أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام

أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام

تعرّف على أفكار أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام – بقلم: يونان سعد

ربما لا يعرف الكثيرون أن في التاريخ العربي والإسلامي بعض الملحدين والمتشككين في الأديان السماوية. فالتاريخ الرسمي اهتم بتوثيق الأحداث ليظهر أن تاريخ الدول الإسلامية هو تاريخ للإيمان، بينما تجاهل المؤرخون حيناً المتشككين وأصابوهم بالتشوية في أحيان أخرى، وحُرقت معظم كتبهم أو اختفت.

لكن عبد الرحمن بدوي في كتابه “تاريخ الإلحاد في الإسلام” يحاول من مصادر عدة تجميع أخبارهم وأفكارهم، وهو الأمر الذي يخرج عن نطاق الدفاع عنهم أو الهجوم عليهم، إلى محاولة التوثيق لهم باعتبارهم جزءاً من هذه الحضارة الغنية، أثروا فيها وتأثروا بها، وكونوا حراكاً داخلها تأثر به حتى المدافعون عن الدين أنفسهم من شيوخ الدين والمتكلمين واضطرتهم إلى تطوير أدواتهم حتى تتناسب بقدر الإمكان مع العلم الحديث والفلسفة الوافدة وروح العصر، مما وقع في مصلحة العامة وأثرى حضارتهم.

والإلحاد الذي يقصده عبد الرحمن بدوي يختلف عن الإلحاد بمعناه المعروف أي إنكار الذات الإلهية، وهو يحاول تمييز حركة الإلحاد لدينا عن تلك التي حدثت في الغرب، فبينما سعى الملحدون هناك إلى هدم الفكرة الأساسية التي يقوم عليها التدين عندهم وهي وجود الإله، قصد الملحدون في تاريخنا إلى التشكيك في فكرة النبوة وهدمها، على اعتبار أن التدين في الشرق كان قائماً على هذه الفكرة في الأساس.

فما الذي دفع هؤلاء إلى انتقاد الأديان عامة حتى لم يسلم منهم معتقد من المعتقدات الشرقية؟ وما هي اعتراضاتهم عليها؟ في ما يلي أهم أفكارهم دون التعرض لمدى صحتها أو بطلانها.

لعلّ ابن الراوندي الذي شكك في النبوة، وأنكر الديانات السماوية وانتقد القرآن الكريم والسنة النبوية بإسلوب لاذع، هو أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام، خاصةً أن آراءه وصلت إلينا من خلال عرضها في كتب هدف مؤلفوها إلى دحضها. وقد أفردنا له موضوعاً خاصاً في رصيف222.

ابن المقفع

لم يكن ابن المقفع  ملحدًا بمعنى إنكار وجود الإله والبعث والقيامة، وتقريباً كل ما ينسب إليه في هذا الإطار مدون في فصل من كتاب “كليلة ودمنة” الذي قام بترجمته بنفسه عن الفارسية إلى العربية، وهو الفصل الذي يعرف بباب “برزويه كما ترجمه الوزير بزرجمهر بن خلكان” وتدور معظم الشكوك حول أن ابن المقفع كتبه بنفسه ونسبه للكتاب حتى يخفي فيه أفكاره المتشككة في الأديان.

وينقل عن الخليفة المهدي (158-  169ه) قوله بأنه لا توجد زندقة إلا ولها أصل في هذا الباب الذي كتبه ابن المقفع، وهو الفصل نفسه الذي أدى لاتهامه بالزندقة (أو لمكيدة سياسية) وتقطيع أوصاله وشواء أعضائه على النار أمام عينيه حتى مات.

وفي أحد مقاطع هذا الباب يحكي ابن المقفع عن رحلة برزويه مع الأديان، فهو يشكك أولاً في صحة الدين الذي ورثه عن أبائه ثم يحاول أن يجد مطلبه في غيره، إلى أن ينكر على أهل كل دين أنهم يتحزبون لإيمانهم الذي ولدوا عليه وورثوه عن أبائهم دون تفكير في صحة هذا المعتقد من عدمه، علاوة على ذلك أن أصحاب الديانات المختلفة يتنابذون فيما بينهم ويدعي كل منهم صحة معتقده وبهتان معتقد الآخرين، ولما أعمل عقله لم يجد في أي منها ما يدعو للتسليم به دون غيره، ويتوصل في النهاية إلى أن يكتفي بحسن الخلق مع الناس ورد الأذى عنهم.

أبو بكر محمد بن زكريا الرازي

ربما يكون للحديث عن فلسفة الرازي هنا مجال أكثر من سرد إنجازاته في الطب والكيمياء، وأهم ما له في ذلك كتابان هما “في العلم الإلهي” و”مخاريق النبوة”، لكن معظم ما وصل إلينا منهما ورد في كتب الذين ردوا على أقواله.

وكان الرازي لا يؤمن بالنبوة ويأخذ على عاتقه إثبات التناقض في الكتب المقدسة بداية من التوراة إلى الإنجيل والقرآن، ثم ما يلبث أن يوجه طعنه إلى بقية الديانات الشرقية كالزرادشتيه والمانوية.

أقوال جاهزة

شاركغردلا يعرف الكثيرون أن في التاريخ العربي والإسلامي بعض الملحدين والمتشككين في الأديان السماوية…

شاركغردابن الراوندي، ابن المفقع، الرازي، المعري.. ما الذي دفعهم إلى انتقاد الأديان عامة حتى لم يسلم منهم معتقد من المعتقدات

ورأيُ الرازي في النبوة والأنبياء ينحصر حول قيمة العقل، ففي رأيه أنه ما دام الله قد منحنا العقل وميزنا به عن سائر خلقه وهيأ له القدرة على اكتشاف الخير والشر، فما حاجة الإنسان لنبي يعلمه الشرائع والأخلاق، ثم أن لعقل الإنسان قدرة أيضاً على معرفه الخالق من خلال النظر في خلقه فلا حاجة لإرسال نبي يعلم الناس طريق الله.

ثم يحاول أن يدفع الاعتراضات على كلامه من عدة جوانب، أولها أن الأولَى بحكمة الله وعدله اللذين يؤمن بهما أصحاب الديانات، أن يساوي بين خلقه في القدرة على معرفة الخير والشر، وأن الله إذا ميز بعضهم بهذه الموهبة عن البعض الآخر يكون قد زرع بينهم الشقاق، وهو ما نراه يحدث بين أصحاب المذاهب المختلفة من القتال والنزاع وإراقة الدماء.

وبرأيه إن المسؤول عن ذلك ليس الضعف أو قلة الفهم عند أبناء المعتقدات، إنما خلل في نظرية النبوة نفسها، فالأنبياء في رأيه يبشرون بشرائع وأفكار غير قابلة للجدال والنقاش باعتبارها قادمة من السماء وتحيط بها هالة من التقديس، وهو يرى أن الكثير مما أتى به الأنبياء يخالف الطبيعة الإنسانية والسلام بين بني البشر، بالإضافة إلى ادعاء كل دين استئثاره بالحقيقة منفرداً، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال للشقاق والسجال بين أطراف تتجاذب الحقيقة.

وثانياً: يقول إن أصحاب الأديان يرون أن الناس مراتب وفُضل بعضهم على بعض، ومنهم من يمتاز عن البقية بالعلم، وإذا كان ذلك كذلك فحري بالأنبياء الذين هم أشرف الخلق بأن يمتازوا على الجميع؛ لكن الرازي يرى أن ذلك ليس دليلاً على النبوة، فالناس من وجهة نظره متساوون في القدرة على المعرفة ولا يميز أحدهم عن الآخر إلا الاجتهاد في تحصيلها والقابلية النفسية لإعمال الذهن.

