير هو ذاته في عبارتيه الأخيرتين إلى أنهم «أهل العدل، وأبناء الحمد».

    ولا يخفى أن «أهل العدل» من تسميات المعتزلة، وأن مبدأ العدل ركن أساسي من أركان الاعتزال، وأهله العقلانيون هم المحمودون في نظر الإخوان، لأن الناظم العقلي هو الرباط الإنساني الوحيد الذي يجعل إخوان الصفاء يتجاوزون كلامية المعتزلة السابقين إلى الشمولية الإنسانية للمعتزلة العقلانيين.

    مضمون الرسائل

    تصدت نصوص الرسائل والرسالة الجامعة لجميع فروع المعرفة والعمل، وألمت بالمعطيات العلمية والفلسفية والدينية الذائعة في عصر أصحابها، فبدت جملتها في إهاب موسوعة شاملة تضم فنون الأدب وغرائب العلوم وطرائف الحكم وقد جعلها المؤلفون في أربعة أقسام:

    القسم الأول يشتمل على الرسائل الرياضية التعليمية. وهي تتناول موضوعات العدد، والهندسة، والنجوم، والجغرافية، والموسيقى، والنسب العددية والصنائع العلمية النظرية، والصنائع العملية والأخلاق، كما تبحث موضوعات منطقية مثل ايساغوجي، والمقولات، والعبارة والقياس والبرهان.

    والقسم الثاني يشتمل على الرسائل الجسمانية الطبيعية. ويعالج موضوعات الهيولى والمادة، والسماء والعالم، والكون والفساد، والآثار العلوية، وتكوين المعادن، وأجناس النبات، وتكوين الحيوانات وأصنافها، وماهية الطبيعة، وتركيب الجسد، والحاس والمحسوس، ومسقط النطفة، وأن الإنسان عالم صغير، ونشوء الأنفس الجزئية، وطاقة الإنسان في المعارف، وحكمة الموت والحياة، وخاصية اللذات، وعلل اختلاف اللغات، ورسوم الخطوط والعبارات.

    والقسم الثالث يشتمل على الرسائل النفسانية العقلية. ويبحث في المبادئ العقلية على رأي الفيثاغوريين، والمبادئ العقلية على رأي إخوان الصفاء، ومعنى قول الحكماء أن العالم إنسان كبير، والعقل والمعقول، والأكوار والأدوار، وماهية العشق، وماهية العبث، وكمية أجناس الحركات، والعلل والمعلولات، والحدود والرسوم.

    والقسم الرابع يشتمل على الرسائل الناموسية الإلهية. وهي تتناول الآراء والمذاهب، وماهية الطريق إلى الله، وبيان اعتقاد إخوان الصفاء، وكيفية عشرتهم، وماهية الإيمان وخصال المؤمنين المحققين، وماهية الناموس الإلهي والوضع الشرعي، وكيفية الدعوة إلى الله، وكيفية أفعال الروحانيين، وكمية أنواع السياسات، وكيفية نضد العالم بأسره، وماهية السحر والعزائم.

    ولعل من أبرز ما ينبغي التنبه له هو أن ضروب المعارف المصوغة في الرسائل لا تقرر عَرْضاً موضوعياً لحقائق يؤمن بها الإخوان، بل هي سلاح دعاوة تحث القارئ والسامع، على الانضمام إلى الجماعة «ليرى كل واحد منهم، ويعلم، أنه لا يتم له ما يريد من صلاح معيشة الدنيا، ونيل الفوز والنجاة في الآخرة، إلا بمعاونة كل واحد منهم لصاحبه. وأما السبب الذي يحفظهم على تلك الحال فهو المحبة، والرحمة، والشفقة، والرفق من كل واحد منهم، والمساواة فيما يريد ويحب ويبغض ويكره لنفسه. وهذه الشرائط تتم وتدوم إذا علم كل واحد منهم أن أنفسهم نفس واحدة، وإن كانت أجسادهم متفرقة». ولذا توجد في كل منعطف رسالة، أو فصل، أو فقرة أحياناً، دعوة حارة لتلبية النداء، وحسن اختيار الأخ الجديد، ولا سيما من «الشباب السالمي الصدور، الراغبين في الآداب، المبتدئين بالنظر في العلوم، المريدين طريق الحق والدار الآخرة، التاركين الهوى والجدل، غير المتعصبين على المذاهب».

    وهذا النداء يخاطب الناس كافة لأن للجماعة «إخواناً وأصدقاء من كرام الناس وفضلائهم، متفرقين في البلاد: فمنم طائفة من أولاد الملوك والأمراء والوزراء والعمال والكتّاب، ومنهم طائفة من أولاد الأشراف والدهاقين والتجار والتُّنّاء. ومنهم طائفة من أولاد العلماء والأدباء والفقهاء وحملة الدين. ومنهم طائفة من أولاد الصناع والمتصرفين وأمناء الناس».

    وطبيعي أن يوجب هذا التنوع في النداء تنوعاً في أسلوب الرسائل من حيث استخدام الرمز والتأويل، والتبسيط والتعقيد، والاقتباس والتضمين، والإيجاز والإسهاب، أي مختلف سبل الترغيب خاصة، كل ذلك ينوس بين وضوح المعطيات العلمية والتعمية الهادفة في النصوص المذهبية، وبذا تختلف مخاطبة المتفلسفين الشاكين في أمر الشريعة، الغافلين عن أسرار الكتب النبوية، عن خطاب الشاكين في أمر النفس، المتحيرين في اختلاف أقاويل العلماء فيها، اختلافها عن مخاطبة العمال والكتّاب، ومخاطبة الملوك والسلاطين، ومخاطبة أهل العلم الغافلين عن أمر النفس، والمعرضين عن معرفة جوهرها، وكذلك عن مخاطبة المتشيعين. وإلى هؤلاء يقول مؤلفو الرسائل: «ومما يجمعنا وإياك أيها الأخ البار الرحيم محبة نبينا عليه السلام وأهل بيت نبيه [كذا] الطاهرين، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.. وحرمة الأدب والخروج من جملة العوام.. وقد أنفذنا إليك أخاً من إخواننا قد ارتضيناه في بصيرته.. فإذا سمعت أقاويلنا وفهمت معانيها.. أجبتنا بصدق القول..».

    وعلى هذا المنوال يتجه إخوان الصفاء إلى أصحاب العقائد والآراء، حتى إلى الشيعة،وهم ليسوا منهم، لحثهم على اعتناق مذهبهم الذي يجاوز سائر الآراء السائدة، ويتخطى الانحياز «الانعزالي» فيبرأ من التعصب لأي مذهب آخر علمي أو فلسفي أو ديني، فمذهبهم يضم المذاهب كلها، والحقيقة حقيقتهم. يقولون:

    «إن الحق هو ما اجتمعنا عليه الآن». ولذا فإن حقيقتهم لا تصدر عن سواهم، ولا تؤخذ تعليماً عن غيرهم، ولو كان إماماً. وإنما مصدرها رباعي، وطريقة نوالها عقلية. فهم يذكرون أن علومهم مأخوذة من كتب أربعة: أحدها الكتب المصنفة على ألسنة الحكماء والفلاسفة من الرياضيات والطبيعيات، والآخر الكتب المنزلة التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام مثل التوراة والإنجيل والفرقان وغيرها، والثالث الكتب الطبيعية، وهي صور أشكال الموجودات بما هي عليه الآن من تركيب الأفلاك وأقسام البروج… وفنون الكائنات من المعادن والحيوان والنبات وأصناف المصنوعات على أيدي البشر، والرابع الكتب الإلهية التي لا يمسها إلا المطهرون الملائكة التي هي بأيدي سفرة كرام بررة، وهي جواهر النفوس وأجناسها وأنواعها.

