الأعمال الكاملة للشاعر الأمريكي “إدجار بو”

صدر عن المركز القومي للترجمة ترجمة الأعمال الكاملة للشاعر الأمريكي «إدجار آلان بو» بترجمة وتقديم القاصة المصرية غادة الحلوانى، ومراجعة الكاتب الروائي إدوار الخراط، وذلك ضمن سلسلة الشعر التي تشرف عليها الدكتورة رانيا فتحي، وصدر المجلد الأول بعنوان «وادي القلق». ‏ «إدجار آلان بو» شاعر وكاتب قصص قصيرة وناقد أمريكي، وأحد رواد الرومانسية الأمريكية، ولد عام 1809م في مدينة بوسطن في ولاية ماساشوستس، وأكثر ما اشتهر به قصص الفظائع والأشعار، وكان من أوائل كتاب القصة القصيرة، وينسب إليه ابتداع روايات الرعب القوطي أو الأدب البوليسي، كما يعزي إليه مساهماته في أدب الخيال العلمي. ومات في سن الأربعين، وسبب وفاته ما زال غامضا، وكذلك مكان قبره.
في مراهقته سافر إلى بريطانيا ودرس هناك لخمس سنوات، بعد ذلك التحق بجامعة فيرجينيا في ولاية فيرجينيا حيث أظهر تفوقا كبيرا في دراسة اللغات والآداب ولكنه اضطر إلى ترك الجامعة بعد ذلك بثمانية أشهر بسبب مشكلات مالية والتحق بالجيش الأمريكي وقبل هذا تم كتابة ونشر شعره. ساعده أصدقاؤه وأعطوه الأموال التي احتاج إليها. استمر كتابة الشعر والقصص. وفي عام 1832م انتقل بو إلى مدينة بالتيمور التي مات فيها عام 1849م. وتشير الحلواني في مقدمتها للترجمة، والتي أهدتها إلى المفكر السياسي الراحل الدكتور محمد السيد سعيد، إلى أن تأثير إدجار ألان بو على الأدب الغربي بات اليوم حقيقة لا جدال فيها، بسبب بودلير الذي ترجم أشعاره إلى الفرنسية في ترجمة رائعة عرفته فرنسا من خلالها. وبسببها احتفى به كبار نقاد الغرب وبدا باعتباره ممثلًا لجوهر الأدب الأمريكي في ذروته. واهتم النقاد بحياة بو المضطربة بحسب المقدمة والتي أدت لاتهامه اتهامات قاسية سقطت مع تحولات التاريخ، فالبعض يراه إلها مزيفًا، وآخرون نظروا إليه باعتباره شاعرًا من المرتبة الأولى. لكن تأثيره يظل عميقًا وتدلل الحلواني على ذلك بالحفاوة التي يجدها شعره في المواقع الالكترونية العربية أيضا. وتكشف المقدمة أن هناك خمس طبعات لأعمال بو اعتدت المترجمة على النسخة الأخيرة التي اتفق الجميع على أن كل قصائدها تنسب لبو وهي التي صدرت في العام 1849.
وتشير كذلك إلى أن صعوبات جمة واجهت محاولات جمع أعمال بو؛ بسبب تفرقها في دوريات كثيرة وبسبب ولع صاحبها بمراحعة قصائده في كل نسخة من النسخ التي ظهرت أثناء حياته.
وتسيطر على كتابات بو ثيمات رئيسية أبرزها «الموت»، وحالة الضحية والمراقبة، والإصرار الشديد على التذكر، وعلى الرغم من أنه مات في الأربعين إلا أن قصائده تكشف معرفة عميقة بثقافات العالم، ومن بينها الثقافة الإسلامية وتدلل المقدمة على ذلك بعناوين بعض القصائد القريبة من سور القرآن الكريم.
وتوضح المترجمة في مقدتها الكيفية التي اشتغلت عليها خلال عملية الترجمة حيث عمدت إلى تحرير ما أمكن مما ورد في القصائد من أسماء أعلام وأماكن بهدف إلقاء الضوء على المعرفة الواسعة التي امتاز بها الان بو.
وتضم الترجمة بعض التصورات التي صاغها ادجار الان بو حول تجربته الشعرية فيما أسماه بـ »المبدأ الشعري» كاشفا عن الماهية الحقيقية للشعر كما يعتقدها. ومترجمة الكتاب قاصة ومترجمة من أبرزها أعمالها: وخز خفيف، ولكن كيف، محو مؤقت وترجمت كتابا بعنوان «نماذج من الشعر النسائي» صدر عن المشروع القومي للترجمة عام 2005 .ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالمصدر: المدينة