ثالثاً: إن الأنبياء يختلفون فيما بينهم في نواحٍ كثيرة فمنهم من يُؤلِّه المسيح ومنهم من يراه بشراً عادياً ومنهم من يراه زنديقاً كاليهود، ويتساءل كيف لله أن يبعث للناس برسائل متناقضة كل التناقض، وفي الأخير: لا يرى الرازي مبرراً لأن نعلل إيمان معظم البشر بالنبوة كدليل على صدقها، فالناس إما يسلمون بما ورثوه ويتكاسلون عن التحقيق فيه ثم يسلمون به لاعتيادهم عليه ويتحول المعتقد بمرور الأجيال إلى ما يشبه الطبيعة والغريزة في هؤلاء الناس، أو أنهم يخافون بطش رجال الدين والسلطان بهم، أو ينخدعون في المظهر البراق للدعاة والمبشرين والوعاظ، أي أن كثرة العدد ليست دليلاً على صدق المذهب.

وبعض الانتقادات التي يوجهها ابن الرازي للكتب المقدسة نجدها مثلاً في اعتراضه على ما ورد في التوراة عن إصدار الله أوامره لليهود بالقتل وإباحة دماء الشعوب الأخرى، وعلى تشبيههم للذات الإلهية بشخص يحب رائحة شواء اللحم والذبائح وبعجوز أشيب الشعر، وهو ما يناقض تأكيد النبي موسى على أن الله قديم غير مصنوع ولا مؤلف ولا تنفعه المنافع ولا تضره المضار، ثم يعترض على ما جاء في الإنجيل عن المسيح أنه قال “ما جئت لأنقد الناموس بل لأكمله” – قاصدًا بهذا توراة النبي موسى – ثم يقوم المسيح بإلغاء معظم شرائع الناموس من تقديس السبت والأخذ بالثأر وما إلى ذلك، وهو بذلك يحاول إثبات تناقض الإنجيل، ولا يكتفي بهذا فيهاجم عقيدة التثليث والتوحيد في المسيحية باعتبارها غير  متسقة ومتناقضة.

ثم يوجه طعنه للقرآن الكريم على اعتبار ما يراه من تشبيه وتجسيم للذات الإلهية في آيات مثل “الرحمن على العرش استوى”، و قوله “ويحمل عرش ربك يومئذ ثمانية”.

وأنكر الإعجاز اللغوي للقرآن الكريم أيضاً، ورد السؤال التعجيزي المعتاد “إذا كنتم تنكرون إعجاز القرآن فهل لكم أن تأتوا بمثله؟” بسؤال آخر وهو: هل لكم أن تأتوا بمثلما كتب بطليموس وجالينوس؟ وما أراد قوله هو عدم قدرة أي شخص على الإتيان بمثل ما كتبه شخص آخر لأن الأسلوب اللغوي يشبه البصمة ويختلف باختلاف المتحدث.

ويرى عبد الرحمن بدوي أن الرازي لم يولِ بالاً للاجتهادات التي قام بها مشايخ المعتزلة لتأويل هذه الآيات على اعتبار أن لها معنى داخلياً غير معناها الظاهر ينفي عنها التجسيم والتشبيه، فيما يرى الرازي أنها مجرد محاولة من المعتزلة لإنقاذ الموقف، ويزيد على ذلك بأن ينتقد تواتر الروايات عن الرسول في أحاديثه الشريفة، ويدفع بأنه لو سقط شخص من ضمن سلسلة الرواة الطويلة عن النبي نتيجة لذلة أو نسيان، فإن الرواية تسقط بدورها، وهو يرى أن ذلك تسبب بتناقض الروايات النبوية ومن ثم يعفي نفسه من الأخذ بالأحاديث الشريفة جملة.

أبو علاء المعري

يوصف بأنه شاعر العقل في تاريخ الأدب العربي، عُرف عنه إعلاؤه لقيمة العقل فوق العادة والتقاليد وثقته في قدرة الإنسان على التمييز بين الخير والشر دون الحاجة للدين.

ومما كتبه:

يرتجي الناس أن يقوم إمام     ناطق في الكتيبة الخرساء

كذب الظن لا إمام سوى الـ      عقل مشيراً في صبحه والمساء

إنما هذه المذاهب أسبا      بٌ لجذب الدنيا إلى الرؤساء

كما ذهب إلى إنكار الكتب السماوية:

دين وكفر وأنباء تقص وفر       قان وتوراة وإنجيل

في كل جيل أباطيل يدان بها       فهل تفرد يوماً بالهدى جيل؟

ويبدو أنه قد تقلب في مراحل كثيرة بين الشك والإيمان. كذلك، لم يشكك في وجود الله ودائماً ما تحدث عن نعمه وصفاته. ويذكر طه حسين في كتابه “مع أبي العلاء في سجنه” أن المعري كان يسلم بوجود الله ويتحدث عنه بلسان العابد الزاهد الصادق في عبادته.

جابر بن حيان

كان جابر بن حيان كيميائياً بارعاً، ويذكر عبد الرحمن بدوي نقلاً عن المستشرق “كروس” أنه أضاف الكثير إلى الكيمياء اليونانية واتبع منهجاً علمياً يضاهي ذلك الذي ابتدعه العلماء المحدثون في أوروبا، وبناءً على إنجازاته في هذا المجال وصل إلى درجة الاعتقاد في مقدرة الكيمياء على تخليق ما يشبه الكائنات الحية والإنسان، الأمر الذي يذكرنا بالمحاولات الحديثة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وهو أمر قد وضعه عند الناس في طائفة الزنادقة والملحدين.

الشعراء المُجان

ربما لا نجد في شعر هؤلاء الذين أطلق عليهم المُجَّان – نسبة للمجون واللهو – من الشعراء والذين عاشوا في ظل الخلافة الثانية للدولة العباسية، وجهة نظر فكرية واضحة تجاه الأديان، وكان على رأس هؤلاء أبو نواس ومعظم ما ورد عنهم من أدب كان يصب في اتجاه الاستهانة بالأوامر الدينية وربط السعادة الإنسانية بالأمور الأرضية لا بالروحانيات والتصورات السماوية.

المصدر: رصيف 22

برج بابل في التوراة

برج بابل في التوراة

صباح شاكر العكام

sabahshakir alagamتعتبر حضارة وادي الرافدين من اقدم الحضارات التي بناها الانسان القديم كالحضارة السومرية والحضارة الأكدية البابلية والحضارة الآشورية، وان اقدم الاقوام كانت قد استوطنت في هذه الارض فشيدت فيها الكثير من المدن العامرة والمعابد الفخمة، لقد اقامت هذه الاقوام حضارات راقية ففيها وضع اول حرف وأسست اول مدرسة وفيها وضعت اولى الشرائع، ولخصوبة ارضها ووفرة مياهها ازدهرت فيها الزراعة وتربية الحيوانات،ومن هذه المدن مدينة بابل والتي حكم فيها ملوك عظماء مثل حمورابي ونبوخذنصر الثاني وغيرهم اللذين عملوا بجد واخلاص من اجل توحيد ارض بلاد الرافدين واقامة حضارة عظيمة عليها .

لقد جاء في العهد القديم (التوراة) ان هنالك قوم يتكلمون لغة واحدةً قد شدو رحالهم نحو الشرق حتى وصلوا الى ارض شنعار (العراق القديم) وسكنوا فيها، فصنعوا لبناً مشوياً (استخدم في البناء بدل الحجر)، واستخدموا القار بدل الطين لتثبيت اللبن المشوي، فبنوا مدينة فيها برجاً رأسه في السماء. فنزل عليهم الرب ليرى المدينة والبرج فقال لهم بانهم شعب موحد يتكلمون لغة واحدة، فبلبل لسانهم وبددهم على وجه كل الارض فسميت مدينتهم (بابل)، وكما ورد في سفر التكوين في الاصحاح (11): (وكانت الارض كُلُّها لساناً واحداً ولغةً واحدةً * وحدث في ارتحالهم شرقاً أنهم وجدوا بقعة في ارض شنعار وسكنوا هناك * وقال بعضهم لبعض (هلم نصنع لبناً ونشويه شياً) فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الحُمَرُ مكان الطّين * وقالوا: (هَلُّمَ نبن لأنفسنا مدينة وبرجاً رأسه بالسماء ونصنع لأنفسنا اسماً لئلا نتبدّد على وجه كُلّ الارض) * فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما * وقال الربُّ: (هو ذا شعبٌ واحدٌ ولسانٌ واحدٌ لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل . والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يفعلوه * هلُمَّ ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض) * فبدَّدهُم الرّب من هناك على وجه كلّ الارض، فكفُّوا عن بنيان المدينة، لذلك دُعِيَ اسمها (بابل) لأن الرَّبَّ هناك بَلبَلَ لسان كلَّ الارض . ومن هناك بدَّدهم الرَّبُّ على وجه كل الارض .

