الشاعرة لويز كلوك

ومن قصائد لويز جلوك:

سعادة

رجل وامرأة على فراش أبيض

إنه الصباح، أفكر، وعما قليل سيصحوان.

ثمة زنابق على نضد السرير.

 فى مزهرية تغمرها الشمس

آراه ينقلب نحوها

كأنه، بصمت، سيلفظ اسمها

عميقا فى فمها

على حافة النافذة

مرة، ثم مرة أخرى،

يشدو طائر.

ثم ترتعش المرأة،

جسدها يمتلئ بأنفاسه.

افتح عينى فأجدك تتأملنى

فوق حجرتنا

تنساب الشمس

تقول: انظرى إلى

وتقرب وجهم منى

كأنه مرآة

كم أنت هادئ

بينما العجلة المشتعلة

تمر بسلاسة فوقنا.

بورتريه

ترسم طفلة إطار الجسد

ترسم ما تجيده، الإطار الخارجى فحسب،

أما الباقى فيملأه البياض

لا تستطيع الطفلة ملء ما تعلم أنه كائن هناك

تدرك أمها: داخل خطوط الإطار الهشة

ليس من حياة

لقد فصلت بين الاثنين

وكطفلة تلتفت الآن إلى أمها

وها أنت ترسمين القلب

فى الفراغ الذى صنعته

الحديقة

تحبك الحديقة

ومن أجلك تلطخ نفسها بالخضرة

وبأحمر الورود

لكى تدخليها على عشاقك

أترين كيف أنشأت أشجار الصفصاف

خيم الصمت الخضراء هذه

لكن ما زال ثمة ما تحتاجين إليه

جسدك لينن جدا، حى جدا،

بين الحيوانات الحجرية

اعترفى أنه من الرهيب أن تكونى مثلها

بمنأى عن الأذى

 المعاتبة

خدعتنى يا “إيروس”

حين أرسلت إلى 

حبى الحقيقى

صنعت، على هضبة عالية

نظرته الثاقبة، 

ولم يكن قلبى

صلبا كسهمك

ما الشاعر بلا أحلام

ولويز جلوك واحدة من أبرز الشعراء الأمريكيين فى جيلها، وقد فازت بالعديد من الجوائز الأدبية الرئيسية فى الولايات المتحدة، مثل وسام العلوم الإنسانية الوطنية، وجائزة بوليتزر، وجائزة الكتاب الوطنية، وجائزة نقاد الكتاب الوطنية، وجائزة بولينجن، بالإضافة إلى جوائز أخرى.




الخبر من المصدر

مضناك جفاه مرقده

احمد دراوشة

لما رأيت تعلّق الناس، من جديد، بقصيدة أمير الشعراء، أحمد شوقي، على صعوبة ألفاظها عند البعض وانسيابيّة اللحن، وجدت أن أشرح أبياتها، ولمّا فعلت، شرحت تلك الواردة في الأغنية فقط، رغم أن هنالك أبياتًا أجمل وأكثر رونقًا في القصيدة، كأبيات القَسَمِ في آخرها؛ والقصيدة، كما بدت لي هي قصيدة معارضة لقصيدة ‘يا ليل الصب’، والمعارضة في الشعرـ تحيّة من اللاحق إلى السابق.

مضناكَ جفاهُ مرقدهُ وبكاه ورحّم عوّده

مضناك: من إضناء، تقول العرب: أضناه المرض أي أقعَدَهُ من شدّة الهزال والشقاء، فَـ [مضناك] تعني حينكذا: من أقعده حبّك أو الوصل.

جفاه مرقده: أما المرقد فهو مكان النوم، فجفاه مرقده تعني أنه لشدّة التفكير فيك، ما عاد قادرًا على نوم الليالي.

وبكاهُ ورحّمَ عُوّدُه: والعُوّد جمع عائدٍ وعائدة، أي من زاره للاطمئنان على صحّته.

تعني أن زوّاره بكوه وترحموا عليه لمّا ظنوه مفارقًا لدنيانا نظرًا لمرضه الذي جعله مفارقًا للنوم.

