مقولات ملهمة

70 مقولة ملهِمة في فلسفة العيش والحياة !

70 مقولة ملهِمة في فلسفة العيش والحياة !

هي أفكار وخلاصات تجارب وحياة ناجحين وفلاسفة وعلماء، يمكنك أن تتأملها وتستثمر ما يناسبك منها في عيشك، ولا تنس بعد قراءتك لها أن تخبرنا بأي منها نالت اهتمامك وتقديرك. لنتابعها معا إذا فلن أقول شيئا أفضل مما سيقوله هؤلاء في كل الأحوال!

1- الأسرار الأكثر عمقا تسكن الأشياء الطبيعية الأكثر بساطة.. فيورباخ.

2- إن تصورنا لموضوع ما، ما هو إلا تصورنا لما ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر.. بيرس.

3- إن الإنسان هو معيار كل شيء.. بروتاغوراس.

4- يولد العقل كصفحة بيضاء، تأتي التجربة لتنقش عليها ما تشاء.. جون ستيوارت.

5- عندما نفكر في الفشل، فإنه يصبح صديقنا. وإذا أجلنا اتخاذ القرار بصورة دائمة، فلن يتغير شيء. وكل ما نحتاج إليه هو أن نرغب في تحقيق شيء عظيم ثم نتقدم ببساطة لفعله. لا تفكر في الفشل لأن ما تفكر فيه يتحقق.. ماهاريشي ماهيش يوجي.

6- النجاح مؤقت دائما، فبعد أن يقال كل شيء ويفعل كل شيء لا يتبقى لك إلا شخصيتك.. فينس جيل.

7- ليس هناك سوى نجاح واحد، وهو أن تستطيع أن تحيا حياتك على طريقتك الخاصة.. كريستوفر مورلي.

8- الناجحون يكسبون المال. وليس معنى ذلك أن من يكسبون المال ناجحون بل معناه أن الناجحين من البشر يجذبون المال إليهم، وهم وأي شيء يفعلون يصبح ناجحا.. واين داير.

9- يقول الناس إن ما نبحث عنه هو أن نعطي للحياة معنى. وأنا أعتقد أن ما نبحث عنه هو أن نشعر بأننا أحياء حتى نسمع صدى خبرات حياتنا على المستوى المادي الظاهري على كياناتنا الداخلية العميقة، حتى نستشعر فعلا المتعة الهائلة لأننا أحياء.. جوزيف كامبل.

10- ليس هناك أية قيود على عقولنا إلا تلك التي نعترف بوجودها.. نابليون هيل.

11- إننا نصبح في أفضل حالاتنا وفي قمة سعادتنا عندما ننهمك بالكامل في فعل ما نستمتع به أثناء رحلتنا باتجاه الهدف الذي نريد تحقيقه لأنفسنا. وهذا يمنح لحياتنا معنى ويجعلنا نستمتع بنومنا ويجعل كل شيء آخر في الحياة أمرا في غاية الروعة والقيمة.

12- إن النجاح رحلة وليس محطة وصول.. بين سويتلاند.

13- عش حياتك كل يوم كما لو كنت تتسلق جبلا، إن نظرة من حين لآخر باتجاه القمة ستحافظ على بقاء هدفك في عقلك، إلا أنه سيظل أمامك الكثير من المناظر الجميلة لتتأملها من على كل نقطة وصول أثناء صعودك. تسلق ببطء وبثبات مستمتعا بكل لحظة تمر عليك، ومنظر الجبل تحت قدميك عندما تعتلي القمة سيكون ذروة الإثارة في تلك الرحلة.. هارولد.

14- إن الأهم في المعرفة هو السؤال، ويجب أن يتحول كل جواب إلى سؤال من جديد.. كارل ياسبيرس.

15- كلما زاد الرجل سكينة عظم نجاحه وأثره على غيره وقدرته على فعل الصواب. إن راحة البال واحدة من أجمل جواهر الحكمة.. جيمس آلن.

16- لا أحد يدفع ثمن النجاح بل إن الناجحين يستمتعون بثمن النجاح.. زيج زيجلر.

17- إن أفضل صور احترام الذات لم تتطلب أبدا العناء، بل تنبع من الاهتمام بها كما لو كانت مثل لعبة.. فلورنس سكوفيل شين.

18- في أغلب الأحيان لا يكون الفرق بين الناجح والفاشل فرقا من حيث القدرات أو الأفكار الأفضل، بل يكون في الشجاعة التي يتحلى بها المرء في الرهان على أفكاره وفي تحمل المخاطر المحسوبة، وفي الفعل.. ماكسويل مالتس.

19- إذا لم تستطع التحرر من مخاوفك وشكوكك فلن تكتشف أبدا مدى روعة الحياة بدونها.. كولين ماكارثي.

20- من بين كل الانفعلات، الخوف أكثرها لعنة.. ويليام شكسبير.

21- إن الالتزام هو ما يحول الوعد إلى حقيقة واقعية، إنه الكلمات التي تقولها بجرأة عن نوايانا، إنه الأفعال التي تتحدث بصوت أعلى من صوت الكلمات، إنه إيجاد الوقت عندما لا يكون هناك وقت، وهو يأتي ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم. إن الالتزام هو المادة التي صنعت منها الشخصية الإنسانية وهو القوة التي تغير وجه الأشياء وهو الانتصار اليومي للاستقامة والثقة على الانحراف والشك.. مايكل فورتين.

22- افعل ما تخاف أن تفعله وأضمن موت ذلك الخوف لديك.. ثورو.

23- الأقوياء من البشر تحفزهم أهداف متحركة.. كينث هيلد براند.

24- إن الهدف النهائي للحياة هو الموت، وخبرة الحياة هي المكان الذي تكون فيه القيمة وليس النتائج التي نستطيع تحقيقها.. كاتب مجهول.

25- حاول ألا تكون رجلا ناجحا بل رجلا ذا قيمة.. ألبرت آينشتاين.

26- عندما تكون قيمك واضحة لك يصبح اتخاذ القرار أمرا أكثر سهولة.. روي ديزني.

27- إن قوة الدفع تخلق المزيد من قوة الدفع وكذلك التحفيز فإنه يغذي نفسه بنفسه.. بام لونتوس.

28- وعلاوة على الوعي والخيال والضمير، فإن هناك موهبة إنسانية رابعة تجعل إدارة الذات أمرا ممكنا حقا، ألا وهي: الإدارة الحرة. إنها تلك القدرة على اتخاذ القرارات والاختيارات ثم التصرف بالتوافق معها. إنها القدرة على الفعل وليس التعرض للفعل.. ستيفن كوفي.

29- إن الرغبة تفقد قيمتها ما لم يصحبها شعور بأنها تحتاج لإشباع عاجل.. جيم رون.

30- تخلص من السبب ولن يكون هناك نتيجة.. ميجيل دي سيرفانتس.

31- السؤال هو: هل لا يزال عودك أخضر ومستمر في النمو، أم نضج عودك ومستعد للتعفن.. راي كروكر.

32- لا يكفي لطالب الحقيقة أن يكون مخلصا في قصده، بل عليه أن يترصد إخلاصه ويقف موقع المشكك فيه، لأن عاشق الحقيقة إنما يحبها لا لنفسه مجاراة لأهوائه، بل يهيم بها لذاتها ولو كان ذلك مخالفا لعقيدته.. فريديريك نيتشه.

33- إن المشكلة مع الكثيرين منا أننا لا نقدر البساطة حق قدرها ويغلب علينا المبالغة في تعقيد حياتنا وأننا ننسى ما هو مهم وما هو غير مهم، ويغلب علينا الخلط بين الحركة والإنجاز، ونركز كثيرا على الأنشطة أيا كانت وليس بمدى قبولنا لنتائجها، ومع تسارع خطوات حياتنا في العالم الخارجي ننسى أن لدينا القدرة على السيطرة على حياتنا أيا كان يحدث في العالم الخارجي.. روبرت ستابرج.

34- الحقيقة هي الحرية، إنها نوع من العلاقة بين الإنسان والعالم.. هيدغر.

35- أولا، كل علاقاتك هي مع نفسك وأحيانا ما تشمل الآخرين، ثانيا، أهم العلاقات في حياتك وحتى مماتك شئت أم أبيت هي علاقتك بنفسك.. بيتر ماكويليامز.

36- إن البشر هم الأوصياء على ثروات العالم وإذا أردت أن تكون ثريا فعليك أن تكون لطيفا مع هؤلاء الأوصياء.. ستيوارت وايلد.

37- إن الالتزام الوحيد اللازم في حياتك هو التزامك بأن تكون صادقا مع ذاتك، إن صدقك مع أي شخص أو أي شيء آخر ما لم تكن صادقا مع ذاتك هو علامة على مجيء المسيح الدجال!.. ريتشارد باخ.

38- إن الطبيعة تضع في تصرفاتنا وقائع متلابسة ومعقدة، ومتناقضة، ومتغيرة، ومتصلة، متصلة بأهوائنا وبتعامينا وبجهالاتنا، فعلى الإنسان العالم أن يضع لها نظاما بطريقة مبنية على عزل الوقائع المختصرة والمحدودة، تجرى بموجبها الاختبارات المؤدية إلى تدابير موضوعية.. ريمون كاربانتيه.

39- قبل كل شيء لابد أن تكون صادقا مع ذاتك، لأنك إن كنت كذلك فيستبعد أن تكون صادقا مع أي إنسان وهذا طبيعي مثلما يتبع الليل النهار.. وليام شكسبير.

40- إذا بنيت قصورا في الهواء فلا تقلق من أن تنهدم، لأن ذلك هو مصيرها الطبيعي أما إن شئت الحفاظ عليها اجعل تحتها أساسا.. هنري ديفيد ثورو.

41- عندما لا تعرف وجهتك فإن طريق سيوصلك.. جيم رون.

42- إنك إن لم تحيَ متوافقا مع قيمك الداخلية، فربما حققت شيئا أو بعض الأشياء إلا أنك ستظل تفتقر إلى الشعور بالإنجاز الكامل الذي تستحقه بالفعل.. أنتوني روبينز.

43- إن السر في النجاح والسعادة هو أن تترجم قيمك إلى مواقف الحياة اليومية.. هيرام سميث.

44- إنك لو قطفت برتقالة وعصرتها فإن كل ما ستحصل عليه هو عصير برتقال وليس عصير تفاح.. واين داير.

45- عندما تعرف الوجهة التي تريد الذهاب إليها بوسعك أن تختصر الطريق أو على الأقل تظل على الطريق الصحيح بدون أن تشتتك الأنشطة غير المنتجة.. إد بيرند.

46- من أعراض قرب الإصابة بانهيار عصبي اعتقاد الشخصي بأن عمله في منتهى الأهمية.. برتراند راسل.

47- كثيرا ما يحاول الناس أن يعيشوا حياتهم بالعكس: بمعنى أنهم يحاولون امتلاك المزيد من الأشياء أو المزيد من المال حتى يستطيعوا فعل المزيد مما يريدون فعله ويعتقدون أن ذلك سيجعلهم أكثر سعادة. والحقيقة أن هذا الأسلوب أسلوب عكسي بمعنى أن عليك أولا أن تكون عى طبيعتك الحقيقية ثم تفعل ما تحب أن تفعله حتى تحصل على ما تريد امتلاكه.. مارجريت يانج.

48- لم يعد بوسعنا الآن إهدار الكثير من الوقت لفعل الأشياء البسيطة، بل أصبح علينا أن نقضي القليل من الوقت لفعل الأشياء العظيمة.. جيم رون.

49- هناك بعض الأشياء ليس عليك معرفة كيف تحدث المهم أنها تحدث. وهناك بعض الناس يحللون الأسباب بينما هناك آخرون يقطفون الثمار وأنت من يقرر لأي الجانبين تنحاز.. جيم رون.

50- على المرء أن يجاهد في سبيل التعلم قبل أن ينقضي أجله، ليعرف ما يفر منه وما يفر إليه وسبب هذا الفرار.. جيمس ثوربر

51- عندما كنت طفلا، كان الرجل الوطواط في التلفاز هو الوحيد الذي يملك تيلفونا جوالا وآخر في السيارة، وكنت مبهورا بهذا الأمر: يا إلهي هل تتخيل ذلك أن يكون لدي تيليفونا جوالا! ولكن التكنولوجيا لم تغير حياتنا، بل قمنا نحن بهذا التغيير.. توم هانكس.

51- البعض لا يستطيع التمييز بين الاتصاف بالانشغال وبين القدرة على الإنتاج. إنهم طواحين بشرية، مستغرقون في العمل، ولكنهم في واقع الأمر لا ينتجون سوى القليل.. كارولين دونيلي.

52- نحن نشعر بما نقوم به هو مجرد نقطة في المحيطة، ولكن من الممكن أن ينقص المحيط نظرا إلى افتقاده لهذه النقطة.. الأم تيريزا.

53- لدي اعتقاد راسخ بأن كل شخص منا يستطيع القيام بالقليل لإنهاء تعاسة الآخرين.. ألبرت شويرتز.

54- إن مهمة الإنسان على وجه الأرض هي إدراك تمييزه، وكما قالها أحد الحكماء وهو على الفراش الموت؛ في نهاية حياة المرء لن يسأله الناس: لماذا تكن قائدا عظيما أو ملكا أو متوجا ولكنهم سيقولون لماذا لم تكن نفسك؟.. مارتن بوبر.

55- إن كل ما يؤدي بنا إلى النجاح فهو حقيقي، وإن كل ما يعطينا أكبر قسط من الراحة وما هو صالح لأفكارنا ومفيد لنا بأي حال من الأحوال فهو حقيقي.. ويليام جيمس.

56- أريد أن يقول عني من يعرفني تمام المعرفة إنه كان ينزع الأشواك ليزرع الأزهار أينما ظن أن الأزهار قد تنمو.. ابراهام لينكولن.

57- إذا لم يكن في قلبك إحسان، فأنت تعاني من أسوأ مشكلة تصيب القلب.. بوب هوب.

58- إن الاختبار الحقيقي لضمير المرء يكون في مدى استعداده للتضحية بشيء ما اليوم للأجيال القادمة التي لن نسمع منها كلمة شكر أو امتنان لما قمنا به.. جيلورد نيلسون.

59- إن المثل العليا التي أضاءت طريقي مرة تلو الأخرى والتي أعطتني الشجاعة لمواجهة الحياة بمرح هي الرأفة والجمال والحق.

60- من الأكرم لك أن تبذل نفسك تماما لفرد واحد بدلا من أن نعمل بكد ومثابرة لإنقاذ البشرية أجمعها.. داج شمرشولد.

61- تكمن الحقيقة المأساوية في أن شعور الإنسان بكونه “ضحية” هو الذي يجعل الفرد بالفعل ضحية وهو المعوق الأكبر للنفوس والعقول الصغيرة. إن تلقين الشباب بأن حياتهم تحت السيطرة ليس فقط من خلال أفعالهم، ولكن من خلال القوى الاجتماعية والاقتصادية أو من خلال قوى غامضة شريرة تفوق سيطرتهم، يعني تلقينهم السلبية والاستسلام والكسل والخمول واليأس.. لويس دبليون سوليفان.

62- أعظم اكتشاف قام به جيلي هو اكتشاف أن الإنسان قادر على تغيير حياته عن طريق تغيير سلوكه.. ويليام جيمس.

63- الفرصة تخدم الذهن اليقظ.. لويس باستير.

64- إنني لا أنتظر حتى تتحسن حالتي المزاجية، فإنك لن تحقق شيئا لو فعلت ذلك، فيجب على ذهنك أن يفهم معنى ضرورة العمل ووجوبه مما سيدفعه للتركيز.. بيرل إس باك.

65- إن المرء يهاب الشجاعة حتى الموت فهي عبء ثقيل على كاهله.. جون وين.

66- من الأفضل أن تواجه المواقف الصعبة لتحقق النصر المبين، حتى وإن كان هناك احتمال للفشل، بدلا من الانضمام إلى صفوف أولائك المساكين الذين لا يستمتعون كثيرا ولا يعانون كثيرا لأنهم يعيشون في المنطقة الرمادية حيث لا يوجد نصر ولا هزيمة.. ثيودور روزفلت.

67- البعض منا لديه مخاوف أكثر من غيره، ولكن الخوف الذي يجب أن نحمي أنفسنا منه هو الخوف من أنفسنا.. جون ماكين.

68- يريد معظم الناس أن يتخلصوا من الإغراءات، ولكنهم يودون البقاء على اتصال بها باستمرار.. روبرت أوربن.

69- النزاهة الحقيقية هي أن تفعل الصواب مع العلم أنه ما من أحد سيعرف إن كنت قمت بذلك أم لا.. أوبرا وينفري.

70- يعتبر الصمت عند وقوع شيء ما مهم ضربا من الكذب.. أيه إم روزنتال.

المصدر

الحق والخير والجمال في الفلسفة

الحق والخير والجمال .. هل تعلم ماذا يعني الفلاسفة الحقيقيون بهذه الكلمات؟

الحق والخير والجمال  .. هل تعلم ماذا يعني الفلاسفة الحقيقيون بهذه الكلمات؟ – بقلم: خيال بعيد

هذه هى الكلمات الثلاثة التى عبر بها الفلاسفة عن غايتهم النهائية من الفكر والتفكر.وجعلوا من معرفتها مثلاَ اعلى يستحق التضحية فى سبيله بكل مؤثر عند النفس من رغبات ارضية ضئيلة وشهوات محدودة حقيرة . ويستحق الرضا فى سبيله بكل الم ومعاناة أو جهد ومشقة —– فما معنى هذه الكلمات الثلاث ؟ ؟ ولما انحصرت المعرفة الفلسفية فى هذه الثلاث فقط. ؟؟. . وانه لسؤال جدير بالفكر والتأمل والنظر والتدبر بل انه روح الفلسفة وسرها العميق الخفى عن البصائر والابصار . واذا كان الأمر كذلك فلا يوجد ما هو اهم من الاجابة على هذا السؤال والتصدى لسبر اغواره واظهار خفاياه . ولعل هناك فائدة اكبر واعظم من مجرد معرفة معانى هذه الكلمات الثلاث والاسرار الباطنة فيها. واقصد ان يتضح لنا الفلسفة الحقيقية ونميزها من تلك الرطانة والعى المريض الذى لا يكف ادعياء الفكر واصحاب النظرات المزيفة والافكار السطحية من تصديع ادمغتنا وتلويث أسماعنا بها . ولعل هذه الفائدة هى المطلوب الأهم والأعم فى عصر الجهل والإدعاء بلا برهان او سلطان.

