وداعا ويليام ستانلي ميروين

وداعا ويليام ستانلي ميروين

الحبيب الواعي

766 وليم ستانليالشاعر الأمريكي الحاصل على جائزة بوليتزر مرتين والمدافع عن الحقوق البيئية يغادر العالم عن عمر 91 عاما

ولد ميروين في مدينة نيويورك عام 1927، وترعرع بين تقاطع زاوية الشارع الرابع وشارع نيويورك في يونيون سيتي بولاية نيو جرسي، إلى حدود 1936 حين انتقلت أسرته الى مدينة سكرانتون بولاية بنسلفانيا. كان مهووسا بحب الأشياء التي تذكره بالماضي وبسحرِ الكلمات منذ نعومة أظافره ، وكان والده قسّاً في الكنيسة البروتستانتيّة حيث بدأ ميروين بنظم الترانيم لكنيسة والده وهو في سنّ الخامسة. شجّعته مدَرِّسةُ لغة إسبانية على كتابة الشعر، وحثّتهُ على أن يجرّب ترجمة الشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا.

بالرغم من أن الحالة المادية لأسرته لم تسمح لها بإرسالِه إلى الجامعة، إلا أنه نالَ منحة دراسيّة من جامعة برينستون، هناك عمل نادلاً في مطعم للنّخبة تابعٍ لأحد نوادي الجامعة، مما ساعده على دفع تكاليف المعيشة. في برينستون، تأثّر بالنّاقد والشّاعر الشهير ر. ب. بلاكمور ومساعده في الجامعة نفسها الشاعر جون بيريمان الذي ظهر أول مرة بالجامعة وهو يلبس قبعة فطيرة الخنزير. بعد الحرب العالمية الثانية، وبالضبط في سنة 1946، سافر الى مستشفى سانت اليزابيث بواشنطن العاصمة كي يزور الشاعر إزرا باوند الذي أوصاه بتعلم اللغات والترجمة التي ستفتح له مجالا أوسع للاطلاع على الثقافات الأخرى وتمنحه اختيارات واسعة. عاد ميروين الى برينستون ليتابع دراسته وتسجل في قسم الّلغات الأوروبية، ويعدّ نفسه لمهنته المستقبلية كمترجمٍ للآداب الفرنسية والإسبانية والإيطاليّة، وبدا بأشعار فدريكو غارسيا لوركا والنصوص الاسبانية القديمة مثل القصيدة الملحمية Poem of Cid.

و بعد التّخرّج من الجامعة، تزوج ميروين زوجته الأولى دروثي جين فيري وانتقل الى أوروبا حيث عمل مترجما ومدرسا خصوصيا لأبناء العائلات الموسرة بالبرتغال وجزيرة مايوركا الاسبانية حيث درس ابن الكاتب البريطاني روبرت غريفس Robert Graves. بعد ذلك بفترة قصيرة ، سيشتري منزلا قديما بمزرعة مهجورة في وادي دوردوني بجنوب فرنسا ، ويصلحه على مدى سنوات عديدة. في مايوركا سيلتقي ديدو ميلروي التي أشرف معها على كتابة مسرحية وتزوجها بعد ذلك وانتقلا للعيش معا في لندن حيث ربط صداقة مع كل من سيلفيا بلاث وتيد هيوز بعد عودته من اقامة فنية بمدينة بوسطن التي كان يشرف منها على تحرير الشعر لمجلة “الوطن”. في عام 1968، عاد ميروين الى نيويورك بعد أن انفصل عن زوجته الثانية وفي السبعينات رحل الى هاواي وتزوج من باولا دنوي. على مدار الخمسة والستين عامًا التالية ، انخرط ميروين في واحدة من أكثر التجارب الشعرية تميزا بعد الحرب، حيث ترجم من مجموعات شعرية متنوعة من لغات متعددة مثل الفرنسية ، الألمانية ، الروسية ، الإسبانية ، الكاتالانية ، البرتغالية ، الإيطالية والصينية والرومانية واليونانية والأيرلندية والكيشوان والإسكيمو ولغة أمازيغ الجزائر، على سبيل المثال لا الحصر. نُشرت مجموعة أخرى من هذه الترجمات في ربيع عام 2013 ، جنبًا إلى جنب مع نسخة جديدة من الهايكو كتبها يوسا بوسون.

جاء في مقدمة كتاب بعنوان «قصائد مختارة» للشاعر الاميركي الكبير و.س. ميروين، من منشورات دار الجمل ومن ترجمة الشاعر العراقي الراحل سركون بولص، أن ميروين قطع أشواطاً بعيدة في مسار الشعر أكثر من أي شاعر أميركي أو بريطاني آخر حيث أبان عن صوت شعري مختلف يصبو الى الانسلاخ عن التقليد، بالرغم من أنه حافظ على خصائص الحساسية الشعرية المعاصرة في ديوانه الأول بعنوان «قناع لجانوس» (1952) والذي تميز بغنى في اللغة وتنوع في الشكل مما دفع بالشاعر W. H. Auden الى اختياره كأحسن عمل في مسابقة الشعراء الشباب التي تنظمها جامعة ييل.