حيرانُ القلبِ مُعَذَّبُهُ     مقروح الجفنِ مسهده

تأكيد على ما أعلن عنه في مطلع القصيدة: قلبه حائر يعذبه بما فيه، وعيناه متقرحتان لا تنامان.

يستهوي الوُرق تأوُهُه ويذيب الصخر تنهده

الوُرق (بالضم) هو كل أبيضٍ شابه السواد، ولي في هذا مذهبان: الوُرق أي الحمام الأبيض مكحّل العينين يهوي من السماء لما يسمع تأوه العاشق أو الوُرق: الريم، الغزال الأبيض، ونظرًا لأن القصيدة هذي ردٌّ على موشح ‘يا ليل الصب’ للحصري الضرير؛ فهذا المعنى أصلح -عندي- وأرجح، حيث يقول الحصري في قصيدته: ‘كلف بغزال ذي هيفٍ’، فيرد عليه الشوقي بالقول إن الغزال الذي تغزّل فيه جل شعراء العرب، استهواهُ تأوه العاشق؛ ويكمل الشاعر في عجز البيت قوله أن الصخر ذاب لشدّة تنهّداته جرّاء البعد عن المحبوب.

ويناجي النجم ويتعبُهُ ويقيم الليل ويقعدُه

لشدّة ما يقاسي الصب من انفصاله عن محبوبته، فإنه يتحدث مع النجم ليلًا يشكو له جناية المحبوب، حتّى أن النجم تعب منه.

الحُسنُ حلفتُ بيوسفه والسورة أنك مفردُهُ.

أما عن الحسن، فإني أقسم بيوسف الحُسن الحَسَن، أي يوسف عليه السلام، وبالسورة البديعة التي نزلت فيه تروي حكايته، أنك مفردةٌ من مفرداته.

وتمنّت كل مقطعةٍ يدَها لو تُبعَثُ تشهدُهُ.

ويستلهم شوقي من النص القرآني الكريم ومن سورة يوسف عليه السلام، تحديدًا، قصّة النساء اللائي انشغلن عن البرتقالة التي بيدهن والسكين لما رأين حسن يوسف وهو إليهن داخل، فطقعنَّ أيديهنّ لذلك، فلمّا انتبهن مما هنّ فيه صرخن، رغم ذلك، فلو شاهدنك لتمنين أن تُبعَث أيديهن من جديد لتشهدن حسن المحبوب حتّى لو قضين كرّةً أخرى في سبيله.

جحدت عيناك زكيَّ دمي أكذك خدّك يجحده؟

إن كانت عيناك قد جحدتا ما رأين من دمٍ يسفك أمامهن، فهل سيجحد خدّك ذلك، وما فيه من احمرار يكاد تفجّر هو من دمي؟

قد عزّ شهودي إذ رمتا فأشرتُ لخدّك أشهدُهُ

لا شهودَ لي حين رميتُ من عينيكِ بتهمة إنكار دمي الزكي، فأشرتُ وقتئذ لخدّيك الأحمرين فهما خير شاهد لي.

بيني في الحب وبينك ما لا يقدر واشٍ يفسِدُهُ

لا يقدر أي شخص، مهما بلغت قدرته على الوشي، أي نسج الفتن بيني وبينك، أن يلغي أو يفسد الحب الذي بيننا.

ما بال العاذل يفتح لي باب السلوان وأوصده؟

رغم كل ما أعانيه جرّاء حبّك، الا أنني أرفض نسيانك، حتى أن لائمي يفتح لي بابًا لنسيانك، لكنني أغلقه رفضًا لذلك.

(للفائدة: السلوان: خَرَزة تُسْحَق ويُشْرَبُ ماؤُها فيَسْلُو شارِبُ ذلك الماءِ عن حُبِّ من ابْتُلِيَ بحُبِّه – لسان العرب)

قسمًا بثنايا لؤلئها قسم الياقوت منضده

يقسم الشاعر في هذا البيت بأسنانها المرصوفة كأنه اللؤلؤ الذي قام الياقوت برصفه وتزيينه.

ما خنت هواكِ، ولا خطرت سلوى بالقلب تبرده

جواب القسم، أنه ما خان محبوبته ولا ورد على قلبه شيئًا يبّرد ما فيه من نار العشق المتأطمة.