خمسون درجة تحت الصفر : كيم ستانلي روبنسون

خمسون درجة تحت الصفر : كيم ستانلي روبنسون

التاريخ 17:أكتوبر 2005

كيم ستانلي روبنسون من الأسماء المهمة في كتابة رواية الخيال العلمي المعاصرة أو كما يصر على تسميتها الرواية «العلمية البحتة» إحدى الأنواع الحديثة المتفرعة من رواية الخيال العلمي تجمع روايات هذا المؤلف بشكل استثنائي بين الدقة والإثارة العلمية و الخيال الذي يتطلبه العمل القصصي وهو ما يلاحظه القارئ لدى متابعة إنتاجه الروائي الغزير الذي صدر منه مؤخراً رواية «خمسون درجة تحت الصفر» 416 صفحة، دار راندوم هاوس للنشر، نيويورك.هذه الرواية هي الثانية في سلسلة روايات «كوكب المريخ» 2004، وهي رواية تنبؤية تدور أحداثها في قالب تراجيدي ساخر كما تتضمن إسقاطات كثيرة تلقي الضوء على حالة العجز السياسي والتكنولوجي الأميركي في غمرة التفكير في الاستعمار، استعمار مكان آخر، يجتاح إحدى المدن الأميركية فيضان مدمر يقف أمامه الكثيرون ومنهم شخصيات سياسية وبطل الرواية، وهو عالم طبيعة، عاجزين عن التفكير في وسيلة لإنقاذ حياتهم أو الحفاظ على وجودهم.إن رواية روبنسون لا علاقة لها بالأحداث التي شهدتها مدينة نيوأورليانز مؤخراً على الرغم من تجسيدها ملحمة واقعية، تعززها تداعياتها الاجتماعية الناجمة عن سوء التقديرات. يأتي ذلك في إطار درامي، متعاط مع المستقبل إضافة إلى مناقشته بعض المشكلات الرئيسية المترتبة على سوء استخدام السلطة والتكنولوجيا المعاصرة التي تؤرق المجتمع الإنساني في ظل غياب الرؤية الكفيلة بالمساعدة على الحيلولة دون وقوع أخطاء وكوارث.في الجزء الأول من، المريخ، الذي يحمل عنوان «أربعون علامة للمطر» تدور أحداث الرواية حول ما يسميه روبنسون استعمار هذا الكوكب والسعي إلى جعل ظروف الحياة على سطحه مطابقة لظروف الحياة على سطح كوكب الأرض. وهنا يأتي دور التكنولوجيا المتقدمة أو الذكاء الإنساني الذي «يمكن الوثوق به» ويندرج في إطاره استخدام تكنولوجيا الاحترار المساعدة على خلق ظروف مناخية مشابهة.التفاصيل التي يطلعنا عليها روبنسون في الجزء الثاني من ثلاثيته، خمسون درجة تحت الصفر، تسير في اتجاه معاكس حيث بدلاً من التفكير في إعادة تشكيل بيئة مختلفة لكي يتناسب ذلك مع متطلبات الحياة البشرية الطبيعية يبحث روبنسون في إمكانية السيطرة على كوكب الأرض نفسه، وهو ما يبدو متعذراً في ظل إمكانية حدوث أي مفاجأة خارجة عن قدرة التكنولوجيا كما نرى في تفاصيل الرواية عندما تكتشف شخصياتها الرئيسية أنها أصبحت متورطة في الصراع بين العلم والتكنولوجيا والنتائج المترتبة على هذا الصراع.تلعب الحبكة التاريخية دوراً مهماً في رواية روبنسون. كما يلعب تطور الشخصيات، وهو من الأشياء التي لا تهتم بها في العادة رواية الخيال العلمي بالنظر إلى تركيزها على تفسير الظواهر الطبيعية، دوراً آخر مهماً في روايته. حيث شخصياته التي تلقي الضوء على البعد الإنساني للقصة. كما يلاحظ القارئ قدرته على استشراف ما يمكن أن تسفر عنه التوقعات على المستوى البعيد. حيث ما يبني عليه توقعاته هو الفوضى السياسية، و التكنولوجية، والبيئية.فما ان يغادر العالم فرانك فندروال مركز الأبحاث حتى تكون واشنطن دي سي قد غمرت بمياه المحيط بسبب الطوفان الذي يجتاحها فجأة ليترك الأجزاء المهمة من المدينة غارقة تبقبق في الوحل ( مطار ريغان يغرق، مياه نهر بوتوماك العظيم، المعروف باسم نهر الأمة، تخرج عن السيطرة للمرة الأولى، قوارب النجاة تقف في محاذاة ناطحات السحاب ) درجات الحرارة ترتفع بسرعة جنونية.وعلى الرغم من ذلك لا يبدو فرانك قادراً على مواجهة الموقف ومثله يبدو زملاؤه العلماء والسياسيون والوافدون إلى هذه المدينة التي يطلق عليها روبنسون تهكماً اسم عاصمةالعالم. ومثلما يجد بطل الرواية نفسه عاجزاً عن القيام بأي شيء لا يجد نفسه قادراً على الحيلولة دون وقوع كارثة مثل التحول نحو العصر الجليدي.غير أن فرانك بطل روبنسون الذي يجد نفسه عاجزاً عن تأمين المكان الذي يؤوي إليه ربما لم يكن يتوقع شيئاً آخر أكثر إحباطاً كذلك التغير المناخي الرهيب الذي يتلو موجة الانحباس الحراري. فما ان يحدث ذلك حتى يؤدي إلى ذوبان جزء من الكتلة الجليدية المكونة للجزء الغربي من قارة أنتاركتيكا وحتى تسد منبع بحيرة غولف ستريم الدافئة.تأتي هذه الحبكة الجيدة من خبرة روبنسون القصصية والعلمية الممزوجة بكم هائل من السخرية والكوميديا والغموض الذي يكتنف مصير أبطاله وهم يقفون على مشارف نقلة تاريخية، عصر جليدي جديد في حين يتحول ذكاؤهم التكنولوجي إلى خطر يهدد وجودهم الإنساني. هذه الصدمة تجعلهم عاجزين عن مواجهة الواقع على الرغم من استعداداتهم المتطورة.وفي هذه الرواية يقدم لنا روبنسون أبطالاً عاجزين عن التحرك كما لو أنه يتعمد القول إنه على هؤلاء، العلماء والساسة، وحتى الناس العاديين الذين يعيشون في هذا المكان أن يبحثوا في سياساتهم وفي وسائلهم التكنولوجية وفي اختباراتهم وطموحاتهم العلمية لكي يدركوا أن الاستهتار بقوانين الطبيعة وحياة البشر لن يكون في مصلحتهم. وربما كانت العبارة الأمثل للتعبير عن هذا هو ما يوحي بقوله لهم… إنكم جبناء كما ان ذكاءكم يبدو ناقصاً على الرغم من تألقكم في أعين الآخرين.«أعتقد أن أميركا تعاني من حالة رهيبة من عدم القدرة على الاعتراف. والأسوأ من هذا أننا نتلهف إلى مشاهدة العالم يحترق من حولنا بدلاً من أن نفكر في ان نغير أسلوب حياتنا لكي ندرأ عنه هذا الخطر، وبدلاً من الاعتراف بأننا مخطئون. وهنا يعبر المؤلف من جانبه عن خيبة أمله في العملية الانتخابية «الديمقراطية» المتزامنة في الأساس مع الكوارث والأزمات الطبيعية المتفاقمة التي تمر بها بلاده يوما بعد يوم. إن كل ما يؤثر على الحياة على سطح الأرض يؤثر في النهاية فينا.ينظر النقاد إلى ثلاثية المريخ على أنها أفضل ما كتبه كيم روبنسون من روايات. وكما أسلفنا فهي رواية علمية بحتة تبدأ أحداثها بوصول طليعة المستعمرين المؤلفة من العلماء و المهندسين إلى كوكب المريخ قادمين من كوكب الأرض في سنة 2027 لتستمر الرواية 200 سنة أخرى يشهد خلالها الكوكب ازدهاراً وتعقيدات كثيرة على المستويين السياسي والاجتماعي وهو ما تتضمنه قصص «كوكب المريخ الأحمر»، «كوكب المريخ الأخضر»، و«كوكب المريخ الأزرق» الصادرة بين أعوام 1993، 1994 و 1996.من روايات روبنسون المهمة «سنوات الرز والملح» وهي ملحمة تدور تفاصيلها حول مرحلة تاريخية تشهد انتشار وباء الطاعون تبدو شبيهة بالمرحلة التي شهدت أثناءها أوروبا الأحداث نفسها، الأمر الذي يترتب عليه الانكماش السكاني ويليه التوسع في موجة النزوح الآسيوي إلى القارة المنكوبة. تغطي أحداث الرواية عشرة أجيال من المهاجرين، مسلطة الضوء على حياة عدد من الشخصيات أثناء مواجهتها إشكاليات معينة متصلة بالانتماء الطبقي، والجنسي بين المرأة والرجل، والديني وغيرها من المشكلات التي يواجهها القادمون الجدد.تطوف هذه الرواية بقارئها بين ثقافات وفلسفات مختلفة، إسلامية وصينية وهندوسية. هذا الشيء لا يحدث استناداً إلى طول الرواية وسعة المساحة المتوفرة للقص وإنما بسبب تمازج عناصر الخيال والواقع فيها، والتأملات الكثيرة في الطبيعة الإنسانية التي تطفو على السطح بين الحين والآخر.رد فعل رسميلا أحد يحب واشنطن دي سي . حتى أولئك الذين يعشقونها لا يحبونها. وحشية الطقس، تجعلها الأسوأ: مدينة أميركية مزدحمة خانقة متوسطة الحجم، لا تؤثر في مظهرها سلسلة المباني الفيدرالية البيضاء. أو على العكس من ذلك تجلب إليها السياسيين والسياح وجماعات الضغط والدبلوماسيين واللاجئين وكل من يفد إليها لأغراض مشبوهة،ثم يمضي وقته بعد ذلك في إعاقة المرور في الشوارع و التصرفات التافهة والثرثرة التي لا تنتهي حول مدينتهم التي لا وجود لها في الواقع تلك الواقعة على التلة متجاهلين المدينة الحقيقية. إن النكهة الرديئة لهذا النفاق لا يمكن إزالتها حتى بأنواع الأطعمة والمشروبات التي تمتلئ بها مطاعم المدينة الشديدة الأناقة .وهكذا فقد كان من الطبيعي أن تكون ردود الأفعال الرسمية تجاه الفيضان المدمر الذي اجتاح المدينة، وأنزل الخراب فيها مخلفاً وراءه تلك المقمقة التي كانت تسمع في الوحل في شهر مايو المطير الشديد الحرارة على هذه الشاكلة: ها ها ها. يقولون هذا لأن هنالك الكثيرين في العالم من حولهم ممن يرون أن العدالة قد أخذت مجراها في النهاية. وأن عاصمة العالم قد دمرت عن بكرة أبيها : من الذي لا يعشق هذا؟وبلا شك فإن الأطراف ذاتها كانت تردد العبارات المألوفة إياها . منطقة كوارث، أعمال إنقاذ، خطر انتشار الأوبئة، إعادة ترميم، كرامة الأمة، الخ . وبالطبع، فإن كونها عاصمة للعالم، قد حمل الرئيس على الصرامة في إصراره على أن مساندة جهود إعادة الإعمار، واجب وطني ينبغي للجميع المشاركة فيه من أجل تجسيد رد فعل شجاع وقوي تجاه ما اسماه «هذا العمل الإرهابي».
مقتطف من رواية «خمسون درجة تحت الصفر»
الكتاب: خمسون درجة تحت الصفرالناشر: دار راندوم هاوس نيويورك 2005الصفحات: 416 صفحة من القطع المتوسطFifty Degrees BelowKim Stanley RobinsonRandom House bantam- N.Y 2005p.416ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالمصدر: البيان الامارتية