قصائد ميروين تسبر أغوار العالم المعقد في قالب فنّي فريد من خلال مواضيع وأساليب لها علاقة بتجربته الشخصية، كما أنها تبحث في علاقة الفرد بالمحيط السياسي والطبيعي. كان مروين واحدًا من أعظم شعراء العالم الذين انشغلوا بالفقدان، وكان يؤرخ للظرف الإنساني ويندد بالتدمير الذي يطال البيئة بسبب التصنيع المفرط، وكان يعبر عن ذلك بإحساس مفرط في الزهد، وهو ما يعكس ممارسته للبوذية. على مدى مراحل عديدة من حياته، انسلخ ميروين من التقاليد القديمة التي فرضها التيار الشكلاني على الشعراء كي يتمكن من بناء فهم جديد وتقاسم رسالة تناسب العصر الذي يعيش فيه، ولذلك كان يتوق الى جعل شكل قصائده امتدادا للمحتوى عن طريق الاشتغال على مجال الكتابة. وبالرغم من أن بعض النقاد يميلون إلى تصنيفه كشاعر سابق لأوانه، إلا أنه صرَّح ذات مرة بقوله: «لم أؤسس أي نظرية جمالية حتى الآن، كما أني لا أعرف إن كنتُ أنتمي إلى أي حركة شعرية». يتميز أسلوبه في الشعر الحر برسم الصورة فوق الصورة دون علامات ترقي، وفي غالب الأحيان، يبرز مروين في شعره كيف أن البشر لا يؤدون دورهم بشكل صحيح في العالم وأنهم يعتقدون بأنهم أكثر أهمية من الكائنات الأخرى في خطة الخلق، وهو موضوع لا يمكن استكشافه بالكامل داخل الحدود الذي وضعها الحداثيون لأن الأشكال التي استخدموها في شعرهم تحد من استكشافاتهم. إلا أنه حتى التغيير في الأسلوب والموضوع لم يرضيه، فواصل البحث عن طرق جديدة لاستحضار معنى أسمى أو مختلف في شعره. فكان التغيير التالي هو الابتعاد عن اللغة المصممة والمتأثرة بالأشكال التقليدية، وبدلاً من ذلك ، بدأ في استخدام “القواعد النحوية” التي تركز على جوهر الأشياء من خلال البساطة المتأصلة في الوصف والانسجام المسموح به من خلال عبارات غير محددة . في هذه الصياغة والتركيب الغير المحددة ، لا تسعى الكلمات لتحل محل جوهر الشيء، بل تسمح للقارئ بدلاً من ذلك ، بالاستغناء عن الأشياء بالطريقة التي تناسبه، مما أجبر القراء على التفحص والتعليق ومسائلة الموضوع بانفسهم (ديفيس ، 42)، ولكي يشجع على تأويل أكثر حرية لشعره ، اختار أخيرًا التخلي عن استخدام علامات الترقيم.

سُئل ميروين ذات مرة عن الدور الذي يلعبه الشاعر في أميركا، فأجاب بقوله: «أعتقد أن للشاعر أملًا ميؤوسًا منه، فهو يريد –بيأسٍ كاملٍ- أن ينقذ العالم. يحاول الشاعر أن يقول كل ما يمكن قوله من أجل الشيء الذي يحبه ما دام الوقت لم يفت بعد. أعتقد أن هذا دور اجتماعي، أليس كذلك؟ إننا نستمر في التعبير عن غضبنا وحبنا ونتمنى –رغم استحالة ذلك- أن يكون له تأثير. لكنني تجاوزت هذا اليأس والرؤية البكماء والحرقة التي كنت أشعر بها بعد صدور ديوان «القمل». لا يمكن لأحد أن يعيش اليأس والحرقة دون أن يحطم تدريجيًّا هذا الشيء الذي أغضبه. العالم ما زال هنا وفيه الكثير من المظاهر الحياتية التي لا تؤذي أحدًا، وهناك حاجة ماسَّة لأن ننتبه للأشياء التي حولنا ما دامت حولنا؛ لأننا إن لم ننتبه لها فسيكون هذا الغضب محض مرارة لا أكثر». (المجلة الإلكترونية “بويتري فاونديشن”.

صدرت له أعمال شعرية عدة من أهمها: “القمل” و”قناع جانوس” الذي يرمز إلى إله الأبواب والبدايات عند الرومان -1952، و”الدببة الراقصة” الذي استلهم عنوانه من عمل فلوبير الشهير «مدام بوفاري» – 1954، و”مسرحية شعرية” 1963، “الدريئة المتحركة” -1963، و”ثلاث قصائد” 1968، “حامل السلالم” – 1970، و”العثور على الجُزر” 1982، و”انفتاح اليد” 1983. بالإضافة إلى هذه الأعمال أنجز ميروين ترجمات شعرية لبابلو نيرودا، مندلشتام، أعمال ومسرحيات لوركا، رينيه شار، جوزف برودسكي، بورخيس، مختارات من الشعر الصيني واليابانيو اليوناني والروسي، بالاضافو إلى جلال الدين الرومي، وبول إيلوار.

في مجموعته الشّعرية “القمل” التي صدرت عام 1967، عمّق ميروين اتجاهه التجريبيّ في الشّعر، في تبنّيه المعاييرَ المخالِفة للسّائد والتي عرضها في مقالتِه المثيرة للجدل “في الصّيغة المفتوحة On Open Form.” تناولت بعض قصائد هذا الديون حرب فيتنام التي كان مشتعلة آنذاك كما ركزت على عنف وتلاشي الحياة، وبدا الشاعر وكأنه عازم على التخلي عن جنسيته في سبيل انتماء قبلي أكبر من بلده، وعندما نال جائزة بوليتزر للشعر عام 1970 عن مجموعته “حامل السّلالم”، انتهز المناسبةَ ليشهر معارضته لحرب فيتنام. وفي السبعيناتهذا وبالرغم من تقدمه في السن، لم يتخلى ميروين عن مناهضته للحرب والاضطهاد، ففي عام 2003 عاد إلى واشنطن العاصمة مُفَوَّضاً من قبل “شعراء ضد الحرب” للتظاهر ضد الغزوّ الأميركيّ للعراق.

في منتصف سبعينيات القرن العشرين ، انتقل ميروين إلى ماوي بهاواي لدراسة Zen مع روبرت أيتكين ، الذي شجع ميروين على شراء قطعة أرضية فوق الجزيرة حيث بنى منزله وبعد فترة وجيزة التقى بزوجته بولا دوناوي وبدأ الاثنان يزرعان البذور في قطعتهما الأرضية في وادي بيهاهي على الشاطئ الشمالي لمدينة ماوي في هاواي. بعد فترة وجيزة، تحولت من “أرض قاحلة” إلى غابة نخيل مزدهرة تبلغ مساحتها 19 فدانًا، ظل ميروين عضوًا عزيزًومتفانيًا في خدمة المجتمع البيئي، كما أسس الزوجان في وقت لاحق منظمة غير هادفة للربح تسمى ميروين كونسيرفانسي من أجل الحفاظ على منزلهما ومناظره الطبيعية المتنوعة بيولوجيًا التي تضم أكثر من 3000 نخلة ، بالإضافة إلى نباتات نادرة ومهددة بالانقراض. في عام 2015 ، كان مروين، الشاعري والبيئي ، موضوع الفيلم الوثائقي “حتى وإن كان العالم كله يحترق.”