اليُتْمُ أليف .. والأيتامُ كذلك

اليُتْمُ أليف .. والأيتامُ كذلك


عماد عبد اللطيف سالم
 
الحوار المتمدن-العدد: 6691 – 2020 / 9 / 30 – 22:31
المحور: الادب والفن
    

اليُتْمُ جميل
والأيتامُ كذلك.
أنا أُحِبُّ الأيتام.
عندما لايكونُ عَدوّي يتيماً
يكونُ عَدُوّي
وعندما يصبحُ يتيماً
أُحِبُّهُ على الفور.
اليُتمُ سلام
والأيتامُ مُسالمون.
لايوجدُ يتيمٌ واحد
أشعلَ والدهُ حرباً.
اليتيمُ أليف.
واليُتْمُ أُلفة.
كلبي الصغير “فلفل”
يتيمٌ تماماً.
لايوجدُ يتيمٌ غنيّ.
الأيتامُ فقراءُ دائماً
مثل قمرٍ غائب
لذلكَ يقولُ العراقيّون ..
“في وجهِ اليتيم ..غابَ القمر”.
اليتيمُ مُحِبّ.
أنا يتيمٌ لأنّني أُحِبُّها
بينما هي لاتعرفُ ذلك
لا تعرفُ لماذا
يحبّها يتيمٌ مثلي
كُلّ هذا الحبّ.
اليتيمُ حزين
حتّى عندما يكونُ سعيداً
إحداهُنّ قالت لي .. أنّها يتيمة
لمْ اُصدّقْ ذلك
إنّها تضحكُ على الدوام
دونَ سبب.
اليتيمُ وحيد
حتّى عندما لا يكونُ كذلك.
أنأ يتيم
لأنّني .. دائماً … وحدي.
قبلَ أنْ يموتَ الأبُ بوقتِ طويل
تعرفُ الأمُّ من ملامحِ الأبّ
إنّ إبنها هذا
سيكونُ يتيماً
في أقربِ فرصةٍ ممكنة.

حنين

احن الى قلبي القديم

واشتاق

الى بعض احزاني

الى قبلة ترسلينها في السر ونظرة شوق

وعناق

وشيء من رائحة الرصيف

وعتاب تخفينه

ونهار غاضب

يهمس لي

اهرب

وصمت رفاق

اشتاق

الى حانة اموت بها وحدي

المعارضات

تعريف المعارضات ونشأتها

(عرض) لغة: ظهر، و(عارضه) سار حياله، أو أتى بمثل ما أتى به. و(عارض) الكتاب بالكتاب: قابله. وقد جاء في معجم (لسان العرب) أن (المعارضة) هي المحاذاة.
واصطلاحا: هي أن يقول الشاعر قصيدة في موضوع ما، فيأتي شاعر آخر، فينظم قصيدة أخرى على غرارها، محاكياً القصيدة الأولى في وزنها، وقافيتها، وموضوعها، مع حرصه على التفوق.
وهكذا تقتضي (المعارضة) وجود نموذج فني ماثل أمام الشاعر المعارض، ليقتدي به، ويحاكيه، أو يحاول تجاوزه. ولهذا لم تكن في الشعر الجاهلي (معارضات) لأن المثال (أو النموذج) الشعري قبله كان مجهولاً.

تاريخ المعارضات:
الشعر الجاهلي هو أقدم شعر وصل إلينا. ولهذا اتخذ مثلاً و(نموذجاً) ينبغي احتذاؤه، دون أن تجد فيه ذكراً لمعارضات شعر قبله، بل فيه، من ذلك حادثة الاحتكام إلى أم جندب (زوجة امرؤ القيس)، والتي كانت بين زوجها وعلقمة بن عبدة (الفحل)، حيث قالت لهما: قولا شعرا تصفان فيه فرسيكما، على روي واحد، وقافية واحدة. فقال امرؤ القيس قصيدته التي مطلعها:
خليليَّ مُرّا بي على أمّ جندب
لنقضي لباناتِ الفؤادِ المعذّبِ
حتى وصل إلى قوله:
فللسوطِ ألهوبٌ وللساقِ درّةٌ
وللزّجْرِ منه وقعُ أهوج منعب