    وبقول آخر،يجمع مفكرو الإخوان إلى معطيات الثقافة العلمية والفلسفية والدينية المتنوعة معاناة التجربة الكونية والنفسية ليصنعوا من ذلك كله، بأنفسهم، حقيقتهم الإنسانية التي تجعل مذهبهم يستغرق كل المذاهب، وأداتهم الوحيدة هي العقل السليم المعافى البريء من الآفات العارضة كالهوى الغالب نحو شيء ما، والعجب المفرط من المرء برأي نفسه، والكبر المانع عن قبول الحق، والحسد الدائم للأقران وأبناء الجنس، والحرص الشديد على طلب الشهوات، والعجلة وقلة التثبت في الأمور، والبغض والعداوة عند الحكومة والخصومات، وحب الرياسة من غير استحقاق.

    وبهذه الأداة «النوعية» المتميزة يعالج إخوان الصفاء كل ما تتناوله بحوثهم فيحكمون بصواب الآراء أو خلطها ولا يحجمون عن كشف النقاب عن مساوئها وأضرارها وفساد منتحلها. وهذا هو الجانب الانتقادي الذي حمل إخوان الصفاء على اعتماد التنظيم السري، وتمويه عرض ما يعرضون من جوانب مذهبهم كما فعلوا في كلامهم عن خصومة العجماوات وثورتها على البشر، إذ نجد المؤلفين يعبرون، بما لا يحبون الإفصاح عنه، بكلام صريح، ونقد مباشر يفضح آراء معاصريهم وسلوكهم سواء بسواء.

    فمن الآراء الفاسدة المؤلمة لنفوس أصحابها، مثلاً، اعتقاد من يرى أن روح القدس الذي قتلته اليهود، وصلبت ناسوته، ذهب لاهوته لما رأى ما نزل بناسوته من العذاب فتركه مخذولاً. ومنها من يعتقد أن الإمام الفاضل المنتظر الهادي مختف لا يظهر من خوف المخالفين.. فيبقى طوال عمره منتظراً لخروج إمامه، ثم يمضي عمره ويموت حسرة وغصة، لا يعرف إمامه، ولا شخصه. وإنما مسألة الإمامة من أمهات مسائل الخلاف التي كثر فيها القيل والقال، وبدت بين الخائضين فيها العداوة والبغضاء، وجرت بين طالبيها الحروب والقتال.. وهي باقية إلى يومنا هذا.

    إن نفوس الجهال كلها موتى بالقياس إلى نفوس العلماء… وإن حياة النفوس ويقظتها هي المعارف والعلوم. انظر يا أخي بعقلك، وميز ببصيرتك، واختر لنفسك، فالسبيل إلى الشفاء من الجهل والخطأ ماثل في أن «الله جعل في جبلّة الإنسان وطبيعته ألا يأتمر أحد من العقلاء لغيره، ولا يطيعه إلا رغبة أو رهبة». وإن أسوأ الناس مذهباً. وأشنعهم رأياً من يعتقد أمراً ويكون عقله منكراً عليه، ونفسه مرتابة.

    ومما ذهب إليه إخوان الصفاء مما لا يقره الفكر الديني المعاصر لهم عامة، وما يسوّغ لجوء الإخوان إلى الرمز والحكاية على ألسن العجماوات قول (زعيم الطيور) منتقداً: « إعلم أيها الإنسي أن الأنبياء عليهم السلام هم أطباء النفوس ومنجموها. ولا يحتاج إلى الطبيب إلا المرضى وصاحب العلة المزمنة، ولا يحتاج إلى المنجّم إلا المنحوسون الأشقياء والضالون عن نجم الهدى… ثم اعلم أن الغسل والطهارة إنما فُرضت عليكم من أجل ما يعرض لكم عند النكاح وشدة الشبق وشهوة الزنا.. وأما الصوم والصلاة فإنما فرضت عليكم ليكفر عنكم سيئاتكم من الغيبة والنميمة والقبح من الكلام واللعب واللهو والهذيان.. وأما الصدقات والزكاة فإنما فرضت عليكم من أجل أنكم تجمعون من فضول الأموال الحلال والحرام والغصب والسرقة واللصوصية، من البخس في الكيل والموازين وكثرة الجمع والذخائر والإمساك عن النفقة في الواجبات فضلاً عن المسنونات، والبخل والشح والاحتكار ومنع الحقوق». وأما (الببغاء) فيقول: «خذ الآن أيها الإنسي إزاء كل ما ذكرت وافتخرت به بقولك قولاً آخر معكوساً، وبدل كل حسن نسبت أصنافاً أخر قبيحة: وذلك أن عندكم الفراعنة، والنماردة، والجبابرة، والفسقة، والمشركين، والمنافقين، والملحدين، والمارقين، والناكثين، والخوارج، وقطاع الطرق، واللصوص، والعيارين، والطرارين. ومنكم أيضاً الدجالون، والباغون، والطاغون، والمرتابون.

    ومنكم أيضاً القوادون، والمخانيث، والمؤاجرون، واللواطة، والسحاقات، والبغايا. ومنكم أيضاً الغمازون،والكذابون،والنباشون. ومنكم أيضاً السفهاء، والجهال، والأغبياء، والناقصون، وما شاكل هذه الأوصاف والأصناف والطبقات المذمومة أخلاق أهلها، الردية طباعهم، القبيحة سيرتهم وأفعالهم، السيئة سيرهم وأعمالهم»… يستوي في هذا النقد الشعراء، والخطباء، والمتكلمون، والمنجمون، والراقون، والأطباء، والمهندسون، والتجار، والرؤساء، والدهاقين، والكتّاب، والعمال، والقرّاء والعبّاد، والفقهاء، والعلماء، والقضاة، والعدول، حتى الخلفاء «الذين تزعمون أنهم ورثة الأنبياء… الذين يسمون باسم الخلافة، ويسيرون بسيرة الجبابرة، وينهون عن منكرات الأمور، ويرتكبون هم منها كل محظور… اتخذوا عباد الله خولاً، وأيامهم دولاً، وأموالهم مغنماً، فبدّلوا نعمة الله كفراً، واستطالوا على الناس افتخاراً… إذا ولي أحد منهم ابتدأ أولاً بالقبض على من تقدمت له حرمة لآبائه وأسلافه وأزال نعمته، وربما قتل أعمامه وإخوانه وأبناء عمه وأقرباءه وربما كحلهم، أو حبسهم، ونفاهم، وتبرأ منهم..».

    أما مذهب إخوان الصفاء فإنه «ملذ لنفوس معتقديه، مفرح لقلوبهم، مبشر لأرواحهم. فهو سفينة النجاة، الموصلة للمدينة الفاضلة الروحانية» وهي مأوى الأرواح، وينبغي بعد الاجتماع على الشرائط من صفوة الإخوان التعاون لبنائها في مملكة صاحب الناموس الأكبر، فإذا دخلت أيها الأخ «مدينتنا الروحانية، وسرت بسيرتنا المَلَكية، وعملت بسنتنا الزكية، وتفقهت في شريعتنا العقلية فلعلك تؤيد بروح الحياة لتنظر إلى الملأ الأعلى، وتعيش عيش السعداء، فرحاناً مسروراً، ملتذاً مخلداً أبداً بنفسك الباقية الشريفة النيرة الخفية الشفافة لا بجثتك الدنية المظلمة الثقيلة المتغيرة المستحيلة الفاسدة الهالكة».