صباح شاكر العكام

السلفية الشيعية نغمة جديدة

السلفية الشيعية نغمة جديدة

د. حسين ابو سعود

husen abusodعندما رأيت الدين وقد تحول الى مهنة ومصدر للرزق وجسرا لتحقيق الأغراض الذاتية ألزمت نفسي بالعمل المتواضع لإزاحة الغبار عن بعض الحقائق بالدعوة الى تجديد النظر في مسائل دينية وفقهية وتاريخية من خلال تصحيح الخطأ والمفاهيم وتبني مقولات مختلفة باعتماد التحليل الموضوعي للحوادث التاريخية على ان هذه المحاولة يجب ان لا تثير الحساسية السلبية لدى البعض.

اذا كانت السلفية تعني العودة الى السلف الصالح فلن نجد بيننا سلفية حقيقية لا عند السنة ولا عند الشيعة، وقد أفصح السلفيون السنة عن عقائدهم من خلال ممارساتهم وخطاباتهم وأدبياتهم، ولست هنا بصددهم في شيء ولكني صرت اسمع في الآونة الاخيرة نغمة جديدة باسم السلفية الشيعية، يريدون بذلك المتشددين من الشيعة او بعبارة أوضح وافصح (الغلاة) حتى قيل جهلا بان كل من يمارس التطبير واللطم والزحف عند مراقد الأئمة وضرب السلاسل واللعن  هو سلفي شيعي وهذا الفهم الخاطئ للأمور هو خطر كبير فهؤلاء وبكل بساطة هم غلاة الشيعة وليسوا بالسلفية، ومن يضع عالما كبيرا مجتهدا مثل السيد محمد حسين فضل الله في خانة السلفية الشيعية فهو مخطئ، فالسيد فضل الله كان ضد التشدد وضد الغلو، و هو الذي يدعو الى التأسي بالسلف الصالح من حيث التسامح والتعايش والتآخي وتجاوز الخلافات بالتي هي احسن، وان السلفي الحقيقي لا يرتبط بحالة الكراهية للآخرين وازدراءهم، فالسلفي الحقيقي لا يتحمل معنى اخر غير الصفاء والنقاء والطيبة والتسامح، وأما الممارسات التي يرتكبها العامة والخرافات والخزعبلات التي احاطت نفسها بها لا يمكن انصافا ان تنسب الى السلفية الشيعية  على ان السلفية الشيعية الحقيقية لم تأت بعد وأنها ستأتي ولكن على أيدي المثقفين الشيعة وهم كثر ممن يَرَوْن ضرورة التأسي بالإمام علي بن ابي طالب في كل الأمور وتبني نظراته الصائبة الى كل المشاكل وهم اقرب الى الاعتدال منه الى التطرّف  وعندهم الجرأة الكافية لمناقشة الروايات وتصحيحها متخذين بعض المراجع مثلا اعلى لهم مثل السيد محسن الأمين العاملي والسيد فضل الله والسيد محمد باقر الصدر وغيرهم وان الساحة لا تخلو في زمن من الازمان ممن هم  امثالهم من العلماء العاملين الذين يهمهم وحدة الاسلام والمسلمين.

والسلفية في نظري تعني إعمال الفكر وإعادة النظر والتدبر كما فعل ابن عباس مع الخوارج عندما خرج إليهم ودعاهم الى اعادة النظر في الآراء والمواقف فأعاد عدة آلاف منهم الى صفوف الشرعية.

السلفية تعني العودة الى ما قبل عصر التدوين وحشو مئات الألوف من الموضوعات والاكاذيب في احاديث الفريقين على حد سواء وصارت الأمة تعاني منها على مدى قرون، والسلفية اذا كانت  تعني العودة للسلف الصالح فهو شرف وان كان غير ذلك اي التكفير والذبح فهو انتحال وسفه وضياع، وقد اعجبني قيام الزيدية بتطوير وتحوير مذهبهم ليكونوا اقرب الى أهل السنة والجماعة وانا ارى بان على السنة والجماعة ان يقابلوا ذلك بالمثل وكذلك الشيعة عليهم ان يحوروا ويغيروا ويبدلوا (في الأمور الشكلية الظاهرية) ليكونوا اقرب الى اخوانهم المسلمين حتى تسير القافلة بوئام وصفاء وإلا فان هناك اخطار حقيقية تنتظر المسلمين ككل وليس الشيعة  او السنة او الزيدية، فالسلف الصالح ليس عندهم التشدد الموجود لدى سلفية اليوم، وهذا هو الخليفة الثالث عثمان بن عفان يصرف المدافعين عنه حتى لا تراق دماءهم وكذلك الامام الحسين يدفع مناصريه الى التخلي عنه ليلة عاشوراء واتخاذ الليل جملا حرصا على حياتهم، وهذه صور رائعة من التسامح والحرص على الدماء، اذن فهناك خطأ كبير في فهم السلفية، ثم ان السلف ليس كله صالحا فبعض السلف قد ارتد ومنهم من انقلب على عقبيه ومنهم من اثار الفتن وأضرم نيران الحروب وقُتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين وتم نفي ابي ذَر الغفاري وضرب ابن مسعود وغير ذلك من الأمور، ولكن السلف الصالح يعلمنا ان نقول عن البغاة (اخوة لنا بغوا علينا) ويعلمنا ان احد أطراف القتال في الجمل عندما رأى خصمه صريعا وقف عند راْسه وصار يكنيه ويعاتبه بلغة الاسى الشفيقة، والسلف الصالح يوصي بقاتله خيرا ومن السلف الصالح من يقول (قوموني اذا رأيتم فيّ اعوجاجا) والسلف من كان فيهم مثل عمر بن عبد العزيز ومالك الأشتر وسلمان الفارسي وهم آيات عظام في التحلي بالصبر والحلم والتحمل والإنسانية .

وعليه فان السلفية الشيعية لا تعني الغلو والغلاة، والتشيع الحقيقي لا يعني اللعن ابدا ويكفينا في ذلك حادثة عمرو بن الحمق وحجر بن عدي حيث نهاهما الامام علي بن ابي طالب عن اللعن فرضخوا لهذا النهي وعملوا به وفي العصر الحاضر نرى جهود السيد فضل الله ومرتضى العسكري والخامنئي في تحريم اللعن وقد تجاوز السيد السيستاني كل روايات الكراهية فقال عن أهل السنة والجماعة: لا تقولوا عنهم اخواننا بل قولوا أنفسنا.

والحق هو ان لو تخلص بعض الشيعة من آفة اللعن والسب وعادوا الى السلف الصالح لاجتاحوا العالم بالمحبة والتسامح وهي مبادئ دعا اليها أهل البيت على مر العصور ولا سيما انهم الامتداد الطبيعي للرحمة العالمينية المحمدية.

وفي النهاية أقول ان السلفية سلفية والغلاة غلاة ولا يجوز الخلط بينهما تحت اي ستار.