ثم أنشد علقمة قصيدته التي مطلعها:
ولم يكُ حقاً كلُّ هذا التجنبِ
ذهبتَ من الهجران في كل مذهبِ
حتى وصل إلى قوله:
فأدركهن ثانياً من عنانه
يمرُّ كَمرّ الرائح المتحلبِ
فقالت لامرئ القيس: علقمة أشعر منك. فقال: وكيف ذاك؟ قالت لأنك جهدت فرسك بسوطك، ومريته بساقك. أما علقمة فقد أدرك طريدته وهو ثان من عنان فرسه، لم يضربه بسوط، ولا مراه بساق، ولا زجره. فقال امرؤ القيس: ما هو بأشعر مني، ولكنك له وامقة. فطلقها وخلف عليها علقمة فسمي ( الفحل)
وعلى الرغم من أن أثر التكلف والوضع في هذه القصة فإنها ذات دلالة واضحة.
أما الشعر في صدر الإسلام فيبدأ بالبعثة النبوية (13هـ)، وينتهي بآخر الخلفاء الراشدين، وقيام الدولة الأموية (40هـ). وفيه انصرف الشعراء إلى القرآن الكريم يستلهمونه، كتعويض فني عن الشعر، وعلى الخصوص عندما نزلت الآيات التي تسفّه الشعر (وما هو بقول شاعر)، و(الشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين آمنوا” (سورة الشعراء). والأحاديث النبوية: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعرا). ولهذا صمت بعض الشعراء مثل: لبيد الذي قال: لقد عوضني الله عن قول الشعر بالقرآن. وتحول بعضهم عن القيم الجاهلية إلى القيم الإسلامية، فناصر الدين الجديد بشعره، كما فعل حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، ممن جندوا شعرهم في سبيل الدين الجديد، ومن هنا تشجيع النبي صلى الله عليه وسلم لحسان وقوله له: “اهجهم ومعك جبريل روح القدس. والق أبا بكر يعلمك تلك الهنات” وتزويجه إحدى الجاريتين اللتين أ هداهما له المقوقس، فولدت له عبد الرحمن. ومن هنا أيضاً استماعه إلى كعب بن زهير يلقي مدحته، بعد أن كان قد أهدر دمه .واستمر الخلفاء الراشدون على ذلك، فعمر بن الخطاب ينهى الناس عن أن يتناشدوا ما كان بين الأنصار ومشركي قريش من مناقضات، ويرى في ذلك إثارة للعصبية وتجديداً للضغائن.
ولما جاءت الفتوح، تشاغلت العرب عن الشعر بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته، كما يقول ابن سلام، ولم يتح للمجاهدين الإخلاد إلى نفوسهم، فقد حرمتهم التعبئة المستمرة ساعات الفراغ، وملأت حياتهم، فانطلقوا في البلدان يشرعون سيوفهم في سبيل الله. والواقع أن الفتوح ينبغي أن تثري الشعر عندما تتيح للشاعر أن يشهد ما لم يشهده من بلدان بعيدة، وطبيعة جميلة، وحروب شديدة. وحنين إلى أهله وذويه. ولكن الحركة الدائبة، والتنقل المستمر لم يتيحا له قول الشعر إلا على عجل. ومن هنا برزت ظاهرة فنية جديدة في شعر الفتوحات هي أن هذا الشعر أصبح شعر مقطوعات لا قصائد وأن الشاعر لم يعد بحاجة إلى مقدمات طللية، وإنما هو يهجم على موضوعه، دون تمهيد، كما يضرب المحارب بسيفه.
وأما العصر الأموي فيبدأ سنة 40 هـ وينتهي سنة 132هـ وقد استرد الشعر فيه مكانته، بعد أن هدأت موجات الفتوح، وعادات العصبية القبلية، وتوجهت الحراب إلى الداخل، بدل توجيهها إلى الخارج. وظهرت الأحزاب السياسية: الأمويون، والزبيريون، والهاشميون، والخوارج. ولكل حزب أدباؤه.
وإذا كانت (النقائض) قد استعرت في العصر الجاهلي بسبب العصبية القبلية، وفي العصر الإسلامي بسبب الرد على قريش، وبلغت أوجها في العصر الأموي، فإن (المعارضات) لم تكن قد عرفت بعد باستثناء حادثة بين جميل بن معمر، وعمر بن أبي ربيعة، فقد قال جميل بثينة:
عرفت مصيف الحي والمتربعا
كما خطّتِ الكفُّ الكتابَ المرجعا

فقال عمر بن أبي ربيعة معارضا:
ألم تسألِ الأطلالَ والمتربعا
ببطنِ حليات دوارس بلقعا.