    وأصحاب هذا المذهب، أولياء الله، يتطلعون في الدنيا إلى تعاونية اشتراكية إنسانية متآخية. أفلا يتفاوت الناس في العلم والمال؟ إذن ينبغي على من رزق المال والعلم جميعاً أن يؤدي شكر ما أنعم الله عليه به بأن يضم إليه أخاً من إخوانه ممن قد حرمها جميعاً، ويواسيه من فضل ما آتاه الله تعالى من المال ليقيم به حياة جسده في دار الدنيا، ويرفده ويعلمه من علمه لتحيا به نفسه للبقاء في دار الآخرة…

    ولا يمنّ عليه بما ينفق عليه من المال، ولا يستحقره، ويعلم أن الذي حرم أخاه هو الذي أعطاه.

    ولكن المعاونة «بقوة الأجسام على أمور الدنيا من أبلغ ما يكون لأبناء الدنيا فيما يريدون، وأسهلها عليهم فيما يقصدون». أما المعاونة بين الإخوان بالعلوم والمعارف فهي أبلغ ما يقصدون؛ لأن أحداً لا يمكن أن يدخل مدينتهم متى لم يكن علمه مساوياً لعلمهم.

     ولقوة نفوس الإخوان في هذا الأمر أربع مراتب:

    أولها: صفاء جواهر نفوسهم، وجودة القبول، وسرعة التصور،وهي مرتبة أرباب الصنائع في مدينتهم. ويسمون في الرسائل: الإخوان الأبرار الرحماء. وفوق هذه المرتبة مرتبة الرؤساء ذوي السياسة وهي مراعاة الإخوان، وسخاء النفس، وإعطاء الفيض بالشفقة والرحمة والتحنن على الإخوان.. ويسمون في الرسائل: الإخوان الأخيار الفضلاء. والمرتبة الثالثة فوق هذه وهي مرتبة الملوك ذوي السلطان والأمر والنهي، والنصر والقيام بدفع العناد والخلاف، ويسمون في الرسائل: الإخوان الفضلاء الكرام. والرابعة فوق هذه وهي التي يدعى إليها الإخوان كافة في أي مرتبة كانوا، وهي مرتبة التسليم، وقبول التأييد، ومشاهدة الحق عياناً،وعليها ترد قوة المعراج، وبها تصعد إلى ملكوت السماء، وإلى هذه المرتبة أشار الله تعالى بقوله: )يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية(. وإليها أشار إبراهيم ويوسف والمسيح ومحمد وسقراط وفيثاغورس وبلوهر.وإليها يدعو الإخوان إخوانهم جميعاً،ويطلبون إليهم الإقرار باللسان،والتصور لهذا الأمر بضروب الأمثال للوضوح والبيان، والتصديق له بالضمير والاعتقاد له بالاجتهاد في الأعمال.

    ويعلن الإخوان أنهم بذلوا مجهودهم في هداية الضالين،وإرشاد التائهين، وتنبيه الغافلين، وخاطبوا كل قوم وصنف منهم بما هو أصلح أن يخاطبوهم به في رسائلهم. وفي الرسالة الخمسين فصل جامع يقولون فيه: «ونحن نأمرك أيها الأخ السعيد أن تتبع ما أمرناك به فإنك تنال السعادة العظمى ديناً ودنيا إن شاء الله تعالى،وإنما سميناه الفصل الجامع لأنه جمع أصل سعادات المنافع. واعلم أن منفعة الإنسان تكون من وجهتين لا ثالث لهما: دنيوية وأخروية، جسمانية ونفسانية. وإذا كملت للإنسان هاتان السياستان استحق اسم الإنسانية، وتهيأت نفسه لقبول الصور الملكية، والانتقال إلى مرتبة السماوية عند مفارقة الجسد بالحال التي تسمى الموت النازل عليه،والاضمحلال الواصل إليه».

    السياسة الجسمانية مطلب عافية ودفع سقم وأذى. «إنك إذا لم تحمل على جسمك من المآكل والمشارب والباءة والحركة إلا معتدلاً لازمتك العافية، وعدمت الأسقام». والسياسة النفسانية أن تكون «أخلاقك رضية، وعاداتك جميلة، وأفعالك مستقيمة، تؤدي الأمانة إلى أهلها، كائناً من كان، من ولي وعدو، .. وأن تعوّد نفسك عمل الخير لأنه خير، لا تريد بفعلك عوضاً، ولا يحملك على فعله خوف.

    فمتى فعلت لطلب المكافأة لم يكن خيراً، وإن لم تطلب المكافأة، وإن أردت الذكر والاسم كن أيضاً منافقاً،والمنافق لا يستأهل أن يكون في جوار الروحانيين. وأما سياسة الأصحاب فلا تكون إلا بعد المعرفة بهم،والاطلاع عليهم، ومعرفة أحوالهم: أن لا يخفى عليك من أمرهم صغيرة ولا كبيرة لتسوس كل واحد منهم السياسة التي تليق به دنيا وديناً.. فيجب أن تظهر لهم القرب بالبعد، واللين بالغلظة، والأنس بالوحشة والكرم بالشح، والموعظة بإلقاء العلم إليهم بمقدار ما يحتملونه، وبحسب ما يستوجبونه.. ولا تخص أصحاب النسب الجسداني بما لا تبديه لأهل النسب الروحاني».

    «إن كل صداقة تكون لسبب ما. فإذا انقطع ذلك السبب بطلت تلك الصداقة إلا صداقة إخوان الصفاء، فإن صداقتهم قرابة رحم، ورحمهم أن يعيش بعضهم لبعض، ويرث بعضهم بعضاً، وذلك أنهم يرون ويعتقدون أنهم نفس واحدة في أجساد متفرقة» ويلحق بهذه القرابة قرابة الولادة الروحانية بطريق التعليم. «اعلم أن المعلم والأستاذ أب لنفسك وسبب لنشوئها، وعلة حياتها، كما أن والدك أب لجسدك وكان سبباً لوجوده. وذلك أن المعلم يغذي نفسك بالعلوم، ويربيها بالمعارف، ويهديها طريق النعيم، واللذة، والسرور، والأبدية، والراحة السرمدية».

    وقوام هذه العلوم والمعارف في نظر الإخوان بناؤها على أصل واحد، وقياس واحد، وهو صورة الإنسان، «لأن صورة الإنسان أكبر حجة لله على خلقه، ولأنها أقرب إليهم، ودلائلها أوضح، وبراهينها أصح. وهي الكتاب الذي كتبه بيده وهي الهيكل الذي بناه بحكمته، وهي الميزان الذي وضعه بين خلقه، وهي المكيال الذي يكيل لهم به يوم الدين ما يستحقونه من الثواب والجزاء، وهي المجموع فيها صور العالمين جميعاً». وقد لخص إخوان الصفا بأنفسهم المثل الأعلى لمذهبهم الذي يستغرق المذاهب كافة، وهو يعكس في الوقت ذاته حال المعارف والعلوم في زمنهم وبيئتهم، ويمثل مفهومهم عن الإنسان بقولهم إنه «العالم، الخبير، الفاضل، الذكي، المستبصر: الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة، الملكي الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف،الصمداني».