حسين أبو سعود

مفهوم الاغتراب لدى فلاسفة مدرسة فرانكفورت

مفهوم الاغتراب لدى فلاسفة مدرسة فرانكفورت – بقلم: عماد الدين ابراهيم عبد الرازق ([1])

ليس ثمّة شك في أنّ الحضارة المعاصرة قد حققت قدراً لا بأس به من النجاح والتقدّم. لقد استطاعت أن تلبي وتحقق كلّ ما يحلم به الإنسان من مطالب وحاجات، في ظلّ التقدم العلمي والتكنولوجي الذي استطاع أن يسخّر كلّ شيء للإنسان، وأن يصبح الإنسان بواسطة هذا التقدّم التكنولوجي سيّداً للعالم. ومع ذلك فهناك صيحات تنذر بأنّ الحضارة تمرّ بمأزق أو أزمة كما رأى “هابرماس”.

فقد أعلن “اشفيتزر” “SCHWEITZER” مثلاً أننا نعيش اليوم في ظلّ انهيار الحضارة. وأعلن “اشبنجلر” “Spengler” أنّ الحضارة تدخل الآن مرحلة التداعي، وقد حكم عليها بالموت والدمار. وصرّح نيتشه “Nietzsche” أنّها تسير إلى الهاوية. إنّ الحضارة المعاصرة ـ على حد تعبير “اشفيتسر” ـ أشبه بالسفينة التي نمخر بها في تيار مليء بالأمواج العاتية تحت شلال هائل، ولا بد من مجهودات جبارة لإنقاذها من المجرى الجانبي الخطير الذي سمحنا لها بالانطلاق فيه، ومن إعادتها إلى المجرى الرئيس إن كان ثمّة أمل في ذلك.

على الرغم من التقدّم التكنولوجي لهذه الحضارة المعاصرة إلا أنّ الإنسان أصبح ترساً في آلة، أصبح شيئاً من الأشياء، فقد ذاته وشعر بالاغتراب، فقد هويته وأصبح في ظلّ هذا التقدم التكنولوجي ليس له قيمة، وليس له وجود حقيقي؛ من هنا شعر بالاغتراب. وقد تعدّد هذا المفهوم وتنوّع عند فلاسفة مدرسة فرانكفورت، وحمل أسماء مختلفة لمعنى واحد وهو الاغتراب.

أولاً: هابرماس ونقد العقلانية التكنولوجية في المجتمع الرأسمالي

قدّم “هابرماس” تشخيصاً للمجتمع الرأسمالي الذي أصبحت السيادة فيه لعلاقات وقوى الإنتاج، وأصبح الإنسان فيه ليس له قيمة، وليس له وجود حقيقي، وركز على ظاهرة الهيمنة التكنولوجية “التقنية” والعقل الأداتي Instrumental Reason. وأشار “هابرماس” في الفصل الثاني من كتابه “العلم والتقنية بوصفهما أيديولوجية” إلى أنّ “ماكس فيبر” حين قدّم مفهوم العقلانية كان يقصد تحديد شكل النشاط الاقتصادي الرأسمالي، وقانون حق الملكية الخاصة، والعقلانية تعني في المقام الأول اتساع نظام المجالات الاجتماعية التي تخضع لمعايير القرار الرشيد، ويتلاءم مع هذا تصنيع العمل الاجتماعي، وما يتبعه من تغلغل معايير الفعل الأداتي في مجالات حياتية أخرى، والأمر عموماً يتعلق بهيمنة نمط من الفعل الموجّه نحو الهدف الذي يشير إلى تنظيم الوسائل والاختيار بين البدائل([2]).

ويرى “هابرماس” أنّه بقدر تغلغل التقنية في مجالات الحياة الاجتماعية، وما يترتب على ذلك من تغيير في المؤسسات الاجتماعية ذاتها بقدر ما تتقوض الشرعية القديمة لتحل محلها شرعية جديدة([3]).

هنا نرى أنّ ثمّة اعتراضاً واضحاً من جانب “هابرماس” على تغلغل التقنية في جميع مجالات الحياة، ممّا ترتّب عليه شعور الإنسان بالاغتراب، لأنّه أصبح آلة أو لأنّ قيمته أصبحت تقاس بما ينتجه، ولكن ليس معنى رفض “هابرماس” للتكنولوجيا أنه يستبعدها تماماً من الحياة، بل يريد أن تعمل إلى جانب شعور الإنسان بذاته، يريد أن يكبح هذا التغلغل التكنولوجي في مجالات الحياة.

من هنا يرى أنّ التطور التقني يخضع لمنطق يتبع بنية الفعل العقلاني الموجّه نحو الهدف، والخاضع لمراقبة النجاح، أي أنّه يتبع بنية العمل، وبما أنّ تنظيم الطبيعة الإنسانية لا يتغير، فإنّنا ينبغي أن نحافظ على حياتنا من خلال العمل الاجتماعي، وبمساعدة الأدوات([4]).

ثم ينطلق “هابرماس” من فكرة سيطرة وهيمنة التقنية على عالم الحياة إلى نقد فكرة العقل الأداتي، وكذلك نقد هيمنة التكنولوجيا التي أدّت إلى اغتراب الإنسان المعاصر.

فالعقل الأداتي بوجه عام هو منطق في التفكير، وأسلوب في رؤية العالم، ويعتبر هو الأسلوب الذي يحكم العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، وهو الذي يسيطر على التفكير في المجتمع الصناعي المتقدّم، وفيه يخضع الإنسان للتكنولوجيا خضوعاً تاماً، ولقد نقد “هابرماس” مفهوم العقل الأداتي، وكذلك مفهوم العقلانية الأداتية. ويصف “هابرماس” عملية التحديث في الغرب على أنّها أدّت إلى زيادة في العقلانية الأداتية، وإلى التوسع في نطاق الفعل الأداتي في مجال الاقتصاد والإدارة، والعلم والتكنولوجيا على حساب العقلانية التواصلية في المجال الاجتماعي([5]).

ويلاحظ “هابرماس” أنّ السلطة بمعناها العام أصبحت تعتمد على شرعية مصدرها السوق، وقوانين السوق، أي تحوّل مصدر الشرعية من عالم الحياة الاجتماعية للمجتمع التقليدي الذي يسود فيه الفعل التواصلي إلى عالم الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا الذي يسود فيه الفعل الأداتي والعقلانية الأداتية([6]).

ويستمر “هابرماس” في نقده للتقدم العلمي والتكنولوجي، فقد أصبحا في نظره يشكلان الأيديولوجيا الجديدة، وقد صاحب الدورُ الأيديولوجي للعلم والتكنولوجيا وعياً تكنوقراطياً “Technocratic” أي “حكومة الفنيين”، هذا الوعي يعمل على حل القضايا الاجتماعية على أنها مسائل تحلّ بمنطق أداتي، أي بوسائل تقنية، كما صاحبه عزل الجماهير عن عملية اتخاذ القرار([7]).

ويشير في كتابه “العلم والتكنولوجيا كأيديولوجيا” إلى أنّ العقلانية قد لعبت دوراً هاماً في المجتمعات الرأسمالية الغربية، وأنّها سيطرت على جميع مجالات الحياة الاجتماعية، وأصبح كلّ شيء في المجتمع الرأسمالي يخضع للتقدم العلمي والتكنولوجي، ومن هنا أصبح يشعر الإنسان في ظلّ هذا التقدم التكنولوجي بالاغتراب، والبعد عن ذاته، وأنّه مثله مثل الآلة التي تقوم بالإنتاج، ويقرّ “هابرماس” بأنّ العلم والتكنولوجيا قد تعاظما إلى درجة أصبحا معها أهمّ قوة إنتاجية، وبالتالي صارت علاقاتهما بالممارسة الاجتماعية وبعالم الحياة اليومية محلّ تساؤل، فالقوى الجديدة لسلطة التصرف التقني المتزايدة تظهر نوعاً من عدم التلاؤم بين نتائج عقلانية عالية التوتر، وبين أهداف لا رؤية فيها، وأنساق قيمية جامدة، وأيديولوجيات واهنة([8]).