فما هو اذاَ السبب فى انحصار الفكر عند الفلاسفة الحقيقين فى هذه الكلمات الثلاث؟؟؟

اعلم اخى القارئ اننا قد ننظر للشئ الواحد بثلاث اعتبارات اما نظريا واما عمليا واما جماليا وهذه ثلاث نظرات للشئ الواحد وهى موجودة فى كل نفس بشرية ولا يختص الأمر بالفلاسفة وحدهم وانما هى فطرة انسانية عامة وشاملة ولا يتصور ان يشذ عنها انسان ولو كان مجنونا . ولنضرب مثلا يوضح هذه الفكرة للأذهان وليكن مثالنا هو الماء فهو موجود من الموجودات يمكن ان نتأمله نظريا وعمليا وجماليا وهذه ثلاث تأملات مترتبة على بعضها البعض فلا يصح تأمل عملى الا بعد تأمل نظرى ولا يصح تأمل جمالى الا بعد تأمل عملى فهى ثلات تاملات مرتبة على بعضها البعض بنفس هذا الترتيب.

الماء نظريا

اذا تأملنا الماء نظريا فإننا نقول هو سائل ولا طعم له ولا رائحة ولا لون وهو يغلى عند درجة حرارة معينة وهو غير قابل للانضغاط الى حجم اقل وهو يطفئ النار…… فكل هذه هى احكام نطلقها على الماء عند تأمله نظريا — ومن خلال هذا المثال نستطيع ان نقول ان التأمل النظرى للشئ هو معرفة صفة موصوف او علاقة سبب ومسبب وجميع المعارف النظرية التى تبحث عنها العلوم هى قضايا تعبر اما عن (صفة وموصوف) واما عن (سبب ومسبب) وهذا مطرد فى اى علم حقيقى لا وضعي مثل العلوم الطبيعية والانسانية على السواء. .. فتأمل الشئ نظريا هو معرفة علاقته بغيره وهذه العلاقة لها شكلان فهي إما صفة وموصوف مثل قولنا (الماء سائل) (فهذه قضية تعبر عن معرفة نظرية لاننا نعرف الماء ونفهمه فهما تصوريا لذاته ونعرف السيولة ونتصورها فى اذهاننا ثم ننسب السيولة للماء ونجعلها صفة له ). اما الشكل الثانى للمعرفة النظرية فهو السببية مثل قولنا ( النار تسخن الماء) او مثل قولنا (الخمر مسكر ) أو مثل قولنا (الماء مزيل للعطش ) فهذه علاقة سببية بين النار و الماء وفحواها ان النار هى السبب فى سخونة الماء التى نشعر بها بحاسة اللمس. فالغرض من تأمل الشئ نظريا هو معرفة علاقته بغيره وهذه العلاقة اما اتصاف واما سببية.

تأمل الماء عمليا

معنى تأمل الشئ عمليا اى اننا نرغب فى معرفة نسبته إلينا ضرا ونفعاَ ولذة والماَ .. .فكون الشئ ضارا او نافعا ولذيذاَ او مؤلما ليست بصفات ذاتية له وانما هى احكام عملية نطلقها عليه حسب اّثاره علينا من حيث اللذة والالم… وفى مثال الماء فإننا اذا تأملناه عمليا اى رغبنا فى معرفة نسبته الينا من حيث النفع والضر واللذة والألم نقول ( الماء نافع) لأننا نستعمله فى النظافة والوضوء وتوليد الكهرباء وزراعة النباتات اللازمة لحياة الانسان . فنحن هنا نبحث عن فائدة عملية للشئ ولكن هذه الفائدة العملية قائمة على معرفتنا بعلاقاته بغيره اى انها قائمة على المعرفة النظرية بالشئ. وقد نحكم على الماء حكما عمليا مضادا فنقول ( الماء ضار) لأنه قد يكون سبباَ فى الغرق وبالتالى الموت وقد يكون سبباَ فى تدمير المدن الساحلية او المحاصيل الزراعية اذا زادت كميته . فهذه هى اّفات الماء ومضاره العملية. ولا يخلو شئ فى هذا الوجود عن فوائد ومضار ولذلك فانه نافع وضار فى نفس الوقت ولكن نافع من جهة وضار من جهة اخرى..فالغرض من تأمل الشئ عمليا هو ان نعرف حكمه من حيث النفع والضر حتى اذا عرفنا هذا طلبناه وسعينا لتحصيل فوائدة ان كان نافعا او دفعناه وهربنا منه ان كان ضارا .. وهذا لا يكون الا بالعمل وهذا بدوره لا يكون الا بمعرفة كيفية العمل. فهذه علوم مرتبة على بعضها البعض.

تأمل الماء جماليا

اما اذا تأملنا الماء جماليا فإننا نقول (ما اجمل خرير الماء وتدفقة الوديع من نبع صغير وما اروع ذلك الصخب المندفع من شلال منحدر من اعالى الجبال وما اجمل حبو الماء بين جذور الا شجاركطفل صغير ليرويها ويمنحها قبلة الحياة وقدرة على الاثمار. فهذا هو التأمل الجمالى للماء وغايته ان نعرف حكم الماء من حيث الجمال والقبح فهل هو جميل ام قبيح. .. وكل شئ فى هذا الوجود فله الينا نسبة جمالية فلابد اولا من معرفة حكم الشئ من ناحية الجمال فاذا عرفنا هذه النسبة (تذوقناه جماليا )واللذة هى تابعة لتذوق الجمال بالضرورة.

فهذا هو السر

فى تلميحات الفلاسفة واشاراتهم لانحصار الفكر فى الحق والخير والجمال .. ولكنهم ينمازون عن العوام والوعي الطبيعي برغبتهم فى الخلاص من الاوهام التى تجعل العقل يخطئ فى حكمه فيرى الباطل حقا والشر خيراَ والجميل قبيحا او بالعكس من ذلك .. فالناس ملوثون بالاوهام التى تجعلهم فى غفلة عن الحق والخير الحقيقى والجمال الحقيقى ….. والغرض من الفكر انما هو الخلاص من هذه الاوهام ومعرفة الاشياء كما هى وليس كما تبدو لوعينا المنحط الغارق فى المحسوسات والعلل القريبة….وكما اننا قادرون على تأمل تلك الاشياء الجزئية التى نراها فى عالمنا هذا بالاعتبارات الثلاث اى نظريا وعمليا وجماليا فكذلك الانسان اى انسان يمكن ان يتأمل الوجود كله والعالم كله من خلال هذه الاعتبارات الثلاث . وهذا التأمل للوجود كله كشئ واحد بهذه الاعتبارات الثلاث هو موجود فى كل عقل بشرى حتى المجنون نفسه فكل انسان لديه اعتقادات عن جملة الوجود نظريا وعمليا وجماليا . ولكن هذه الاعتقادات قد تكون حقيقية وقد تكون مزيفة والغالب هو الزيف والضلال.

العالم نظريا

اما تأمل العالم كله نظريا فهذا هو ما يسميه الفلاسفة ب (الفلسفة الاولى او الالهيات) وهي عبارة عن تصور مجمل كلي عن العالم أي أن تتمثل العالم في جملته وكل موجود فيه وهيئة الاجتماع بين هذه الموجودات… تماما كما أنك تتمثل سيارة في جملتها وتركيبها مثلا فيكون في عقلك صورة كلية عن السيارة .. فكذلك الالهيات هي عبارة عن تصور كلي مجمل عن العالم.. ولذلك تجد الفلاسفة الاسلاميين مثل بن سينا ينظرون في ذات الله وصفاته وأفعاله لأن الوجود كله هو عبارة عن ذات الله وصفاته وأفعاله وبذلك يكون لهم تصور مجمل عن العالم كله .. وهذا التصور هو بعينه عقيدتك الدينية عن العالم ( سواء اّمنت بوجود اله أو لم تؤمن فدينك هو عبارة عن تصورك عن جملة العالم أيا كان هذا التصور ) وهو بعينه ما أتى على لسان الانبياء من عقائد حول ذات الله وصفاته وأفعاله ولكن الأنبياء يعبرون عن المعاني بالتمثيل الرمزي والاستعارات حتى يمكن للبشر أن يتصوروا العالم كله نظريا عن طريق التمثييل والتخييل والرمز إن كانوا عاجزين عن تصور الحقيقة في ذاتها .فالدين فى حقيقته هو عبارة عن تمثيل رمزى لحقيقة الوجود كله نظريا . اما العباقرة فهم بحكم الذكاء المفرط لا يكفيهم الاقتصار على معرفة مثال الحقيقة ولكنهم يرغبون فى معرفة الحقيقة فى ذاتها وكما هى بلا تمثيل او رموز . وهذه معضلة كبرى لان العقل البشرى قاصر عن هذه المعرفة ولذلك تنقضى سنوات فى عالم التيه ما بين تناقض ونسبيةوتضارب فى المشاعر ..

العالم عمليا

اما تأمل العالم عمليا فهو رغبة فى معرفة الخير النهائى والشر النهائي للانسان أي غاية نهائية تطلبها لانك لن تقدر على معرفة نسبة اى شئ اليك من حيث الخير والشر الا اذا عرفت هذه الغاية النهائية والخير النهائى والشر النهائي . ولكن معرفة الخير والشر النهائيين تتوقف على معرفة نظرية وهي (استمرار الحياة والخلود بعد الموت وبالتالى البحث عن الاسباب التى تنفعك بعد الموت ) اما اذا لم تلتفت للعاقبة فانك ستقصر نظرك على الخير الدنيوى وهذه معرفة سهلة قريبة لانها واقعة فى التجربة المحسوسة اما احوالنا بعد الموت فهى مجهولة لا تقع فى التجربة ولم يرجع شخص الينا بعد موته ليخبرنا ماذا وجد ويخبرنا عن الاعمال النافعة لنا فى الاخرة ووجه كونها نافعة… فهذه معرفة لا تنال بالعقل وانما يجب ان نصدق فيها الانبياء (بعد ان يثبت لنا بدلالة المعجزة أنهم أنبياء ) ونؤمن بصدق ما قالوه عن يوم اّخر وعن الاعمال النافعة والضارة فى الاّخرة ودون ان نعرف لما كانت نافعة ولما كانت ضارة لان هذا لا يكون الا بعد التجربة.

العالم جماليا

وكذلك يمكن للانسان ان يتأمل العالم كله جماليا ويالها من لذة ما بعدها لذة لأنك ستدرك الجمال الأبدى وجها لوجه وسوف تنسحق عروق قلبك تحت وطأة الشعور بالجلال اللانهائى وسوف تفنى روحك عند مطالعة الجمال الكلى الشامل اوهو يتدفق بين الاشياء.
وانه لمن حماقة بعض البشر قولهم ان العالم قبيح وانه ملئ بالظلم والعبث كما يحلو لبعض الوجوديين ان يعبروا عن مشاعرهم تجاه الوجود من اشمئزاز وقرف وخوف ورعدة وقلق . وكل هذه المشاعر هى تابعة لرؤيتك الجمالية عن العالم فمن اعتقد ان الوجود قبيح او شر فلابد وان يتشائم ولا بد وان يشعر بالعبث الكونى الشامل. … ومشكلة هؤلاء انهم لا يتظرون للعالم فى جملته وانما يقصرون نظرهم على جزء منه ولذلك فهم يدركون قبحا ولا يدركون جمالا ومثلهم كمثل شخص نظر للوحة فنية بارعة الجمال ولكنه قصر نظرة على مساحة ضئيلة من هذه اللوحة فلم يرها فى جملتها ولكنه رأى جزء منها فيه لون اسود . فقال للفنان الذى رسمها ما هذا القبح ان لوحتك كلها سوداء . ولو رجع هذا المعتوه قليلا للوراء لرأى اللوحة فى كليتها وشمولها وعرف وقتها ان هذا اللون الاسود هو السبب فى جمال اللوحة… ولو فرضنا عدم وجوده لكانت اللوحة قبيحة بالفعل.

ومن هذا المثال يظهر لنا صدق من قال انه ليس فى الامكان ابدع مما كان فإن لم ترى هذا الابداع والجمال الكونى الشامل فإعلم انك تنظر لجزء من لوحة الوجود بينما انت فى غفلة عن اللوحة فى شمولها. فلا قبح فى الوجود ولا نقص ولا قصور بل هو جمال صرف وابداع محض انما العيب فى قصورك ونظرتك الجزئية.

أعظم 8 أسئلة فلسفية لم يتم حلها بعد

أعظم 8 أسئلة فلسفية لم يتم حلها بعد – ترجمة: فاطمة القريشي وأحمد الجنابي

تزدهر الفلسفة حين لا يستطيع العلم الصارم الأجابة. الفلاسفة لديهم رخصة التكهن حول كل شيء من الميتافيزيقا إلى الأخلاق، وهذا يعني أنهم يمكن أن يسلطوا الضوء على بعض الأسئلة الأساسية للوجود. الأخبار السيئة؟ هي هذا الأسئلة التي قد تُضع دائماً خارج حدود فهمنا. وفيما يلي ثمانية أسرار فلسفية، ربما قد لا نجد لها حل أبداً:

1- لماذا يوجد شيء بدلا من لا شيء؟
وجودنا في هذا الكون شيء غريب جداً تعجز عنه الكلمات. وانتظام حياتنا اليومية جعلنا نعتبر وجودنا أمراً بديهياً – ولكن في كل مرة ولو للحظة نتحايل للخروج من هذا الرضا والدخول في حالة عميقة من الوعي الوجودي، ونسأل أنفسنا: لماذا توجد كل هذه الأشياء في الكون، ولماذا تحكمها هذه القوانين الدقيقة بشكل رائع؟ وماذا ينبغي لوجود أي شيء على الإطلاق؟ نحن نعيش في الكون مع أشياء مثل المجرات الحلزونية، والشفق القطبي، وسبونجبوب سكوير. وكما يلاحظ شون كارول، “لا شيء حول الفيزياء الحديثة يفسر لماذا لدينا هذه القوانين بدلاً من غيرها، على الرغم من أن علماء الفيزياء في بعض الأحيان يتحدثون بهذه الطريقة – لكن الخطأ يمكن تجنبه إذا تناول الفلاسفة الأمر بشكل أكثر جدية.” وأما بالنسبة للفلاسفة، فأن أفضل ما يمكن أن يثيرهُ هو المبدأ الإنساني – الذي ينص على أن ظهور كوننا بشكل دقيق بسبب وجودنا بصفة مراقب في داخلها – اقتراح يحتوي على هالة من الحشو غير المُريح.

2- هل عالمنا حقيقي؟
هذا السؤال الديكارتي الكلاسيكي. غالباً ما يُثار، كيف لنا أن نعرف إن ما نراه من حولنا هو الحد الحقيقي، وليس بعض من الوهم الكبير الناتج من قوة الغيب (التي أشار اليها رينيه ديكارت بـ “شيطان الشر”)؟ وفي الآونة الأخيرة، أُعيدت صياغة السؤال كمشكلة “دماغ في وعاء”، أو جدل المحاكاة، وبإمكانه أن يكون وبصورة جيدة جداً من نتاج محاكات مُفضلة. أما السؤال الأعمق طرحاً فهو: هل تدار الحظارة بمحاكاة – وهو نوع من أنواع النكوص العملاق ( أو أحد مفاهيم المحاكاة). وبالتالي، ربما لانكون ما نعتقد نحن عليه الآن، مُفترضين بأن الناس الذين يديرون المحاكاة هم جزء من العملية، ربما تكون هوياتنا الحقيقية مكبوتة بشكل مبالغ فيه عن حقيقة التجربة. هذا اللغز الفلسفي يجبرنا أيضاً على إعادة تقييم مانعنيه بـ “الواقع”. يجادل الواقعيون بأن العالم من حولنا يبدو منطقياً (عكس كونه حالم، وغير منسجم، وغير قانوني)، في هذه الحالة لم يعد لدينا خيار سوى الإعلان عن إنه أمر واقع، أو ربما، كما يقول سيفر Cipher بعد أكله لقطعة محاكاة في فلم ماتركس “The Matrix”: “الجهل هو النعيم”.

3- هل لدينا إرادة حرة؟
تسمى أيضاً بمعضلة التقرير، فنحن لانعرف إذا ما كانت هناك سلسلة من الأحداث العفوية تسيطر على أفعالنا (أو بعض المؤثرات الخارجية) أو نحن فعلاً لدينا إرادة محضة في أتخاذ قراراتنا. يُخضع الفلاسفة (وبعض العلماء) هذا الامر إلى آلاف السنين التي لاتُظهر نهاية في داخلها. إذ كان فعل أفعالنا يتأثر بسلسلة من العفويات، فإن التقرير صحيح إننا لانملك إرادة حرة، ولكن في حال كان العكس صحيح -فهذا يُسمى مراوغة- وبالتالي فأن أفعالنا لابد أن تكون عشوائية- وهذا ما يدفع للمجادلة على إنها ليست إرادة حرة. على العكس مِن مَن يعتنقون التوافقية – compatibilism. حيث أخضعوا المسألة إلى توافق بين فكرة الأرادة الحرة وشرطية العلم. مما أسهم بتعقيد المشكلة تقدم علم الأعصاب الذي بين إن أدمغتنا تتخذ القرارات قبل حتى أن نُدركها، لكن إن لم تكن لدينا إرادة حرة فلماذا نتطور للوعي بدلاً من اللاوعي؟ ميكانيكا الكم جعلت هذه المشكلة أكثر تعقيداً بأقتراحها إننا نعيش في عالم من الأحتمالات، وإن الحتمية من أي نوع أمر مستحيل. وكما قال ليناس فيبستاس Linas Vepstas: يبدو إن الوعي مُوثق، ومُصور، ومُرتبط بمرور الوقت، في الحقيقة، فإن فكرة حتمية الماضي وثبوته، وجهل المستقبل متناسبة جداً، لأن إذا كان المستقبل مُقدَّر مسبقاً فلن يكون هناك إرادة حرة و لا أي نقطة مشاركة بمرور الوقت.