شملت أعمالُه النّثرية كتاب “نهاية الأرض”، مجموعة مقالات في الطبيعة والاستكشاف. وفي سنة 1994 أصبح أوّل من تلقّى جائزة تانينغ التي تبلغ قيمتها مائة ألف دولار الممنوحة من أكاديمية الشّعر الأميركيّ. جُمعتْ قصائده التي كتبها في الخمسين عاماً الأخيرة في مجلّد عنون ب”ارتحال: قصائد مختارة 1951-2001″، هذا المجلّد الذي نال جائزة الكتاب الوطنيّ. في 1999 عُيِّن مستشاراً شِعريّاً لدى مكتبة الكونغرس، وسُمّيَ أمير شعراء مهرجان ليالي ستروغا الشّعريّة في ماسيدونيا، ثم نال جائزة الشّعر الدّولية، جائزة الإكليل الذّهبيّ، جائزة لانان للإنجاز على مدى الحياة، وجائزة روث ليلي الشّعريّة. حصل ميروين على جائزة بوليتزر مرة أخرى عام 2009 عن مجموعة قصائده الجديدة “ظلّ النّجم الكلب.” تم نشر ديوانه الشعري الأصلي المعنون ب “وقت الحديقة” Garden Time في عام 2016 ، ومجموعتان: الطبعة الخمسون لديوانه ” القمل” The Lice وThe Essential W.S Merwin في عام 2017.

مات ميروين في نومه بمنزله في هاواي عن عمر كان 91 سنة ، وتم الإعلان عن نبأ وفاته من قبل ناشره Copper Canyon Press يوم 15 مارس 2019. ما تزال أخته Ruth Moser ، وأبناءه Matthew Carlos Schwartz وJohn Burnham Schwartz من زواج آخر على قيد الحياة.

بعض قصائده من ترجمتي:

مكان

في اليوم الأخير من العالم

أود أن أزرع شجرة

من أجل ماذا؟

ليس من أجل الفاكهة

الشجرة التي تحمل الثمرة

ليست هي التي زرعت

أريد الشجرة التي تقف

في الأرض لأول مرة

بينما الشمس

في طريقها إلى الغروب

والماء

يلمس جذورها

في الأرض المليئة بالأموات

والغيوم تمر

فوق أوراقها

واحدة تلو الأخرى

عندما تنتهي الحرب

عندما تنتهي الحرب

سنكون فخورين بالتأكيد  سيكون الهواء

في الأخير جيدا للتنفس

ستكون المياه قد تحسنت  سمك السلمون

وصمت السماء سيهاجران بشكل جيد

سيعتقد الموتى بأن الأحياء يستحقون كل هذا العناء

سنعلم من نكون

وسننضم جميعًا مرة أخرى إلى الجيش

 شكرًا

شكرًا

نقولها حين يجيءُ الليلُ

حين نتوقف على جسرٍ عالٍ ونرى الأسفل السحيق

حين نهربُ من الغرف الزجاجية

حين نضع في أفواهنا لقمة

نرفع بصرنا إلى السماء ونقولُ شكرًا

نقولها للماءِ

للنوافذ التي نقف خلفها ونحن نحدّق في الطريق الـ”سنمضي إليه”