    تأثير إخوان الصفاء

    لا يخفى أن حركة إخوان الصفاء، وقد كانت تشكو دولة الشر، لم تحقق سياسياً وتاريخياً دولة الخير، بالمعنى المادي. ولكن تأثيرها الفكري والثقافي ظل نامياً باطراد لدى أفراد وجماعات. فقد ذكر حاجي خليفة في «كشف الظنون» أن رجلاً من الخراسانيين انتخب كتاباً أسماه «مجمل الحكمة» ألفه بالفارسية، بحذف الحشو وإيضاح الرموز من رسائل إخوان الصفاء. وذهب آ. برييه A.périer إلى أن الفيلسوف يحيى بن عدي كان على علاقة بإخوان الصفاء. ومن المتفق عليه كما يؤكد طه حسين في «ذكرى أبو العلاء» أن المعري قد لقي إخوان الصفاء في بغداد، أو فرعاً من فروع منظمتهم. وقد أشير إلى نقد الغزالي منهجية الإخوان على الرغم من أنه لم يلصق بهم سمة الباطنية. وأشار ابن سبعين إلى تأثر الغزالي برسائل الإخوان. وصرح ابن الهيثم كما ذكر ابن أبي أصيبعة في «عيون الأنباء» بأنه قرأ عدداً من الرسائل أطلعه عليها أحد سكان البصرة. وألمع المحبي في «خلاصة الأثر» إلى تساؤل المفكرين عن تحريم قراءة الرسائل. وعني ابن بشكوال وابن حجر المكي بموضوع الرسائل.

    واقتبس السيد محمد العيناتي وهو من أعلام القرن الحادي عشر الهجري فصولاً كثيرة من رسائل إخوان الصفاء ضمنها كتابه «آداب النفس» المنشور في طهران (1380هـ). ولم تخل «لُمع» الطوسي قديماً من إيراد صفحات من الرسائل.

    أما في الأندلس، فقد عنيت مدرسة المجريطي الكرماني بالرسائل كما ذكرنا. ويرى جرجي زيدان أن ذلك كان منطلق الحركة الفلسفية الإسلامية في بلاد المغرب. وقد اقتبس ابن عربي عبارة الإخوان الشهيرة: «أيدنا الله وإياك بروح منه»، ولاسيما في «الفتوحات المكية». وبرهن آسين بالاسيوس A. Palacios على تأثير الرسائل في القسيس انسلمو تورماداA.Turmeda الذي أسلم في تونس وعمل للسلطان عبد العباس أحمد الحفصي وابنه عبد العزيز. ويذكر عبد اللطيف الطيباوي أن يوسف بن صادق نقل إلى العبرية كتاباً باسم: إخوان الصفاء. وترجم كالونيموس بن كالونيموس Kalonymos fils De Kalonymos إحدى الرسائل في القرن الثالث عشر للميلاد. وأثبت دي ساسيDe Sacy تأثير الرسائل في اليهودي باهيا بن باكودا Bahya Iben Bakuda الذي عاش في القرن الحادي عشر.

    وقد سبقت الإشارة إلى تأثير حركة الإخوان ورسائلهم في فرق إسلامية كثيرة، ولكنه كان بوجه الدقة تأثيراً باتجاه واحد، ولا سيما في الإسماعيلية، وفي ماتفرع عنها، وخاصة الدرزية، وهذا التأثير يعكس آراء إخوان الصفا المصبوغة بالأفلاطونية – الجديدة. ويحكم كازانوفا Casamova.P بأن «مذهب الإخوان الشديد النقاء والسمو قد غدا بين يدي متعصبي الحشاشين الطموحين ينبوع فعال شنيعة». أما اهتمام العلماء الدارسين بموضوع إخوان الصفا ورسائلهم فما برح في الغرب ثم في الشرق آخذاً الاطراد منذ قرنين تقريباً. ولعل هذا الاهتمام الموصول يسوّغ قول مصطفى غالب في كتاب «فلاسفة من الشرق والغرب» إن هذا الموضوع «ملأ الدنيا، وشغل العلماء والمؤرخين، ولا يزال حتى الآن مثاراً للجدل والتخمين».

المصدر: الموسوعة العربية

أشهر قصائد الرثاء في الشّعر العربي

أشهر قصائد الرثاء في الشّعر العربي

قصائد في رثاء الملوك والمدن، رثاء الشّعراء، ورثاء الأحبة والأعزاء


 
صور من الأدب والشعر العربي

 تناول الشعر العربي مواضيع مختلفة، منها ما كان يتم تضمينه في بيت أو اثنين داخل القصيدة، ومنها ما أفردت له قصائد طويلة، حيث ينتمي الرثاء إلى الفئات الأساسية في الشعر العربي، التي استقلت بها قصائد كاملة.

للشعر العربي القديم أبواب بارزة، تبدأ بالمديح والهجاء، ثم الغزل، والرثاء، كانت هذه المواضيع الأساسية في الشعر، إضافة إلى عدة فئات أخرى، برع فيها شعراء العربية، كالصوفية، أو المدح النبوي…إلخ، كما فتح الشعر الحديث أبواباً جديدة، ومواضيع أكثر حداثة بالضرورة، لكننا سنستعرض فيه هذه المادة، أبرز قصائد الرثاء العربية، من الشعر القديم، والحديث.

رثاء الملوك والخلفاء والقادة

رثاء كليبٍ وائل ابن ربيعة

أول الصور التي نجدها في رثاء الملوك، هي أبياتٌ بديعة، للشاعر المهلهل، الزير سالم، يرثي فيها شقيقه وائل، ملك بكرٍ وتغلب، الذي قتله ابن عمه جساس بن مرة، فكانت حرب البسوس بين أبناء العمومة، والبسوس هي خالة جساس، التي قتل كليب ناقتها، فحرَّضت ابن أختها، حتى أخذ رمحه، وذهب يطلب جَمل كليب، لكنه وجد كليباً عند أحد الغدران النجدية، فطعنه برمحه وقتله، حيث اعتبر العرب أن البسوس، كانت وراء الحرب.

كان المهلهل زير نساء، حياته كلها لهو، وخمر، لا يكاد يستيقظ من السُكْر، لكنه تخلى عن تلك الحياة، عندما قُتل شقيقه الملك، وطلب ثأره من أبناء عمومته، فاندلعت حرب طويلة، استمرت ردحاً من الزمن، وكان الزير سالم بطلها، إلى أن انتهت بمقلته حوالي سنة 5311 ميلادية، دون أن يُعرف تاريخ ولادته، ولم يصلنا من شعر المهلهل إلا القليل، مما ذكر في كتب الأدب، ككتاب الأغاني لأبي فرجٍ الأصفهاني، كما أن أغلب آثاره في رثاء أخيه كليب، وما يميز شعر المهلهل، أن فيه رقة، اكتسبها من اللهو، والخمر، ومجالسة الجواري، لكن فيه رجولة الفارس، وشجاعة طالب الثأر،  ومن بين هذه الأبيات قوله:

كُـــليبُ لا خيرَ في الدُّنيا وما فـــــيها إن أنتَ خلَّيتها في من يُخلّــــــــيها

نعى النُّعاةُ كُــليـــباً فـــــقلتُ لــــــــهم سالتْ بنا الأرض أو زالتْ رواسيها

كما يقول متوعداً غريمهُ:

ذهبَ الصُّلحُ أو تردُّوا كليباً أو اُذيق الغدَاةَ شيبانَ ثُكْلَا

ذهبَ الصُّلحُ أو تردُّوا كليباً أو تَنالَ العُداة هوناً وذُلَّا

رثاء الخليفة عمر بن عبد العزيز

ومن رثاء الخلفاء، ما قاله الشريف الرضي، في الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (681-720 ميلادية)، الذي لقبه المسلمون، خامس الخلفاء الراشدين، وهو ثامن خلفاء بني أمية، عرف بالعدل، والحكمة، حيث عزل الظالمين من الولاة، واهتم بالعلم، وتدوين الحديث، فاستمرت خلافته منذ مبايعته سنة 91هـ، حتى موته مسموماً سنة 101هـ، ومما قاله الشريف الرضي في رثائه:

يا ابنَ عبدِ العزيزِ، لو بَكتْ العيــنُ فتى مِنْ أمية؛ لبكيتكْ

غير أنّي أقولُ : إنكَ قد طبـت وإن لم يطْب ولم يَزل بيتُكْ

ولو أنّي رأيتُ قبركَ لاستحــييتُ مِنْ أنْ أرى وما حييتكْ

وقليل أن لو بذلتُ ماءَ الــبدنِ حُزناً على الذرى وسقيتكْ

رثاء الأمير محمد بن اسحق التنوخي

ولشيخ الشعراء، أبي الطيب المتنبي، قصيدة بديعة في الرثاء، حيث نظم يرثي الأمير محمد ابن اسحق التنوخي، وهو من أمراء اللاذقية، الذين تزامن حكمهم، مع حكم سيف الدولة الحمداني في حلب، فشاءت الصدفة أن توافيه المنية، لدى نزول المتنبي في ضيافتهم، ليقول فيه:

إِنّي لَأَعلَمُ وَاللَبيبُ خَبيرُ أَنَّ الحَياةَ وَإِن حَرَصتَ غُرورُ

وَرَأَيتُ كُلًّ ما يُعَلِّلُ نَفسَهُ بِتَعِلَّةٍ وَإِلى الفَناءِ يَصيرُ

أَمُجاوِرَ الديماسِ رَهنَ قَرارَةٍ فيها الضِياءُ بِوَجهِهِ وَالنورُ

ما كُنتُ أَحسَبُ قَبلَ دَفنِكَ في الثَرى أَنَّ الكَواكِبَ في التُرابِ تَغورُ

ما كُنتُ آمُلُ قَبلَ نَعشِكَ أَن أَرى رَضوى عَلى أَيدي الرِجالِ تَسيرُ

خَرَجوا  بِهِ وَلِكُلِّ باكٍ خَلفَهُ صَعَقاتُ موسى  يَومَ دُكَّ  الطورُ

وَالشَمسُ في كَبِدِ السَماءِ مَريضَةٌ وَالأَرضُ واجِفَةٌ تَكادُ تَمورُ

رثاء القائد المملوكي الظاهر بيبرس

وفي رثاء القادة والسلاطين في العصر المملوكي، يقول الشاعر القاضي محي الدين بن عبد الظاهر، في رثاء السلطان الظاهر بيبرس، الذي كان مملوكاً يباع في أسواق النخاسة في بغداد، والشام، ثم صار من أشهر سلاطين المماليك، فحارب المغول، وهزمهم في عدة معارك، أبرزها معركة عين جالوت، في عهد سيف الدين قطز، مات الظاهر سلطاناً على الشام، ومصر، عام 676هـ، الموافق لعام 1277 ميلادية، فقال فيه القاضي محي الدين عبد الظاهر:

الظَاهِرُ السُلطانُ مَنْ كانتْ لهُ مِنَنٌ على كلِّ الورى وتطوّلُ

لهفي على آرائهِ تِلكَ التي مِثلَ السِهامِ إلى المصالِحِ تُرسلُ

لهفي على تِلكِ العزائمِ كَيفَ قدْ غَفُلتْ، وكانتْ قَبلَ ذا لا تَغفلُ

أنــــا إنْ بَكيـتُ فـإنَّ عُذريَّ واضحٌ ولئنْ صَبرتُ فإنَّني أتمثلُ

رثاء المجاهد الليبي عمر المختار

في العصر الحديث، اختلف الرثاء، فتحول من رثاء الملوك، إلى رثاء قادة الثورات، والمناضلين في سبيل التحرر من الاستعمار، إضافة إلى الزعماء السياسيين البارزين، حيث نجد أمير الشعراء أحمد شوقي، يرثي عمراً المختار، الذي أعدمه الاحتلال الإيطالي في ليبيا عام 19311، بعد أن سجل مسيرة نضالية طويلة، فيقول شوقي في رثائه:

يا أيُّها السيفُ المُجرَّدُ بالفَــلا يكسو السُيوفَ على الزَمانِ مَضاءَ

تِلكَ الصَحاري غِمدُ كلِّ مُهنَّدٍ أَبلى فأحسَنَ في العَدُوِّ بلاءَ

إِنّي رأيتُ يدَ الحضارةِ أولعَت بالحقِّ هَدماً تارَةً وبناءَ

شَرعتْ حُقوقَ الناسِ في أوطانِهِم إِلّا أباةَ الضيمِ والضُعفاءَ

يا أيُّها الشَعبُ القريبُ أَسامِعٌ فأصوغُ في عُمَرَ الشَهيدِ رِثاءَ

أَم ألجَمَتْ فاكَ الخُطوبُ وحَرَّمَتْ أُذنَيكَ حينَ تُخاطَبُ الإِصغاءَ

ذهبَ الزَعيمُ وأنتَ باقٍ خالِدٌ فاِنقُد رِجالَكَ واختَرِ الزُعماءَ

وأرِح شيوخَكَ مِنْ تَكاليفِ الوَغى واحمِل على فتيانِكَ الأَعباءَ

رثاء الرئيس جمال عبد الناصر

كما يعتبر الرئيس جمال عبد الناصر، من أكثر الشخصيات العربية المؤثرة في القرن العشرين، ومن بين الرثاء الذي قيل فيه، ما قاله الشاعر السوري الراحل نزار قباني، في عدة قصائد، منها قوله:

أبا خالدٍ .. يا قصيدة شعرٍ تُقالُ … فيخضرُّ منها المدادْ

إلى أين؟ يا فارس الحلْم تمضى ..

وما الشوط حين يموت الجوادْ؟

إلى أين؟… كلُّ الأساطير ماتتْ بموتكَ

وانتحرت شهرزادْ … وراء الجنازةِ سارتْ قريشٌ

فهذا هشامٌ وهذا زيادْ … وهذا يُريق الدموعَ عليكَ

وخنجرهُ تحت ثوبِ الحدادْ … وهذا يُجاهدُ في نومهِ،

وفي الصحوِّ، يبكي عليه الجهادْ … وهذا يحاول بعدكَ ملكاً

وبعدكَ … كلُّ الملوك رمادْ.

رثاء المدن، القدس والأندلس نموذجاً

رثاء الأندلس

تُعتبر  قصيدة أبي البقاء الرندي، في رثاء الأندلس، من أشهر، وأهم قصائد رثاء المدن، والممالك، في الشعر العربي، حيث يستهلها بحكمة عميقة، يتحدث فيها عن زوال كل ملك، وأن دوام الحال من المحال؛ فيقول الرندي:

لكُل شيءٍ إذا مَا تَم نُقْصَانُ فَلا يُغَر بطيْبِ العَيْشِ إنْسَانُ 

هي الأمُوْرُ كما شاهدْتُهَا دُولٌ مَنْ سَرهُ زمنٌ سَاءَتْهُ أزمانُ 

وهذهِ الدارُ لا تُبْقِي عَلى أحَدٍ ولاَ يدُوْمُ على حالٍ لهاَ شَانُ 

يَا راكِبيْنَ عِتَاق الخَيْلِ ضامِرةً كأنها في مَجَالِ السَبْقِ عُقْبَانُ 

أعِنْدَكُمْ نَبَأٌ مِنْ أهْلِ أنْدَلُسٍ فَقَدْ سَرَى بِحَدِيْثِ القَوْمِ رُكْبَانُ 

كَمْ يَسْتَغِيْثُ بنَا المُسْتَضْعَفُوْنَ وَهُمْ قَتْلَى وَأسْرى فَمَا يَهْتَز إنْسَانُ 