4-هل الله موجود؟
ببساطة، لايمكننا معرفة إن كان الله موجود أم لا، فكلا من الملحدين والمؤمنين مخطئ في تصريحاته، والعقلانيين على صواب لأنهم ببساطة يبدون ديكارتييون بهذا الشأن، مُميزين بذلك القضايا الإلهية المُنزلة، المعنية و أهداف التساؤلات الإنسانية. نحن لانعرف الكثير عن الالية الداخلية للعالم والتي تجعل أي نوع من الشكاوى الكبيرة بخصوص طبيعة الوجود وإن كان هناك محرك وجود في مكان ما أم لا، يُرجع الكثير من الناس ذلك للمذهب الطبيعي -مُقترح يفترض سير العالم وفق عمليات مستقلة- ولكن هذا لايعارض وجود مؤسس عظيم ربط حركة جميع الأشياء (وهذا مايدعي بالربوبية). وكما أُشير سابقا، ربما نحن نعيش في محاكاة حيث يوجد مبرمج (إله) يسيطر على كل الموجودات، أو ربما العقلانيون محقون بشأن وجود قوة عميقة في الوجود نحن لاندركها. قد لايكون بالضرورة الرب القاهر العليم للسلالة الإبراهيمية، ولكنها (فرضيا) بالرغم من ذلك قوة موجودة. مجدداً هذه ليست أسئلة علمية في حد ذاتها- أكثر مماهي تجارب فكرية افلاطونية تجبرنا على مواجهة التساؤلات الإنسانية.

5- هل هناك حياة بعد الموت؟
قبل أن يتحمس أي أحد، فالأمر ليس أقتراح لذهابنا في نهاية المطاف لعزف القيثارة على غيمة بيضاء رقيقة، أو نجد أنفسنا نجرف الفحم في أعماق الجحيم. لإننا لايمكن أن نسأل الموتى إذا ما كان هناك أي شئ في العالم الأخر، فنحن لانملك سوى التخمين لما سيحدث لاحقاً. يفترض الماديون عدم وجود حياة بعد الموت، ولكن هذا مجرد افتراض قد لايكون مُثبت. وبالتعمق في آلية الكون (أو الكون المتعدد)، سواء من خلال الرؤية الكلاسيكية لنيوتن أو لآينشتاين، أو من خلال ميكانيكا الكم، فإنه لايوجد سبب للإعتقاد بأننا وجِدنا فقط لتحقيق شيء واحد يدعى الحياة. إنه سؤال ميتافيزيقي، و إحتمالية دورة الكون (كما وصفها كارل ساغان: “كما هو أو كما كان أو كما سيكون”) ستترشح تماماً لتكون كدورة الحياة اللامنتهية. عندما قال هانس مورفك Hans Moravec في الحديث بالنسبة للتفسير الكمي للعوالم المتعددة، قال عدم ملاحظة العالم أمر مستحيل؛ يجب أن نجد أنفسنا أحياء ونلاحظ هذا بشكل أو بأخر. وهذه أشياء فكرية عالية المستوى تماماً كفكرة الله، التي لم يستطع العلمم معالجتها لحد الآن تاركاً إياها للفلاسفة.

6- هل يمكنك تجربة أي شيء بموضوعية؟
هناك فرق بين فهم العالم بموضوعية (أو على الأقل محاولة ذلك، بأي طريقة) وتجربة ذلك من خلال صيغة عمل موضوعية وحصرية. هذا مبدأيا هو مشكلة كواليا Qualia -مفهوم يعني أمكانية ملاحظة مايحيطنا من خلال مصفاة مشاعرنا وتأملات عقولنا. كل شيء تعرفه، كل شيء لمسته، رأيته، وأستنشقته، تم تمييزه عن طريق عملية ما من العمليات الفسيولوجية وعمليات التأمل. بالتالي، تُعد تجربتك الشخصية للعالم فريدة من نوعها، ففي المثال الكلاسيكي التقدير الشخصي للون الأحمر قد يختلف من شخص لأخر، لكن الطريق الوحيد والممكن لمعرفة إذا ما كنت وبأي وسيلة ملاحظة العالم من خلال “رؤية الواعية” لشخص آخر كطريقة جون مالكوفج John Malkovich -لايمكن إنجاز أي شيء ترغب بفعله في أي مرحلة من مراحل تطورنا العلمي والتكنلوجي. طريقة أخرى لقول كل هذا العالم يمكن فقط أن يُرى بالعقل أو من المحتمل أن ذلك يُظهر العالم متجانس أو معروف نوعاً ما، يجب أن نستمر بالافتراض بعدم إمكانية ملاحظة أو معرفة الحقيقة النوعية الموضوعية، إنها لاتساوي الكثير أمام فلسفة بوذا الموضحة في الهدف الأساسي (مايسمى بالتجريد)، والذي لايتلائم مع مثالية أفلاطون.

7-ماهو أفضل نظام اخلاقي؟
مبدئياً، لن نكون قادرين فعليا على التمييز بين الأفعال الخاطئة و الصائبة في أي وقت متاح في التأريخ، على كلٍ، سيدعي الفلاسفة، والمنظرون، والسياسيون أكتشافهم أفضل الطرق لتقسيم أفعال الأنسان وإنشاء أكثر نُظُم التصرفات رُقيّ، لكن هذا ليس سهلاً أبداً. الحياة فوضوية لأبعد حد ومعقدة لوجود أي شيء يبدو أخلاقي مُطلق. القانون الذهبي (عامل كما تُحب أن تُعامل) قانون عظيم لكنه يهمل التشخيص الاخلاقي ولايترك مساحة لتبادل العدالة (كمجرمي السجون)، كما يمكن أن يُستخدم لسياسة القمع (كان عمانؤيل كانط Immanuel Kant من أكثر النقاد المحالفين). بالإضافة إلى إنها موضحة جداًب قانون الأبهام الذي لايستطيع أثبات السيناريوهات المعقدة. على سبيل المثال، هل يجب التضحية بالقليل لحفظ الكثير؟ من لديه أكثر قيمة أخلاقية رضيع الأنسان، أم القرد المتطور الكبير؟ كما أوضح علماء الأعصاب؛ الأخلاقية ليست شيء مغروس ثقافياً، كما إنها بعيدة عن العلوم النفسية (خير مثال يوضح ذلك هو مشكلة ترولي Trolly Problem). من الأفضل، فقط يمكننا القول بإن الأخلاقية معيارية، مدركين تغير منظورنا للصواب والخطأ مع مرور الوقت.

8-ماهي الأرقام؟
نحن نستخدم الأرقام كل يوم، فلنعد خطوة إلى الوراء، ماهي الأرقام، حقيقة، ماهي الأرقام؟ ولماذا تقوم بمساعدتنا جيداً بتوضيح العالم (كقوانين نيوتن)؟ تحتوي القوانين الرياضية على الأرقام، والأعداد، والمجاميع، والنقاط ولكن هل هي أشياء ملموسة؟ أم هل تستطيع وصف العلاقات في جميع التراكيب ببساطة؟ جادل أفلاطون بإن الأرقام كانت حقيقة (ليست حقيقية بمعنى إنك بالإمكان أن تراها)، ولكنها بدلاً من ذلك تصيغ نظام رسمي مجرد (حسنا- تُعرِّف تناقضات فكرة التجريد إستناداً إلى الرياضيات). هذا مبدئيا مشكلة منطقية، عندما نترك حيرتنا حول الطبيعة الحقيقية للعالم و أي الجوانب الأنسانية مجردة وأيها ملموسة فعلاً.
——————————————–
•قانون الأبهام: وهو وسيلة تقدير وفقا لعملية تقديرية جاهزة، لايعتمد التجربة العلمية أو القياس الدقيق.

•عمانؤيل كانط: فيلسوف ألماني من القرن الثامن عشر. كان آخر الفلاسفه المؤثرين في الثقافة الأوروبية الحديثة. وأحد أهم الفلاسفة الذين كتبوا في نظرية المعرفة الكلاسيكية.

•مشكلة ترولي: هي مشكلة فكرية تتعلق بالأخلاق، تتمثل المشكلة بقيادتك لعربة من نوع ترولي تتجه في طريق فيه خمسة أشخاص، وطريق جانبي فيه شخص واحد، حيث لايمكنك درء الخسائر البشرية بأي وسيلة كانت.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

نظريات نشوء الحضارة

نظريات نشوء الحضارة

ا. د. ابراهيم طلبه سلكها

ibrahim telbasilkhaتوجد نظريات كثيرة اهتمت بدراسة عوامل قيام الحضارات وانهيارها منها نظرية البيئة ونظرية العرق أو الجنس ونظرية التحدى والاستجابة .. الخ:

أولا: نظرية البيئة

تؤثر الطبيعة في الانسان، وتعدل من شكل المجتمعات البشرية، اذ هناك باستمرار عملية تفاعل وتجاوب بين الإنسان وبيئته لذا فان التنظير الجغرافي الأمثل لهذه العلاقة هو العلاقات المتبادلة بين المجتمع والبيئة ويمثل استقرار الانسان وتوزيعه، عبر المراحل التاريخية، من خلال العلاقة الجدلية بين الانسان وبيئته، صورةً للتوافق او الصراع، والتي شكلت انماطا متباينة من الحضارات، تبعا للبيئات المكانية والتطور المعرفي وتراكماته.(1)

تؤكد نظرية البيئة على دور عامل البيئة فى بناء الحضارة وتطورها وترى أن هذا الدور يتف اوت بتفاوت خصائص البيئة وإمكاناتها . فالفرق واضح بين ما إذا كانت البيئة استوائية أو معتدلة أو قطبية لما بين هذه المناطق من فروق واختلافات واضحة فى درجة الحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف والأمطار والرياح، إضافة إلى طبيعة شبكة المواصلات البرية والنهرية والبحرية الموجودة فى المنطقة . فضلا عن الثروات النباتية والحيوانية والمعدنية التى قد تكون موجودة فيها . وهذه بمجموعها تشير فى حال الاعتدال والانحراف والاتساع والضيق والكثرة والقلة إلى طبيعة الدور الذى يمكن أن تلعبه المنطقة كخاصية حضارية .(2)

ومن هنا نلاحظ أن الأقاليم المعتدلة، لطبيعة خصائصها وإمكاناتها وتفردها بهذه الخصائص والإمكانات دون أقاليم الكرة الأرضية شهدت كثافة سكانية عالية وحفلت بالفعاليات البشرية التى أبدعت حضارات العالم المعروفة ولذلك نجد أن مفكرى اليونان منذ القرن الخامس قبل الميلاد أكدوا على دور عامل البيئة فى بناء الحضارة، فأرجعوا تنوع الثقافات إلى عامل بيئى، وقالوا بأثر الجو والماء والهواء على الإنسان فى خلقه وتفكيره، وميزوا – على سبيل المثال – بين أهل الجبال الذين وصفوهم بالبنية الضخمة والشجاعة والقدرة على الاحتمال ونقاء اللون، وبين أهل الأراضى المنخفضة الحارة الرطبة الذين وصفوهم بالأجسام المترهلة والألوان القاتمة وسرعة الغضب وضعف الاحتمال .(3)

ويذكر ابن خلدون أثر البيئة على جلد الإنسان سوادا، وبياضا، على العين زرقة وغير زرقة، وعلى الشعر وعلى البدن فى لونه صفاءاً وإنكسافاً وغلطة ولطفة ورقة وعلى الشكل نقاءا وبشاعة وعلى الخلق حسنا وقبحا، وعلى التدين قوة وضعفا، وعلى العقل فطنة وذكاءا وبلادة وغباءا . وميز بين أثر الأقاليم المعتدلة فى ذلك وأثر المنحرف منها، وقال إن اعتدال مناخ الأقاليم يجعل حياة الناس فيها معتدلة، فأهلها أعدل أجساما وأخلاقا على عكس أهل الأقاليم المنحرفة، فالدين عندهم مجهول والعلم مفقود وأحوالهم قريبة من أحوال البهائم بأمزجتهم وأخلاقهم .(4)

كما يؤكد ابن خلدون على وجود رابطة قوية بين أخلاق الناس والشعوب وبيئتهم الطبيعية . ويذهب إلى أن أخلاق الناس فى المناطق المعتدلة تتسم بالاعتدال، فالبيئة تخلق خلقا وملكة وعادة تنزل فى الإنسان منزلة الطبيعة والجبلة، ومعنى ذلك أن العمران يؤثر فى أبدان البشر وأخلاقهم، كما تؤثر البداوة فيهم . وأهل الجبال فى نظرة أحسن حالا فى أجسامهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين فى العيش، فألوانهم أصفى وأبدانهم أنقى وأشكالهم أتم وأحسن، وأخلاقهم أبعد عن الانحراف، وأذهانهم أثقب فى المعارف والإدراكات وهذا أمر تشهد له التجربة فى كل جيل منهم.(5)

ويبدو أن ابن خلدون فى هذه الآراء قد تأثر بجالينوس فى تفسيره لفسيولوجيا الجسم الإنسانى لأنه يقول: “إن كثرة الأغذية ورطوبتها تولد فى الجسم فضلات رديئة، وكثرة الأخلاق الفاسدة العفنة، مما يؤدى إلى إنكساف الألوان وقبح الأشكال من كثرة اللحم، ويؤدى ذلك إلى البلادة والانحراف عن الاعتدال بالجملة . أما حياة البادية فهى تعلم الناس الصبر والاحتمال والقدرة على حمل الأثقال . وذلك لان الإقلال من الطعام والجوع يؤثر فى نقاء الأجسام من الزيادات الفاسدة والرطوبات المختلطة المخلة بالجسم والعقل “.(6)

وهكذا نلاحظ أن نظرية البيئة تتخذ من الأحوال المناخية والجغرافية المختلفة سببا لتفسير اختلافات البشر القائمة فى سلوكهم. وبالتالى تؤكد ضرورة اعتبار البيئة عاملا حاسما يبعث الحضارة إلى الوجود .. ولكن ترى إلى أى حد يمكن قبول هذه النظرية ؟

موقفنا من نظرية البيئة:

لا ريب فى أن القول بارتباط الحضارة بالبيئة ارتباط العلة بالمعلول، والسبب بالمسبب مجانب للواقع، إذ يقتضى هذا القول أن كل بيئتين متشابهتين لابد من أن تقوم عليهما حضارتان متشابهتان وهو ما لا يؤيده دليل تاريخى . فضلا عن أن دور البيئة وأثرها على الإنسان كان أكثر وضوحا فى الماضى منه فى الحاضر، فاليوم تجد الناس يعيشون عصرا تتجلى فيه زيادة قوة الإنسان وقدرته فى تسخير البيئة لأغراضه والانتفاع بها لصالحه . وهذا يدعونا إلى عدم التعلق بنظرية البيئة واعتبارها المسئولة عن نشؤ الحضارة، هذا فضلا عن دور النظم الفعالة فى حياة المجتمع وتأثيرها فيه .(7)

ويمكن أن نشير هنا إلى موقف أرنولد توينبى الذى يدلل على تداعى نظرية البيئة فهو يرى أنه قد تحدث فى بعض الظروف البيئية المتشابهة أن تقوم مجتمعات حضارية معينة فمثلا قد أتاحت الظروف الجغرافية الملائمة فى وادى النيل وحوض الرافدين قيام مجتمعات وحضارات متشابهة كحضارة النيل والرافدين، ولكن فى وديان أخرى قد لا تتاح فرصة قيام حضارات متشابهة كنهر الكلورادو، بل أكثر من ذلك قد ظهرت الحضارة الأنديانية على مرتفعات وهضاب ومع ذلك لا تبرز إلى الوجود دائما مجتمعات مشابهة للحضارة الأنديانية فمرتفعات أفريقيا لم تخلق حضارات . وهناك حضارات أخرى قد نشأت مثلا وسط الغابات والأحراش فى أفريقيا، ولكن مرة أخرى نؤكد أن مثل هذه الحضارات لم تبرز أيضا فى وسط أحراش وغابات الأمازون .(8)

لا ترتبط الحضارة إذن فى نشأتها بعوامل البيئة وحدها، فليس صحيحا أن البيئة السهلة هى التى تنبثق منها الحضارة . فإذا كان نهر النيل علة الحضارة المصرية القديمة فإنه كان يجب أن تنشأ الحضارات فى بيئات من الطراز النيلى، وإذا كانت حضارة ما بين النهرين تؤكد ذلك فإن عدم قيام حضارة فى وادى الأردن يدحضها، وإذا كانت بيئة الأمازون قد أنتجت الحضارة الأنديانية فإنه فى نفس خط العرض ونفس الظروف البيئية لم تقم حضارة . والحضارة الصينية سليلة النهر الأصفر، ولكن حوض الدانوب مع التشابه فى المناخ والتربة قد أخفق فى إنجاب الحضارة .(9)

خلاصة القول: إن الحضارات لا تقوم نتيجة العوامل الجغرافية فقط بل إن عامل البيئة لا يعد عاملا إيجابيا فى نشوء الحضارة وبعثها إلى الوجود .