المسرحي الأميركي تينسي وليامز شاعر الرغبات المعقدة

عابد إسماعيل

تاريخ النشر: 10 شباط 2013

بالصورة الشعرية المكتنزة بالشغف، الرافلة بالعاطفة المشبوبة، يطوّع تينسي وليامز اللّغة المسرحية لرسم شخصياته، وبناء حبكته، وصياغة حواراته، متجنباً الوقوع في فخّ النظم، والسير على هدى المحاكاة، ما جعله أحد أبرز المجدّدين في المسرح الأميركي الحديث، وأحد أعمدة الدراما الرمزية في القرن العشرين، فالشعرية المرصعة بالشطح الفرويدي، أتاحت لهذه الموهبة الكبيرة الدخول إلى أعماق الشخصية، وسبر أغوارها ومكنوناتها، وتحرير الحدث من وطأة الشكلانية، عبر استبطان التجربة الحياتية، وجَسْرِ الهوة بين الموضوعي والذّاتي.والحق أن شهرة وليامز انطلقت مع مسرحيتين تزاوجان ببراعة بين الذاتي والموضوعي، وتُعتبران اليوم من ركائز المسرح الحديث، هما «حديقة الحيوانات الزجاجية» (1944) و «عربة اسمها الرغبة» (1947)، اللتين أخرجهما على مسارح برودواي في نيويورك المخرج الكبير إيليا كازان، قبل أن تتلقّفهما هوليوود وتحوّلهما فيلمين سينمائيين، اشترك في بطولة أحدهما الممثل الشهير مارلون براندو. ولو أن وليامز قرر الصمت بعد هاتين المسرحيتين لما تبدّل شيء، ربّما، في مكانته المرموقة، ولكان احتل، كما هو الحال اليوم، منزلة متقدمة في تاريخ المسرح الطليعي، إلى جانب يوجين أونيل وآرثر ميلر، حيث أرسى معهما ركائز ما يسمّى «الدراما الجديدة»، التي نبذت الفانتازيا الرومانسية، وخلّصت المسرح الأميركي من تبعيته للنماذج الأوروبية الوافدة، المتمثلة آنذاك بالرمزية القاتمة لهنريك إبسن، بل نزعت أكثر فأكثر باتجاه تصوير واقع الحياة اليومية، وخاصة في الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين، والتي تخللتها في مطلع الثلاثينيات كارثة «الكساد العظيم»، التي أوصلت الولايات المتحدة إلى حافة الهاوية. من رحم هذه التحولات ولد مسرح تينسي وليامز، وبنارها اكتوت شخصياته، التي تمردت على قيم الرأسمالية المتوحشة، وسعت لتفكيك أوهام الطبقة الأرستقراطية، والغوص أعمق في حياة المحرومين والمشردين والهامشيين، وبخاصة التركيز على أزمات الفرد الأميركي، عبر الدخول إلى عوالمه النفسية، وتسليط الضوء على المكبوت والمنسي والمقموع، من هنا شغف وليامز بالذاكرة وآلياتها في طريقة رسم شخوصه ونسج أقدراها، كما هو حال بطله «توم» في مسرحية «حديقة الحيوانات الزجاجية»، أكثر أعماله التصاقاً بسيرته الذاتية.السبر المحموم لسيرة الشخصية، واعتماد الترميز وسيلة للكشف عن عقدها وهواجسها، ميَّزا أسلوب وليامز أكثر من أي شيء آخر، وجعلا صوته أكثر فرادةً وجاذبية. في مسرحية «حديقة الحيوانات الزجاجية» الآنفة الذكر، تتناهى إلينا نبرة الاعتراف الحميمة على لسان بطله توم، فتزول المسافة بين السيرة والحدث، وتتماهى الشخصية مع الشخص، ويتبادل توم الراوي الأدوارَ مع تينسي المؤلف، في أبهى رسم للشخصية المركّبة، الباحثة عن فردوسها المفقود: «تنقّلتُ كثيراً. كانت المدنُ تتطاير حولي كأوراق ميتة، أوراق ساطعة الألوان، سُلِخَت عن أغصانها وتطايرت. كان يمكنني أن أتوقّف، لكنّ شيئاً ما كان يلاحقني. يهبطُ عليّ في غفلتي، ويباغتني. لعلّها مقطوعة موسيقية مألوفة. لعلّها مجرّد نثرةٍ من الزّجاج الشفّاف».والحق أن ومضات السيرة الذاتية لا تنفك تطارد جل شخصيات وليامز، فتكتظ الحبكة لديه بآباء غائبين، وأمهات معذبات، ومشردين مطاردين، ونسوة مقموعات، بل باتت كل شخصية نسائية يرسمها تحمل بعضاً من ملامح شقيقته المجنونة، «روز»، كما تكشف «لورا» في مسرحية «حديقة الحيوانات الزجاجية»، الفتاة المرهفة التي بترت كل علاقة لها بالعالم الخارجي بسبب شلل في ساقها، وعطب في وعيها، فتركت مدرستها، وقطعت صلاتها بالناس، وابتكرت جنة افتراضية لنفسها، لا تسكنها سوى حيوانات زجاجية صامتة. ولم تكن والدتها أماندا بأحسن حال منها، فقد عاشت على أطلال ماضيها الأرستقراطي، بعد أن هجرها زوجها واتسعت الهوة بين واقعها وأحلامها، ما جعلها تعاني انفصاماً حاداً، لا براء منه.
قلق ومعاناةهذه الحياة، اتسمت، منذ بدايتها بالقلق والمعاناة، ويصف تينسي وليامز، المولود عام 1911 في الجنوب الأميركي، مسقطَ رأسه بالعالم «الفسيح، المظلم»، وهناك أمضى سنواته السبع الأولى مع والدته وشقيقته وجديه، وتحديداً في مدينة كولمبوس، في ولاية ميسيسيبي. في عام 1918 قرر والده، الذي كان يعمل بائع أحذية، والذي يصفه وليامز بالحالم المغرم «بالمسافات البعيدة»، نقل الأسرة إلى سانت لويس، وشكَّل هذا الانسلاخ عن مهد الطفولة، صدمة نفسية رهيبة، ترجمها الكاتب في كثير من مشاهده، حيث المقارنة بين ماض رومانسي بعيد وحاضر ملغز مثقل بالفوضى، يرمز إليه أب مقامر أدمن الخمر والنساء والترحال، ما جعل الصبي، ابن الثامنة، يصبح أكثر انطوائية، ويطور عقدة الخجل التي رافقته حتى مماته.