لمَا التقَاطُعُ فِي الإسْلام بَيْنَكُمُ  وأنتُمْ يَا عِبادَ اللهِ إخْوَانُ 

لمِثْل هَذا يَبْكِي القَلبُ مِنْ كَمَدٍ إنْ كَانْ فِي القَلْبِ إسْلامٌ وَإيْمَانُ 

رثاء مدينة القدس

مدينة القدس، عاصمة فلسطين المحتلة، تعتبر من أهم المدن التي تناولها الشعر العربي، حيث سجل الشاعر العربي، عشرات القصائد في رثاء القدس، ووصْفِها، والتغزُّل بها، من بينهم الشاعر اللبناني الراحل سعيد عقل، صاحب قصيدة زهرة المدائن، التي غنتها المغنية اللبنانية فيروز:

الطِفلُ في المغارة وأمّه مريم

 وجهان يبكيان… لأجلِ مَنْ تَشرّدوا

لأجلِ أطفالٍ بِلا منازلْ… لأجلِ مَنْ دَافَعَ واستُشهِدَ في المداخلْ

واستُشهِد السلامْ … في وَطنِ السلامْ

وسَقطَ العدلُ على المداخلْ … حين هوتْ مدينةُ القدسِ

تَراجعَ الحُبُّ … وفي قلوبِ الدُنيا استوطنتْ الحربُ.

رثاء الشعراء، الفرزدق ونزار قباني

رثاء الفرزدق

حظي أغلب الشعراء، برثاء أقرانهم الشعراء، لكننا أمام حالة استثنائية من الرثاء، حيث قضى جريرٌ، والفرزدقُ، عمريهما في الهجاء، يهجو أحدهما الآخر، ويحقره، حتى مات الفرزدق، فرثاه جرير بقوله:

لتـبكِ عَليهِ الإنسُ وَالجِـنّ إذ ثَوى فَتى مُضرٍ في كُلِّ غَربٍ ومَشْرقِ

فَتى عَاشَ يَبْني المَجْدَ تِسعينَ حُجّْةً وكانَ إلى الخيراتِ والمَجدِ يَرتَقي

رثاء الشاعر نزار قباني

تعرض نزار قباني لفواجع كبيرة في حياته، أجبرته على الرثاء، لكن بعد موته، رثاه الشاعر الفلسطيني محمود درويش، في آخر دواوينه، والذي نُشر بعد وفاة الأخير، حيث يقول درويش، في قصيدةٍ عنوانها (في بيت نزار قباني):

قُلتُ لهُ حينَ متنا معاً، وعلى حدة

أنتَ في حاجةٍ لهواءِ دمشق! … فقالَ: سأقفزُ بَعدَ قليلٍ

لأرقدَ في حفرةٍ مِنْ سماءِ دمشق … فقلتُ: انتظر، ريثما أتعافى لأحملَ عنكَ الكلام الأخير

ولا تذهب الآن، لا تمتحني، ولا تَشكُل الآس وحدك.

رثاء الأحبة والأعزاء من الناس

الخنساء؛ شاعرة، وصحابية جليلة، اشتهرت عند العرب برثاء أخويها، صخر، ومعاوية، كذلك والدها عمر بن شديد، وزجيها، فقبل أنها أكثر العرب مصيبةً، عاشت بين عامي 575 و645 ميلادية، وأكثر شعرها في رثاء صخرٍ أخيها:

كأنّ عيني لذكراهُ إذا خَطَرَتْ فيضٌ يسيلُ علَى الخدَّينِ مدرارُ

تبكي لصخرٍ هي العبرَة وَقدْ ولهتْ وَدونهُ منْ جديدِ التُّربِ استارُ

تبكي خناسٌ فما تنفكُّ مَا عمرتْ لها علَيْهِ رَنينٌ وهيَ مِفْتارُ

تبكي خناسٌ علَى صخرٍ وحقَّ لهَا اذْ رابهَا الدَّهرُ انَّ الدَّهرَ ضرَّارُ

لاَ بدَّ منْ ميتةٍ في صرفهَا عبرٌ وَالدَّهرُ في صرفهِ حولٌ وَاطوارُ

كذلك قولها في مبارزة هند بنت عتبة، التي كانت أيضاً من رموز الرثاء

أبكي أبي عمرًا بعين غزيـرة قليل إذا نام الخلـي هجودهـا

وصنوي لا أنسى معاوية  الذي له من سراة الحرتيـن وفـودهـا

وصخرًا ومن ذا مثل صخر إذا غدا بساحته الأبطال قــزم يقودها

فذلك يا هند الرزية فاعلمي ونيران حرب حين شب وقـودهـا

رثاء المتنبي لخولة شقيقة سيف الدولة

أقام أبو الطيب المتنبي في مجلس سيف الدولة زمناً طويلاً، وقال فيه، وله، أجمل ما كتب من المديح، والعتب، كما قيل أن المتنبي، كان يعشق خولة، شقيقة سيف الدولة، كنه كان قد غادر حلب إلى العراق، قبل وفاتها، فقال في رثائها لما بلغه خبرها:

أَرى العِراقَ طَويلَ اللَيلِ مُذ نُعِيَت فَكَيفَ لَيلُ فَتى الفِتيانِ في حَلَبِ

يَظُنُّ أَنَّ فُؤادي غَيرَ مُلتَهِبٍ  وأنَّ دَمعَ جُفوني غَيرُ مُنسَكِبِ

بَلى وحُرمَةِ مَنْ كانَت مُراعِيَةً لِحُرمَةِ المَجدِ وَالقُصّادِ وَالأَدَبِ

وَلَيتَ عَينَ الَّتي آبَ النَهارُ بِها فِداءُ عَينِ الَّتي زالَت وَلَم تَؤُبِ

يا أَحسَنَ الصَبرِ زُر أَولى القُلوبِ بِها وَقُل لِصاحِبِهِ يا أَنفَعَ السُحُبِ 

رثاء جرير لزوجته

قال جريرٌ يرثي زوجته:

لَولا الحَياءُ لَعادَني اِستِعبارُ وَلزُرتُ قَبرَكِ وَالحَبيبُ يُزارُ

ولَقَد نَظَرتُ وما تَمَتُّعُ نَظرَةٍ في اللَحدِ حَيثُ تَمَكَّنَ المِحفارُ

ولَقَد أَراكِ كُسيتِ أَجمَلَ مَنظَرٍ وَمَعَ الجَمالِ سَكينَةٌ وَوَقارُ

وَالريحُ طَيِّبَةٌ إِذا اِستَقبَلتِها وَالعِرضُ لا دَنِسٌ وَلا خَوّارُ

رثاء نزار قباني لابنه، وزوجته

توفيت بلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، إثر تفجير انتحاري قرب السفارة العراقية في بيروت عام1982، حيث كانت تعمل، فقال في رثائها:

بلقيس..
أيتها الشهيدة والقصيدة والمطهرة النقية

سبأ تفتش عن مليكتها … فردي للجماهير التحية

يا أعظم الملكات … يا امرأة تجسد كل أمجاد العصور السومرية

بلقيس، يا عصفورتي الأحلى … ويا أيقونتي الأغلى

ويا دمعاً تناثر فوق خد المجدلية .. أتراي ظلمتكِ إذ نقلتكِ ذات يومٍ من ضفاف الأعظميَّة

بيروتُ تقتُلُ كلَّ يومٍ واحداً منا.. وتبحث كلَّ يومٍ عن ضحية

والموتُ في فنجان قهوتنا، وفي مفتاح شقتنا..

وفي أزهار شُرفتنا، وفي ورق الجرائد … والحروف الأبجدية.