ثانيا: نظرية الجنس أو العرق

يذهب القائلون بنظرية الجنس إلى أن بعض أجناس البشر تصعد، أى تتقدم وتزداد قوة لأن جنسها – أو نفرا من قادته – مهيأ للتقدم، بينما لا تتمتع أجناس أخرى بمواهب كافية للتقدم فيبطئ تقدمها

وتميل إلى الركود فى حالة من البداوة أو البقاء على مستوى حضارى معين لا تتخطاه . وأن الجماعات البشرية المهيأة بطبعها للتقدم تتميز غالبية أفرادها بخصائص بدنية أو خلقية، أو بدنية وخلقية معا يتوارثها أفرادها بحيث تصبح هذه الخصائص مميزة لها عن غيرها. ويقول علماء الأجناس إن هذه توجد مركبة فى طبع الجنس وهيئته بالخلقة . وهذه الخصائص تمكنه من صنع الحضارة أو – إذا استعملنا تشبيه التقدم الحضارى بعملية الصعود على سفح الجبل – أن هذه الأجناس قادرة على التحرك والتسلق إلى أعلى مرحلة بعد مرحلة . وخلاصة رأيهم أن هناك أجناسا قادرة على صنع الحضارة وأخرى غير قادرة أو ذات قدرة قليلة فى هذا الميدان .(10)

والقول بامتياز الأجناس بعضها على بعض شائع عند معظم الأمم فى العصور القديمة والوسطى، ولا يزال قائما عند أهل الغرب – وخاصة غرب أوربا والولايات المتحدة الأمريكية إلى اليوم – فاليونان كانوا يرون أنفسهم أفضل الأمم وأذكاها وأشرفها وبقية الخلق همج، والرومان جعلوا الرومانى فوق غيره بحكم القانون، حتى صاروا إذا أرادوا أن يعرفوا قدر إنسان أو جنس أصدرت لهم الدولة قرارا بمنحه الجنسية الرومانية . أما أهل الصين فكانوا يؤمنون بأنهم أفضل الخلق وأنه لا وجود لأى حضارة أو فضيلة خارج جنسهم . بل كانوا يرون أنهم لا يحتاجون إلى غيرهم فى شئ وليؤكد ملوكهم هذا المعنى أقاموا سور الصين العظيم حتى لا تتدنس أرضهم بأقدام أقوام آخرين . وأما الهنود فشأنهم فى تفضيل طبقة البراهمة على غيرها معروف .(11)

إن جذور النظرية العرقية الحديثة ومنشأها يعود فى الحقيقة إلى مرحلة الصراع المستميت بين النبالة المسيطرة والبرجوازية الناهضة التى تهدد سلطانها . فقد كانت هى حجة هذه النبالة ومبررها ” القانونى ” فى رفض المساواة بين البشر والأجناس، وفى مواجهة شعارات الحرية والإخاء والمساواة التى كانت تغزو العقول فى كل مكان . فالفرق بين البشر وعدم المساواة فى عرف هؤلاء هو النظام الطبيعى وإلغاؤه يعنى إلغاء القيم الإنسانية السامية. ومنذ بداية القرن الثامن عشر أى عصر التنوير كتب كونت بولينفلييه (1727) كتابا يردد فيه زعم النبالة الفرنسية بأنها وريث الجنس السائد من الفرانك بينما ينحدر بقية السكان من المقهورين والمستعبدين فثمة عرقان يختلفان كيفا ولا يمكن إلغاء سيادة الفرانك دون إلغاء الحضارة ذاتها .(12)

وفى مستهل القرن التاسع عشر الميلادى وفى غمار المجادلات التى انبعثت عن الثورة الفرنسية ودارت حول التفرقة بين سكان فرنسا الأصليين وبين الفرنجة باعتبارهم برابرة مغتصبين نادى ألكونت دى جوبينو بنظرية الجنس مدعيا انتماء الفريقين إلى جنس واحد هو الجنس النوردى . ونقطة الانطلاق عند جوبينو هى الصراع ضد خطر الديمقراطية، فالمساواة بين البشر فى نظره مفهوم ” غير علمى ومناهض للطبيعة ” وكل شرور البشر التى تولدت خلال التاريخ نشأت عن هذا المفهوم، مفهوم المساواة. وبهذا يحاول جوبينو أن يعيد إحياء المقولة الإقطاعية القديمة عن عدم المساواة باعتبارها الحالة الطبيعية بين البشر .(13)

كان هم جوبينو هو مصير الحضارة وهو يتساءل كيف تنتهى الحضارات وتموت، وقد وجد الإجابة فى نظرية الأجناس، فالحضارات تضمحل بسبب انحلال صفاتها الموروثة وهذا التحليل ينشأ عن اختلاط الأجناس، ومع ذلك فالحضارة لا تتقدم إلا بالغلبة والغزو، غزو أمة لأخرى، غلبة جنس على آخر . ولذلك فاختلاط الأجناس هو العامل المنشئ للحضارة وهو علة موتها وانتهائها، فهو أفضل الأشياء وأسوأها فى الآن نفسه . فنظرية جوبينو عن العرق تحمل تناقضا أساسيا وهو يعى هذا التناقض فالنوع الإنسانى يخضع لقانون مزدوج من التجاذب والتنافر، وعامل التنافر والرفض الذى يبدو أساس النظرية العرقية هو على العكس فى نظر جوبينو آخر شئ . فالبدائيون والمبتربرون الذين يرفضون الغير لن تتاح لهم فرصة الحضارة أبدا . وهناك قسم من البشرية مصاب بالعجز المطلق والقصور عن تقبل الحضارة، لأنه لا يستطيع أن يتغلب على نزعة الرفض الطبيعية عند هؤلاء المتخلفين . وقانون الرفض أو النفور يمكن التغلب عليه بفضل القانون الآخر وهو قانون التجاذب، وهو وقف على الشعوب القوية شعوب الصفوة التى تملك صفة مميزة، هى القدرة على الاختلاط بدم أكثر تخلفا . وهذه العملية لا تتوقف وتنتهى بالضرورة بالتحلل والاضمحلال .(14)

وجوبينو يأخذ بالتقسيم الشائع للبشر إلى ثلاثة أجناس: السود والصفر والبيض، والسود أحطها ولا يمكن أن يرتفعوا أبدا عن قاع الدرج والخروج من دائرة الحطة العقلية . أما الصفر فيحرهم نزوع إلى حب المفيد، واحترام القواعد، وبعبارة أخرى العقل العملى . أما سمات الجنس الأبيض فأقل تحديدا، وذلك بلا جدال يرجع إلى أن ” الحسن والجيد يصعب إجماله فى كلمات ” ومحرك هذا الجنس للعمل هو نزوع العزة والشرف وهو يقدم الدليل على ذكائه اليقظ، وهو يسود الأجناس الأخرى، لا بحكم السيطرة بل بسبب استعداده الحضارى المتفوق، وقدرته على تمدين الآخرين، الذين يفتقدون هذه الصفة .(15)

والأوربيون من وجهة نظر جوبينو هم من البيض، فمن حيث البنية الجسدية هم أجمل الأجناس، هيئتهم تبعث البهجة فى الأرض، أجسادهم ألهمت المثالين صانعى تماثيل أبولو وجوبيتر، وروحهم من أسمى الأرواح ” تطلق حيوية وطاقة بلا نهاية ” وهذه العائلة الإنسانية الفريدة هى أكثر نبلا . وصادفت آراء جوبينو حدوث كشف لغوى مفاده أن جميع اللغات الأوربية إضافة إلى اللغات اليونانية واللاتينية ولغات فارس وشمال الهند تنتسب بعضها إلى بعض وهى أعضاء فى عائلة لغوية واحدة واسعة .(16)

واكتشف جوبينو من هذا الكشف اللغوى أن المتكلمين بهذه اللغات ينتسب بعضهم إلى بعض أسوة بالنسب القائم بين اللغات التى يتكلمون بها، وأنهم ينحدرون من جنس واحد أصلى آرى أو هندى أوربى . وأن هذا الجنس هو الذى أنتج عبقرية زرادشت الدينية وعبقرية اليونان الفنية وعبقرية الرومان السياسية، ويرجع الفضل إليه فى جميع ما حققته الحضارة البشرية من أعمال وتقدم عبر تاريخ البشرية الطويل .(17)

كما يؤكد جوبينو أن اختلاط الأجناس هو قدرها جميعا فلا يوجد شعب لا يحمل فى عروقه قليلا من كل عنصر من هذه العناصر . والحضارة تنتج عن تدفق الدم الأبيض ولكن هذا الاختلاط بعينه هو علتها إلى التحلل والاضمحلال، فلا التعصب ولا الرفاهية، ولا سوء الأخلاق ولا حتى عدم التدين يؤدى بالضرورة إلى سقوط المجتمعات . فالأجناس المتخلفة والمنحطة غير مستعدة بطبيعتها لتقبل الحضارة، ولا تصلح إلا للعبودية والرق، وللعمل كآلات حية، وحيوانات مستأنسة لدى الأجناس الراقية .(18)

كما صاغ تشامبرلين كاتب ألمانى من أصل إنجليزى (1855-1972) – نظريته العرقية فى كتابه ” أسس القرن العشرين ” عام 1899، وقد استبعد فيها التجاء جوبينو ونزوعه إلى الماضى واستبدل بها توجهها نحو المستقبل، ووضع كل ثقته فيه ورأى أن كل شئ يمكن إنقاذه . وكان محور فكره هو ضرورة المحافظة على نقاوة الدم الجرمانى بالتصدى والصراع ضد العناصر الأجنبية الغربية على هذا الجنس .(19)

وقد استبعد تشامبرلين فى نظريته عن الجنس السمات الظاهرة ” لون الشعر الأشقر والشكل العام للوجه ” كما رفض أيضا القياسات الأنثروبولوجية واعتبر معيار العرق الحاسم هو فى طبيعته السيكولوجية الخالصة، وطريقة اكتشافه ذاتية، فكل منا ينبغى أن يتعرف على الفروق بين الأجناس بلمحة عين ” أليس كذلك بالنسبة لمربى الغنم الذى يملك الحدس والمذاق وعبقرية المهنة “، تكفى لمحة لتتضح الحقيقة مثل ضوء الشمس . ويستشهد بطفلة صغيرة رآها فى حدائق باريس رفضت أن تلعب مع طفل آخر فى سنها، فقد أدركت بفطرتها أنه يهودى .(20)

إن الطريق المباشر والأقصر إقناعا بحقيقة الجنس هو أن يحمل الإنسان ” العرق ” فى وعيه الخاص . ومن ينتمى لعرق نقى ومحدد يحس بذلك فى دخيلة نفسه فى كل لحظة فالعرق يرقى بالإنسان فوق ذاته ويمده بذخيرة غير عادية، بل وبقدرات فوق الطبيعة تميزه عن الفرد الذى يأتى نتاج خليط وفوضى من الأعراق والشعوب .(21)

لكن هل يمكن إعادة نقاء الجنس وبعثه فى مجموعة بشرية معينة؟، هل السقوط يعنى أن لا خلاص ؟ هل الانحطاط يستبعد العلاج ؟ يرى تشامبرلين فى دراسته لهذه المسألة أن الأعراق يمكن أن تعيد نفسها من جديد بشرط أن تتخذ الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك. وهذا يتطلب خمسة قوانين طبيعية، هى شروط إعادة تشكيل الأعراق النبيلة:

1- الحصول على مادة أولية من نوعية ممتازة .

2- حدوث تزاوج داخلى من داخل العرق على مدى طويل وممتد.

3- القيام باختيار بعض الأفراد من داخل هذا النظام طبقا لقوانين معينة لإعادة إنتاج بعض العناصر واستبعاد البعض الآخر .

4- ضرورة الخليط أو القيام بعمليات التهجين بين أنواع من الأفراد الممتازة كما يحدث فى عالم الكلاب .

5- على أن يكون هذا الخليط تحت الضبط المحدد، فبعض التهجين يزيد من نبالة الجنس وبعضه يدمر العرق . وكذلك ينبغى أن تتم عملية التهجين فى فترة زمنية محدودة بمعنى أن يتم نقل الدم الجديد فى أقصر مدة وبسرعة ثم يقف، أما إذا استمر الخليط فقد يؤدى إلى دمار أقوى الأجناس .(22)

ومهما يكن الأمر فإن بعض علماء الأجناس يدافعون عن نظرية الجنس ويلتقون فى ذلك حول نقطة أساسية وهى أن التفوق البشرى الذى يساهم أساسا فى بناء الحضارة يرتبط بلون البشرة . وبذلك يضعون السلالة النوردية على منصة الشرف وهى السلالة ذات البشرة البيضاء والشعر الأصفر والعيون الشهباء والرأس الطويل . كما يذهبون إلى أننا يمكن أن نفهم أن التفوق الخلقى والمعنوى مرتبط بصورة ما بلون البشرة .(23)

ويبدو أنه فى ظروف التقدم الصناعى الذى حققه الأوربيون وما أتاحه هذا التقدم للأوربيين من التفوق على الشعوب الأخرى، والتغلب عليها، وقيام حركة الاستعمار الأوربى للشعوب واستبداد الأوربيين بها أن لاقت نظرية الجنس مناخا طيبا للانتشار والقبول من الأوربيين فأخذ الألمان بها وقالوا بالجنس الهند جرمانى بدلا من الهند أوربى كجنس متفوق على غيره . كذلك أخذ الأمريكيين بنظرية الجنس فى مطلع القرن العشرين وطالبوا بتقييد الهجرة إلى أمريكا للمحافظة على نقاء الفرع الأمريكى الذى يعد شجرة الجنس النوردى.(24)

وفى الوقت الذى يتخذ دعاة العنصرية فى الحضارة الغربية البشرة البيضاء دليلا على التفوق واعتبار ذلك علامة تفوق الجنس النوردى على غيره من الأجناس، فإن اليابانيين يستخدمون علامة بدنية مختلفة للدلالة على التفوق تقوم على اعتبار خلو الجسم من الشعر الذى يميز الإنسان عن القرد خلافا للإنسان المشعر الذى يعد أقرب منزلة من القرد .(25)

موقفنا من نظرية الجنس:

من الواضح أن الأفكار الأساسية لهذه النظرية وهى التى تميز بين جنس وآخر باستخدام علامات بدنية مختلفة، هى أفكار غير منطقية ولا يمكن قبولها . فمقولات التاريخ تشهد على زيف هذه النظرية وبطلانها إذ تؤكد ان الحضارة لم تكن وقفًا على جنس دون جنس فلقد ظهرت الحضارة عند كثير من الشعوب التى تنتمى إلى جنسيات مختلفة كالمصريين والهنود والسومريين وغيرهم . كما ظهرت بين الشعوب البيضاء والحمراء مثلما ظهرت عند الشعوب الصفراء . وعلى هذا فليس من حق أى جنس أن يدعى أنه وحده صانع الحضارة على مر التاريخ .(26)

ولذلك نجد أرنولد توينبى يهدم هذه النظرية من أساسها من خلال عرضه لإسهامات النورديين وغيرهم فى الحضارات . فلقد تبين له أن إسهام الألبيين كان فى سبع حضارات: السومرية والحيثية والهلينية والإيرانية والمسيحية والأرثوذكسية والصينية، وأن الجنس اليابانى والكوردى أسهم فى حضارة الشرق الأقصى وأن النورديون قد أسهموا فى الحضارة الهندية والحيثية والهلينية . هذا بالإضافة إلى أن الشعوب السوداء مازالت تنتظر للإسهام بطريقة إيجابية فى الحضارات المقبلة . وينتهى توينبى إلى القول بأن ذلك يعنى أن نظرية الجنس ما هى إلا هراء ويؤكد ذلك التصنيف الحضارى السالف .(27)

ومن ناحية أخرى يمكن القول إن الأفكار العنصرية التى تقوم عليها نظرية الجنس قد ارتدت على صانعيها فالذى يقهر الغير يقهر شعبه فى نفس الوقت، والذى يمارس التمييز العنصرى سواء بسبب اللون أو العرق أو الدين بالنسبة للغرباء فإنه يرتد على داره ويمزق مجتمعه . فاليونان فى إيمانهم بأنهم أزكى الشعوب على الأرض وأقربها إلى الكمال واختصاص أنفسهم بهذا الموقف لأنهم بعد أن انتصروا على الفرس فى حروبهم الطويلة المعروفة ركبهم غرور فتعففوا عن العمل واستكثروا من العبيد لخدمتهم وقامت الحروب بين بعضهم وبعض وانقسموا إلى أحلاف يسفك بعضها دماء بعضها الآخر . فوهن أمرهم وبطلوا عن العمل، وأنصرف قادتهم إلى العبث والاستمتاع بالحياة، وأوغل علماؤهم فى التفلسف فابتعدوا عن الحياة وانقضى عليهم المقدونيون وكان الإغريق يحتقرونهم وأزالوا دولهم بقيادة الإسكندر .(28)

وأما الرومان فإن اعتزازهم بأنفسهم وغرورهم بشعبهم ومآثره دفهم إلى مغامرات عسكرية بعيدة المدى عادت بشر كبير وخير قليل للرومان أنفسهم، وبلغ من اعتدادهم بأنفسهم أنهم كانوا إذا أرادوا تكريم شخص أو شعب منحوه حقوق الرومان أى رفعوه إلى مقام جنسهم، واستمر غرور الجنس هذا يعشش فى رؤوس الأمم حتى فى عصرنا كما ظهر عند طلائع الفاشية فى عدد من دول أوربا وكذلك عند اليهود .(29)

فالصهيونية كأيديولوجية عنصرية عرقية فاشية تقدم لنا نموذجا عن هذه الحقيقة . ذلك أن العنصرية الصهيونية الموجهة فى المحل الأول ضد العرب الفلسطينيين تعود وترتد على نفسها لتمارس ذات الشىء داخل صفوف مجتمعها بين اليهود الشرقيين والغربيين أو السيفاراديم والاشكيناز . وهذه الحقيقة معروفة تماما حتى اشتق منها تعبير “إسرائيل الثانية”. ويكفى التجوال فى حيفا وتل أبيب، أو فى الأحياء التى تشمل التجمعات الشرقية لنتبين ما يربط هؤلاء بالثقافة العربية . فالمطاعم لا تقدم سوى الأطعمة العربية، والباعة ينادون على بضاعتهم من الخضر والفاكهة بلهجة عربية عبرية . والموسيقى التى تخرج من المقاهى هى موسيقى أم كلثوم وسليمان المغربى وعبد الحليم حافظ، والأنغام الشعبية بينهم أنغام عربية الخ . وقد اتسعت الهوة بين الشرقيين والغربيين كما ازداد التباعد والجفوة الاجتماعية بروزا . ولهذا فإن القول بتفاضل الأجناس واختصاص بعضها دون بعض بالذكاء والكفاءة والقدرة على بناء الحضارات أدى إلى مشاكل ومآس طويلة أغرقت البشرية فى تصرفات حمقاء غير معقولة وحروب طويلة . فالحضارة ظاهرة إنسانية عامة، والإنسان هو المخلوق الوحيد الذى يرتقى ويعمل على تحسين أحوال نفسه بفضل ما أهداه الله من عقل يمكنه من التفكير واختزان المعلومات والربط بينها والإفادة منها، فكل أجناس البشر متحضرة، وما من شعب إلا وله مستواه الحضارى والفرق فى المستويات، فلا يوجد إنسان غير متحضر أصلا ولا جماعة لا نصيب لها من الحضارة . والحضارة هى ثمرة أى مجهود يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته على وجه الأرض ماديا أو معنويا .(30)

الحضارة الحقيقية هى التى تحقق للإنسان الكفاية، والكفاية هى شعور الإنسان بأن لديه ما يكفيه مما يحتاج إليه أو يطمح إليه . وهى قسمان: كفاية مادية وكفاية معنوية .