هذا الصراع المبكر بين الماضي والحاضر، جعل وليامز يفكر بالهروب، والتخلص من أزمات العائلة، التي وصلت ذروتها مع نقل شقيقته، روز إلى مصح عقلي. وعانى وليامز من الاكتئاب سنوات طويلة، وعاش تحت وطأة الخوف من الجنون كما حدث لأخته. هنا، أراد الهروب من جحيم حياته العائلية العاصفة، فاختار نيو أورليانز مكاناً للسكن والكتابة، بل إنه تخلّى عن اسمه الحقيقي، وانتحل عام 1939 اسماً مستعاراً هو «تينسي»، بدلاً من «ثوماس»، يختبئ خلفه ويوقع به أعماله. ويصدر تينسي خلال مسيرته الحافلة خمساً وعشرين مسرحية، وروايتين، ورواية قصيرة، وستين قصة قصيرة، وأكثر من مئة قصيدة، وكتاب سيرة ذاتية واحداً، ونال العديد من الجوائز، لعلّ أهمها جائزة بولتزر للمسرح عام 1948 عن مسرحية «عربة اسمها الرغبة».في هذه الأعمال تبرز الرمزية الشعرية سمة للحساسية الجديدة، اجترحها وليامز بعد أن هيمن الخطاب المدرسي على أعمال معظم مجايليه، وتكلّست اللغة الدرامية تحت وطأة مفاهيم الالتزام، والنضال، وصراع الطبقات، والتي لعب الألماني برتولد بريخت دوراً محورياً في ترسيخها، كما لم ينج منها كاتب كبير مثل آرثر ميلر، وبدرجة أقل يوجين يونيل.واتسمت انطلاقة وليامز الأولى على مسرح بوسطن عام 1940، بمسرحية تجريبية تحمل عنواناً رمزياً، هو «معركة الملائكة»، والتي وإن لم تحظ بنجاح كبير، إلا أنها لفتت الانتباه إلى موهبة غير عادية، تعرف كيف تزاوج بين السبر السيكولوجي والتخيل الشعري، وتجيد رسم الحبكة وابتكار المشاهد الموغلة في التجريب، واستحق وليامز بها أن يوصف بشاعر التعبيرية الرمزية، الذي يجيد فن الاستعارة وربط الحدث ببنية رمزية متماسكة.من هنا، لم يكن وليامز كاتباً دعائياً، بل أجاد لعبة الإيحاء واللّعب على أوتار اللغة، كما في مسرحيته «عربة اسمها الرغبة»، حيث تتسرب إلى الفضاء المسرحي جملة استعارات تصف حال التمزق والاغتراب التي تعيشها بلانش، ابنة الجنوب الأميركي التي وجدت نفسها ضحية فردوس مفقود.ولم ينس وليامز أن يعرِّج على حقبة الحرب الأهلية في الجنوب أيضاً، مثلما فعل بعض أقرانه الجنوبيين، مثل وليام فوكنر وفلانري أوكانور، حيث تبرز الشخصية مثخنة بكوابيس الماضي. وهكذا، نجد أن وليامز يبرع في التقاط الموسيقى الخبيئة للشخصيات، غير آبه بتقاليد الكياسة، مصوراً القسوة في أعتم صورها. يرسم وليامز شخصيات مهزومة، تبكي على ماض ولى وانقضى، ما يجعلها تدأب على اختراع بديل جمالي لإشباع الرغبة، وهدهدة الحلم الهارب، مثل لورا التي تحتمي بأيقوناتها الزجاجية، أو بلانش التي تحاول أن تخفي بشاعة منزل كوالسكي بقناديل ورقية، أو الحالمة ألما واينميلر في مسرحية «صيف ودخان» (1957)، التي تئن تحت وطأة حرمان مزمن، فتهرب للهلوسة وأحلام اليقظة. ويبرز لدى وليامز دائماً نموذج الشخصية الطريدة والمطاردة، التي لا تستقر على حال، وتبحث عن ملاذ يقيها شرور العالم الخارجي وآثامه.في مسرحيته «أورفيوس هابطاً» (1948)، يعترف بطله خافيير بمأزق الاغتراب الذي يعانيه الإنسان في العصر الحديث، إذ يقول: «محبوسون نحن داخل جلودنا، وحيدين ما حيينا، على هذه الأرض».ويلخص وليامز في استهلاله مسرحية «قطة فوق سطح صفيح ساخن» (1955) هذا المأزق المعتم باستعارة دامية تقارن العزلة المطبقة لشخصياته «بصرخة سجين لسجينٍ، يتردّد صداها من زنزانة إلى أخرى، مدى الحياة».
حملة نقديةفي العقدين الأخيرين من حياته، لم يسلم وليامز نفسه من صدى هذه الصرخة، حيث إنه تعرّض لحملة من النقد القاسي واللاذع، فانكفأ إلى عزلته، بل ثمة من رأى أن وفاته في فندق في نيويورك عام 1983، بعد جرعة زائدة من الخمر والمخدرات، كانت بمثابة انتحار مبكر، عجّل به الهجاء اللاذع لمسرحياته الأخيرة. والحق أن وليامز كان بدأ يشعر بأن نبع الإلهام لديه قد نضب حقاً، وشيئاً فشيئاً انفضّ عنه المخرجون والمنتجون، وباتت حياته نهباً للكحول والجنس والمخدرات، حتى أن أسلوبه انكفأ إلى الميلودراما النمطية، المفتعلة، وبدأ يفقد لمسته السحرية التي ميزت نصوصه الأولى. ولاحظ النقاد افتقار الحبكة لديه للتماسك، وجنوح حواراته للهرج الفلسفي، وخلو لغته من البهجة الجمالية التي لطالما بهرت قرّاءه. مع ذلك، لم يستسلم وليامز بسهولة، وظل يمسك بالورقة والقلم حتى آخر رمق في حياته.أمام هذا الرعب، يستحق وليامز أن يوصف بالعبقري الجريح، الذي اتسمت حياته بتراجيديا قاسية، فالنجاح المنقطع النظير الذي حققه في الأربعينات والخمسينات، خبا بريقه في العقدين الأخيرين من حياته، ما جعله يعيش صراعاً داخلياً عنيفاً، كان بمثابة صراع الكاتب مع مخيلته. والمفارقة أنّ حياته ذاتها تحولت إلى تراجيديا مكتملة الحبكة والعناصر، يلعب فيها دور المؤلف والرّاوي والممثل، ويؤدّيها وحيداً فوق منصّة جرداء سقفُها الريح.ــــــــــــــــــــــــــالمصدر: الحياة اللندنية