شكرًا

نقولها حين نعود من المستشفى الذي ألِف وجوهنا

حين نعود من عزاءٍ ونجد بيوتنا مسروقة

حين نسمع عن موت أحدهم

عرفناهم أم لم نعرفهم سنقول دائمًا شكرًا

على امتداد المكالمات الهاتفية

عند عتبات الأبواب أو في الحقائب الخلفية للسيارات أو في المصاعد

نتذكرُ الحرب وأصوات رجال الشرطة وهم واقفون على أبوابنا

قلوبنا وهي تدقّ بقوة على السلالم

لكننا نقولُ شكرًا

في البنك نقولها

وفي أوجه القادة والأثرياء

وكل الذين لن يتغيروا مهما حدث

نكملُ طريقنا ونقول شكرًا

حين تموتُ البهائم من حولنا

ويموتُ معها شيئًا فشيئًا إحساسنا

نظل نقول شكرًا

حين تسقط الغابات بسرعة كما تسقط الدقائق من أعمارنا نقول شكرًا

حين الكلمات تنفد منا كما تنفد خلايا الدماغ

حين تصبح المدن أكبر منا

نقول شكرًا نقولها أسرع من أي وقتٍ مضى

حين لا يسمعنا أحد نقولها

نقول شكرًا ونمضي نلوّح

رغم كل هذا الظلام

***

ربيع أخير

أدخلُ الغرفة العُلْويّة مرّة أخرى بعد سنوات

بعد محيطاتٍ وظلالِ تلالٍ وأصواتِ أكاذيب

بعد خسائر وأقدام على السّلالم

بعد بحثٍ وأخطاء ونسيان

أستديرُ هناك متفكّراً لأجدَ

أن لا أحدَ هناك غير الذين أعرفهم

أخيراً أجدكِ

تجلسين في الأبيض

تنتظرين

أنتِ التي سمعتُها

بأذنيّ منذ البداية

التي لأجلها

فتحتُ البابَ أكثر من مرّة

ظنّاً منّي بأنّك لستِ بعيدة

كلمة

في اللحظةِ الأخيرةِ وقفتْ

تلكَ الكلمة التي ستقولُ الآنَ ما لم تقله من قبل

لن تعيدَ كلمتها بعدَ الآنَ ولنْ يتذكَّرها أحدٌ بعدَ ذلك

كلمة كانتْ كأيّ كلمة في المنزل

يستخدمونها في الحديثِ اليوميّ المعتادِ في الحياة

ليستْ جديدةً طارئةً ليستْ ذاتَ ماضٍ معتبَر

ليستْ للتعليقِ على شيء

لطالما ظنت الكلمةُ أنها

وحدَها منذ البدء تعبّرُ عنْ نفسِها

في كل استعمالٍ وسياق

لتقولَ آخر الأمرِ معناها الخاصّ بها

المعنى الـتي ظلَّت وحدَها تعبّر عنه

رغم أنه يبدو أنَّ أي كلمة ستعبّر عنه الآن

***

إعداد وترجمة الحبيب الواعي

شاعر ومترجم من المغرب

بحرك واسع ومركبي صغير

كنتُ “ذكيّاً” دائماً.
منذُ ولادتي .. وأنا “ذكيّ”.
عندما جرّتني “جِدّة غَزِيّة” الى هذا العالَمِ جَرّاً
لم أبْكِ ، ولم اتبادَل معها ابتسامتها الباهتة ، في وجوه المواليد الجُدُد ، لمحلّةِ “الشيخ علي”.
كنتُ أعرِفُ ، كما كانت “غزيّةُ” تعرفُ ، أنّ الأشياءَ التي سوفَ تحدثُ، لن تكونَ على مايُرام.
وطيلةَ أحدَ عشرَ طفلاً لاحِقاً
كنتُ أنا و “الجِدّةُ غَزِيّة”
نلعبُ لعبةَ الذكاءِ المُبَكِّرِ
ونُخْبِرُ المواليدَ في الكرخِ االعتيقةِ
أنّ أوضاعهم في اللحظةِ التاليّة
لن تكونَ على مايُرام.
بعدها أحبَبْتُ أكثرَ من عشرينَ امرأةٍ
لم ألمَسْ ، من فَرْطِ ذكائي ، واحدةً منهُنّ.
وكَدَحْتُ ، منذُ كنتُ بغلاً عمرَهُ ستّةً أشهُرٍ ، طيلةَ ستّينَ عاماً
دونَ أنْ أعرِفَ كيفَ يُمْكِنُ لبعضِ البغال
أنْ تأكُلَ أكثرَ من حُصّتِها
من هذا العَلَفِ المغشوش.
وكانَ مُنتهى ذكائي
أنَني خضتُ حروباً كثيرةً
احتسيتُ فيها الكثيرَ من “شوربةِ العَدَس”
وقضمتُ فيها الكثيرَ من الصَمّونِ “الصخريّ”
ولم أُقتَلْ في واحدةٍ منها .. الى الآن.
أنا سليلُ الذكاءِ المُفْرَطِ
في سُلالَةٍ لابلاهةَ فيها
منذُ سيّدةِ التفّاحةِ الواحدة
التي ضحكتْ على “جَدّنا”
قبل بليونِ عام.
الغريبُ في الأمرِ
أنّني ما أزالُ ذكيّاً
لأنّني أُخْبِرُ أبنائي ، كُلّ لحظةٍ ،
وفي غيابِ الجِدّةِ “غَزِيّة”
أنّ أوضاعهم لاحِقاً
لنْ تكونَ على مايُرام.
وأبنائي ، في الحقيقةِ، أذكى منّي
لأنّهُم يعرفون
بأنّهُمْ ، لنْ تقومَ لهم قائمة ،
ما دامَ أبوهم
ما يزالُ حَيّاً
الى هذهِ الدرجةِ منَ العَيْش
وما يزالُ “ذَكيّاً”
الى هذا الحَدّ.
لماذا يا ربّي
وَهَبْتني هذا “الذكاءَ” كُلّه
وأنتَ تعرِفُ أنَ بحرَكَ واسِع
و مركبي صغير
وأنّ الموجةَ الآتية
سيركبها القادمونَ مع المَدِّ
زاحفينَ على رملِ أيّامنا ، كصغار السلاحف ،
في ساحلِ الغباء العظيم ؟

رائعة السماوي سمير الشعر

( سـمـيـرَ الـشـعـر )

( إلى صديقي الشاعر المبهر علوان حسين : 
صدىً لصداحه ، وظلا لشجرة محبته )

_____________________

سَمِيْرَ الشِّعْرِ عَفْوَكَ يَا سَمِيْرُ

عَصِيَّاتٌ عَلَى سُفُنِي البُحُورُ

//

أُحَشِّمُ أَحْرُفِي فَتَفِرُّ مِنِّي

وَتَهْرُبُ مِنْ خُطَى قَلَمِـي السُّطُوْرُ

//

تَوَسَّلْتُ القَرِيْحَةَ فَاسْتَهَـانَتْ

بِصَـوْتِي وَاسْتَخَـفَّ بِيَ السَّعِيْرُ

//

وَكُنْتُ إِذَا أَشَرْتُ لَهَـا أَتَتْنِي

كمأمورٍ أَشَارَ لَهُ أَمِيْرُ

//

تَسِيْرُ كَمَـا أَشَـاءُ فَـلا “طَوِيْلٌ”

يُعَانِدُ إِنْ حَدَوْتُ وَلا “قَصِيْرُ”( 1)

//

لَهَــا كِبَرٌ فَمَـا عَرَفَتْ “زِحَافـاً”

وَلا “خَبْـناً” إِذَا طَـالَ الـمَسِيْر”( 2)

//

يُنَادِمُ نارَهَا قـَلْبِي . . فَحِيْناً

يُـنِيْرُ بِهَـا . . وَحِيْناً يَسْتَنِيْرُ

//

هُمَا ضِدَّانِ لَكِـنْ فِـي وِفَــاقٍ

وفَـاقَ الـجَمْرِ نَادَمَهُ البَخُوْرُ

//

سَمِيْرَ الشِّعْرِ عَفْوَكَ يَا سَمِيْرُ

حُقُوْلُ قَرِيْحَتِي ظَمْيَاءُ بُوْرُ

//

فَطُوْلُ تَغَرُّبٍ عَنْ نَبْعِ “ضَـادٍ”

يَبُلُّ بِهِ حُشَاشَتَهُ الـحَسِيْرُ”( 3)

//

أَضَـرَّ بِجَرْسِ حُنْجُرَةٍ صَدُوْحٍ

فَهَلْ لِيَبِيسِ حُنْجُرَةٍ عَذِيْرُ؟

//

سَمِيْرَ الشِّعْـرِ – لا زَعْماً – فُؤَادِي

وَقَدْ خَضَّبْتَهُ حُبًّا شَكُوْرُ

//

نَسَـجْـتَ مِنَ الرَّفِيْفِ لَهُ وِشَـاحاً

حَوَاشِيْهِ الـجَـدَاوِلُ وَالزُّهُوْرُ( 4)