الكفاية المادية: الإنسان فى المدينة قد يكفيه نصف مكعب من الماء والإنسان فى الصحراء قد يكفيه ربه هذه الكمية . الكفاية للإنسان الغربى تعنى مثلا أن يكون عاملا ماهرا أو مخترعا أو فلكيا والكفاية للإنسان العربى قد تعنى حصوله على درجة جامعية تؤمن له مركزا اجتماعيا مرموقا وقدرا معقولا من المال .

الكفاية المعنوية: كالأمان والاطمئنان والتفاهم والتعاون والمحبة … الخ

ثالثا: نظرية التحدى والاستجابة

لماذا تصل بعض المجتمعات إلى مستوى الحضارة، وتخفق مجتمعات أخرى عن بلوغ الحضارة؟

تعد نظرية ” التحدى والاستجابة ” عند توينبى من أهم النظريات التى قدمت إجابة عن هذا السؤال فى ضوء دراستها لعوامل نشوء الحضارة . فلقد ناقش توينبى معظم النظريات التى حاولت تفسير عوامل بناء الحضارة، وقدم لها العديد من الانتقادات، كما هو الحال بالنسبة لنظرية البيئة ونظرية الجنس كما أوضحنا من قبل .(31)

فقد أنكر توينبي وجود حضارة واحدة قديمة -، مثلا القول ان مصر هي اصل جميع الحضارات، فعند توينبي خمس عشرة حضارة تصل بصلة البنوة بحضارات سابقة، وستة مجتمعات فقط قد انبعثت من الحياة البدائية مباشرة . تلك هي: {المصرية – السومرية – الصينية – المايانية – الانديانية} والاخيرتان نشأتا بأمريكا الجنوبية . – وقال: ” أنه لا يمكن ان يُعزى قيام الحضارات الى صفات معينة في جنس من الاجناس، إذ لا يمكن ان يرتبط التفوق الروحي والذهني بلون البشرة فالواقع ان جميع الأجناس قد ساهمت في انبعاث الحضارة “.(32)

كما رأى توينبي أن الصراع والصدام بين الحضارات ناتج من مخيلة الانسان على مدى تطوره الاجتماعي والحضاري، فهناك اللقاء المتناقض بين الخير المطلق وهو الله وبين الشر المطلق وهو الشيطان، هذا اللقاء التراجيدي الرهيب الذي توارثته مخيلة الانسان على مدى التاريخ نجده يتكرر في معظم الحضارات الغربية والشرقية، ونجدها في مصر وبلاد ما بين النهرين، والهند، والاغريق … فالألم والعذاب وصور النضال ضد الطبيعة والكون هي قصة ماساة الانسان، كما انها هي نفسها قصة الانسان وقصة فدائه، وما لقاء آدم وحواء الا صورة من صور الابداع الاجتماعي الذي انتهى بمولد حضارتين متباينتين، حضارة الخصب عن طريق رعي الغنم التي يمثلها هابيل وحضارة الارض التي يمثلها قابيل . هكذا باختصار بدات الاسطورة المعبرة عن اعمق حقائق صراع الانسان مع الطبيعة والكون من اجل ايجاد مجتمعه وحضارته .(33)

ورأى توينبى أن العامل الإيجابى فى نشوء الحضارة ليس مفردا ولكنه متعدد، وهو علامة مشتركة تكون عند تعرض الإنسان للتحدى وقيامه بالاستجابة لهذا التحدى . فعامل التحدى والاستجابة عنده هو العامل الهام الفعال الأقرب إلى ظهور الحضارة وإلى تقليل عطاء الإنسان فى حالة والعقم فى حالة أخرى، إذ قد توجد البيئة وتنشأ حضارة، وتوجد بيئة مماثلة ولا تنشأ حضارة وسبب ذلك وجود التحدى والاستجابة فى الحالة الأولى، وعدم وجودها فى الحالة الثانية .(34)

وقد يكون التحدى ماديا أو فكريا، والناس ليسوا سواء فى مواجهة التحدى حتى ولو كان هذا التحدى واحدا ذلك أن رد فعل الناس يتصل فى بعضه بالقوى السيكولوجية الدفاعة التى يستحيل وزنها وقياسها أو بالأجدى تقديرها مقدما . فالإنسان هو الذى يلعب الدور الأساسى فى التغيير وليست طبيعة التحدى نفسها الإنسان هو الذى يعين مسار الانتقال والتغيير حسب الحال الذى يكون عليها وهى حالة لا يصنعها التحدى ولكنه قد يستثيرها . غير أن الاستثارة وحدها ليست كافية لعملية التغيير، فالتحدى وحده غير جدير بتمكين الإنسان من الانتقال من مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية أخرى، إذ لابد للإنسان حتى يحقق إنجازا ما أن يحوز الكفاية اللازمة للقيام بذلك وإلا ظل حبيس الوهم والتخيل .(35)

إن مبدأ التحدى واستجابة هو المبدأ الأساسى لخلق الحضارة عند توينبى، فنمو الحضارة لا يرجع إلى التوسع الجغرافى للمجتمع، فهذا التوسع يصحبه تخلف وتفكك بدلا من التقدم والنهوض . ولا يرجع نمو الحضارة أيضا إلى التقدم التكنولوجى أو زيادة سيطرة المجتمع على البيئة الطبيعية فلا وجود لأى ارتباط بين التقدم فى التقنية والتقدم فى الحضارة التى تنجح فى الإفصاح عن ذاتها وإرادتها عندما تتخلل قيمتها فى نفوس أبنائها وتبسط معداتها وتقنيتها .(36)

وكل حضارة لها صفة غالبة تختلف باختلاف الحضارة، فقد كانت الصفة الاستاطيقية أو الجمالية أو الفنية هى الغالبة على الحضارة الهيلينية . والدين هو الغالب على الحضارة الهندية والحضارة الأندية ” كانت توجد بالقرب من جواتيمالا بأمريكا الجنوبية ” والحضارة الغربية خاضعة للآلات والمعدات العلمية وهكذا .(37)

وللحضارة وحدة على رأسها أقلية ذات روح خلاقة، تقلدها الأغلبية وتتبعها بحرية كاملة . فلا وجود فى المجتمع المتحضر لأى صراع دموى، فهو جسم متسق ومتوافق . ومن أهم المشكلات التى تواجه الحضارة أسباب تصدعها وهذه ظاهرة ملحوظة فلم يبقى من الحضارات الكثيرة أكثر من أربع حضارات والأخرى ماتت واقتربت من الاحتضار . والاختلاف بين نهوض الحضارة وتحللها أنه فى حالة النهوض تنجح الحضارة، أو بمعنى أصح تنجح أقليتها الخلاقة فى الاستجابة إلى التحديات المتتالية والمتنوعة التى تواجهها، ولكنها عندما تتدهور تفشل فى مواجهة التحديات .(38)

ولقد لاحظ توينبى فى دراسته للحضارة البشرية أن هناك بعض المجتمعات لم تستطيع الصعود أمام التحديات الطبيعية والبشرية وذلك لشدة هذه التحديات ويسمى توينبى هذه الحضارات باسم ” الحضارات المتعطلة ” أى التى أخفقت فى استمرارها، ومن أمثلة هذه الحضارات، حضارة الإسكيمو، ومن أمثلة المجتمعات التى استجابت للتحديات ” الأسبرطيون” فلقد واجه الاسبرطيون دواعى التحدى الطبيعى والبشرى .(39)

وعامة ترتكز نظرية توينبى فى انهيار الحضارات أصلا على نظريته فى التحدى والاستجابة، فاستمرار التحدى وتكراره فى حضارة من الحضارات إما أن ينتهى باستجابة على التحدى وتصعد الحضارة فى طريق التقدم، وإما أن تخفق هذه الحضارة فى الرد على ذلك التحدى وفى خلق استجابة إزاء تلك التحديات، وهذه السلسة المتكررة من الاستجابة المخففة إزاء هذه التحديات هى فى الحقيقة المصدر الأساسى لتدهور الحضارات .(40)

ولذلك يقول توينبى عن نظريته في التحدي والاستجابة:” اعتقد انه في كل لحظة من حياة كل فرد فينا، وفي كل لحظة من حياة مدنية من المدنيات، يتحدانا على الدوام موقف جديد، موقف علينا ان نواجهه، فاما نجحنا او فشلنا . وقد نفشل في أي لحظة ونبدأ في الانحدار، وقد ننجح ونستمر في العيش “.(41)

ويعني التحدي وجود ظروف صعبة تواجه الإنسان في بناء حضارته وتكون استجابته إما ناجحة إذا تغلب الإنسان على هذه المصاعب، أو استجابة فاشلة إذا عجز الإنسان على مواجهة هذه المصاعب، فالتغلب على هذه المصاعب هو واقعة نمو حضاري، والرضوخ تحت وطأتها عند الانطلاق علامة على الانحلال والسقوط، والتحدي إما يكون ناتجا عن الظروف الطبيعية الصعبة والقاسية أو يكون تحديا بشريا في شكل عدوان خارجي من طرف دولة أو جماعة بشرية أخري معادية.(42)

إن الحضارة في رأي توينبي تواجه أنماطاً مختلفة من التحديات، فاذا ما استطاعت ان تجيب على هذا التحدي، استطاعت ان تعيش وتنمو وتزدهر وإلا فإن مآلها الى الزوال والاندثار فالحضارة تقوم مدفوعة بقانون {التحدي والاستجابة} القائل ان الظروف الصعبة هي التي تستثير الامم على اقامة الحضارات . في سياق توافقي مادي – معنوي “.(43)

وبالرغم من ضرورة تعرض الحضارات للتحديات كشرط أساسى للارتقاء إلا أن هذه التحديات لابد أن تكون متوسطة العنف كى تكون حافزا على مضيها فى الطريق الصاعد . هذا التحدى الوسط بين طرفين: طرف الإفراط وطرف التفريط يطلق عليه توينبى اسم ” الوسط الذهبى ” الذى يضمن تقدم الحضارات فى طريق الارتقاء لأنه إذا كان التحدى عنيفا فعندئذ سوف تخفق الحضارة فى تحقيق استجابة ملائمة له، وإذا كان ضعيفا سوف تخفق أيضا لأنه حينذاك لن يشكل هذا التحدى دافعا بأى صورة للحضارة وارتقائها.(44)

ومن هنا نلاحظ أن الأحوال الصعبة هى فقط التى تهيئ للبيئات الطبيعة والبشرية فرصة قيام الحضارات . ولذلك يرى توينبى أن هناك خمس دوافع رئيسية تتصل بطبيعة البيئة وهى فى الحقيقة مبدعة الحضارات:-

أولا: دافع الأرض الصعبة:

الدوافع الصعبة التى تواجه الإنسان هى التى تولد لديه قدرة التحدى التى تساهم فى بناء الحضارة فالنهر الأصفر فى الصين – على سبيل المثال – طرح تحديات هائلة للإنسان، فهو لم يكن صالحا فى أى موسم بالإضافة إلى تجمده فى الشتاء، ومع ذلك فقد واجه الإنسان تحديات هذا النهر وحاول أن يغير اتجاهه طوال أربعة آلاف عام إلى أن تمكن من ذلك بالفعل .(45)

ثانيا: دافع الأرض الجديدة:

يرى توينبى أن تاريخ معظم الحضارات يبين أن ذروة ازدهارها كان فى تلك المناطق الجديدة، التى لم تكن من قبل موطنا للأسلاف . فهناك العديد من الهجرات التى حدثت فى التاريخ مثل هجرة التيوكويين والأيوبيين والفلسطينيين والإنجليز … الخ . وكلها تؤكد حقيقة واحدة وهى انتقال الأنظمة الاجتماعية لهؤلاء المهاجرين إبان حدوث الهجرات، وهكذا تأخذ هذه الهجرات عند توينبى شكل الحافز الحضارى .(46)

ثالثا: دافع النكبات والضربات:

يترتب دائما على دافع النكبات ردود أفعال عديدة تلاحظ بصفة خاصة فى تلك التى تنجم عن الكوارث الحربية وهناك ردود أفعال أخرى يتمثل أهمها فى الردود الدينية من خلال أعمال الرسل.(47)

رابعا: دافع الضغوط:

والمقصود بالضغوط هنا الضغوط الخارجية، أو تلك التحديات الخارجية التى تأتى من الخارج . وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح فى تاريخ الحضارة المصرية حيث كان الجزء الجنوبى معرض دائما لضغط قبائل النوبة واعتدائها، ولأن هذا الجزء هو الأكثر تعرضا للتهديد فقد تميز منذ ذلك الحين بنفوذ قوى واستطاع من خلاله مجابهة التحدى الخارجى .(48)

خامسا: دافع العقوبات:

ويرتبط بالتحديات الداخلية التى تصيب جزءا فقط من الكيان الاجتماعى بفقدان القدرة على مواجهة ذلك التحدى .

وإذا كانت هذه الدوافع تساهم فى بناء الحضارات، فإن التحديات لابد أن تكون متوسطة العنف . ومن ثم كان تأكيد توينبى على قانون الوسط الذهبى بدلا من القانون القائل: ” كلما زاد التحدى زاد الدافع ” .(49)

انهيار الحضارات:

والحضارة تنتهى بالانتحار لا بالقتل، ويلخص توينبى عوامل انهيار الحضارات فى ثلاثة عوامل: إخفاق الأقلية المبدعة أو فشل قوتها الخلاقة وفتور الإيمان عند الأغلبية أى انسحاب الأغلبية عن الأقلية الحاكمة وضياع الوحدة الاجتماعية للمجتمع . فعندما تتدهو الأقلية الخلاقة وتتحول إلى أقلية محبة للسيطرة وتحاول الاحتفاظ بسلطانها على المكانة التى لم تعد جديرة بها يتسبب هذا التغير القاتل فى طابع الحاكم فى استفزاز الأغلبية الموالية له التى تفقد إعجابها به، وتتوقف عن مساندتها له، بل وتثور عليه . والموالون للحاكم ينقسمون عادة إلى موالين فى الداخل وموالين فى الخارج، وسرعان ما يؤدى فقدانهم لروح الأقلية الحاكمة إلى تشاحنهم وظهور حرب طبقية تنتهى أحيانا بانتقال السلطة إلى نظام كنائسى يمثل الروح الدينية وتنحية الأقلية الفاشلة والاستعاضة عنها بحكام جدد .(50)

وهكذا يرجع توينبي سبب انحطاط الحضارات إلى عوامل داخلية، فهو يرفض الآراء التي ترد السقوط إلى أسباب حتمية خارجة عن قدرة الإنسان، فالسقوط والانهيار سببه داخلي وليس ناتجاً عن غزو خارجي، والعامل الرئيس في انهيار الحضارات يكمن في فقدان الأقلية الحاكمة للطاقة المبدعة، إذ تفشل في الاستجابة المناسبة للتحدي القائم.(51)

ومعنى ذلك أن الحضارة تنهار داخليا قبل أن تطأها أقدام الغزاة، والعامل الرئيسى فى انهيار الحضارة هو فقدان الأقلية الحاكمة للطاقة المبدعة فيها . والمجتمع فى حالة الانهيار يتشكل على النحو التالى:-

1- أقلية مسيطرة فقدت قدرتها على الإبداع وأصبحت تحكم بالقهر .

2- بروليتاريا داخلية ذليلة، ولكنها عنيدة تتحين الفرصة للثورة .

3- بروليتاريا خارجية انشقت عن المجتمع وتقاوم الاندماج فيه وتتحين الفرصة للغزو .(52)

وهكذا يفسر توينبي انهيار الحضارات بتحلل المجتمعات من الداخل قبل أن يأتيه غزو من الخارج ليجهز عليه، ذلك أن الغزو الخارجي في مثل هذه الحالة يمثل الضربة القاضية في مجتمع يلفظ أنفاسه الأخيرة، لذا يمكن القول: إن أية حضارة لا يمكن أن تنهار من الخارج من دون أن تكون قد تآكلت من الداخل، إذ لا يمكن بحال من الأحوال قهر أية إمبراطورية من الخارج إذا لم تكن قد انتحرت من الداخل .(53)

وتمر مرحلة التدهور فى ثلاثة أطوار: أولها التصدع ثم التحلل والتفتت: وعلى سبيل المثال حدث تصدع للحضارة المصرية القديمة فى القرن السادس عشر قبل الميلاد ولكنها تحللت فى القرن الخامس الميلادى . فى خلال هذه المدة أى زهاء ألفى سنة بقيت فى حالة متحجرة شبيهة بالموت . وفى الصين بالمثل تصدعت حضارتها فى القرن التاسع الميلادى وبقيت ألف سنة حتى انتهى تحللها .