كما قال نزار قباني، يرثي ابنه الشاب توفيق، الذي مات نتيجة مرض في قلبه:

أشيلكَ يا ولدي فوقَ ظهري  … كمئذنةٍ كُسرتْ قطعتين

وشَعْركَ حقلٌ مِنْ القمح تحت المطر … ورأسكَ في راحتي وردة دمشقية، وبقايا قمر 

أواجه موتكَ وحدي.. وأجمع كلَّ ثيابكَ وحدي 

وألثم قمصانكَ العاطرات … ورسمكَ فوق جواز السفر 

وأصرخ مثل المجانين وحدي … وكلُّ الوجوه أمامي نحاس 

وكلُّ العيون أمامي حجر … فكيف أقاوم سيف الزمان؟ 

وسيفي انكسر.. 

ختاماً… ما جئنا على ذكره، كان النذر اليسر من قصائد الرثاء في اللغة العربية، حيث ما زالت هناك آلاف الأبيات، لكبار شعراء العربية، يرثون فيها أحبتهم، ومدنهم، بل حتى شعوبهم، كقول الشاعر اليمني محمد محمود الزبيري (19100-1965)، في قصيدته رثاء شعب:

ما كنتُ أحسِبُ أني سوفَ أبكيهِ وأنّ شِعْري إلى الدنيا سينعيهِ

وأنني سوف أبقى بعد نكبتهِ حيّاً أُمزّق روحي في مراثيه

وأنّ من كنتُ أرجوهم لنجدتهِ يومَ الكريهةِ كانوا من أعاديهِ

أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام

أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام

تعرّف على أفكار أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام – بقلم: يونان سعد

ربما لا يعرف الكثيرون أن في التاريخ العربي والإسلامي بعض الملحدين والمتشككين في الأديان السماوية. فالتاريخ الرسمي اهتم بتوثيق الأحداث ليظهر أن تاريخ الدول الإسلامية هو تاريخ للإيمان، بينما تجاهل المؤرخون حيناً المتشككين وأصابوهم بالتشوية في أحيان أخرى، وحُرقت معظم كتبهم أو اختفت.

لكن عبد الرحمن بدوي في كتابه “تاريخ الإلحاد في الإسلام” يحاول من مصادر عدة تجميع أخبارهم وأفكارهم، وهو الأمر الذي يخرج عن نطاق الدفاع عنهم أو الهجوم عليهم، إلى محاولة التوثيق لهم باعتبارهم جزءاً من هذه الحضارة الغنية، أثروا فيها وتأثروا بها، وكونوا حراكاً داخلها تأثر به حتى المدافعون عن الدين أنفسهم من شيوخ الدين والمتكلمين واضطرتهم إلى تطوير أدواتهم حتى تتناسب بقدر الإمكان مع العلم الحديث والفلسفة الوافدة وروح العصر، مما وقع في مصلحة العامة وأثرى حضارتهم.

والإلحاد الذي يقصده عبد الرحمن بدوي يختلف عن الإلحاد بمعناه المعروف أي إنكار الذات الإلهية، وهو يحاول تمييز حركة الإلحاد لدينا عن تلك التي حدثت في الغرب، فبينما سعى الملحدون هناك إلى هدم الفكرة الأساسية التي يقوم عليها التدين عندهم وهي وجود الإله، قصد الملحدون في تاريخنا إلى التشكيك في فكرة النبوة وهدمها، على اعتبار أن التدين في الشرق كان قائماً على هذه الفكرة في الأساس.

فما الذي دفع هؤلاء إلى انتقاد الأديان عامة حتى لم يسلم منهم معتقد من المعتقدات الشرقية؟ وما هي اعتراضاتهم عليها؟ في ما يلي أهم أفكارهم دون التعرض لمدى صحتها أو بطلانها.

لعلّ ابن الراوندي الذي شكك في النبوة، وأنكر الديانات السماوية وانتقد القرآن الكريم والسنة النبوية بإسلوب لاذع، هو أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام، خاصةً أن آراءه وصلت إلينا من خلال عرضها في كتب هدف مؤلفوها إلى دحضها. وقد أفردنا له موضوعاً خاصاً في رصيف222.

ابن المقفع

لم يكن ابن المقفع  ملحدًا بمعنى إنكار وجود الإله والبعث والقيامة، وتقريباً كل ما ينسب إليه في هذا الإطار مدون في فصل من كتاب “كليلة ودمنة” الذي قام بترجمته بنفسه عن الفارسية إلى العربية، وهو الفصل الذي يعرف بباب “برزويه كما ترجمه الوزير بزرجمهر بن خلكان” وتدور معظم الشكوك حول أن ابن المقفع كتبه بنفسه ونسبه للكتاب حتى يخفي فيه أفكاره المتشككة في الأديان.

وينقل عن الخليفة المهدي (158-  169ه) قوله بأنه لا توجد زندقة إلا ولها أصل في هذا الباب الذي كتبه ابن المقفع، وهو الفصل نفسه الذي أدى لاتهامه بالزندقة (أو لمكيدة سياسية) وتقطيع أوصاله وشواء أعضائه على النار أمام عينيه حتى مات.

وفي أحد مقاطع هذا الباب يحكي ابن المقفع عن رحلة برزويه مع الأديان، فهو يشكك أولاً في صحة الدين الذي ورثه عن أبائه ثم يحاول أن يجد مطلبه في غيره، إلى أن ينكر على أهل كل دين أنهم يتحزبون لإيمانهم الذي ولدوا عليه وورثوه عن أبائهم دون تفكير في صحة هذا المعتقد من عدمه، علاوة على ذلك أن أصحاب الديانات المختلفة يتنابذون فيما بينهم ويدعي كل منهم صحة معتقده وبهتان معتقد الآخرين، ولما أعمل عقله لم يجد في أي منها ما يدعو للتسليم به دون غيره، ويتوصل في النهاية إلى أن يكتفي بحسن الخلق مع الناس ورد الأذى عنهم.

أبو بكر محمد بن زكريا الرازي

ربما يكون للحديث عن فلسفة الرازي هنا مجال أكثر من سرد إنجازاته في الطب والكيمياء، وأهم ما له في ذلك كتابان هما “في العلم الإلهي” و”مخاريق النبوة”، لكن معظم ما وصل إلينا منهما ورد في كتب الذين ردوا على أقواله.

وكان الرازي لا يؤمن بالنبوة ويأخذ على عاتقه إثبات التناقض في الكتب المقدسة بداية من التوراة إلى الإنجيل والقرآن، ثم ما يلبث أن يوجه طعنه إلى بقية الديانات الشرقية كالزرادشتيه والمانوية.

أقوال جاهزة

شاركغردلا يعرف الكثيرون أن في التاريخ العربي والإسلامي بعض الملحدين والمتشككين في الأديان السماوية…

شاركغردابن الراوندي، ابن المفقع، الرازي، المعري.. ما الذي دفعهم إلى انتقاد الأديان عامة حتى لم يسلم منهم معتقد من المعتقدات

ورأيُ الرازي في النبوة والأنبياء ينحصر حول قيمة العقل، ففي رأيه أنه ما دام الله قد منحنا العقل وميزنا به عن سائر خلقه وهيأ له القدرة على اكتشاف الخير والشر، فما حاجة الإنسان لنبي يعلمه الشرائع والأخلاق، ثم أن لعقل الإنسان قدرة أيضاً على معرفه الخالق من خلال النظر في خلقه فلا حاجة لإرسال نبي يعلم الناس طريق الله.