إدغار ألن بو ورجل الوردة الحمراء

غالية قباني


على مدى ستين سنة بدءاً من عام 1949 التي صادفت الذكرى المئوية لرحيل إدغار ألن بو، بدأ مريدو هذا الأديب الصاخب وقراؤه يجتمعون عند قبره في مدينة بلتيمور الاميركية كل سنة، في طقس ثابت يتخلله حضور شخص غامض يرتدي ملابس سوداء وقبعة تخفي جزءاً من ملامح وجهه، يضع على قبر ألن بو زهوراً وزجاجة شراب ويمضي وسط دهشة الحضور، من دون ان يكلم أحداً. هذا الطقس الغامض يبدو مقتطعاً من قصص وروايات الكاتب نفسه الذي عدّه بعض الدارسين رائد الأدب البوليسي وأدب الخيال العلمي المعاصرين، وجاء اختفاء الشخص الغامض العام الماضي وهذا العام عن حضور سنوية الكاتب، ليثير مزيداً من الغموض الذي وسم حياة وكتابة الشاعر والروائي والناقد الأميركي ادغار ألن بو.يثير اسم إدغار ألن بو في الذهن تداعيات من صور القتلة وفاقدي العقل والعائدين من الموت، صور للمقابر والأماكن المهجورة، والحكايات الغامضة التي تتسرب من قصصه وروايته وحتى شعره، كل ذلك في أجواء من الايام الداكنة والليالي الشديدة العتمة. ولا تزال كتبه تطبع منذ عام 1927 حتى الآن، ولا تزال بعض نصوصه من كلاسيكيات الادب الاميركي مثل قصيدة”الغراب”، وقصة”حكاية القلب”تقرأ واسعاً في اميركا وخارجها. غير ان انتاجه لم يقتصر على النصوص الأدبية فقط، فقد كتب الدراسات والمقالات، وعدّ من رواد النقد الأميركي الحديث، والتنظير الأدبي الجريء الذي تجاوز تقاليد مجتمعه في الكتابة والحياة معاً. وعلى رغم ذلك، فإن شهرته الباقية تتركز بحدود حكايات الرعب والأشعار المسكونة بالغموض. حتى شخصيته نفسها اتخذت امتداداً اسطورياً وتخيّلها كثر شخصية رجل يرتاد المقابر في الليالي المظلمة او القلاع المهجورة.ولد بو في السابع من كانون الثاني يناير عام 1809 في بلتيمور لأبوين يعملان في التمثيل، توفيا وهو في الثالثة من عمره، فتقاسمته مع أخته وأخيه ثلاث عائلات، وكان نصيبه عائلة تشتغل في التجارة، وهما الزوجان جون وفرانسيس ألان. ترعرع في بلدة ريتشموند – ولاية فرجينيا. أراد له والده بالتبني ان يكون رجل اعمال يستلم التجارة معه مثل”جنتلمان”، لكن رغبة الشاب الصغير كانت تتجه نحو الكتابة وكان متأثراً جداً بالشاعر البريطاني لورد بيرون، حتى أنه وهو في الثالثة عشرة كان لديه من القصائد ما يكفي لطباعة مجموعة شعرية، ولكن مدير المدرسة حذر جون ألان من السماح له بطباعة اي كتاب. وفي عام 1826 غادر البلدة الى جامعة فرجينيا حيث طرد منها مبكراً بسبب عدم قدرته على دفع الرسوم ورفض والده ان يمده بكامل المبلغ المطلوب. عندما عاد الى ريتشموند اكتشف ان خطيبته خطبت لرجل آخر، فزادت الصدمة من غضبه وبعد شهور عدة قرر ان يهجر منزل عائلته الفخم ليبحث عن صوته الخاص ومصيره البعيد عن هذه الطبقة ويجول بعيداً عن بلدته، ويعيش المغامرة التي ستجعله ينشر اولى مجموعاته المعنونة باسم”تيمورلنك”وهو في الثامنة عشرة. توفيت والدته بالتبني بعد سنتين بمرض السل قبل ان يتمكن من رؤيتها، وعندما وصل الى البيت كانت قد دفنت. تصالح بو مع والده لمدة قصيرة توسط له خلالها بالالتحاق بالاكاديمية العسكرية. غضب من والده عندما سمع بزواجه مرة اخرى من دون ان يخبره او يدعوه الى زواجه، وقرر ان يفعل ما يجعل الاكاديمية تطرده عقاباً لهذا الأب الذي يريد له مهناً محددة فقط. لكنه في تلك الاثناء نشر مجموعتين شعريتين.عاد الى بلتيمور حيث منزل والده الحقيقي وحاول ان يعيد علاقته مع أقاربه القدامى، فتعرف الى خالة اسمها ماريا كلم ووقع في غرام ابنتها المراهقة. في تلك الاثناء توفي والده بالتبني وتبين انه أخرجه من وصيته ولم يترك له اي مبلغ، الا ان صيت ادغار ألن بو كان قد بدأ بالانتشار بعد نشر قصصه في المجلات وفوز واحدة منها بمسابقة ادبية، وهو امر سهّل عليه نشر مزيد من القصص. عرض عليه العمل محرراً في مجلة”ساذرن ليتراري مغازين”، وفيها وجد طبيعة العمل الذي يحبه والذي سيرافقه بقية حياته، ونجح خلال سنة في جعل هذه المجلة الاكثر قراءة في الجنوب الاميركي من خلال القصص المثيرة والمراجعات الجريئة التي كان ينشرها، والتي لم يكتف فيها بالنقد الحاد للنصوص فقط، بل انتقد مواقف الكتاب انفسهم، خصوصاً اولئك المحسوبين على الشمال الاميركي، وبعضهم كان مشهوراً مثل الباحث رافوس غريسوولد.عاش ادغار بو فترة سعادة بزواجه من قريبته الشابة الصغيرة فرجينيا التي أحبته كثيراً وكرست له وقتها. كتب عن سعادته بحياته الزوجية في قصيدة عنوانها”يولالي”، العنوان الذي لم أجد له اي امكانية ترجمة الى العربية.متطلبات الحياة الاسرية ومحدودية دخله دفعته للاستقالة من مجلته والانتقال الى نيويورك ليجد عملاً في صحافتها، وصادف ذلك فترة ازمة مالية في اميركا، ثم انتقل الى فيلادلفيا عام 1837 حيث كتب للصحف والمجلات. وعلى رغم ان صيته كان ينتشر يوماً بعد يوم، إلا ان ذلك لم ينعكس كثيراً على دخله، ويكفي ان نعرف ان اول مجموعة قصصية له حصل مقابلها على 25 نسخة فقط ومن دون اي مقابل مادي! الا ان بو المتمرد سرعان ما اضحى صوتاً حاداً للمطالبة برفع اجور الكتاب والمطالبة بحقوق النشر على ما يباع من كتبهم في العالم.بعد سنوات قليلة من السعادة والنجاح، بدأت التراجيديا تحوّم مرة اخرى على حياة ادغار الن بو عندما اصيبت زوجته بالسل وبدأت صحتها بالتدهور.في 1845 اصدر قصيدته الطويلة الغراب التي ستضعه في مرتبة متقدمة في المشهد الأدبي الأميركي، وبدأت شهرته تستقطب الجمهور الواسع لمحاضراته وقراءاته العامة، وراح يطالب بمبالغ اكبر مقابل نشر مقالاته ونصوصه. توفيت زوجته الشابة بعد سنتين فأصيب بالانهيار وظل لشهور عدة غير قادر على الكتابة. ثم بدأ جولة في بعض الولايات الاميركية ألقى خلالها المحاضرات وبحث عن ممول لمجلته الأدبية الخاصة التي كان يخطط لإصدارها. التقى بامرأة أحبها كثيراً وألهمته القصائد المهمة كالقصيدة المشهورة إلى آني. كانت المعشوقة متزوجة ولم ترغب في انهاء زواجها، فتعلق بالشاعرة شارة هيلين ويتمان ولم تدم خطوبتهما. انتقل بعدها الى ريتشموند مرة اخرى حيث التقى بخطيبته الاولى إلميرا التي كانت أصبحت أرملة، وقررا الارتباط مرة اخرى وأعلنا خظوبتهما رسمياً. سافر الى فيلادلفيا في مهمة قصيرة ومرّ في طريقه على بلدته بلتيمور، وهناك اختفت أخباره لمدة خمسة ايام، فقد وجد مغمياً عليه في حانة ونقل الى المستشفى حيث احاطت به وجوه غريبة، ولم تعرف خطيبته ولا خالته بمصيره الا من خلال نعي نشر في الصحف يعلن وفاته يوم السابع من تشرين أول/اكتوبر 1849 وهو في سن الأربعين. وبقيت وفاته غامضة غموض سرده الأدبي.بعد غياب هذا الكاتب والشاعر والناقد المبدع الذي كسر تقاليد الكتابة في زمنه، حاول غريمه الأدبي غريسوولد الانتقام منه بعد وفاته، فكتب عنه في صفحة الوفيات وأصدر لاحقاً سيرة ذاتية عنه ضمّنها الكثير من الدس والتشويش صور فيها إدغار بو سكيراً و”نسونجياً”بلا أخلاق ومن دون أصدقاء وكاتباً متواضع الموهبة. الا أن هذا الكتاب، وللغرابة، ساهم في الترويج لشخصية غريمه، بل ازدادت مبيعات كتبه عما كانت اثناء حياته. وينبهنا بعض المهتمين، الى ان إدغار ألن بو صار اسطورة أميركية بفضل ذلك الكتاب الحاقد، بينما بقي غريسوولد في الأذهان على أنه أول كاتب سيرة لهذا الأديب.عودة الى الطقوس السنوية التي تتذكره، وبدأت منذ عام 1949، فقد كان هناك شخص غامض يخترق جمعهم بملابسه السود وقبعته التي تغطي جزءاً كبيراً من وجهه، يرتدي القفاز في يديه ويحمل عكازاً، يقترب ويضع وردة حمراء وأحياناً يترك رسالة مشفرة يقضون اياماً في حلها، كأنها مستلة من نص للكاتب نفسه. اطلق على هذا الشخص اسم”بو توستر”أو الرجل الذي يحيي بو وقد ادعى أربعة اشخاص انهم هم ذلك الشخص، الا ان محبي الكاتب ممن اعتادوا حضور الطقس السنوي، رفضوا التصديق، فهم يعرفون رجلهم تماماً من طريقة مشيته ولغة جسده عموماً. يقال انهم سيمنحونه فرصة اخرى العام المقبل كي يظهر، وإن لم يفعل، فسيعتبرون انه رحل الى العالم الآخر، بغموض، على خطى كاتبه المفضل.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالمصدر: الحياة اللندنية

تشيخوف

أنطون تشيخوف : Anton Chekhovطبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي كبير ينظر إليه على أنه من أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ، كتب المئات من القصص القصيرة التي اعتبر الكثير منها إبداعات فنية كلاسيكية، كما أن مسرحياته كان لها تأثير عظيم على دراما القرن العشرين. 
كتب تشيخوف نصه الشهير (مضار التبغ) ووصفه بالمونولوج في فصل واحد يقف البطل الذي في دوره إلقاء محاضرة بأمر من زوجته عن أضرار التدخين، حيث زوجته تمتلك ثروات كثيرة وهو يعمل معها في إدارتها وينفذ أوامرها، كتب تشيخوف القصة وعرف البطل بنفسه حيث لا إسم له حتى يحتار القراء والمشاهدين بأنها مسرحية لشخص لاوجود له كما لا وجود لحياته وينتهي بحكاية معاناته مع زوجته ويتمنى أن يرجع الزمن أن به حتى يتراجع عنه فعلته، وينتهي في نهاية اللقاء بالتنبيه علي المستمعين بأن يقولو انه طوال المحاضرة كان يحكي لهم عن أضرار التدخين إذا سألتهم زوجته ..
حيث يصور تشيخوف السيطرة الأنثوية بمونولوج درامي رائع يلعب فيه الكاتب بالتابلوهات حيث المرأة المسيطرة والرجل المجبور مغلوب على أمره.