إن ما نود التأكيد عليه هو أن انهيار الحضارة يرجع إلى عدم وجود استجابة ناجحة للظروف المختلفة، فالحضارات تولد أساسا وقتما تستحث الظروف الصعبة الإنسان على التحضر، وتتمثل هذه الظروف فى بيئات طبيعية أو ظروف بشرية، ومن ثم فإن الظروف السهلة لا تؤسس حضارة . كما أن الذين يتمسكون بالاستجابة هم الذين يتمكنون من البقاء فى مواطنهم ويبنون حضاراتهم .(54)

ولم يتوقف توينبى عند هذا الحد، بل تحدث عن مصير الحضارة الإسلامية ” فأكد أنه برغم النكبات التي حلت بالحضارة الإسلامية لوقوع معظم دولها فريسة للإستعمار، إلا أنه لن يأتي اليوم الذي تجمد فيه الحضارة الإسلامية وتتحجر كبعض الحضارات المتحجرة في عالمنا اليوم، بل يرى أن الحضارة الإسلامية حضارة قد تٌنافس الحضارة الهندوكية أو البوذية من أجل السيطرة في المستقبل بوسائل تتعدى تصوراتنا، حيث أن طابع الحضارة الإسلامية هو الاتساق بين الفكر والعمل و المساواة، إذ ارتفعت في أزهى عصورها إلى أن وصل الرقيق أو العبيد إلى أرقى مراكز السلطة، فمثلا تولى المماليك – الذين كانوا عبيد – الحكم في مصر . وكذلك تحريم الخمر، فقد لا يدرك الكثيرون قيمة هذا التحريم بالنسبة للحضارة، حيث أن الإمتناع عن شرب الخمر لا يتم إلا بوازع ديني، وهو في نفس الوقت عامل مهم لإزدهار الحضارة”.(55)

وتحدث توينبى عن واقع الحضارة الغربية المعاصرة مبينًا أهم التحديات التى تواجهها. ورأى أن الحضارة الغربية تواجه اليوم كثيرا من المشكلات منها احتمال قيام حرب عالمية ثالثة، وتأليه هذه الحضارة للدولة، “والفراغ الروحى ” الذى يمثل الخطر الحقيقى الذى يواجه الغرب ووجود عقائد بديلة كالقومية والفاشية. (56)

وبالرغم من تأكيد توينبى على وجود أعراض تصدع فى هذه الحضارة فإنه قد آثر الحياد ولم يصدر حكما قاطعا بشأنها، وكأنه يتوقع حدوث معجزة . وقد عبر عن ذلك فى ابتهال إلى الله بأن يرجئ نهاية عالمنا، أعلن عن إيمانه بأن الله سوف يستجيب إلى هذا الدعاء مادمنا نشعر بالندم وقلوبنا محطمة . كما رأى توينبى أن السبيل الوحيد أمام الغرب هو العودة إلى الطريق الصحيح، طريق الإله الخالق . فخلاص الغرب لا يمكن أن يتحقق إلا بمعجزة الدين، ويبدو أن الدين عند توينبى عظيم الأهمية، وهو الملاذ الذى يجب أن يلجأ إليه الغرب . فالرجوع إلى الله هو نهاية المطاف فى التطور من حالة إنسان ما قبل الحضارة إلى حالة الإنسان المتحضر إلى السوبرمان أو الإنسان الأعلى الذى يتجاوز الحضارة .(57)

وخلاصة القول: إن الحضارة إذا تغلبت على التحدى يمكنها أن تمضى فى الطريق من جديد، وأن تنسحب وتعود مرة ثانية، أو يمكن أن تتجمد إلى أن يشاء لها الله بالحياة أو السكون أو الموت. ولكن الموت هنا ليس حتميا، أى ليس حتمية عضوية، فالإنسان له دور كبير فهو القادر على الرد على التحدى ومن ثم فإن ” الحضارات لا تولد تماما ولا تموت تماما” . ولقد استطاعت تحليلات توينبى المتفائلة هذه أن تخلق جيلا من المفكرين والقادة يؤمن بأن القارة العجوز ” أوربا ” تملك القوة الخلاقة التى تكفى لارتقاء الحضارة .. ويرى هؤلاء أن القوى الخلاقة متوفرة فى السياسة الأوربية، وفى الاقتصاد الأوربى، وفى الفنون كالمسرح والسينما والموسيقى والتقدم، وفى التوجهات الديمقراطية والتطلع إلى السلام.(58)

ا. د. ابراهيم طلبه سلكها

…………………..

الهوامش

1- يسري الجوهري: اسس الجغرافية البشرية، منشاة المعارف بالاسكندرية، 1982، ص 115

2- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ترجمة، الجزء الأول، ص 93

3- الموضع نفسه

4- ابن خلدون: المقدمة، نشر وتحقيق على عبدالواحد وافى، لجنة البيان العربى عام 1957، ط1، ص 90

5- الموضع نفسه

6- المرجع نفسه، ص 95

7- د. محمد ضيف الله بطاينة: فى تاريخ الحضارة العربية الاسلامية، عمان، الاردن، دار الفرقان، 1985ج1، ص 42

8- نيفين جمعة: فلسفة التاريخ عند أرنولد توينبى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991، ص115

9- د. حسين مؤنس:الحضارة، دراسة فى أصول وعوامل قيامها وتطورها، سلسلة الم المرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط2، 1998، ص 42

10- المرجع نفسه، ص 45

11- المرجع نفسه، ص ص 45-46

12- اديب ديمترى: نفى العقل، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، ط1، 1993، ص 278

13- د. محمد ضيف الله بطاينة، مرجع سابق، ص 13

14- اديب ديمترى، مرجع سابق، ص 279

15- الموضع نفسه

16- الموضع نفسه

17- د. محمد ضيف الله بطاينة، مرجع سابق، ص 13

18- آدريين كوخ: آراء فلسفية فى أزمة العصر،

19- اديب ديمترى، مرجع سابق، ص 282

20- الموضع نفسه

21- الموضع نفسه

22- المرجع نفسه، ص ص 282-283

23- د. محمد ضيف الله بطاينة، مرجع سابق، ص 12

24- المرجع نفسه، ص 13

25- المرجع نفسه، ص ص 13-14

26- الموضع نفسه

27- د. حسين مؤنس، مرجع سابق، ص ص 48-49

28- المرجع نفسه، ص 50

29- المرجع نفسه، ص 51

30- راجع فى ذلك:

– اديب ديمترى، مرجع سابق، 173

– د. حسين مؤنس، مرجع سابق، ص ص 56-57

31-Tymbee، A،J: Civilization and the Historical progress،p-52

32- لوسيان فيفر: الارض والتطور البشري، ترجمة محمد السيد غلاب، ط2، دار المطبوعات الجديدة، القاهرة، 1973، ص 33

33- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ج1، ص 73

34- د. محمد ضيف الله بطاينة، مرجع سابق، 15

35- د.أحمد محمود صبحى: مرجع سابق، ص ص 265-266

36- المرجع نفسه، ص 169

37- المرجع نفسه: ص ص 269-270

38- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ترجمة د.فؤاد شبل، لجنة التأليف والترجمة، 1966 ص 33

39- نيفين جمعة: مرجع سابق، ص 122

40- د. محمد ضيف الله: فى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، ص 18

41- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ص 44

42- المرجع نفسه، ص 17

43- الموضع نفسه

44- المرجع نفسه، ص ص 459-460

45- نيفين جمعة: مرجع سابق، ص 119

46- المرجع نفسه، ص ص 119-120

47- المرجع نفسه، ص 120

48- المرجع نفسه، ص 121

49- الموضع نفسه

50- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ص ص 45-46

51- نيفين جمعة: مرجع سابق، ص 15

52- د.أحمد محمود صبحى: مرجع سابق، ص 273

53- المرجع نفسه، ص 270

54- د. حسن الكحلانى: فلسفة التقدم، دراسة فى اتجاهات التقدم والقوى الفعالة فى التاريخ، مكتبة مدبولى، القاهر، ص 67

55- المرجع نفسه، ص 287

56- الموضع نفسه

57- أرنولد توينبى: مختصر دراسة التاريخ، ص ص 93

58- أرنولد توينبى: الفكر التاريخى عند الأغريق، ترجمة لمعى المطيعى، مراجعة د. محمد صقر خفاجة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص ص 14-15، مقدمة المترجم

أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام

أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام

تعرّف على أفكار أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام – بقلم: يونان سعد

ربما لا يعرف الكثيرون أن في التاريخ العربي والإسلامي بعض الملحدين والمتشككين في الأديان السماوية. فالتاريخ الرسمي اهتم بتوثيق الأحداث ليظهر أن تاريخ الدول الإسلامية هو تاريخ للإيمان، بينما تجاهل المؤرخون حيناً المتشككين وأصابوهم بالتشوية في أحيان أخرى، وحُرقت معظم كتبهم أو اختفت.

لكن عبد الرحمن بدوي في كتابه “تاريخ الإلحاد في الإسلام” يحاول من مصادر عدة تجميع أخبارهم وأفكارهم، وهو الأمر الذي يخرج عن نطاق الدفاع عنهم أو الهجوم عليهم، إلى محاولة التوثيق لهم باعتبارهم جزءاً من هذه الحضارة الغنية، أثروا فيها وتأثروا بها، وكونوا حراكاً داخلها تأثر به حتى المدافعون عن الدين أنفسهم من شيوخ الدين والمتكلمين واضطرتهم إلى تطوير أدواتهم حتى تتناسب بقدر الإمكان مع العلم الحديث والفلسفة الوافدة وروح العصر، مما وقع في مصلحة العامة وأثرى حضارتهم.

والإلحاد الذي يقصده عبد الرحمن بدوي يختلف عن الإلحاد بمعناه المعروف أي إنكار الذات الإلهية، وهو يحاول تمييز حركة الإلحاد لدينا عن تلك التي حدثت في الغرب، فبينما سعى الملحدون هناك إلى هدم الفكرة الأساسية التي يقوم عليها التدين عندهم وهي وجود الإله، قصد الملحدون في تاريخنا إلى التشكيك في فكرة النبوة وهدمها، على اعتبار أن التدين في الشرق كان قائماً على هذه الفكرة في الأساس.

فما الذي دفع هؤلاء إلى انتقاد الأديان عامة حتى لم يسلم منهم معتقد من المعتقدات الشرقية؟ وما هي اعتراضاتهم عليها؟ في ما يلي أهم أفكارهم دون التعرض لمدى صحتها أو بطلانها.

لعلّ ابن الراوندي الذي شكك في النبوة، وأنكر الديانات السماوية وانتقد القرآن الكريم والسنة النبوية بإسلوب لاذع، هو أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام، خاصةً أن آراءه وصلت إلينا من خلال عرضها في كتب هدف مؤلفوها إلى دحضها. وقد أفردنا له موضوعاً خاصاً في رصيف222.

ابن المقفع

لم يكن ابن المقفع  ملحدًا بمعنى إنكار وجود الإله والبعث والقيامة، وتقريباً كل ما ينسب إليه في هذا الإطار مدون في فصل من كتاب “كليلة ودمنة” الذي قام بترجمته بنفسه عن الفارسية إلى العربية، وهو الفصل الذي يعرف بباب “برزويه كما ترجمه الوزير بزرجمهر بن خلكان” وتدور معظم الشكوك حول أن ابن المقفع كتبه بنفسه ونسبه للكتاب حتى يخفي فيه أفكاره المتشككة في الأديان.

وينقل عن الخليفة المهدي (158-  169ه) قوله بأنه لا توجد زندقة إلا ولها أصل في هذا الباب الذي كتبه ابن المقفع، وهو الفصل نفسه الذي أدى لاتهامه بالزندقة (أو لمكيدة سياسية) وتقطيع أوصاله وشواء أعضائه على النار أمام عينيه حتى مات.

وفي أحد مقاطع هذا الباب يحكي ابن المقفع عن رحلة برزويه مع الأديان، فهو يشكك أولاً في صحة الدين الذي ورثه عن أبائه ثم يحاول أن يجد مطلبه في غيره، إلى أن ينكر على أهل كل دين أنهم يتحزبون لإيمانهم الذي ولدوا عليه وورثوه عن أبائهم دون تفكير في صحة هذا المعتقد من عدمه، علاوة على ذلك أن أصحاب الديانات المختلفة يتنابذون فيما بينهم ويدعي كل منهم صحة معتقده وبهتان معتقد الآخرين، ولما أعمل عقله لم يجد في أي منها ما يدعو للتسليم به دون غيره، ويتوصل في النهاية إلى أن يكتفي بحسن الخلق مع الناس ورد الأذى عنهم.

أبو بكر محمد بن زكريا الرازي

ربما يكون للحديث عن فلسفة الرازي هنا مجال أكثر من سرد إنجازاته في الطب والكيمياء، وأهم ما له في ذلك كتابان هما “في العلم الإلهي” و”مخاريق النبوة”، لكن معظم ما وصل إلينا منهما ورد في كتب الذين ردوا على أقواله.

وكان الرازي لا يؤمن بالنبوة ويأخذ على عاتقه إثبات التناقض في الكتب المقدسة بداية من التوراة إلى الإنجيل والقرآن، ثم ما يلبث أن يوجه طعنه إلى بقية الديانات الشرقية كالزرادشتيه والمانوية.

أقوال جاهزة

شاركغردلا يعرف الكثيرون أن في التاريخ العربي والإسلامي بعض الملحدين والمتشككين في الأديان السماوية…

شاركغردابن الراوندي، ابن المفقع، الرازي، المعري.. ما الذي دفعهم إلى انتقاد الأديان عامة حتى لم يسلم منهم معتقد من المعتقدات

ورأيُ الرازي في النبوة والأنبياء ينحصر حول قيمة العقل، ففي رأيه أنه ما دام الله قد منحنا العقل وميزنا به عن سائر خلقه وهيأ له القدرة على اكتشاف الخير والشر، فما حاجة الإنسان لنبي يعلمه الشرائع والأخلاق، ثم أن لعقل الإنسان قدرة أيضاً على معرفه الخالق من خلال النظر في خلقه فلا حاجة لإرسال نبي يعلم الناس طريق الله.

ثم يحاول أن يدفع الاعتراضات على كلامه من عدة جوانب، أولها أن الأولَى بحكمة الله وعدله اللذين يؤمن بهما أصحاب الديانات، أن يساوي بين خلقه في القدرة على معرفة الخير والشر، وأن الله إذا ميز بعضهم بهذه الموهبة عن البعض الآخر يكون قد زرع بينهم الشقاق، وهو ما نراه يحدث بين أصحاب المذاهب المختلفة من القتال والنزاع وإراقة الدماء.

وبرأيه إن المسؤول عن ذلك ليس الضعف أو قلة الفهم عند أبناء المعتقدات، إنما خلل في نظرية النبوة نفسها، فالأنبياء في رأيه يبشرون بشرائع وأفكار غير قابلة للجدال والنقاش باعتبارها قادمة من السماء وتحيط بها هالة من التقديس، وهو يرى أن الكثير مما أتى به الأنبياء يخالف الطبيعة الإنسانية والسلام بين بني البشر، بالإضافة إلى ادعاء كل دين استئثاره بالحقيقة منفرداً، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال للشقاق والسجال بين أطراف تتجاذب الحقيقة.

وثانياً: يقول إن أصحاب الأديان يرون أن الناس مراتب وفُضل بعضهم على بعض، ومنهم من يمتاز عن البقية بالعلم، وإذا كان ذلك كذلك فحري بالأنبياء الذين هم أشرف الخلق بأن يمتازوا على الجميع؛ لكن الرازي يرى أن ذلك ليس دليلاً على النبوة، فالناس من وجهة نظره متساوون في القدرة على المعرفة ولا يميز أحدهم عن الآخر إلا الاجتهاد في تحصيلها والقابلية النفسية لإعمال الذهن.

ثالثاً: إن الأنبياء يختلفون فيما بينهم في نواحٍ كثيرة فمنهم من يُؤلِّه المسيح ومنهم من يراه بشراً عادياً ومنهم من يراه زنديقاً كاليهود، ويتساءل كيف لله أن يبعث للناس برسائل متناقضة كل التناقض، وفي الأخير: لا يرى الرازي مبرراً لأن نعلل إيمان معظم البشر بالنبوة كدليل على صدقها، فالناس إما يسلمون بما ورثوه ويتكاسلون عن التحقيق فيه ثم يسلمون به لاعتيادهم عليه ويتحول المعتقد بمرور الأجيال إلى ما يشبه الطبيعة والغريزة في هؤلاء الناس، أو أنهم يخافون بطش رجال الدين والسلطان بهم، أو ينخدعون في المظهر البراق للدعاة والمبشرين والوعاظ، أي أن كثرة العدد ليست دليلاً على صدق المذهب.

وبعض الانتقادات التي يوجهها ابن الرازي للكتب المقدسة نجدها مثلاً في اعتراضه على ما ورد في التوراة عن إصدار الله أوامره لليهود بالقتل وإباحة دماء الشعوب الأخرى، وعلى تشبيههم للذات الإلهية بشخص يحب رائحة شواء اللحم والذبائح وبعجوز أشيب الشعر، وهو ما يناقض تأكيد النبي موسى على أن الله قديم غير مصنوع ولا مؤلف ولا تنفعه المنافع ولا تضره المضار، ثم يعترض على ما جاء في الإنجيل عن المسيح أنه قال “ما جئت لأنقد الناموس بل لأكمله” – قاصدًا بهذا توراة النبي موسى – ثم يقوم المسيح بإلغاء معظم شرائع الناموس من تقديس السبت والأخذ بالثأر وما إلى ذلك، وهو بذلك يحاول إثبات تناقض الإنجيل، ولا يكتفي بهذا فيهاجم عقيدة التثليث والتوحيد في المسيحية باعتبارها غير  متسقة ومتناقضة.

ثم يوجه طعنه للقرآن الكريم على اعتبار ما يراه من تشبيه وتجسيم للذات الإلهية في آيات مثل “الرحمن على العرش استوى”، و قوله “ويحمل عرش ربك يومئذ ثمانية”.

وأنكر الإعجاز اللغوي للقرآن الكريم أيضاً، ورد السؤال التعجيزي المعتاد “إذا كنتم تنكرون إعجاز القرآن فهل لكم أن تأتوا بمثله؟” بسؤال آخر وهو: هل لكم أن تأتوا بمثلما كتب بطليموس وجالينوس؟ وما أراد قوله هو عدم قدرة أي شخص على الإتيان بمثل ما كتبه شخص آخر لأن الأسلوب اللغوي يشبه البصمة ويختلف باختلاف المتحدث.

ويرى عبد الرحمن بدوي أن الرازي لم يولِ بالاً للاجتهادات التي قام بها مشايخ المعتزلة لتأويل هذه الآيات على اعتبار أن لها معنى داخلياً غير معناها الظاهر ينفي عنها التجسيم والتشبيه، فيما يرى الرازي أنها مجرد محاولة من المعتزلة لإنقاذ الموقف، ويزيد على ذلك بأن ينتقد تواتر الروايات عن الرسول في أحاديثه الشريفة، ويدفع بأنه لو سقط شخص من ضمن سلسلة الرواة الطويلة عن النبي نتيجة لذلة أو نسيان، فإن الرواية تسقط بدورها، وهو يرى أن ذلك تسبب بتناقض الروايات النبوية ومن ثم يعفي نفسه من الأخذ بالأحاديث الشريفة جملة.