//

أَتَانِي وَالـجَفَافُ يشِلُّ عُشْبِي

فَضَاحَكَنِي القُرُنْفُلُ وَالغَدِيْرُ

//

لَبِسْتُ وَكَانَ مِنْ حَسَكٍ قَمِيْصِي

فَدَثَّـرَنِي الزُّبُـرْجُدُ وَالـحَرِيْرُ

//

وَلَوْلا أَنَّ لِي وَطَناً جـريحـا ً

يَدُوْرُ عَلَيْهِ حَوْلَ السُّوْرِ سُوْرُ

//

وَأَهْلاً لا يُسَامِرُهُمْ أَمَانٌ

وَرَوْضَاً لا يَمُرُّ بِهِ العَبِيْرُ

//

نَصَبْتُ عَلَى ضِفَـافِ اللَّيْلِ تَخْتاً

بِهِ يَنْسَى رَزَانَتَـهُ الوَقُوْرُ

//

بَلَى … لَطَمـَتْ حَنَاجِرَهَا الأَغَانِي

وَشَـقَّـتْ زيْقَ عِـفَّـتِهَا الـخُدُوْرُ( 5)

//

وَسَدَّتْ بَابَها خَجَلاً شُمُوْسٌ

وَفَرَّتْ مِنْ هَوَادِجِهَا بُدُوْرُ

//

وَأَغْمَـضَتِ الـحُقُـوْلُ العُشْـبَ لَمَّـا

تَعَطَّلَ فِي اليَنَـابِيْـعِ الـخَـرِيْرُ

//

رَأَتْ وَطَنـاً يُسَـاقُ إِلَـى جَـدِيْـدٍ

مِـنَ البَـلْوَى تُحِـيْقُ بِهِ الشُّرُوْرُ

//

وَدِجْـلَـةَ – غَـادَةَ الأَنْهَـارِ- تُسْبَى

يعِيْـثُ بِهَـا الطغاةُ وَلا مُجِـيْرُ

//

فَـلَوْ أَنَّ النَّخِـيْلَ – الشَّعْـبَ – حُرٌّ

طَلِيـْقُ السَّعْـفِ لَمْ يَسْجُنْـهُ جُوْرُ

//

لَمَــا وَلَغَتْ بِدِجْلَتِهِ ذِئَـــابٌ

وَلا رَاعَـتْ عُيُـوْنَ مَهَا جُسُوْرُ”( 6)

//

أَذَلَّهُـمَـا بِسَـوْطِ القَـهْرِ طَـــاغٍ

خَـلائِقُــهُ الـحَمَـاقَةُ وَالغُـرُوْرُ

//

وَجَــلاَّدُوْنَ لَمْ يَنْـبِـضْ بِعِـرْقٍ

لَـهُـمْ مَا طَـالَتِ البَلْوَى شُعُوْرُ

//

“أَشَـاوِسُ” فِي الوَعِـيْدِ وَيَـوْمَ غَـزْوٍ

فَجِــرْذَانٌ تَضِـيْقُ بِهِمْ جُحُوْرُ”( 7 )

//

تَنَمَّرَتِ الـخِــرَافُ عَلَـى حَبِـيْسٍ

غَــدَاةَ تَخَـرَّفَـتْ فِيْـهِ النُّمُوْرُ”( 8 )

//

وَمَـا جَنَــحَ الشِّـرَاعُ بِنَـا وَلَكِـنْ

رَبَـابِـنَةُ السَّفِيْنَةِ لا العَشِــيْرُ

//

وَلا كَــانَ الطَّـرِيْقُ ضَرِيْرَ شَمْـسٍ

وَلَكِـنَّ الدَّلِيْـلَ هُـوَ الضَّــرِيْرُ

//

رَأَى تِـبْـراً فَأَغْمَـضَ عَـيْنَ عَـقْـلٍ

وَ”كُرْسِيًّـا” فَـزَاغَ بِهِ الضَّمِيْرُ( 9 )

//

عَلَى رِيْـشٍ يَسِيْـرُ وَكَـانَ يَوْمــاً

يَعِـزُّ عَلَيْهِ فِي الكُـوْخِ الـحَصِيْرُ

//

كَفَـرْتُ بِنِعْـمَـةِ التَّحْــرِيْرِ يَأْتِـي

بِهَــا وَحْـشٌ وَمُرْتَــزِقٌ أَجِيْرُ

//

إِذَا أُسِـرَ الـذِّمَــارُ فَـكُـلُّ أُنْثَى

بِـهِ أَمَــةٌ وَكُـلُّ فَـتَىً أَسَـيْـرُ( 10 )

//

أَدُجِّنَـتِ الكَـــرَامَةُ ؟ أَيُّ عِـزٍّ

لأَرْضِ النَّـخْـلِ يَحْكُمُهَا ” سَـفِـيْـرُ “؟

//

مَشَيْـــنَاهَا “وَمَا كُتِـبَتْ عَلَــيْنَا”

بَـرِيْءٌ مِـنْ تَخَــاذُلِنَا القَدِيْرُ( 11)