ثم يحاول أن يدفع الاعتراضات على كلامه من عدة جوانب، أولها أن الأولَى بحكمة الله وعدله اللذين يؤمن بهما أصحاب الديانات، أن يساوي بين خلقه في القدرة على معرفة الخير والشر، وأن الله إذا ميز بعضهم بهذه الموهبة عن البعض الآخر يكون قد زرع بينهم الشقاق، وهو ما نراه يحدث بين أصحاب المذاهب المختلفة من القتال والنزاع وإراقة الدماء.

وبرأيه إن المسؤول عن ذلك ليس الضعف أو قلة الفهم عند أبناء المعتقدات، إنما خلل في نظرية النبوة نفسها، فالأنبياء في رأيه يبشرون بشرائع وأفكار غير قابلة للجدال والنقاش باعتبارها قادمة من السماء وتحيط بها هالة من التقديس، وهو يرى أن الكثير مما أتى به الأنبياء يخالف الطبيعة الإنسانية والسلام بين بني البشر، بالإضافة إلى ادعاء كل دين استئثاره بالحقيقة منفرداً، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال للشقاق والسجال بين أطراف تتجاذب الحقيقة.

وثانياً: يقول إن أصحاب الأديان يرون أن الناس مراتب وفُضل بعضهم على بعض، ومنهم من يمتاز عن البقية بالعلم، وإذا كان ذلك كذلك فحري بالأنبياء الذين هم أشرف الخلق بأن يمتازوا على الجميع؛ لكن الرازي يرى أن ذلك ليس دليلاً على النبوة، فالناس من وجهة نظره متساوون في القدرة على المعرفة ولا يميز أحدهم عن الآخر إلا الاجتهاد في تحصيلها والقابلية النفسية لإعمال الذهن.

ثالثاً: إن الأنبياء يختلفون فيما بينهم في نواحٍ كثيرة فمنهم من يُؤلِّه المسيح ومنهم من يراه بشراً عادياً ومنهم من يراه زنديقاً كاليهود، ويتساءل كيف لله أن يبعث للناس برسائل متناقضة كل التناقض، وفي الأخير: لا يرى الرازي مبرراً لأن نعلل إيمان معظم البشر بالنبوة كدليل على صدقها، فالناس إما يسلمون بما ورثوه ويتكاسلون عن التحقيق فيه ثم يسلمون به لاعتيادهم عليه ويتحول المعتقد بمرور الأجيال إلى ما يشبه الطبيعة والغريزة في هؤلاء الناس، أو أنهم يخافون بطش رجال الدين والسلطان بهم، أو ينخدعون في المظهر البراق للدعاة والمبشرين والوعاظ، أي أن كثرة العدد ليست دليلاً على صدق المذهب.

وبعض الانتقادات التي يوجهها ابن الرازي للكتب المقدسة نجدها مثلاً في اعتراضه على ما ورد في التوراة عن إصدار الله أوامره لليهود بالقتل وإباحة دماء الشعوب الأخرى، وعلى تشبيههم للذات الإلهية بشخص يحب رائحة شواء اللحم والذبائح وبعجوز أشيب الشعر، وهو ما يناقض تأكيد النبي موسى على أن الله قديم غير مصنوع ولا مؤلف ولا تنفعه المنافع ولا تضره المضار، ثم يعترض على ما جاء في الإنجيل عن المسيح أنه قال “ما جئت لأنقد الناموس بل لأكمله” – قاصدًا بهذا توراة النبي موسى – ثم يقوم المسيح بإلغاء معظم شرائع الناموس من تقديس السبت والأخذ بالثأر وما إلى ذلك، وهو بذلك يحاول إثبات تناقض الإنجيل، ولا يكتفي بهذا فيهاجم عقيدة التثليث والتوحيد في المسيحية باعتبارها غير  متسقة ومتناقضة.

ثم يوجه طعنه للقرآن الكريم على اعتبار ما يراه من تشبيه وتجسيم للذات الإلهية في آيات مثل “الرحمن على العرش استوى”، و قوله “ويحمل عرش ربك يومئذ ثمانية”.

وأنكر الإعجاز اللغوي للقرآن الكريم أيضاً، ورد السؤال التعجيزي المعتاد “إذا كنتم تنكرون إعجاز القرآن فهل لكم أن تأتوا بمثله؟” بسؤال آخر وهو: هل لكم أن تأتوا بمثلما كتب بطليموس وجالينوس؟ وما أراد قوله هو عدم قدرة أي شخص على الإتيان بمثل ما كتبه شخص آخر لأن الأسلوب اللغوي يشبه البصمة ويختلف باختلاف المتحدث.

ويرى عبد الرحمن بدوي أن الرازي لم يولِ بالاً للاجتهادات التي قام بها مشايخ المعتزلة لتأويل هذه الآيات على اعتبار أن لها معنى داخلياً غير معناها الظاهر ينفي عنها التجسيم والتشبيه، فيما يرى الرازي أنها مجرد محاولة من المعتزلة لإنقاذ الموقف، ويزيد على ذلك بأن ينتقد تواتر الروايات عن الرسول في أحاديثه الشريفة، ويدفع بأنه لو سقط شخص من ضمن سلسلة الرواة الطويلة عن النبي نتيجة لذلة أو نسيان، فإن الرواية تسقط بدورها، وهو يرى أن ذلك تسبب بتناقض الروايات النبوية ومن ثم يعفي نفسه من الأخذ بالأحاديث الشريفة جملة.

أبو علاء المعري

يوصف بأنه شاعر العقل في تاريخ الأدب العربي، عُرف عنه إعلاؤه لقيمة العقل فوق العادة والتقاليد وثقته في قدرة الإنسان على التمييز بين الخير والشر دون الحاجة للدين.

ومما كتبه:

يرتجي الناس أن يقوم إمام     ناطق في الكتيبة الخرساء

كذب الظن لا إمام سوى الـ      عقل مشيراً في صبحه والمساء

إنما هذه المذاهب أسبا      بٌ لجذب الدنيا إلى الرؤساء

كما ذهب إلى إنكار الكتب السماوية:

دين وكفر وأنباء تقص وفر       قان وتوراة وإنجيل

في كل جيل أباطيل يدان بها       فهل تفرد يوماً بالهدى جيل؟

ويبدو أنه قد تقلب في مراحل كثيرة بين الشك والإيمان. كذلك، لم يشكك في وجود الله ودائماً ما تحدث عن نعمه وصفاته. ويذكر طه حسين في كتابه “مع أبي العلاء في سجنه” أن المعري كان يسلم بوجود الله ويتحدث عنه بلسان العابد الزاهد الصادق في عبادته.

جابر بن حيان

كان جابر بن حيان كيميائياً بارعاً، ويذكر عبد الرحمن بدوي نقلاً عن المستشرق “كروس” أنه أضاف الكثير إلى الكيمياء اليونانية واتبع منهجاً علمياً يضاهي ذلك الذي ابتدعه العلماء المحدثون في أوروبا، وبناءً على إنجازاته في هذا المجال وصل إلى درجة الاعتقاد في مقدرة الكيمياء على تخليق ما يشبه الكائنات الحية والإنسان، الأمر الذي يذكرنا بالمحاولات الحديثة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وهو أمر قد وضعه عند الناس في طائفة الزنادقة والملحدين.

الشعراء المُجان

ربما لا نجد في شعر هؤلاء الذين أطلق عليهم المُجَّان – نسبة للمجون واللهو – من الشعراء والذين عاشوا في ظل الخلافة الثانية للدولة العباسية، وجهة نظر فكرية واضحة تجاه الأديان، وكان على رأس هؤلاء أبو نواس ومعظم ما ورد عنهم من أدب كان يصب في اتجاه الاستهانة بالأوامر الدينية وربط السعادة الإنسانية بالأمور الأرضية لا بالروحانيات والتصورات السماوية.

المصدر: رصيف 22