وخلاصة القول: إنّ “هابرماس” انتقد فكرة العقل الأداتي، وأسلوب تفكيره، ورؤيته الشاملة، وسيطرته على جميع مجالات الحياة. ويرى أنّه رغم تقدم العلم والتكنولوجيا وما حققاه من نتائج مبهرة في جميع مجالات الحياة، إلا أنهما أخضعا الإنسان لسيطرتهما، وأضحى الإنسان في ظلّ التقدم التكنولوجي آلة يخضع لقوانين هذه الأداة، ونقد العقل الأداتي والسيطرة التكنولوجية عند “هابرماس” تذكرنا بالفكرة نفسها التي نسج منها “لوكاتش” “Lukács” فكرته عن التشيؤ.

ثانياً: التشيؤ عند لوكاتش “Reification”

التشيؤ عند لوكاتش يعني أنّ المجتمع يجب عليه أن يشبع حاجاته عن طريق تبادل السلع، وهذا يتطلب أن يتم تنظيم المجتمع كله وفق نموذج علاقاته الاقتصادية وبالتالي تعم ظاهرة التشيؤ.

كما يعرف “لوكاتش” التشيؤ أيضاً بأنه تحول الصفات الإنسانية إلى أشياء جامدة واتخاذها لوجود مستقل، واكتسابها لصفات غامضة غير إنسانية([9]).

إذاً التشيؤ يعني هنا اغتراب الإنسان في ظل العلاقات الرأسمالية حيث لم تعد السلع تقاس بقيمتها الواقعية، وإنما تتحدد بقيمة مجردة تحدّدها السوق.

ويرى “لوكاتش” أنّ هذه الفكرة تشكل نقداً أخلاقياً قوياً للنظام الرأسمالي، يجعله نظاماً يحوّل البشر إلى أشياء يمكن أن تباع وتشترى، وفي هذه الفكرة أيضاً يصبح العالم الاجتماعي عالم الأشياء، شأنه في ذلك شأن عالم الأشياء أو العالم الطبيعي، ويصبح المجتمع يمثل “طبيعة ثانية” إلى جانب العالم الطبيعي الأصلي، ويبدو كما لو أنه مستقل عن الفعل الإنساني شأنه في ذلك شأن استقلال قوانين الطبيعة([10]).

هنا نرى أنّ “التشيؤ” يحوّل الإنسان إلى شيء من الأشياء، وتصبح قيمة الإنسان تقاس بما ينتجه من سلع. ويشعر الإنسان بالاغتراب وفقدان الذات في ظل ظاهرة التشيؤ. وقد أكد أيضاً أنّ التشيؤ يصيب نظرة الناس إلى مجتمعهم، إذ ينظرون إلى المجتمع على أنه محكوم بقوانين طبيعية ثابتة لا تتغير، لكنها في الحقيقة قوانين خاصة بفترة تاريخية معينة، وهي فترة سيادة أسلوب الإنتاج الرأسمالي([11]).

من هنا يتضح لنا أنّ التشيؤ ظاهرة عامة تتحكم في الوعي الإنساني، ويصبح الإنسان من خلالها مثله مثل أي شيء، وتقاس قيمته بما ينتجه من سلع، وبناء على ذلك يشعر الإنسان بالاغتراب عن ذاته؛ كذلك أصبحت العلاقات الاقتصادية هي التي تتحكم في مجالات الحياة حتى المجالات الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية.

ثالثاً: الاغتراب عند ماركس “Alienation

يرى ماركس أنّ الاغتراب يحدث بشكل عام حينما تسيطر على الإنسان البيئة الاجتماعية التي أوجدها بيده، ولقد رأى أنّ هذه الظاهرة تحدث بصفة خاصة في المجتمع الرأسمالي؛ إذ ينفصل البشر ولا يسيطرون على ما ينتجون، وينفصلون عن بعضهم بعضاً، وتفقد جماعية العمل معالمها.

كما يرى “ماركس” أنّ البشر من خلال ظاهرة الاغتراب لا يسيطرون أيضاً على ناتج عملهم، وينقطعون عن قدرتهم واتخاذ القرارات، بل يبدو كما لو أنهم مجبرون على العمل من قبل أناس آخرين. الاغتراب كذلك حالة يصبح فيها البشر دمى للنظم الاجتماعية التي صنعوها بأيديهم([12]).

من هذا يتضح لنا أنّ ظاهرة الاغتراب يصبح فيها الإنسان مثل أي سلعة أو أي شيء ينتجه، وينفصل الإنسان عما ينتجه، وتصبح العلاقات الاجتماعيـة بين البشر خاضعة للعلاقات الإنتاجية.

رابعاً: ماركيوز والإنسان ذو البعد الواحد

كذلك نرى أنّ فكرة التشيؤ عند “لوكاتش” أو الاغتراب عند ماركس هي الفكرة نفسها التي انطلق منها “ماركيوز” في فكرته عن الإنسان ذي البعد الواحد “One Dimensional Man”.

فالأطروحة الأساسية “لماركيوز” في “الإنسان ذو البعد الواحد” تنبثق من التفاقم اللامحدود لسلطة الآلة في المجتمعات الصناعية الكبرى المتقدمة، فيرى تحول الإنسان في ظل هذا التقدم التكنولوجي إلى بعد واحد يمثل البعد التقني لسلطة الآلة، بحيث تفرز نمطاً من العلاقة بين الفـرد والمؤسسات التي تتحكم بتنظيمه الاجتماعي ووجوده اليومي، وتجعل وعيه يتموضع في نقطة محددة وموجهة نحو الهدف الذي ترسمه الدولة ومؤسساتها([13]).

من هنا نرى أنّ سلطة الآلة قد طغت على كل شيء في الحياة، وحددت مجالات وأهداف الإنسان، وتحول الإنسان إلى بُعد واحد فقط، هو جانب الآلة.

ولقد تحدث “ماركيوز” عن وسائل السيطرة والهيمنة الجديدة للدولة ومؤسساتها داخل المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، وهيمنة الآلة الصناعية الكبيرة والاتجاه الاستهلاكي الساحق الذي ينجح في نزعة من الذوبان داخل تياره المتمكن، بحيث أصبح الإنسان في ظله يخضع لقوانين الإنتاج، وقيمته تتحدد بقوانين السوق والسلع. ورأى أنّ سلطة الدولة أصبحت أكثر اتساعاً، فكما حدث تقدم في وسائل الإنتاج، وفي العلم والتكنولوجيا، حدث تقدم مماثل في إدارة الدولة وفي قدرتها على القمع، وقد عمل التقدم الصناعي الحديث على تشويه طبقتي البرولتاريا والبورجوازية وتشويه العلاقة بينهما([14]).

إذن من الواضح أنّ الإنسان هنا أصبح ذا بعد واحد كما يسميه “ماركيوز”، بعد يعتمد على التقدم التكنولوجي والعلمي، يقاس بما يتمّ إحرازه من إنتاج للسلع، وبهذا أصبح الإنسان مغترباً عن ذاته، بل منفصلاً عما ينتجه من سلع وإنتـاج، وأصبحت العلاقات الاجتماعية ترتبط بقوانين الإنتاج، ومن هنا حدث تشويه لقيم الإنسان وجوهره الحقيقي، بل أصبح هناك تفكك اجتماعي واضح في المجتمعات الرأسمالية الغربية، وانعدمت القيم الحقيقية.

وتلك الفكرة عن ضياع الإنسان، وفقدانه لذاته وشعوره بالاغتراب في ظلّ النظام الرأسمالي المتقدم، وفي ظلّ سيطرة وهيمنة التكنولوجيا والتقدم العلمي على كل مجالات الحياة نجد لها مثيلاً عن مفهوم “هوركهايمر” وحديثه عن نهاية الفرد “The End of Individual”.

خامساً: هوركهايمر ونهاية الفرد

رأى “هوركهايمر” أنّ الفرد في ظل المجتمع الرأسمالي الحديث يعاني من أزمة عميقة، هي اضمحلال أهميته، فقد كان النظام الرأسمالي في بداية ظهوره يعتمد على المجهود الشخصي والأفعال المستقلة للأفراد، ولذلك كان هناك أساس اقتصادي قوي للفردية، أمّا الآن ومع انتهاء الرأسمالية الليبرالية، وظهور رأسمالية الدولة، فقد اختفى الأساس الاقتصادي للفردية، إذ أصبحت الرأسمالية لا تعتمد على الأفراد، بل على وحدات إنتاجية أكبر مثل الشركات والمؤسسات([15]).