//

وَلِــي عُـذْرِي إِذَا يَبِسَتْ حُـرُوْفِي

عَلَـى شَفَـتِي وَجَـفَّ صَدَىً أَثِيْرُ

//

تَقَـرَّحَتِ الرَّبَــابَةُ … وَالـمَــرَايَا

مُقَــرَّحَةٌ … وَخُـبْزِي وَالنَّمِيْرُ

//

أَيُـغْوِي سَعْفُــهُ الـمَحْــرُوْقُ طَيْـراً

نَخِـيْــلٌ ؟ وَالعَصَافِيْرَ القُبُوْرُ؟

//

هَرَبْـتُ إِلَيْــهِ مِنِّي بَعْــدَ عَشْـرٍ

وعـشـر ٍ يستحثُّ بيَ الـحُبُوْرُ

//

رَأَيْـتُ النَّخْــلَ – مِثْلَ بَنِيْهِ – يَبْكِي

فَيَمْسَـحُ دَمْــعَ سَعْفَتِهِ الـهَـجِيْرُ

***

( 1 ) الطويل والقصير : من بحور الشعر
( 2 ) الزحاف : تغيير يلحق ثاني السبب الخفيف أو الثقيل في عروض الشعر . والخبن: حذف ثاني الجزء الساكن من التفعيلة . . والزحاف والخبن من عيوب القصيدة.
( 3 ) يبل : يروي . الحسير : الضعيف ، الكليل.
( 4 ) الرفيف : الخصب ، ومن الأخلاق : أحسنها.
( 5 ) الزيق : فتحة الثوب عند الصدر.
( 6 ) إشارة إلى بيت علي بن الجهم: عيون المها بين الرصافة والجسر ، جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري.
( 7 ) إشارة إلى هرب صدام حسين ومعاونيه وأتباعه دون قتال فسلموا بغداد للمحتل.
( 8 ) تنمرت : أصبحت نموراً . تخرفت : أصبحت خرافاً
( 9 ) إشارة إلى بعض حفاة المنافي الذين سرقوا مئات ملايين الدولارات بمشاركة أولياء أمورهم الذين فتحوا لهم أبواب قصر الخلافة !
( 10 ) الذمار : كل مُلك يتوجب الدفاع عنه ، والمراد هنا الوطن.
( 11 ) تحوير للبيت العربي: مشيناها خُطى كتبت علينا ، ومن كتبت عليه خطى مشاها.

سأموتُ أخيراً .. من شدّةِ البهجة‎

أنا الآن .. طاعنٌ في السِنّ.
هناك من يقول .. ” لقد بلغتُ منَ الكِبَرِ عِتِيّا”.
هناكَ مَنْ يَدّعي .. “أنّ هذا أرذلُ العُمْر” .
امرأةٌ في الخمسين ، تهمسُ في أُذْنِ صديقتها .. “هذا رجلٌ عجوز”.
صديقٌ في الستّين يقول .. لقد “راحَتْ عليكَ” ، و على شَيْباتكَ يارَجُل .. ولم يَعُد فيك ، ما يُثيرُ بعوضة.
هناكَ من يُناديني .. “حَجّي”.
النساءُ الصغيرات الرائعات ، يَقُلْنَ لي .. “عمّو”.
أنا أُحِبُّ “عَمّو” هذه كثيراً
وأُفَضِّلها على غيرها من التسمياتِ المُميتة.
لستُ سعيداً بهذهِ الأوصافِ طَبعاً
ولستُ حزيناً أيضاَ
ولكنّني أشعرُ بالدهشةِ
لأنّني مازلتُ حيّاً
مع أنّ أكثرَ من حربٍ
قد تركَتْ وحلها فوق روحي.
أشعرُ بالدهشةِ لأنّني لم أمُتْ
مع أنّ ماعشتهُ في حياتي
لم يكُنْ بوسعِ حيوانٍ
أنْ يتحمّلَهُ قَطْ.
أشعرُ بالدهشةِ ، لأنّ كُلّ الذينَ أُحِبُّهم ماتوا ،
دونَ سبَبِ كافٍ
يُبَرّرُ الرحيلَ المُبَكِّر.
مَثَلاً .. أنّ أحدهم ماتَ ، بعدَ وَجَعٍ في القلب ، دامَ بضعَ دقائق.
والأخرُ ماتَ بعدَ إنْ غادرَ البيتَ ، ليشتري للعائلة ، سندويجَ “فلافل” .. فجاءَ أحدهم ، وحزَ عنقَهُ بسكّينٍ ، وتركهُ يرفسُ في الشارع.
والآخرُ ماتَ ، لأنّ شخصاً لا يعرفهُ ، قد اطلقَ عليهِ الرصاص ، وكأنّهُ كيسُ من الرمل ،
كانَ يُنجِبُ أطفالاً ، يشبهونَ صغارَ السمَك ، وهاهُم يلبُطونَ الآنَ على الأرصفة.
وهُناكَ من ماتَ من الجوعِ ، بعدَ إنْ أفلتَ من الكوليرا.
بلْ أنّ أحدهم كانَ أبلَهاً .. فمات ..
لأنّ كُلّ الذينَ يكرَهَهُم .. ماتوا.
وتصَوّروا .. أنَّ إحداهُنَّ ماتت .. لا لشيء .. إلاّ لأنّها ، أحَبّتْ رجُلاً غيري.
كُلُّ هذهِ .. أسبابٌ غيرُ عميقةٍ للموت .
وهي ذاتها التي تركتني أعيشُ ، الى هذه اللحظة ،
في انتظارِ سببٍ وجيه
يستَحِقُّ أنْ أموتَ لأجلِه ..
كأنْ أغفو ذاتَ مساء
مُبتَسِماً لوجهها العذب
ولا أصحو بعد ذلكَ أبداً
الى أنْ يُستَهلَكَ هذا العالم ..
أو .. الى أنْ تاتي تلكَ الرسولةُ فعلاً ،
وتغفو فوقَ صدري
قادمةً من الحُلْم
فأموتُ أخيراً
من شِدّةِ البهجة.