تينيسي ويليامز يرتد بالذاكرة في رحلة وعي مريض

أبو بكر العياديالعرب[نُشر في 18/07/2016، العدد: 10338، ص(16)]

بعد تشيخوف وجان جينيه، اختار مسرح الهضبة بباريس التعامل مع عملاق آخر هو الأميركي تينيسي ويليامز، عبر مسرحية “حظيرة الوحوش الزجاجية”، وهو نصّ معقّد عن شريحة من المجتمع الأميركي تواجه أوضاعا معيشية وعاطفية صعبة بعد الحرب، قال عنه صاحبه إنه يدور في الذاكرة، والذاكرة بالنسبة إليه تقع في القلب، لأن الذاكرة تولّد حنينا عادة ما يُجمّل الماضي، فيزيد الحاضر سوداوية.
مسرحية “حظيرةُ الوحوشِ الزجاجيّةُ” التي تعرض حاليا على خشبة مسرح الهضبة الباريسي، هي أول عمل مسرحي كتبه تينيسي ويليامز (1911 /1983)، وقد استوحاه مما عاشه في وسطه العائلي، والمعروف أنه بدأ كتابة الشعر منذ سنّ الرابعة عشرة “للهروب من عالم الواقع”، كما قال في مذكراته، والحياة الرتيبة التي كان يحياها في بلدة بأميركا العميقة داخل إطار عائلي خانق: أب مستبدّ ولا سيّما تجاه هذا الابن الحالم، وأمّ لم تبرح عالم طفولتها الذي غادرته، وأخت مريضة ذهنيا.وظلت الكتابة لديه بلسما لجراحه الجسدية والمعنوية حتى وفاته، إذ لم ينقطع عن التأليف سواء في الشعر مثل “في شتاء المدن”، أو في القصة مثل “الملاكم الأبتر” و”الدجاجة القاتلة” والرواية مثل ”الربيع الرّوماني لمسز ستون” و”امرأة تدعى موسى”، ولكن شهرته حازها عن طريق مؤلفات مسرحية كانت تعرض في برودواي وفي شتى عواصم الدنيا، وغالبا ما حوّلها كبار المخرجين كإيليا كازان وجون هوستون وجوزيف مانكيفيتش إلى أفلام سينمائية ناجحة، نذكر منها “ترامواي اسمه رغبة” و”قطة على صفيح ساخن” و”الوردة الموشومة” و”صيف ودخان”… وتتميز كتابته بكثافة أنيقة تأتلف فيها الواقعية بالغنائية.
مرارة وخيبة
تدور أحداث مسرحية “حظيرةُ الوحوشِ الزجاجيّةُ” في شقة ضيّقة بسانت لويس، وتضع على الخشبة ثلاثة أفراد من عائلة واحدة، آل وينغفيلد: الأم أماندا، التي هجرها زوجها، وابنها توم، الذي يعمل بمصنع للأحذية ويكتب الشعر في أوقات فراغه، ويحلم بالمغامرة والسينما، وابنتها لورا، المعوقة المولعة بتأليف تشكيلة لحيوانات صغرى من الزجاج، يُضاف إلى هذا الثالوث الشابّ جيم، زميل توم، المدعو لقضاء السهرة.
ومن خلال هذا الوضع الذي يستمده من حياته الخاصة، ومن حكاية بسيطة مُغرقة في المحلية، يبني ويليامز عملا إنسانيا كونيا، مشوبا بالمرارة والخيبة، يحوم حول الفقدان والحداد، والحضور الدائم لِـما وَلّى.
فأماندا، المهووسة بشبابها الضائع، لا تنفك تنكّد حياة ولديها لأجل ما تعتبره مصلحتهما، وهي عاجزة عن التمييز بوضوح بين أوهامها وواقعهما، تنظم سهرة سوف يأتي خلالها رجل “كيّس”، لتعرّفه على ابنتها المصابة بإعاقة غامضة تجعلها غير قادرة على الحياة بصفة طبيعية، وتنسج خطط زواج معقدة من شأنها أن تحلّ مشكلات العائلة المادية والعاطفية، ولكنها تتسبب في كارثة ترديهم جميعا إلى الانكفاء والبؤس.
المسرحية تعرض الحياة كتجربة خالية من المعنى، ممهورة بلحظات جميلة جمالا لا ننهض بعده، ففي شرنقة هذه السهرة الضيقة حيث ترتجّ الحدود، ينتأ شيء غامض يوشك أن يحدث ويزعزع كيان أولئك الأفراد.
لورا تقترب كثيرا مما يبدو بالنسبة إليها معجزة، أثناء مدة بالغة القصر، وتعيش ما لم تكن تتصوره، ثم تعود مثلما كانت، لتعيش على وهم ما كان، وبحِمْل ثقيل يرهق الذاكرة، حِمل فرحة لم تتمّ.
هذا المشهد الأليم، الذي يداني السخرية، يستبدّ بالسارد، توم، الذي يروي تلك الحادثة بعد سنوات من وقوعها، ويسترجع السجن العاطفي الذي تمثله حياته جنب أمه وأخته، لذلك اختفى، فرّ كما فرّ أبوه من قبله، وترك المرأتين دون أخبار ولا معين.

بين كرب وضحك
لا شيء في هذه المسرحية مادّيا، فالوجوه أطياف تعبر ذاكرة السارد، ثمرة هوسه وعواطفه، هي رحلة في وعي مريض، بين الكرب والضحك، وتينيسي ويليامز نفسه يشجع المخرج على التنصّل من إرغامات الواقعية، ويقترح أشكال تمثيل، وترتيب علاقات تعكس البنى النفسانية العميقة، فهو يميل إلى دراماتورجيا تقوم على الثغرات والغياب والانزياح عن الواقع، وتلك سمة مسرحه، حيث التبادل غير مضمون، والعواطف تنفذ من الكائنات لتنهمر كالمطر بفعل لامنطقية متأصلة.
شخوص “حظيرة الوحوش الزجاجية” ضائعة، وطريقة احتلالهم الفضاء الأساس هي التيه، أماندا تائهة في بيتها، في المدينة، وبين ولدها وابنها، وإرادتها تسعى إلى إزالة كل عائق يمكن أن يحول بينها وبين تيهها: أن يستسلم لها ابنها، يتغيب من تلقاء نفسه، يقوم بالمعيش اليومي، ويخلصها من كل ثقل مادّيّ، وأن تخرس ابنتُها، وتكبت أنوثتها، وتغيب عن وضعها كمتفرجة دائمة لهوس أمّها، وأن يرضى جيم بأن يقدّم في شكلِ منحوتةٍ الجسدَ الراغبَ لرجلٍ مفقودٍ، ولا يزال مرغوبا فيه، وأن يبقى على الداوم خدعة، لا يتدخل، ولا يكون له وجود، فهي في نهاية الأمر وحيدة، تتيه حبيسة منظومة مغلقة.
التمثيل ومؤثرات الصوت والضوء وكذلك السينوغرافيا (ركح مربع محاط بستائر بيضاء شفافة، وفانوس في شكل إكليل زهري يخفق مثل ميدوسا) توحي بأن المسرحية غير واقعية، والأحداث تجري عكس ما يتوقع المتفرج، وهو ما أراده تينيسي ويليامز، إذ يؤكد أنها تدور في الذاكرة، لكونها تجيز عدة إباحات شاعرية، فتهمل تفاصيل، وتضخّم أخرى، وفق القيمة الانفعالية للذكريات، لأن مقرّ الذاكرة، كما يقول، هو القلب.