هنا نجد ضياع الفرد واغترابه بسبب سيطرة الآلة والمؤسسات الكبرى على مجالات الحياة، فالنظام الرأسمالي هو نظام يقضي على شعور الإنسان بذاته، لأنه يعتمد بصورة أساسية على الآلة؛ وهذه وجهة نظر هوركهايمر.

وبتلك الوسيلة يرى “هوركهايمر” أنّ على الفرد أن يتكيّف مع هذا الوضع الجديد، لأنّه فرض عليه الاندماج في نظم اجتماعية واقتصادية لكي يستمر في البقاء، وتحولت قيمة من قيم تسعى لتحقيق الذات، وتشكيل المصير الشخصي، وتحقيق الإمكانات الفردية من إبداع وابتكار وخلق، إلى قيم تسعى للامتثال والتكيف مع الوضع القائم([16]).

ويؤكد “هوركهايمر” على الفكرة نفسها من خلال مفهوم “خسوف العقل” “Eclipse of Reason” أو اضمحلال العقل. لأنّ العقل أصبح يتعامل مع مجالات المادة، وتمّ استبدال عملية اكتشاف المعنى بعملية التدريب على الوظائف، ومع سيادة التصور الأداتي عن العقل تتحول الملكات الذهنية إلى وظائف، أي إلى نوع من التقنية تتطلب التدريب عليها لممارستها جيداً، كما تتطلب الخبير الذي يتخصص في جزئية صغيرة من العمليات العقلية بدلاً من الشخصية الإنسانية الكاملة، وبتفتيت العمليات العقلية إلى أجزاء، وتحول هذه الأجزاء إلى اختصاصات لخبراء يتم تشيؤ العقل وتحوّله إلى آلة([17]).

وهنا نرى سيطرة وهيمنة الآلة على كل شيء، وتحول الإنسان إلى شيء من الأشياء، وفقدان قيمته الحقيقية، علاوة على شعوره بالاغتراب، وتحول القيم الإنسانية إلى قيم مادية.

أيضاً نجد لهذه الفكرة عن تشيؤ الإنسان واغترابه صدى لما تحدّث عنه كلّ من “هوركهايمر” و”أدورنو” في فكرتهما عن صناعة الثقافة “Culture Industry” أو “الثقافة الجماهيرية وخداع الجماهير”.

فقد رأى “هوركهايمر”، و”أدورنو” أنّ وسائل الاتصال الجماهيري هذه من أدوات النظام الرأسمالي التي يفرض بها الهيمنة على المجتمع. واعتبر “هوركهايمر، وأدورنو” أنّ الثقافة الجماهيرية “Mass Culture” هي جزء من النظام الأيديولوجي الذي يعمل على إخضاع وعي الجماهير للسلطة القائمة والتسليم بها، فتعمل السينما والإذاعة والصحف والمجلات على تأكيد القيم الثقافية التقليدية للمجتمع، وخلق حاجات جديدة للفرد عن طريق الدعاية والإعلان، ويحاول إشباعها بمزيد من الانصياع لقواعد اللعبة، أي ربطه بدائرة المجتمع الاستهلاكي([18]).

أشار كلّ من “هوركهايمر، وأدورنو” إلى أنّه بينما كانت الثقافة طوال التاريخ الأوروبي من فن وأدب ومسرح باعثة على الأمل في مستقبل أفضل وداعية إلى قيم العقل والحرية والتحرر من كل ما يقيّد النمو الحر للفرد، ومحتوية على عنصر يوتوبي يجعل العقل حكماً على الواقع، انتهى كل ذلك مع نمط الثقافة الجديدة التي تنشرها وسائل الاتصال الجماهيري، فقد اختفى البعد اليوتوبي، وأصبح هدف هذه الثقافة هو التسلية وإمضاء وقت الفراغ([19]).

ورأى أدورنو أنّ السيطرة التكنولوجية تتوسط جوهر الثقافة الحديثة، التي تعتبر بدورها توسطاً تكنولوجياً مستنزفاً من خلال وسط جماهيري، وقد لاحظ أيضاً أنّ تكنولوجيا الثقافة لا تحدث من خلال مجالات أو قطاعات معينة، ولكنها تحدث داخل الحضارة ككل، وفي ضوء الوسط الجماهيري، لا تتحدث الحضارة إلا عن صوت واحد متحكم هو صوت العقلانية التكنولوجية([20]).

من هنا نرى أنّ التكنولوجيا والتقدم العلمي قد دخلا في كل مجالات الحياة الاجتماعية حتى الحياة الثقافية، وهذا أمر خطير، لأنّ تحديد الثقافة وأهدافها والسيطرة عليها من خلال أجهزة الدولة ووسائل الإعلام يقضي على عمليات الإبداع الفكري.

خلاصة القول: إنّه رغم التقدم العلمي والتكنولوجي في المجتمعات الرأسمالية إلا أنّ هذا التقدم لم يمنع من تعرّض هذه المجتمعات لأزمات مختلفة ومتعددة. ورغم هذا التقدم التكنولوجي والعلمي وسيطرته على جميع مجالات الحياة، إلا أنّ هذا التقدم جعل الإنسان يشعر بالاغتراب، بل أضحى الإنسان آلة أو ترساً في آلة، وأصبحت قيمته الحقيقية تقاس بمدى ما يحقق من إنتاج، وهنا حدثت أزمة في القيم، لأنّ قيمة الإنسان الحقيقية أصبحت تقاس بعلاقات الإنتاج وقوانين السلع وتبادلها، ومن هنا ظهرت مفاهيم تشيؤ واغتراب الإنسان عمّا ينتجه من سلع. وفي ظلّ هذا الاغتراب وسيطرة السلع وعلاقات السوق على مجالات الحياة أصبح الإنسان لا يشعر بوجوده الحقيقي، ولا يشعر بإبداعه وقيمته الحقيقية، كما أصبح كيان الإنسان مهدداً باستمرار رغم هذا التقدّم العلمي والتكنولوجي، فالتقدّم العلمي والتكنولوجي ألقى بظلاله على كلّ شيء، حتى على العلاقات الاجتماعية، ومن هنا شعر الإنسان بالاغتراب والبعد عن ذاته.


([1]) هذا المقال سبق نشرة في مجلة يتفكرون عدد 6

[2] د. فتحي أبوالعينين: هابرماس وتحرير الوعي الاجتماعي، مجلة إبداع، العدد الخامس، مايو، 1998، ص 68

[3] Habermas: Science and Technology of Ideology “in theory and practice, Beacon Press, 1974, P. 1322.

[4] د. فتحي أبوالعينين: مرجع سابق، ص 69

[5] Habermas: Legitimating Crisis, Trans by. Thomas McCarthy, Heinemann, London, 1979, P. 23-255.

[6] أيان كريب: النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة. د. محمد حسين غليوم، عالم المعرفة، الكويت، 1999، ص 316

[7] Habermas: Legitimating Crisis, P. 36.

[8] Habermas: Science and Technology, P. 194.

[9] Lukács. (G): History and Class Consciousness, Translated by. Rodney Livingston, Marline Press, London, P. 1122.

[10] Lukács. (G): History and Class Consciousness, P. 112.

[11] Ibid: P. 172.

[12] كارل ماركس: رأس المال، ترجمة فالح عبد الجبار وآخرين، المجلد الأول، الجزء الثاني، دار التقدم، موسكو، ص 108

[13] Marcuse. (H): “One Dimensional Man” Beacon Press, Boston, 1966, P. 158.