عندما كان في دجلة ماء

عندما كانَ في دجلةَ ماء
وكانَ كُلُّ الذينَ يعبرونَ الجسورَ
ينتَظِرونَ أحداً
في الضِفَةِ الأخرى من النهر
كانَ جسرُ “الصرّافيّةِ” يعبرُ بي
من “العطيفيّةِ” .. إلى الكَسْرَة.
كانَ ذلكَ قبلَ أنْ ننكَسِر بقليل
ونبحثَ عن جسرٍ بديل
يوصِلُنا الى ما نحنُ فيه
حيثُ لا نخلَ ولا نارنج
في البساتينِ المُطِلَّةِ على الشطّ
قربَ معمل “الدامرجي”.
وكلما عُدْتُ من الحربِ
كنتُ أعبرُ ذلكَ الجسرَ وحدي
صاعِداً جبلاً من حديد
وكنتُ أُقَبِّلُ في كُلّ خطوةٍ لجُنديٍّ مُتْعَبٍ
من بقايا جنود المشاة
سياجَهُ الباردَ الرماديّ
مُتَوَهِماً أنّ ذراعيكِ الدافئتين
كانتا تُحيطانِ بخصري
الذي اسْوَدَّ من ثُقْلِ “النِطاق”
طيلةَ أربعينَ يوماً جرداء
من أيّامِ الحرب العراقيّةِ الايرانيّة.
أينَ كُنتِ يومَها
قبلَ أنْ ننكَسِرْ بقليل
وقبلَ أنْ “يغدِرَ الغادرون”
ويُحرِّرَنا “جورج دبليو بوش”
من أوهامنا الفائضةِ عن الحاجة ؟
أينُ كُنتِ قبل أنْ لا يعودَ هناك
كُلُّ هذا
وحيثُ “أبو دَلَف”
لمْ يَعُدْ يزرعُ الخسّ
في الحقل القريب من “الاصلاح الزراعي”
وعمّي مُحمّدَ مات
وعمّي حميد
لم يعُد قادِراً على اصطياد السَمَك
وابنُ خالتي خالد
لم يَعُدْ يُصَحِّحُ معي
مجلة “التربية الاسلاميّة”
بينما الاستاذ عبد الوهّاب
يقولُ لي بصوتهِ الخاشِع
باركَ اللهُ بكَ يا ولدي
لقد حان أوانُ صلاةِ المغرب ؟
أينَ كُنتِ يومها
عندما كانَ هناك ماءٌ ونخلٌ ونارنج
وعندما كنتُ أقطعُ الشارِعَ راكِضاً
من “براثا” الى الشَطّ
لأشُمَّ رائحةَ البساتين
في ثوبكِ الواسعِ عند الصَدْر
وعندما كانت حماماتي النهمات
تُريدُ أنْ تنقُرَ قمحكِ العذب
في “معمل الدامرجي” ؟

النابغة الشاعر يحيى السماوي  تاريخ عريق وسيرة طويلة من الابداع والتألق – طالب الدراجي

النابغة الشاعر يحيى السماوي 
تاريخ عريق وسيرة طويلة من الابداع والتألق 
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
يحيى عباس عبود السماوي. شاعر عراقي. ولد عام 16 مارس 1949 في مدينة السماوة بالعراق. حاصل على بكالوريوس الأدب العربي من جامعة المستنصرية بالعراق عام 1974. اشتغل بالتدريس والصحافة والإعلام في كل من العراق والمملكة العربية السعودية, وهاجر إلى أستراليا عام 1997.
~~~~~~~~~
“دواوينه ”
___________
عيناك دنيا 1970
قصائد في زمن السبي والبكاء 1971
قلبي على وطني 1992
من أغاني المشرد 1993
جرح باتساع الوطن 1994
الاختيار 1994
عيناك لي وطن ومنفى 1995
رباعيات 1996
هذه خيمتي.. فأين الوطن 1997.
أطبقت أجفاني عليك
الأفق نافذتي
زنابق برية
نقوش على جذع نخلة
قليلك … لا كثيرهن
البكاء على كتف الوطن
مسبحة من خرز الكلمات
شاهدة قبر من رخام الكلمات .
لماذا تأخرتِ دهرا ؟
مناديل من حرير الكلمات
بعيدا ً عني .. قريبا ً منك
تعالي لأبحث فيك عني ..
أطفئيني بنارك .
_______________
حصل على جائزة أبها الأولى لأفضل ديوان شعر لعام 1993. نشرت قصائده في العديد من الصحف والمجلات الأدبية العراقية والعربية والأسترالية والسنغافورية، وفي مجلة كلية الفنون والآداب / جامعة لويزيانا الأمريكية ومجلة جامعة سيدني الأسترالية، وترجمت له الشاعرة الأسترالية إيفا ساليس مختارات شعرية تحت عنوان “Two Banks With no Bridge”، صدرت ضمن منشورات “ Picaro” للنشر والتوزيع. كما ترجم له الدكتور صالح جواد الطعمة، هند أبو العينين، جواد وادي، الدكتور رغيد النحاس، د . عادل الزيدي، والشاعرة الجزائرية آسية السخيري، والشاعرة الأسترالية آن فيربرن، ود . بهجت عباس، وصباح محسن جاسم، جمال جلاصي وآخرون. كما ترجمت له منتخبات شعرية إلى الأسبانية والفرنسية والألمانية والفارسية.
كما حظي شعره بعدد من البحوث والدراسات الجامعية، وهو مقيم في أستراليا حالياً. حاز ديوانه “قلبي على وطن” جائزة الملتقى العربي في أبها عام 1992 كما حاز ديوانه “هذه خيمتي .. فأين الوطن” جائزة الإبداع الشعري برعاية جامعة الدول العربية عام 1998 وعام 2008 حاز ديوانه “نقوش على جذع نخلة” جائزة البابطين لأفضل ديوان شعر وحاز جائزة دار المنهل للقصيدة العربية وجوائز أخرى منها درع ديوان العرب للعام 2007.
~~~~~~~~~~
عضوياته
____________
عضو اتحاد الأدباء العراقي
عضو اتحاد الكتاب والأدباء العرب
عضو اتحاد الأدباء الأسترالي
عضو رابطة قلم العالمية
عضو رابطة شعراء العالم
______________________
كتبو عنه :
………………
د. علي جواد الطاهر
د. عبد الملك مرتاض
د. عبد العزيز المقالح
د. عبد الله باقازي
د. غازي القصيبي
د. عبد العزيز الخويطر
د. جميل مغربي
د. حسن فتح الباب
أ. يس الفيل
أ. فاروق شوشة
د . محمد جاهين بدوي
أ. حسين الغريبي
د. فاطمة القرني
د. عبد الله الحيدري
د. حاكم مالك الزيادي
د. حسن الأمراني
أ. سلطانة العبد الله
د. محمد بن سعد
د. ثريا العريض
د.عبد اللطيف أرناؤوط
البروفيسور توماس شابكوت
أ.روب ووكر داون كولسي
أ. انطوان القزي
أ. شوقي مسلماني
الشاعر فائز الحداد
وأنا ..واخرون.

اسباب الغياب عديدة

عماد عبد اللطيف سالم

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=626470

1 hr ·
أسبابُ الغيابِ عديدة ..
منها ، مثلاً ، أنْ تكونَ أباً

في وقتٍ لا يصلَحُ لليُتْم .