أبو علاء المعري

يوصف بأنه شاعر العقل في تاريخ الأدب العربي، عُرف عنه إعلاؤه لقيمة العقل فوق العادة والتقاليد وثقته في قدرة الإنسان على التمييز بين الخير والشر دون الحاجة للدين.

ومما كتبه:

يرتجي الناس أن يقوم إمام     ناطق في الكتيبة الخرساء

كذب الظن لا إمام سوى الـ      عقل مشيراً في صبحه والمساء

إنما هذه المذاهب أسبا      بٌ لجذب الدنيا إلى الرؤساء

كما ذهب إلى إنكار الكتب السماوية:

دين وكفر وأنباء تقص وفر       قان وتوراة وإنجيل

في كل جيل أباطيل يدان بها       فهل تفرد يوماً بالهدى جيل؟

ويبدو أنه قد تقلب في مراحل كثيرة بين الشك والإيمان. كذلك، لم يشكك في وجود الله ودائماً ما تحدث عن نعمه وصفاته. ويذكر طه حسين في كتابه “مع أبي العلاء في سجنه” أن المعري كان يسلم بوجود الله ويتحدث عنه بلسان العابد الزاهد الصادق في عبادته.

جابر بن حيان

كان جابر بن حيان كيميائياً بارعاً، ويذكر عبد الرحمن بدوي نقلاً عن المستشرق “كروس” أنه أضاف الكثير إلى الكيمياء اليونانية واتبع منهجاً علمياً يضاهي ذلك الذي ابتدعه العلماء المحدثون في أوروبا، وبناءً على إنجازاته في هذا المجال وصل إلى درجة الاعتقاد في مقدرة الكيمياء على تخليق ما يشبه الكائنات الحية والإنسان، الأمر الذي يذكرنا بالمحاولات الحديثة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وهو أمر قد وضعه عند الناس في طائفة الزنادقة والملحدين.

الشعراء المُجان

ربما لا نجد في شعر هؤلاء الذين أطلق عليهم المُجَّان – نسبة للمجون واللهو – من الشعراء والذين عاشوا في ظل الخلافة الثانية للدولة العباسية، وجهة نظر فكرية واضحة تجاه الأديان، وكان على رأس هؤلاء أبو نواس ومعظم ما ورد عنهم من أدب كان يصب في اتجاه الاستهانة بالأوامر الدينية وربط السعادة الإنسانية بالأمور الأرضية لا بالروحانيات والتصورات السماوية.

المصدر: رصيف 22

برج بابل في التوراة

برج بابل في التوراة

صباح شاكر العكام

sabahshakir alagamتعتبر حضارة وادي الرافدين من اقدم الحضارات التي بناها الانسان القديم كالحضارة السومرية والحضارة الأكدية البابلية والحضارة الآشورية، وان اقدم الاقوام كانت قد استوطنت في هذه الارض فشيدت فيها الكثير من المدن العامرة والمعابد الفخمة، لقد اقامت هذه الاقوام حضارات راقية ففيها وضع اول حرف وأسست اول مدرسة وفيها وضعت اولى الشرائع، ولخصوبة ارضها ووفرة مياهها ازدهرت فيها الزراعة وتربية الحيوانات،ومن هذه المدن مدينة بابل والتي حكم فيها ملوك عظماء مثل حمورابي ونبوخذنصر الثاني وغيرهم اللذين عملوا بجد واخلاص من اجل توحيد ارض بلاد الرافدين واقامة حضارة عظيمة عليها .

لقد جاء في العهد القديم (التوراة) ان هنالك قوم يتكلمون لغة واحدةً قد شدو رحالهم نحو الشرق حتى وصلوا الى ارض شنعار (العراق القديم) وسكنوا فيها، فصنعوا لبناً مشوياً (استخدم في البناء بدل الحجر)، واستخدموا القار بدل الطين لتثبيت اللبن المشوي، فبنوا مدينة فيها برجاً رأسه في السماء. فنزل عليهم الرب ليرى المدينة والبرج فقال لهم بانهم شعب موحد يتكلمون لغة واحدة، فبلبل لسانهم وبددهم على وجه كل الارض فسميت مدينتهم (بابل)، وكما ورد في سفر التكوين في الاصحاح (11): (وكانت الارض كُلُّها لساناً واحداً ولغةً واحدةً * وحدث في ارتحالهم شرقاً أنهم وجدوا بقعة في ارض شنعار وسكنوا هناك * وقال بعضهم لبعض (هلم نصنع لبناً ونشويه شياً) فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الحُمَرُ مكان الطّين * وقالوا: (هَلُّمَ نبن لأنفسنا مدينة وبرجاً رأسه بالسماء ونصنع لأنفسنا اسماً لئلا نتبدّد على وجه كُلّ الارض) * فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما * وقال الربُّ: (هو ذا شعبٌ واحدٌ ولسانٌ واحدٌ لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل . والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يفعلوه * هلُمَّ ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض) * فبدَّدهُم الرّب من هناك على وجه كلّ الارض، فكفُّوا عن بنيان المدينة، لذلك دُعِيَ اسمها (بابل) لأن الرَّبَّ هناك بَلبَلَ لسان كلَّ الارض . ومن هناك بدَّدهم الرَّبُّ على وجه كل الارض .

صباح شاكر العكام

السلفية الشيعية نغمة جديدة

السلفية الشيعية نغمة جديدة

د. حسين ابو سعود

husen abusodعندما رأيت الدين وقد تحول الى مهنة ومصدر للرزق وجسرا لتحقيق الأغراض الذاتية ألزمت نفسي بالعمل المتواضع لإزاحة الغبار عن بعض الحقائق بالدعوة الى تجديد النظر في مسائل دينية وفقهية وتاريخية من خلال تصحيح الخطأ والمفاهيم وتبني مقولات مختلفة باعتماد التحليل الموضوعي للحوادث التاريخية على ان هذه المحاولة يجب ان لا تثير الحساسية السلبية لدى البعض.

اذا كانت السلفية تعني العودة الى السلف الصالح فلن نجد بيننا سلفية حقيقية لا عند السنة ولا عند الشيعة، وقد أفصح السلفيون السنة عن عقائدهم من خلال ممارساتهم وخطاباتهم وأدبياتهم، ولست هنا بصددهم في شيء ولكني صرت اسمع في الآونة الاخيرة نغمة جديدة باسم السلفية الشيعية، يريدون بذلك المتشددين من الشيعة او بعبارة أوضح وافصح (الغلاة) حتى قيل جهلا بان كل من يمارس التطبير واللطم والزحف عند مراقد الأئمة وضرب السلاسل واللعن  هو سلفي شيعي وهذا الفهم الخاطئ للأمور هو خطر كبير فهؤلاء وبكل بساطة هم غلاة الشيعة وليسوا بالسلفية، ومن يضع عالما كبيرا مجتهدا مثل السيد محمد حسين فضل الله في خانة السلفية الشيعية فهو مخطئ، فالسيد فضل الله كان ضد التشدد وضد الغلو، و هو الذي يدعو الى التأسي بالسلف الصالح من حيث التسامح والتعايش والتآخي وتجاوز الخلافات بالتي هي احسن، وان السلفي الحقيقي لا يرتبط بحالة الكراهية للآخرين وازدراءهم، فالسلفي الحقيقي لا يتحمل معنى اخر غير الصفاء والنقاء والطيبة والتسامح، وأما الممارسات التي يرتكبها العامة والخرافات والخزعبلات التي احاطت نفسها بها لا يمكن انصافا ان تنسب الى السلفية الشيعية  على ان السلفية الشيعية الحقيقية لم تأت بعد وأنها ستأتي ولكن على أيدي المثقفين الشيعة وهم كثر ممن يَرَوْن ضرورة التأسي بالإمام علي بن ابي طالب في كل الأمور وتبني نظراته الصائبة الى كل المشاكل وهم اقرب الى الاعتدال منه الى التطرّف  وعندهم الجرأة الكافية لمناقشة الروايات وتصحيحها متخذين بعض المراجع مثلا اعلى لهم مثل السيد محسن الأمين العاملي والسيد فضل الله والسيد محمد باقر الصدر وغيرهم وان الساحة لا تخلو في زمن من الازمان ممن هم  امثالهم من العلماء العاملين الذين يهمهم وحدة الاسلام والمسلمين.

والسلفية في نظري تعني إعمال الفكر وإعادة النظر والتدبر كما فعل ابن عباس مع الخوارج عندما خرج إليهم ودعاهم الى اعادة النظر في الآراء والمواقف فأعاد عدة آلاف منهم الى صفوف الشرعية.

السلفية تعني العودة الى ما قبل عصر التدوين وحشو مئات الألوف من الموضوعات والاكاذيب في احاديث الفريقين على حد سواء وصارت الأمة تعاني منها على مدى قرون، والسلفية اذا كانت  تعني العودة للسلف الصالح فهو شرف وان كان غير ذلك اي التكفير والذبح فهو انتحال وسفه وضياع، وقد اعجبني قيام الزيدية بتطوير وتحوير مذهبهم ليكونوا اقرب الى أهل السنة والجماعة وانا ارى بان على السنة والجماعة ان يقابلوا ذلك بالمثل وكذلك الشيعة عليهم ان يحوروا ويغيروا ويبدلوا (في الأمور الشكلية الظاهرية) ليكونوا اقرب الى اخوانهم المسلمين حتى تسير القافلة بوئام وصفاء وإلا فان هناك اخطار حقيقية تنتظر المسلمين ككل وليس الشيعة  او السنة او الزيدية، فالسلف الصالح ليس عندهم التشدد الموجود لدى سلفية اليوم، وهذا هو الخليفة الثالث عثمان بن عفان يصرف المدافعين عنه حتى لا تراق دماءهم وكذلك الامام الحسين يدفع مناصريه الى التخلي عنه ليلة عاشوراء واتخاذ الليل جملا حرصا على حياتهم، وهذه صور رائعة من التسامح والحرص على الدماء، اذن فهناك خطأ كبير في فهم السلفية، ثم ان السلف ليس كله صالحا فبعض السلف قد ارتد ومنهم من انقلب على عقبيه ومنهم من اثار الفتن وأضرم نيران الحروب وقُتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين وتم نفي ابي ذَر الغفاري وضرب ابن مسعود وغير ذلك من الأمور، ولكن السلف الصالح يعلمنا ان نقول عن البغاة (اخوة لنا بغوا علينا) ويعلمنا ان احد أطراف القتال في الجمل عندما رأى خصمه صريعا وقف عند راْسه وصار يكنيه ويعاتبه بلغة الاسى الشفيقة، والسلف الصالح يوصي بقاتله خيرا ومن السلف الصالح من يقول (قوموني اذا رأيتم فيّ اعوجاجا) والسلف من كان فيهم مثل عمر بن عبد العزيز ومالك الأشتر وسلمان الفارسي وهم آيات عظام في التحلي بالصبر والحلم والتحمل والإنسانية .

وعليه فان السلفية الشيعية لا تعني الغلو والغلاة، والتشيع الحقيقي لا يعني اللعن ابدا ويكفينا في ذلك حادثة عمرو بن الحمق وحجر بن عدي حيث نهاهما الامام علي بن ابي طالب عن اللعن فرضخوا لهذا النهي وعملوا به وفي العصر الحاضر نرى جهود السيد فضل الله ومرتضى العسكري والخامنئي في تحريم اللعن وقد تجاوز السيد السيستاني كل روايات الكراهية فقال عن أهل السنة والجماعة: لا تقولوا عنهم اخواننا بل قولوا أنفسنا.

والحق هو ان لو تخلص بعض الشيعة من آفة اللعن والسب وعادوا الى السلف الصالح لاجتاحوا العالم بالمحبة والتسامح وهي مبادئ دعا اليها أهل البيت على مر العصور ولا سيما انهم الامتداد الطبيعي للرحمة العالمينية المحمدية.

وفي النهاية أقول ان السلفية سلفية والغلاة غلاة ولا يجوز الخلط بينهما تحت اي ستار.

حسين أبو سعود

مفهوم الاغتراب لدى فلاسفة مدرسة فرانكفورت

مفهوم الاغتراب لدى فلاسفة مدرسة فرانكفورت – بقلم: عماد الدين ابراهيم عبد الرازق ([1])

ليس ثمّة شك في أنّ الحضارة المعاصرة قد حققت قدراً لا بأس به من النجاح والتقدّم. لقد استطاعت أن تلبي وتحقق كلّ ما يحلم به الإنسان من مطالب وحاجات، في ظلّ التقدم العلمي والتكنولوجي الذي استطاع أن يسخّر كلّ شيء للإنسان، وأن يصبح الإنسان بواسطة هذا التقدّم التكنولوجي سيّداً للعالم. ومع ذلك فهناك صيحات تنذر بأنّ الحضارة تمرّ بمأزق أو أزمة كما رأى “هابرماس”.

فقد أعلن “اشفيتزر” “SCHWEITZER” مثلاً أننا نعيش اليوم في ظلّ انهيار الحضارة. وأعلن “اشبنجلر” “Spengler” أنّ الحضارة تدخل الآن مرحلة التداعي، وقد حكم عليها بالموت والدمار. وصرّح نيتشه “Nietzsche” أنّها تسير إلى الهاوية. إنّ الحضارة المعاصرة ـ على حد تعبير “اشفيتسر” ـ أشبه بالسفينة التي نمخر بها في تيار مليء بالأمواج العاتية تحت شلال هائل، ولا بد من مجهودات جبارة لإنقاذها من المجرى الجانبي الخطير الذي سمحنا لها بالانطلاق فيه، ومن إعادتها إلى المجرى الرئيس إن كان ثمّة أمل في ذلك.

على الرغم من التقدّم التكنولوجي لهذه الحضارة المعاصرة إلا أنّ الإنسان أصبح ترساً في آلة، أصبح شيئاً من الأشياء، فقد ذاته وشعر بالاغتراب، فقد هويته وأصبح في ظلّ هذا التقدم التكنولوجي ليس له قيمة، وليس له وجود حقيقي؛ من هنا شعر بالاغتراب. وقد تعدّد هذا المفهوم وتنوّع عند فلاسفة مدرسة فرانكفورت، وحمل أسماء مختلفة لمعنى واحد وهو الاغتراب.

أولاً: هابرماس ونقد العقلانية التكنولوجية في المجتمع الرأسمالي

قدّم “هابرماس” تشخيصاً للمجتمع الرأسمالي الذي أصبحت السيادة فيه لعلاقات وقوى الإنتاج، وأصبح الإنسان فيه ليس له قيمة، وليس له وجود حقيقي، وركز على ظاهرة الهيمنة التكنولوجية “التقنية” والعقل الأداتي Instrumental Reason. وأشار “هابرماس” في الفصل الثاني من كتابه “العلم والتقنية بوصفهما أيديولوجية” إلى أنّ “ماكس فيبر” حين قدّم مفهوم العقلانية كان يقصد تحديد شكل النشاط الاقتصادي الرأسمالي، وقانون حق الملكية الخاصة، والعقلانية تعني في المقام الأول اتساع نظام المجالات الاجتماعية التي تخضع لمعايير القرار الرشيد، ويتلاءم مع هذا تصنيع العمل الاجتماعي، وما يتبعه من تغلغل معايير الفعل الأداتي في مجالات حياتية أخرى، والأمر عموماً يتعلق بهيمنة نمط من الفعل الموجّه نحو الهدف الذي يشير إلى تنظيم الوسائل والاختيار بين البدائل([2]).

ويرى “هابرماس” أنّه بقدر تغلغل التقنية في مجالات الحياة الاجتماعية، وما يترتب على ذلك من تغيير في المؤسسات الاجتماعية ذاتها بقدر ما تتقوض الشرعية القديمة لتحل محلها شرعية جديدة([3]).

هنا نرى أنّ ثمّة اعتراضاً واضحاً من جانب “هابرماس” على تغلغل التقنية في جميع مجالات الحياة، ممّا ترتّب عليه شعور الإنسان بالاغتراب، لأنّه أصبح آلة أو لأنّ قيمته أصبحت تقاس بما ينتجه، ولكن ليس معنى رفض “هابرماس” للتكنولوجيا أنه يستبعدها تماماً من الحياة، بل يريد أن تعمل إلى جانب شعور الإنسان بذاته، يريد أن يكبح هذا التغلغل التكنولوجي في مجالات الحياة.

من هنا يرى أنّ التطور التقني يخضع لمنطق يتبع بنية الفعل العقلاني الموجّه نحو الهدف، والخاضع لمراقبة النجاح، أي أنّه يتبع بنية العمل، وبما أنّ تنظيم الطبيعة الإنسانية لا يتغير، فإنّنا ينبغي أن نحافظ على حياتنا من خلال العمل الاجتماعي، وبمساعدة الأدوات([4]).

ثم ينطلق “هابرماس” من فكرة سيطرة وهيمنة التقنية على عالم الحياة إلى نقد فكرة العقل الأداتي، وكذلك نقد هيمنة التكنولوجيا التي أدّت إلى اغتراب الإنسان المعاصر.

فالعقل الأداتي بوجه عام هو منطق في التفكير، وأسلوب في رؤية العالم، ويعتبر هو الأسلوب الذي يحكم العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، وهو الذي يسيطر على التفكير في المجتمع الصناعي المتقدّم، وفيه يخضع الإنسان للتكنولوجيا خضوعاً تاماً، ولقد نقد “هابرماس” مفهوم العقل الأداتي، وكذلك مفهوم العقلانية الأداتية. ويصف “هابرماس” عملية التحديث في الغرب على أنّها أدّت إلى زيادة في العقلانية الأداتية، وإلى التوسع في نطاق الفعل الأداتي في مجال الاقتصاد والإدارة، والعلم والتكنولوجيا على حساب العقلانية التواصلية في المجال الاجتماعي([5]).

ويلاحظ “هابرماس” أنّ السلطة بمعناها العام أصبحت تعتمد على شرعية مصدرها السوق، وقوانين السوق، أي تحوّل مصدر الشرعية من عالم الحياة الاجتماعية للمجتمع التقليدي الذي يسود فيه الفعل التواصلي إلى عالم الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا الذي يسود فيه الفعل الأداتي والعقلانية الأداتية([6]).