أبو بكر العيادي

في رواية (الوليمة المتنقلة) لأرنست همنغواي

بغداد/ أوراقتاريخ النشر: 21-02-2015
الكاتب في سطورولد الكاتب الأميركي أرنست همنغواي في 21 تموز عام 1899 بمدينة اوك بارك من اسرة برجوازية مثقفة.. بدأ حياته الصحفية في جريدة (كونساس سيتي) بعد تجارب حياتية اكتسبها من خلال نشاطه الصحفي، إذ مكنه هذا العمل من تغطية أحداث هامة اثناء تنقله في البلدان الأوروبية..
شارك في الحرب العالمية الثانية، وانغمر الى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الاسبانية، وقضى شطراً طويلاً من حياته في كوبا.. يعد همنغواي من اشهر الروائيين الذين يتمتعون بشخصية أدبية نافذة وخيال خصب وتحليل عميق ووصف دقيق، وكان له اثر كبير في الأدب الروائي العالمي خلال النصف الأول من القرن العشرين.. عاش حياة مفعة بالنشاط الانساني والتدفق الابداعي، وحين احس بتراجع ذلك النشاط وضع حداً لحياته بالانتحار.. وهو الحائز على جائزة نوبل للآداب، كتب روايته هذه قُبيل انتحاره سنة 1961 وكان في الثانية والستين من عمره، وقد نشرت بعد وفاته مكتسبة عنوانها من رسالة بعث بها الى صديق له يقول فيها: إذا وافاك الحظّ بما فيه الكفاية لتعيش في باريس وأنتَ شاب، فإن ذكراها ستبقى معك أينما ذهبت طوال حياتِك، لأن باريس وليمة متنقّلة.


اجواء الشتاء تذرف دموعاً غزيرة تكاد تغرق معالم مدينة باريس الحزينة، كما يصفها همنغواي في روايته (الوليمة المتنقلة) الصادرة عن دار (المدى) للثقافة والنشر بترجمة علي القاسمي، راوياً سيرته الذاتية.. فهو الكاتب والبطل الذي يسرد لنا علاقاته مع زملائه الأدباء وأخبارهم وطرائفهم وأسرارهم، مشيراً الى المقهى الذي يقضي فيه وقتاً طويلاً حيث يكتب قصصه على صفحات دفتر صغير، ويأكل المحار ويشرب النبيذ. ويلفت انتباهنا الى انه يسكن غرفة يتوجب عليه ان يرتقي ثمانية طوابق لبلوغها في الفندق الذي لفظ فيه الشاعر فرلين أنفاسه الأخيرة. ويصف لنا اجواء المدينة ومعاملها باسلوب ساحر، وساخر تهكمي احياناً كوصفه للمكان الذي تقع فيه مقهى الهواة.. كانت باريس تعيش أجمل أيامها بعد الحرب العالمية الأولى، تعج بالحركات الفنية والمدارس الأدبية والمذاهب الفلسفية الجديدة. لذا قصدها كثير من أدباء إنجلترة وأميركا للإقامة فيها مثل الشاعر عزرا باوند، وتي س إليوت صاحب قصيدة الأرض اليباب التي تعد نقلة نوعية كبرى في الشعر الإنجليزي في القرن العشرين، والروائي الإيرلندي جيمس جويس صاحب رواية يوليسيس التي توصَف بأنها أعظم رواية في الأدب العالمي خلال القرن العشرين، والروائي الأميركي الشهير سكوت فتزجيرالد، صاحب رواية غاتسبي العظيم والتي تعد أفضل رواية ايضاً، والناقدة الروائية غيرتيتيود شتاين، والرسام باسين، والكاتب فورد مادوكس، وغيرهم. منوهاً الى ان الشاعر عزرا باوند لا يعرف الفرنسية ولم يقرأ الأدب الفرنسي، والكاتبة غيرتيتيود شتاين سحاقية تمارس الجنس مع كاتبتها، والشاعر الأميركي إرنست والش يعيش على ما يكسبه من موائد القمار وليس على ما تدره عليه قصائده، ومجلة دايل الأدبية الأميركية تعلن عن جائزة أدبية وهمية ويوحي محررها إلى كل أديب على حدة بأنّه سينالها، وعزرا باوند يجمع المال من الأدباء لمساعدة تي أس إليوت على التخلي عن وظيفته البسيطة في مصرف لندني والإقامة في باريس ليتفرغ لكتابة الشعر، ثم يتولى عزرا باوند إعادة كتابة ثلث قصيدة الأرض اليباب، والرسام البريطاني الشهير وندهام لويس يأتي بين الفينة والأخرى إلى باريس ليأخذ مقاييس اللوحات الجيدة ويعود إلى لندن ليرسمها ويقلدها، وزيلدة زوجة الروائي سكوت فيتزجيرالد مجنونة وتتسلّى بتعذيب زوجها، وهمنغواي ينغمس في علاقة جانبية مع فتاة، وتجد زوجته نفسها في حالة تتيح استغلها من قبل الأغنياء الذين يصفهم بأنهم يبعثون بنوع من الطعم يلج حياة الناس بجميع مفاصلها السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية ويغادرها بالطريقة نفسها كما دخلها. ويقول: قبل مجيء هؤلاء الأغنياء تسلل إلينا شخص غني على هيئة امرأة شابة غير متزوجة، اصبحت بصورة مؤقتة صديقة حميمة لامرأة شابة أخرى متزوجة، واخذت تعيش مع الزوج والزوجة، ثم وبصورة عفوية بريئة عملت بلا هوادة للاقتران بالزوج. منوهاً الى انه وزوجته كانا ضحية هذه الخطة، عندما يكون الزوج كاتباً ويقوم بعمل صعب يستغرق جل وقته ولا يستطيع ان يكون رفيقاً او شريكاً جيداً لزوجته معظم اليوم فان ذلك الترتيب له فوائده حتى تدرك الغرض منه، فيصبح الزوج محاطاً باثنتين حين ينتهي من عمله. لافتاً الى ان الأمر يبدو ممتعاً ومثيراً، وان جميع الأمور الشريرة تبدأ من البراءة.. وبذلك يبث همنغواي المعلومات في هذه الرواية متفرقة بطريقة ذكية لا يحس بها القارئ العادي. فيخبرنا مثلاً أين كان يزاول فعل الكتابة، وفي أي ساعة من ساعات اليوم، وكيف تعلّم من مدارس الرسم الفرنسية وطبّقه على الكتابة، والطريقة التي يبدأ بها عباراته، وما يحذف من الحكاية الأصلية وما يُبقي منها، وكيف مارس في بداية شبابه العمل كمراسل صحفي، ثم قرر التفرغ للكتابة الإبداعية وتعلُّم تقنياتها.. ويشير في آخر الرواية الى ان الذكريات في باريس ليست لها نهاية، وهي مختلفة من شخص لآخر. فيقول: كنا نعود اليها في كل الاحوال الصعبة او السهلة، فباريس تستحق ذلك دائماً، وهي تمنحك مقابلاً لما تاتي به اليها.  

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالمصدر : المدي

«طريق التبغ» لإرسكين كالدويل: فضائل الأشرار البائسين

ابراهيم العريس

«لقد مشيت في ذلك الدرب في صميم فصل الشتاء، ورأيت الناس الجائعين الملتفّين بالأسمال البالية يذهبون إلى لا مكان ويأتون من لا مكان، ملتمسين الطعام والدفء، راغبين في أن يعرفوا ما إذا كانت أشياء مثل الطعام والدفء، لا تزال موجودة في بقعة ما من بقاع العالم. إنهم لم يلتمسوا شيئاً أكثر من الغذاء الكافي لأن يمسك عليهم الحياة حتى مطلع الربيع. بحيث يكون في مقدورهم أن يزرعوا القطن للموسم الجديد. كان لهم من الإيمان بالطبيعة، بالأرض، وبالنبات الذي في الأرض، ما جعلهم لا يفهمون كيف يمكن للأرض أن تخونهم أو تخيب رجاءهم، ولكن خانتهم وخيبت رجاءهم…». ليست هذه السطور سوى جزء من التقديم الذي كتبه إرسكين كالدويل لروايته الأشهر «طريق التبغ»، تلك الرواية التي من الواضح أن الكاتب يتحدث فيها عن عالم يعرفه جيداً، عن أناس طبعوا طفولته وصباه. فهو أتى أصلاً من تلك البيئة «البائسة البيضاء»، التي كانت تهيمن على مدن الجنوب الفقيرة في الولايات المتحدة الأميركية خلال سنوات القحط وبالتحديد عشرينات وبداية ثلاثينات القرن العشرين. ولئن كانت هذه العبارات تبدو حافلة بالمرارة والغضب والحسرة وصولاً حتى إلى نوع من السوداوية التي تبدو عادة، غريبة بعض الشيء عن ما يستدعيه الحلم الأميركي، فإن الرواية نفسها على العكس من هذا، تحفل بالمواقف المرحة، ناهيك بالتعاطف الذي يبديه الكاتب حتى مع أكثر الشخصيات شراً، وأكثر المواقف إيلاماً، دع عنك بعد هذا كله تلك النهاية الملتبسة التي يمكن أن يقال عنها أنها كانت نهاية سعيدة بعد كل شيء. ومن المؤكد أن هذا ما جعل الرواية تحقق حين صدرت في العام 1932، أي في عز مرحلة الفقر والجوع التي تلت الانهيار الاقتصادي الكبير الذي حدث في العام 1929، نجاحاً كبيراً، إلى درجة أن المسرحية التي اقتبست منها في برودواي، ظلت تعرض ثمانية أعوام متواصلة، مع أنها لم تكن مسرحية موسيقية، ما جعل من كالدويل واحداً من أكثر الكتاب شعبية في ذلك الحين.