أنْ تكونَ اُمّاً
في زمنٍ لا يصلَحُ للحنين.
أن تكونَ “مُواطِناً”
في بلدٍ من أربعةِ حروفٍ (أو ثلاثة)
يخسَرُ دائماً في كرة القدم.
أن تكونَ حكيماً
في عشيرةٍ نافقة
مثل أمَل.
أنْ تكونَ مَلِكاً
في مزبَلَة.
أن تكونَ حيّاً
و تبحثُ عن امرأةٍ تقولُ .. أُحِبُّكَ
فتَجْفَلُ من الدهشة
في هذا الوقتِ منَ العُمْرِ
شحيح السيولة.
وأخيراً ..
انْ تغيب
فلا تجِدْ للغياب
سبَباً مُقْنِعاً
سوى أنَّ حذاءَكَ الوحيد
ضَيِّقُ جدّاً
في هذا العالَمِ الواسع.

كلّ عام .. والأنذالُ بخير‎

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=622774

 

كنتُ أحمقَ في الأعوامِ السابقة
وأنا أحمقُ الآنَ
وسأكونُ أحمقَ في العامِ القادم.
لا أدري لماذا لا يكونُ الأوغادُ حمقى .. مثلي.
ها هُمْ يجوبونَ الحياةَ طولاً وعُرْضاً
و ينالونَ أبهى النساء
ولا يحزنونَ ابداً
ولا تطالَهُم الخيبات
ويحيطُهُم اللهُ برعايته وحِفْظِه
ويمنحهم أسباب البقاء
ويمُدُّ لهم يدَ العًوْن
والخلاصَ الذي لا ينضَب.
أمثالي يَكُدّونَ مثل البغال
منَ ظُلْمةِ الرَحْمِ ، الى ظُلْمةِ القبر
ومِنَ القبرِ ، لا يعرفونَ سيذهبونَ الى أين ..
ولا شيءَ آخر.
أمثالي .. “فُطَّرٌ” ، سُذّجٌ ، شارِدٌ ذهنهم .. مثل حمارِ عتيد.
والأنذالُ يملأونَ الشاشات ، والطرقات ، والميادين ، والمُدُن ، والسماوات ، والأرصدة.
أمثالي يقرأونَ ، ويكتبونَ .. ويحلمونَ ، ويكتبونَ ..
والأنذالُ عادةً
لا يُجيدونَ القراءة.
كُلُّ عامِ ، والسُذَجُ من أمثالي ،
يكتبونَ عن غدٍ لا يجيء
ويحلمونَ بنهار يُزيحُ الغُمّةَ عن هذهِ الأُمّة.
كُلُّ عامٍ .. والأنذالُ بخير
وكُلُّ يومٍ .. والأوغادُ معنا
نتَنَفّسَهُم كالسَخام
معَ الشهيق التالي.

ماذا ستفعلُ بيومٍ إضافيٍّ من العَيْش؟

ماذا ستفعلُ بيومٍ إضافيٍّ من العَيْش؟
تعيش؟
ثمّ ماذا؟
تنتَظِرُ أنْ يموتَ أحدهم ، فتَبْتَسِمْ
في اللحظةِ السابقةِ على موتِكَ أنت ؟
تُحِبُّ؟
ثُمّ ماذا ؟
مَنْ سوفَ يُحبُّكَ الآنَ
وأنتَ تستيقظُ صباحاً
مثل حصانٍ عتيق
لتمشي في شوارعَ للنسيانِ
ورصيدكَ صِفرٌ من البهجةِ
التي لا لزومَ لها
في هذا الوقتِ الفائضِ من العُمْر ؟
ماذا ستفعلُ بيومٍ إضافيٍّ من العَيْش؟
لا شيء.
لا شيءَ سوى أنْ تموت
كما كنتَ تفعلُ في كلِّ يومٍ اضافيّ
كنتَ تودُّ أنْ تعيشَ فيهِ ، كما أنت ،
ولم يكُنْ بوسعكَ أبداً
أنْ تفعلَ ذلك .
ماذا ستفعلُ بيومٍ إضافيٍّ من العَيْش؟
صعبُ جدّاً
أن تنهضَ صباحاً
من سريركَ الساكِت
وتمشي مثل فيلٍ يابس
في دروبٍ “متروسَةٍ” بالبنادق
باحثاً عن الوجوهِ التي ماتتْ
قبلَ أن تشيخ القُبُلاتُ فيها
بوقتِ طويل
وعن تلكَ الرائحة
التي تسكنُ “نارنجة” روحك
منذ كانت البساتينُ تضحكُ
في “العطيفيّةِ” الثانيّة.
ماذا ستفعلُ بيومٍ إضافيٍّ من العَيْش؟
تبتَسمُ لجُثّةِ المدينةِ
التي ماتتْ توّاً
وتبدأُ في عَدِّ الديدانِ
التي تتسلَلُّ منها
اليك؟
ماذا ستفعلُ بيومٍ إضافيٍّ من العَيْش؟
ربّما ستعيش..
ستعيش..
وفي كُلِّ يومٍ “حَدِيّ”
(هكذا يُسَمّونَ “الاضافيّ” في الاقتصاد)
سيكونُ عليكَ أنْ تتنفّسَ وحيداً
وأنْ تُصغي لآخرِ حشرجةٍ في رئتيك
بينما حَدُّ العيشِ الاضافيّ
كحَدِّ السكّين
يأكلُ بمزيدٍ من الأسى
ما تبقّى من قلبكَ الفارغ
من فرط الخذلان .
ماذا ستفعلُ بيومٍ إضافيٍّ من العَيْش؟
لو كان هناكَ يومٌ إضافيُّ منَ العَيش
لذهبتُ الى “خُضر الياس”
على الشَطِّ المقابلِ لـ “سوق الجديد”
وجعلتُ ما تبقّى من هذه الروح
“كَرَباً” طافياً من نخلٍ قديم
أوقِدُ فوقهُ شمعَ الحبيباتِ
واتركهُ ينسابُ جنوبَ الجسرِ “العتيق”
الذي كانت تطيرُ “التنانيرُ” فوقَهُ دائماً
ولم يعُدْ مُمكناً لمثلكَ الانَ
أن يوقدَ فوقَ سياجهِ البائد
شمعةً واحدة.