[14] ماركيوز “الإنسان ذو البعد الواحد”، ترجمة. جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت، 1971، ص 66

[15] Lehman. (G): The Failure of Self Realization on Interpretation of Horkheimer Eclipse of Reason, Oxford, 1941, P. 2399.

[16] Horkheimer (M): The End of Reason, Oxford, 1918, P. 132.

[17] Ibid: P. 132.

[18] Horkheimer and Adorno: “The Culture Industry”: Enlightenments Mass Deception in Dialectics of Enlightenment, New York, 1973, P. 1200.

[19] Ibid: P. 121.

[20] Horkheimer and Adorno: Op. Cit., P. 125.

المصدر: مؤسسة مؤمنون بلا حدود

متلازمة الصفحة الفارغة

ماذا تعرف عن متلازمة «الصفحة الفارغة»؟ وكيف يمكنك التغلب عليها؟

 
 

ماذا تعرف عن متلازمة «الصفحة الفارغة»؟ وكيف يمكنك التغلب عليها؟ – عبد المجيد سباطة

هل شعرت يومًا ما باعتبارك كاتبًا أو مدونًا بالاختناق، وبأنك عاجز عن كتابة حرف واحد في مقال أو قصة أو حتى رواية جديدة؟ هل راودك إحساس ممض بأن عقلك متعب وقلمك أو لوحة مفاتيحك غير قادرين على مطاوعتك، وأن «الصفحة الفارغة» تضع مشروعك الإبداعي كله على المحك؟

هي حالة نفسية تدعى «قفلة الكتابة» أو «متلازمة الصفحة الفارغة»، مسَّت كبار الأدباء وعانى منها عددٌ كبير من الكتاب، نتعرف في هذا التقرير على أسبابها، وأشهر الحالات المصابة بها، وأيضا سبل التغلب عليها.

ما هي متلازمة الصفحة الفارغة؟

يمكن تعريف متلازمة الصفحة الفارغة بأنها حالة نفسية مرتبطة بالكتابة، لها علاقة بعدم قدرة مؤقتة على البدء أو المتابعة في الكتابة بسبب خوف أو قلق أو عدم وجود إلهام.عندما يفقد المؤلف أو المدون القدرة على إنتاج عمل جديد أو يتعرض عمله الإبداعي للتأخير اللاإرادي، وتتراوح أعراض الحالة بين صعوبة العثور على أفكار أصلية وعدم القدرة على إنتاج عمل مناسب لمدة قد تصل إلى سنوات طويلة.

يختلف الكتاب والمحلّلون في ما إذا كانت هذه الظاهرة موجودة حقًّا، فلكل واحد منهم رأي مخالف للآخر، فالشاعرة «جوليا كاسدورف» مديرة مؤسسة «pen» التي تعقد برامج في الكتابة الإبداعية تقول «نعم، القفلة حقيقية، فعندما تكون مهنة الكتابة مرتبطة ومتشابكة مع هويتك الشخصية أو أن إنتاجك هو ما يضمن لك بقاءك مسيطرًا، فإن هذا يزيد من درجة التوتر، القفلة مقاومة هائلة تُبنى داخل الإنسان يمكن وصفها بخوفٍ مكثَّف».

أمَّا الكاتب «دايفيد تايلور» فله رأيٌ مغاير، إذ يقول «لا أؤمن بقفلة الكاتب، إنها مصطلح عام جدًّا مثل مصطلح آلام الظهر، وتصل درجة عموميّته إلى أن يصبح بلا معنى لتشعب الأعراض والأسباب وكثرة أساليب العلاج تبعًا لسببها».

ما هي أسبابها؟

اجتهد عدد كبير من العلماء والمحللين النفسيين في محاولة لتقديم تفسير منطقي لهذه الحالة، فأرجعها بعضهم إلى التوتُّر النفسي، وصعوبات الحياة، وربطها البعض الآخر بتطرق الكتاب والأدباء السابقين في كتاباتهم لكلِّ شيء في الحياة، ما يمثل صعوبة متجددة ومعتادة أمام كل من يحاول أن يبدع شيئًا جديدًا، ويمكننا أن نضيف أيضًا ضغط العمل ووجود مواعيد محددة لتسليمه، ما قد يُسهم أيضا في تفجير أعراض المتلازمة، ولا ننسى أيضا الأسباب الجسدية التي تسهم في خلق المشكلة، كقلة النوم، وكثرة السهر، والإرهاق العام، وضعف الشهية.

وقد اتفق معظم الكتاب والمبدعين على حصر أسباب إصابتهم بمتلازمة الصفحة الفارغة في الأسباب التالية:

  • الإصرار على كتابة كل شيء دفعة واحدة دون أي تخطيط أو دراسة مسبقة.

  • عدم وجود معرفة كافية للبدء في موضوع معين، وانعدام مصادر البحث الكافية في الموضوع.

  • استهلاك الأفكار الأساسية الجيدة في أعمال سابقة والشعور بعدم القدرة على اختلاق أفكار إبداعية أخرى.

  • أسباب جسديّة كما أسلفنا الذكر، ترتبط بقلة النوم والتعب الجسدي والاكتئاب وغيرها.

  • أسباب نفسيّة متعلقة بالخوف من الفشل وأحيانًا الخوف أيضا من النجاح، كما أن النقد الداخلي قد يلعب دورًا في تفاقم الوضع إذا تجاوز الحد المسموح به بطريقة غير محتملة.

  • قد ترتبط متلازمة الصفحة الفارغة بمكان الكتابة والجو العام الذي يحاول الكاتب ممارسة الكتابة فيه.

  • عدم وجود اهتمام كافٍ واستمتاع شخصي بالموضوع الذي يشتغل عليه الكاتب أو المدون.

وفي هذا الصدد يعود الكاتب «دافيد تايلور» ليضيف «السبب وراء هذه الحالة ليس نفسيًّا بل هو عدم معرفة الكاتب ماذا سيكتب، هذه الحالة تصيب أغلب الذين يعانون من قفلة الكاتب كما لاحظت. مفتاح معرفة ماذا ستكتب هو الشكل الذي ستكتب به مادتك (مقال، قصة…). تخيّل نفسك تريد أن تصنع كرسيًّا دون وجود أي فكرة مسبقة عن شكل الكرسي، وكيف يكون شكله وما هو استخدامه. كل يوم أتعامل مع كتّاب يقومون بذلك، محاولة كتابة مقال، قصة، رواية. دون معرفة أجزائها وتقسيماتها والغرض من كل جزء. ولا أتكلم هنا عن صيغة الكتابة التي تُستعمل لإخراج نص بهويّة معينة (رومانسي، درامي، كوميدي…) بل أتحدث عن الشكل: البنية الأساسية التي تعطي للكتابة شكلًا كما يُعطى الماء شكل الإناء الذي يوضع فيه. خبراء كثيرون يقولون ابحثْ وخطّط بدقة، وهذه نصيحة جيدة، ولكن المشكلة الحقيقية تقع قبل التخطيط والبحث وهي عدم معرفة النمط المؤسس لنوع الكتابة الذي تكتبه أنت والذي يُعرف أيضًا بالقالب».

«كتَّاب مشاهير» عانوا من متلازمة الصفحة الفارغة

كثيرة هي حالات كبار الكتاب ومشاهير الأدباء الذين واجهوا متلازمة الصفحة الفارغة، نتعرف هنا على بعضها:

إرنست هيمنجواي (1899-1961)

كاتب أمريكي أشهر من نار على علم، وأحد أهم روائيي وقصاصي الولايات المتحدة الأمريكية، حصل على جائزة نوبل للأدب سنة 1954، ومن أشهر أعماله «العجوز والبحر» و «وداعًا للسلاح».

عندما سئل الكاتب الكبير عن أكثر ما يخيفه قال «ورقةٌ بيضاء»، مع أنه عمل سابقًا مراسلًا حربيًّا وسبق له أن نجا من الرصاص، وصارع ثورًا في إسبانيا، وخرج في رحلة صيد للحيوانات المفترسة في إفريقيا، ومع ذلك ظل هاجسه الأكبر ورقة بيضاء تتحدى قدرته على التعبير.