ومهما يكن من الأمر فإن «طريق التبغ» التي كانت الرواية الثالثة له، هي ما صنع شهرة إرسكين كالدويل، ليس فقط ككاتب، بل ككاتب إنساني لا يحاول في أدبه أن يعطي دروساً وأن يصنف الناس أخلاقياً على ما كان اعتاد أن يفعل أدب من النوع الوعظي كان سائداً في ذلك الحين. فالناس في رواية «طريق التبغ» هذه فقراء وبائسون وخطاة ولصوص، ولا يأبه واحدهم بمصائب الآخر، لكن السؤال يبقى: هل ترى هؤلاء الناس ولدوا هكذا؟ أو هل تراهم اختاروا بإرادتهم أن يكونوا أشراراً؟ أبداً يقول كالدويل، إن مجتمع البؤس الخارج عن إرادتهم هو الذي صنعهم. وبالتالي فإن الكاتب يقدم لنا من دون أية أحكام مسبقة أو أحكام أخلاقية ذلك العالم الغريب في الرواية المتحلق من حول أسرة جيتّر ليستر، المزارع البائس الممتلئة حياته بالخطايا وبالأطفال الذين أنجبت له زوجته آدا سبعة عشر ولداً في بيتهم الضيق الفقير الواقع في خراج بلدة أوغوستا بولاية جورجيا الجنوبية. لقد مات باكراً خمسة من أولئك الأولاد، وهرب معظم الباقين إلى المدينة: وهناك في الحلقة المحيطة بأسرة ليستر صهر العائلة لوف بنزي الذي لا يتوقفون عن محاولة سرقته، على رغم أن زوجته ابنتهم بيرل ذات الإثني عشر عاماً التي تزوجها لا تقربه بل حتى لا تتحدث إليه. وهناك «الداعية» الدينية – من دون أن يكلفها أحد بذلك! -، بيسي التي تقرب من الأربعين، وترملت غير مرة بعدما كانت مومساً، وها هي الآن تغري إبن الأسرة ديود (16 سنة) بالزواج منها مقابل أن تشتري له سيارة يقودها فيتجولان معاً للدعوة إلى الدين. إذاً، من حول هذا العالم بما فيه من احتيال وبؤس وأكاذيب وقبح (بل حتى قبح بالمعنى الجسدي، حيث تطالعنا الابنة الباقية في البيت ليستر مشوهة الشفة ما ينعكس عليها أخلاقاً شيطانية، كما تطالعنا بيسي بوجه خال من الأنف تقريباً ما يجعلها شبيهة بالخنازير). ولكن هل ثمة من يحفل بهذا؟ إن «طريق التبغ» ترينا أن لا أحد يحفل وتقول لنا لماذا، ولكن بأسلوب هو أدنى إلى الفكاهة والتعاطف، ناهيك بالتضافر بين العنف والحنان…
العنف، الحنان، الجنس والهزل الصاخب، هي السمات والأمور التي طبعت على الدوام أدب الأميركي إرسكين كالدويل، أحد أكبر أدباء الولايات المتحدة شهرة في العالم، وعلى الأقل بفضل «طريق التبغ» كما بفضل روايته الثانية التي، بدورها ترجمت إلى شتى لغات الأرض، «أرض الله الصغيرة». ومع هذا، وعلى رغم انتشار أدبه ذلك الانتشار الكبير، نادراً ما صُنّف كالدويل في خانة أدباء الصف الأول الأميركي إلى جانب إرنست همنغواي أو وليام فولكنر. ومن هنا اعتبر على التوالي أصغر الكتاب العظام، أو أعظم كتاب الصف الثاني. ومع ذلك ليس ثمة أدنى شك في أن كالدويل كان، كما نلاحظ في «أرض التبغ» ولكن كذلك في معظم نصوصه الأخرى، من أفضل الذين سجلوا مدونات حياة وآلام الريفيين في الجنوب الأميركي، لا سيما البائسين منهم والمحبطين والذين نادراً ما تتحقق آمالهم. وهذا ما جعله ذا حظوة في فرنسا والاتحاد السوفياتي تفوق حظوته في بلده الأم.
غير أن هذا لم يمنع عالم الأدب من نسيان كالدويل بشكل شبه تام، بحيث أن الكثيرين تساءلوا حين رحل الرجل عن عالمنا عام 1978، كيف يموت الآن وكنا نعتقده ميتاً منذ زمن بعيد. ذلك أن أدب كالدويل العنيف والكلاسيكي والواقعي إلى حدود التخمة تبدّى، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أدباً ينتمي إلى عوالم ماضية. والحال أن كالدويل نفسه كان يشجّع على ذلك، فهو لم يسع أبداً إلى تطوير لغته أو أساليبه، وظل رصده للواقع الأميركي رصداً متشبعاً برؤى المراهق الذي كانه، خلال الربع الأول من هذا القرن، حين قيض له أن يرافق أباه الكاهن المبشر، متجولاً بين كنيسة وأخرى في ولاية جيورجيا الجنوبية مسقط رأسه. ولقد أتاح ذلك التجوال لإرسكين أن يرصد أحوال الناس ويدخل إلى سرائرهم، ما وفر له ترسانة معرفية تتعلق بطبائع البشر وعلاقاتهم وتطلعاتهم، ساعدته كثيراً في كتاباته اللاحقة. وهو وصف هذا كله في الكتاب الفذ الذي وضعه عن أبيه في 1968 بعنوان «الجنوب العميق: مذكرات وملاحظات»، فأتى مكملاً لكتاب ذكريات سابق كان أصدره أوائل الخمسينات ووصف فيه تكونه كروائي، وهو الكتاب الذي ترجم ونشر بالعربية لدى «دار الهلال» القاهرية.
على عكس عدد كبير من الكتاب الآخرين من أبناء جيله، كان من نصيب كالدويل أنه قرر منذ حقبة مبكرة في حياته أن يصبح كاتباً، لذلك انتقل إلى ولاية مين الشمالية في 1926، وكان في الثالثة والعشرين من عمره، حيث بدأ تجاربه التي أوصلته في 1932 إلى نشر «طريق التبغ» التي حققت له على الفور شهرة واسعة، خصوصاً أن تحويلها إلى مسرحية وعرضها في برودواي طوال ما يقرب من ثمانية أعوام على التوالي كان ظاهرة لافتة في ذلك الحين، لكن كالدويل لم يركن إلى ذلك النجاح، بل استفاد منه لمواصلته الكتابة، فأصدر على الفور «أرض الله الصغيرة» (1933) ثم «اضطراب في تموز» (1940). وهو بعد كتابه الروائي الرابع «طفل جيورجيا» (1943) راح يكتب القصة القصيرة، والتحقيقات الصحافية اللافتة التي غالباً ما كانت ترافقها صور التقطتها زوجته المصورة مارغريت بورك – وايت. وبرفقتها زار الاتحاد السوفياتي حيث تابعا الغزو الألماني للأراضي السوفياتية خلال الحرب العالمية الثانية، ولذلك اعتبرا على الدوام صديقين مخلصين لذلك البلد، وهو ما جرّ عليهما مشاكل عدة في بلدهما. أما آخر سنوات حياته فقد أنفقها كالدويل في تدوين مذكراته وكتابة القصص القصيرة، ناهيك عن خوض النضال الاجتماعي الذي طبع أدبه ككل ولم يتخل عنه لحظة واحدة.

ــــــــــــــــ
جريدة الحياة اللندنية ، 1 يوليو 2016.