ويستمر “هابرماس” في نقده للتقدم العلمي والتكنولوجي، فقد أصبحا في نظره يشكلان الأيديولوجيا الجديدة، وقد صاحب الدورُ الأيديولوجي للعلم والتكنولوجيا وعياً تكنوقراطياً “Technocratic” أي “حكومة الفنيين”، هذا الوعي يعمل على حل القضايا الاجتماعية على أنها مسائل تحلّ بمنطق أداتي، أي بوسائل تقنية، كما صاحبه عزل الجماهير عن عملية اتخاذ القرار([7]).

ويشير في كتابه “العلم والتكنولوجيا كأيديولوجيا” إلى أنّ العقلانية قد لعبت دوراً هاماً في المجتمعات الرأسمالية الغربية، وأنّها سيطرت على جميع مجالات الحياة الاجتماعية، وأصبح كلّ شيء في المجتمع الرأسمالي يخضع للتقدم العلمي والتكنولوجي، ومن هنا أصبح يشعر الإنسان في ظلّ هذا التقدم التكنولوجي بالاغتراب، والبعد عن ذاته، وأنّه مثله مثل الآلة التي تقوم بالإنتاج، ويقرّ “هابرماس” بأنّ العلم والتكنولوجيا قد تعاظما إلى درجة أصبحا معها أهمّ قوة إنتاجية، وبالتالي صارت علاقاتهما بالممارسة الاجتماعية وبعالم الحياة اليومية محلّ تساؤل، فالقوى الجديدة لسلطة التصرف التقني المتزايدة تظهر نوعاً من عدم التلاؤم بين نتائج عقلانية عالية التوتر، وبين أهداف لا رؤية فيها، وأنساق قيمية جامدة، وأيديولوجيات واهنة([8]).

وخلاصة القول: إنّ “هابرماس” انتقد فكرة العقل الأداتي، وأسلوب تفكيره، ورؤيته الشاملة، وسيطرته على جميع مجالات الحياة. ويرى أنّه رغم تقدم العلم والتكنولوجيا وما حققاه من نتائج مبهرة في جميع مجالات الحياة، إلا أنهما أخضعا الإنسان لسيطرتهما، وأضحى الإنسان في ظلّ التقدم التكنولوجي آلة يخضع لقوانين هذه الأداة، ونقد العقل الأداتي والسيطرة التكنولوجية عند “هابرماس” تذكرنا بالفكرة نفسها التي نسج منها “لوكاتش” “Lukács” فكرته عن التشيؤ.

ثانياً: التشيؤ عند لوكاتش “Reification”

التشيؤ عند لوكاتش يعني أنّ المجتمع يجب عليه أن يشبع حاجاته عن طريق تبادل السلع، وهذا يتطلب أن يتم تنظيم المجتمع كله وفق نموذج علاقاته الاقتصادية وبالتالي تعم ظاهرة التشيؤ.

كما يعرف “لوكاتش” التشيؤ أيضاً بأنه تحول الصفات الإنسانية إلى أشياء جامدة واتخاذها لوجود مستقل، واكتسابها لصفات غامضة غير إنسانية([9]).

إذاً التشيؤ يعني هنا اغتراب الإنسان في ظل العلاقات الرأسمالية حيث لم تعد السلع تقاس بقيمتها الواقعية، وإنما تتحدد بقيمة مجردة تحدّدها السوق.

ويرى “لوكاتش” أنّ هذه الفكرة تشكل نقداً أخلاقياً قوياً للنظام الرأسمالي، يجعله نظاماً يحوّل البشر إلى أشياء يمكن أن تباع وتشترى، وفي هذه الفكرة أيضاً يصبح العالم الاجتماعي عالم الأشياء، شأنه في ذلك شأن عالم الأشياء أو العالم الطبيعي، ويصبح المجتمع يمثل “طبيعة ثانية” إلى جانب العالم الطبيعي الأصلي، ويبدو كما لو أنه مستقل عن الفعل الإنساني شأنه في ذلك شأن استقلال قوانين الطبيعة([10]).

هنا نرى أنّ “التشيؤ” يحوّل الإنسان إلى شيء من الأشياء، وتصبح قيمة الإنسان تقاس بما ينتجه من سلع. ويشعر الإنسان بالاغتراب وفقدان الذات في ظل ظاهرة التشيؤ. وقد أكد أيضاً أنّ التشيؤ يصيب نظرة الناس إلى مجتمعهم، إذ ينظرون إلى المجتمع على أنه محكوم بقوانين طبيعية ثابتة لا تتغير، لكنها في الحقيقة قوانين خاصة بفترة تاريخية معينة، وهي فترة سيادة أسلوب الإنتاج الرأسمالي([11]).

من هنا يتضح لنا أنّ التشيؤ ظاهرة عامة تتحكم في الوعي الإنساني، ويصبح الإنسان من خلالها مثله مثل أي شيء، وتقاس قيمته بما ينتجه من سلع، وبناء على ذلك يشعر الإنسان بالاغتراب عن ذاته؛ كذلك أصبحت العلاقات الاقتصادية هي التي تتحكم في مجالات الحياة حتى المجالات الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية.

ثالثاً: الاغتراب عند ماركس “Alienation

يرى ماركس أنّ الاغتراب يحدث بشكل عام حينما تسيطر على الإنسان البيئة الاجتماعية التي أوجدها بيده، ولقد رأى أنّ هذه الظاهرة تحدث بصفة خاصة في المجتمع الرأسمالي؛ إذ ينفصل البشر ولا يسيطرون على ما ينتجون، وينفصلون عن بعضهم بعضاً، وتفقد جماعية العمل معالمها.

كما يرى “ماركس” أنّ البشر من خلال ظاهرة الاغتراب لا يسيطرون أيضاً على ناتج عملهم، وينقطعون عن قدرتهم واتخاذ القرارات، بل يبدو كما لو أنهم مجبرون على العمل من قبل أناس آخرين. الاغتراب كذلك حالة يصبح فيها البشر دمى للنظم الاجتماعية التي صنعوها بأيديهم([12]).

من هذا يتضح لنا أنّ ظاهرة الاغتراب يصبح فيها الإنسان مثل أي سلعة أو أي شيء ينتجه، وينفصل الإنسان عما ينتجه، وتصبح العلاقات الاجتماعيـة بين البشر خاضعة للعلاقات الإنتاجية.

رابعاً: ماركيوز والإنسان ذو البعد الواحد

كذلك نرى أنّ فكرة التشيؤ عند “لوكاتش” أو الاغتراب عند ماركس هي الفكرة نفسها التي انطلق منها “ماركيوز” في فكرته عن الإنسان ذي البعد الواحد “One Dimensional Man”.

فالأطروحة الأساسية “لماركيوز” في “الإنسان ذو البعد الواحد” تنبثق من التفاقم اللامحدود لسلطة الآلة في المجتمعات الصناعية الكبرى المتقدمة، فيرى تحول الإنسان في ظل هذا التقدم التكنولوجي إلى بعد واحد يمثل البعد التقني لسلطة الآلة، بحيث تفرز نمطاً من العلاقة بين الفـرد والمؤسسات التي تتحكم بتنظيمه الاجتماعي ووجوده اليومي، وتجعل وعيه يتموضع في نقطة محددة وموجهة نحو الهدف الذي ترسمه الدولة ومؤسساتها([13]).

من هنا نرى أنّ سلطة الآلة قد طغت على كل شيء في الحياة، وحددت مجالات وأهداف الإنسان، وتحول الإنسان إلى بُعد واحد فقط، هو جانب الآلة.

ولقد تحدث “ماركيوز” عن وسائل السيطرة والهيمنة الجديدة للدولة ومؤسساتها داخل المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، وهيمنة الآلة الصناعية الكبيرة والاتجاه الاستهلاكي الساحق الذي ينجح في نزعة من الذوبان داخل تياره المتمكن، بحيث أصبح الإنسان في ظله يخضع لقوانين الإنتاج، وقيمته تتحدد بقوانين السوق والسلع. ورأى أنّ سلطة الدولة أصبحت أكثر اتساعاً، فكما حدث تقدم في وسائل الإنتاج، وفي العلم والتكنولوجيا، حدث تقدم مماثل في إدارة الدولة وفي قدرتها على القمع، وقد عمل التقدم الصناعي الحديث على تشويه طبقتي البرولتاريا والبورجوازية وتشويه العلاقة بينهما([14]).

إذن من الواضح أنّ الإنسان هنا أصبح ذا بعد واحد كما يسميه “ماركيوز”، بعد يعتمد على التقدم التكنولوجي والعلمي، يقاس بما يتمّ إحرازه من إنتاج للسلع، وبهذا أصبح الإنسان مغترباً عن ذاته، بل منفصلاً عما ينتجه من سلع وإنتـاج، وأصبحت العلاقات الاجتماعية ترتبط بقوانين الإنتاج، ومن هنا حدث تشويه لقيم الإنسان وجوهره الحقيقي، بل أصبح هناك تفكك اجتماعي واضح في المجتمعات الرأسمالية الغربية، وانعدمت القيم الحقيقية.

وتلك الفكرة عن ضياع الإنسان، وفقدانه لذاته وشعوره بالاغتراب في ظلّ النظام الرأسمالي المتقدم، وفي ظلّ سيطرة وهيمنة التكنولوجيا والتقدم العلمي على كل مجالات الحياة نجد لها مثيلاً عن مفهوم “هوركهايمر” وحديثه عن نهاية الفرد “The End of Individual”.

خامساً: هوركهايمر ونهاية الفرد

رأى “هوركهايمر” أنّ الفرد في ظل المجتمع الرأسمالي الحديث يعاني من أزمة عميقة، هي اضمحلال أهميته، فقد كان النظام الرأسمالي في بداية ظهوره يعتمد على المجهود الشخصي والأفعال المستقلة للأفراد، ولذلك كان هناك أساس اقتصادي قوي للفردية، أمّا الآن ومع انتهاء الرأسمالية الليبرالية، وظهور رأسمالية الدولة، فقد اختفى الأساس الاقتصادي للفردية، إذ أصبحت الرأسمالية لا تعتمد على الأفراد، بل على وحدات إنتاجية أكبر مثل الشركات والمؤسسات([15]).

هنا نجد ضياع الفرد واغترابه بسبب سيطرة الآلة والمؤسسات الكبرى على مجالات الحياة، فالنظام الرأسمالي هو نظام يقضي على شعور الإنسان بذاته، لأنه يعتمد بصورة أساسية على الآلة؛ وهذه وجهة نظر هوركهايمر.

وبتلك الوسيلة يرى “هوركهايمر” أنّ على الفرد أن يتكيّف مع هذا الوضع الجديد، لأنّه فرض عليه الاندماج في نظم اجتماعية واقتصادية لكي يستمر في البقاء، وتحولت قيمة من قيم تسعى لتحقيق الذات، وتشكيل المصير الشخصي، وتحقيق الإمكانات الفردية من إبداع وابتكار وخلق، إلى قيم تسعى للامتثال والتكيف مع الوضع القائم([16]).

ويؤكد “هوركهايمر” على الفكرة نفسها من خلال مفهوم “خسوف العقل” “Eclipse of Reason” أو اضمحلال العقل. لأنّ العقل أصبح يتعامل مع مجالات المادة، وتمّ استبدال عملية اكتشاف المعنى بعملية التدريب على الوظائف، ومع سيادة التصور الأداتي عن العقل تتحول الملكات الذهنية إلى وظائف، أي إلى نوع من التقنية تتطلب التدريب عليها لممارستها جيداً، كما تتطلب الخبير الذي يتخصص في جزئية صغيرة من العمليات العقلية بدلاً من الشخصية الإنسانية الكاملة، وبتفتيت العمليات العقلية إلى أجزاء، وتحول هذه الأجزاء إلى اختصاصات لخبراء يتم تشيؤ العقل وتحوّله إلى آلة([17]).

وهنا نرى سيطرة وهيمنة الآلة على كل شيء، وتحول الإنسان إلى شيء من الأشياء، وفقدان قيمته الحقيقية، علاوة على شعوره بالاغتراب، وتحول القيم الإنسانية إلى قيم مادية.

أيضاً نجد لهذه الفكرة عن تشيؤ الإنسان واغترابه صدى لما تحدّث عنه كلّ من “هوركهايمر” و”أدورنو” في فكرتهما عن صناعة الثقافة “Culture Industry” أو “الثقافة الجماهيرية وخداع الجماهير”.

فقد رأى “هوركهايمر”، و”أدورنو” أنّ وسائل الاتصال الجماهيري هذه من أدوات النظام الرأسمالي التي يفرض بها الهيمنة على المجتمع. واعتبر “هوركهايمر، وأدورنو” أنّ الثقافة الجماهيرية “Mass Culture” هي جزء من النظام الأيديولوجي الذي يعمل على إخضاع وعي الجماهير للسلطة القائمة والتسليم بها، فتعمل السينما والإذاعة والصحف والمجلات على تأكيد القيم الثقافية التقليدية للمجتمع، وخلق حاجات جديدة للفرد عن طريق الدعاية والإعلان، ويحاول إشباعها بمزيد من الانصياع لقواعد اللعبة، أي ربطه بدائرة المجتمع الاستهلاكي([18]).

أشار كلّ من “هوركهايمر، وأدورنو” إلى أنّه بينما كانت الثقافة طوال التاريخ الأوروبي من فن وأدب ومسرح باعثة على الأمل في مستقبل أفضل وداعية إلى قيم العقل والحرية والتحرر من كل ما يقيّد النمو الحر للفرد، ومحتوية على عنصر يوتوبي يجعل العقل حكماً على الواقع، انتهى كل ذلك مع نمط الثقافة الجديدة التي تنشرها وسائل الاتصال الجماهيري، فقد اختفى البعد اليوتوبي، وأصبح هدف هذه الثقافة هو التسلية وإمضاء وقت الفراغ([19]).

ورأى أدورنو أنّ السيطرة التكنولوجية تتوسط جوهر الثقافة الحديثة، التي تعتبر بدورها توسطاً تكنولوجياً مستنزفاً من خلال وسط جماهيري، وقد لاحظ أيضاً أنّ تكنولوجيا الثقافة لا تحدث من خلال مجالات أو قطاعات معينة، ولكنها تحدث داخل الحضارة ككل، وفي ضوء الوسط الجماهيري، لا تتحدث الحضارة إلا عن صوت واحد متحكم هو صوت العقلانية التكنولوجية([20]).

من هنا نرى أنّ التكنولوجيا والتقدم العلمي قد دخلا في كل مجالات الحياة الاجتماعية حتى الحياة الثقافية، وهذا أمر خطير، لأنّ تحديد الثقافة وأهدافها والسيطرة عليها من خلال أجهزة الدولة ووسائل الإعلام يقضي على عمليات الإبداع الفكري.

خلاصة القول: إنّه رغم التقدم العلمي والتكنولوجي في المجتمعات الرأسمالية إلا أنّ هذا التقدم لم يمنع من تعرّض هذه المجتمعات لأزمات مختلفة ومتعددة. ورغم هذا التقدم التكنولوجي والعلمي وسيطرته على جميع مجالات الحياة، إلا أنّ هذا التقدم جعل الإنسان يشعر بالاغتراب، بل أضحى الإنسان آلة أو ترساً في آلة، وأصبحت قيمته الحقيقية تقاس بمدى ما يحقق من إنتاج، وهنا حدثت أزمة في القيم، لأنّ قيمة الإنسان الحقيقية أصبحت تقاس بعلاقات الإنتاج وقوانين السلع وتبادلها، ومن هنا ظهرت مفاهيم تشيؤ واغتراب الإنسان عمّا ينتجه من سلع. وفي ظلّ هذا الاغتراب وسيطرة السلع وعلاقات السوق على مجالات الحياة أصبح الإنسان لا يشعر بوجوده الحقيقي، ولا يشعر بإبداعه وقيمته الحقيقية، كما أصبح كيان الإنسان مهدداً باستمرار رغم هذا التقدّم العلمي والتكنولوجي، فالتقدّم العلمي والتكنولوجي ألقى بظلاله على كلّ شيء، حتى على العلاقات الاجتماعية، ومن هنا شعر الإنسان بالاغتراب والبعد عن ذاته.


([1]) هذا المقال سبق نشرة في مجلة يتفكرون عدد 6

[2] د. فتحي أبوالعينين: هابرماس وتحرير الوعي الاجتماعي، مجلة إبداع، العدد الخامس، مايو، 1998، ص 68

[3] Habermas: Science and Technology of Ideology “in theory and practice, Beacon Press, 1974, P. 1322.

[4] د. فتحي أبوالعينين: مرجع سابق، ص 69

[5] Habermas: Legitimating Crisis, Trans by. Thomas McCarthy, Heinemann, London, 1979, P. 23-255.

[6] أيان كريب: النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة. د. محمد حسين غليوم، عالم المعرفة، الكويت، 1999، ص 316

[7] Habermas: Legitimating Crisis, P. 36.

[8] Habermas: Science and Technology, P. 194.

[9] Lukács. (G): History and Class Consciousness, Translated by. Rodney Livingston, Marline Press, London, P. 1122.

[10] Lukács. (G): History and Class Consciousness, P. 112.

[11] Ibid: P. 172.

[12] كارل ماركس: رأس المال، ترجمة فالح عبد الجبار وآخرين، المجلد الأول، الجزء الثاني، دار التقدم، موسكو، ص 108

[13] Marcuse. (H): “One Dimensional Man” Beacon Press, Boston, 1966, P. 158.

[14] ماركيوز “الإنسان ذو البعد الواحد”، ترجمة. جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت، 1971، ص 66

[15] Lehman. (G): The Failure of Self Realization on Interpretation of Horkheimer Eclipse of Reason, Oxford, 1941, P. 2399.

[16] Horkheimer (M): The End of Reason, Oxford, 1918, P. 132.

[17] Ibid: P. 132.

[18] Horkheimer and Adorno: “The Culture Industry”: Enlightenments Mass Deception in Dialectics of Enlightenment, New York, 1973, P. 1200.

[19] Ibid: P. 121.

[20] Horkheimer and Adorno: Op. Cit., P. 125.

المصدر: مؤسسة مؤمنون بلا حدود