جون شتاينبك (1902-1968)

مبدع أمريكي آخر حاصل على جائزة نوبل للأدب سنة 1962، والمشهور برواية «عناقيد الغضب» وأعماله المتطرقة لقصص الحرب العالمية الثانية. بسبب قفلة الكتابة، استغرقت كتابته لرواية «فئران ورجال» 10 سنوات كاملة.

فرانز كافكا (1883-1924)

كاتب تشيكي ورائد الكتابة الكابوسية بامتياز، اشتهر برواية «المسخ» التي نشرت عام 1915، لكن معظم أعماله الأخرى نشرت بعد وفاته، إما كاملة بسبب رفضه نشرها، أو منقوصة لعجزه عن إتمامها بسبب متلازمة الصفحة الفارغة.

كيف تتخلص من متلازمة الصفحة الفارغة؟

تقول الشاعرة «جوليا كاسدروف» أن التحدث عن هذه المشكلة وتعمّد نسيانها وممارسة التمارين التي تساعد على الإنتاج يمكن أن يحطم جدار الصمت، ومن هذه التمارين تمرين اعتادت أن تدرب طلابها عليه في جامعة نيويورك «ألتقي بالطلاب أسبوعيًّا ساعة للتحدث عن مشكلتهم، يقوم الطالب بكتابة أو تسجيل الأفكار التي تخطر له بدون أي ضغط بجلسة تستمر لمدة 20 دقيقة يبقى فيها القلم يتحرك حتى لو كرر فيها الشخص الكلمة عدة مرات، فيساعد ذلك الكاتب على التنفيس خلال فترة قفلته».

أما الكاتب «ميشيل حنَّا» فيقول: «يمكن تحديد وقت مخصص للكتابة، بغض النظر عن مستوى جودة الكتابة التي يتم إنتاجها، وتخصيص وقت للكتابة الحرة وكتابة الخواطر، وتحدي الأفكار السلبية التي تراود الكاتب بخصوص مستوى كتابته وقدراته مع ممارسة بعض التدريبات الكتابية، وأخذ فترة من الراحة والخروج للنزهة وشمّ الهواء، والتوقف عن الكتابة يومًا أو يومين ثم العودة إليها مرة أخرى».

لا توجد وصفة سحرية للتغلب على متلازمة الصفحة الفارغة، لكن يمكن اتباع عدد من الخطوات التي اتفق الخبراء على نجاعتها وقدرتها على التعامل مع المتلازمة والحد من تأثيرها.

  • امتلاك الجرأة للكتابة «السيئة» وعدم البحث بشكل مبالغ فيه عن المثالية المطلقة.

  • الكتابة في المواضيع التي تهمّ الكاتب أو المدون، والتي يستمتع بكتابتها.

  • الكتابة مع شخص آخر وقراءة المكتوب بصوت عالٍ.

  • التحوّل من الكتابة على الحاسوب إلى الورقة والقلم أو العكس.

  • ممارسة الرياضة التي تلعب دورًا هامًا في التغلب على المشاعر السلبية.

  • تغيير مكان الكتابة.

  • تقسيم العمل الكتابي إلى مهمات يسهل تحقيقها.

  • الكتابة تحت اسم مستعار، والابتعاد بشكل مؤقت عن ضغط الخوف على سمعة الكاتب الإسمية.

  • رسم خارطة ذهنية للأفكار التي سوف تُطرح للمساهمة في دفق الأفكار وترتيبها.

  • تجاوز الجزء الذي يعجز الكاتب أو المدون عن كتابته إلى أجزاء أخرى.

  • الكتابة عن الكتابة نفسها، وعن عدم القدرة على الكتابة.

المصدر: ساسة بوست

اللاشعور

ماذا تعرف عن “اللاشعور” ؟

ماذا تعرف عن “اللاشعور” ؟

 يرتبط اللاشعور عادة بنظريّة التحليل النفسي؛ فهو تسمية أطلقها فرويد على أحد أقسام الجهاز النفسي، وقصد بها مجموع الدوافع والرغبات اللاشعوريّة المكبوتة من طرف ضرب من الرقابة الأخلاقيّة اللاشعوريّة، بيد أنّ هذه الدوافع والرغبات يمكن أن تتسرّب إلى مستوى الحياة الشعوريّة، وتتجلّى في شكل سلوك عادي، مثل النسيان وزلّة اللسان…إلخ أو في الأحلام أو في عدد من الأعراض العصابيّة. وتشكّل الرغبات اللاشعوريّة في اللذّة والموت محور كلّ الانفعالات والخبرات الانفعاليّة، وقد مكّنت أعمال فرويد من استكشاف اللاشعور عن طريق التداعي الحرّ وتأويل الأحلام.

وإن كانت فكرة اللاشعور تجد جذورها في مجالات مختلفة تعود إلى القرن التاسع عشر، من قبيل الفلسفة الألمانيّة، حيث تحدّث شللنغ (1775-1854) وشوبنهاور (1788-1860) ونيتشه (1844-1900) عن “قوّة حيويّة” غير مرئيّة تقود أقدارنا وتدفعنا إلى العمل. وكذلك في مجال علم الأعصاب؛ أي علم النفس المرضي، تمّ الاشتغال على اللاشعور بأشكال مختلفة، مثلما هو الحال في أعمال جون هوغلينغ جاكسون (1835-1911) وأوجين بلولر (1857-1939)..

انظر:

–  دورتيه، ج.ف. (2011)، معجم العلوم الإنسانيّة، ترجمة: جورج كتورة، ط2، أبو ظبي- الإمارات العربيّة المتّحدة، بيروت- لبنان: كلمة ومجد المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، ص ص 908-910

–  صليبا، جميل. (1982)، المعجم الفلسفي، بيروت- لبنان: دار الكتاب اللبناني- مكتبة المدرسة، ج2، ص ص 264-266.

المصدر: مؤسسة مؤمنون بلا حدود

الحقيقة هي الله

الحقيقة هو الله…نظرة حول القديس اوغسطين
الله عند القديس اوغسطين هو الحقيقة المطلقة، والحقيقة عنده ضرورية، وثابتة، ومستقرة، وازلية، وخالدة. ومصدر الحقائق غير موجود في العقل، لكنه موجود في مصدر اخر ارفع، يكون بمثابة السبب لتلك الحقائق؛ فالحقيقة ليست من العقل الفردي، ولا هي من مفعوله، فهي مشتركة بين جميع العقول، وهي نوع من النور الذي ليس هو لنا، ولا للغير، ولا لأي انسان مفرد، أو لشخص معين، انه نور للعموم، يحوزه كل واحد منا، وهو نفسه لدى الجميع. فالحقيقة ارفع من كل عقل فردي، ولولا هذه الصفة الاخيرة لما استطعنا ان نحكم على ضوئها وبواسطتها. لذا فالحقيقة متعلقة تماما بالعقل، وهي تنظمه، أو تدبره، اذ هو منفعل، وناقص، وغير ثابت؛ بينما هي غير ذلك واسمى، وهي تتجاوزه، وتتصاعد الى الاسمى، وتتعالى. ويستطيع العقل ان يكشف صفة التسامي تلك، اذ هو يدرك انه امام ما هو ارفع منه، ومن الانسان، وانه امام الخالد، والثابت، والمستقر، والضروري، أي امام حقيقة واقعية تمتلك جميع الصفات للإله نفسه. وبتعبير اخر: ان الحقائق ثابتة وضرورية، ولا تُفهم مثل هذه الصفات الا بشيء يكون مثلها ثابتا وضروريا وخالدا؛ وعندما يرى العقل الحقيقة، فإنه يرى امامه قانونا ارفع، وطبيعة ثابتة وخالدة هي الله؛ وبالتالي يمكن لكل حقيقة ان تكون نقطة انطلاق في برهان وجود الله، فالله هو العلة الكافية لكل حقيقة تحضر في الذهن(