فقد جاءت الألفاظ في القصيدة الثانية شبيهة بمفردات القصيدة الأولى المعارضة، وهذا لا ينقص من قدر القصيدة الثانية. والقصيدتان تعارضان قصيدة الصّمّة القشيري (95هـ) التي مطلعها:
حَنَنْتَ إلى ريّا ونفسُكَ باعَدَتْ
مزارَكَ من ريّا وشعباكما معا

والحق أن عمر بن أبي ربيعة قد تأثر بشعر جميل بثينة، فأبدى إعجابه برائيته التي منها قوله:
أغاد أخي من آل سلمى فمبكر؟
أبن لي أغاد أنت أم متهجر؟؟

فعارضها عمر برائية لا تقل عنها روعة وجمالا، تبعه فيها وزناً وقافية ورويا وموضوعاً، ومنها قوله:
أمِنْ آلِ نُعْم أنتَ غادٍ فمبكرُ
غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمهجّرُ؟

وأما العصر العباسي فقد بدأ سنة 132هـ وانتهى سنة 656هـ وفيه اتسعت رقعة الخلافة، وضعف دور الخلفاء، فاستقلت كل دولة ببلادها: البويهيون في الديلم، والعراق وفارس، والحمدانيون في شمالي الشام، والإخشيديون في مصر، والفاطميون في مصر، والسلاجقة في العراق، والأيوبيون في مصر والشام.. إلخ.
وفي هذا العصر نشب الصراع بين القدماء والمحدثين، وانصبت في نهر العربية الكبير روافد ثقافات عديدة، وحضارات أمم منهارة. واستفاد الشعراء اللاحقون من السابقين: فقد اقتفى شعراء الغزل أثر جميل بن معمر وعمر بن أبي ربيعة من العصر الأموي، وأفاد شعراء الخمرة والمجون من خمريات أبي نواس، ونهج بديع الزمان الهمذاني في (مقاماته) نهج أستاذه أحمد بن فارس في مقاماته، واحتذى الحريري حذو البديع في مقاماته.

ولم تكن (المعارضات) قد عرفت بعد على نطاق واسع، كما عرفت (النقائض) في العصور الجاهلية والإسلامية والأموية، باستثناء حوادث فردية تأثر فيها الشعراء بقصائد معاصرة، فحاكوها، مثال ذلك أن أبا نواس عندما قال قصيدته:
يا ريم هاتِ الدواةَ والقلما
أكتب شوقي إلى الذي ظلما

عارضه الشاعر الخراز بقصيدة التزم فيها الموضوع والوزن والقافية وحركة الروي، قال فيها:
إن باح قلبي فطالما كتما
ما باح حتى جفاهُ مَنْ ظلما

ولم تكثر (المناقضات) الشعرية ولا (المعارضات) في الشعر العباسي، وإنما كثرت (المطارحات) الشعرية التي هي قريبة من باب (المعارضات)، والتي ازدهرت في مجال الأنس والسمر والشراب، من ذلك قصيدة أبي نواس الهمزية في وصف الخمر، والتي مطلعها:
دَعْ عنك لومي فإنّ اللومَ إغراءُ
وداوني بالتي كانت هي الداءُ

فعارضه الحسين بن الضحاك (الخليع) بقوله:
بُدّلت من نفحات الوردِ بالآء
ومن صبوحك درّ الإبل والشاءِ

فقد تابعه الخليع في ذكر الخمر والشعوبية. كما عارضه ابن المعتز في قصيدة يقول فيها:
أمكنت عاذلتي من صمت أباء
ما زاده النهي شيئاً غير إغراء

-كما عارض أبو تمام قصيدة أبي نواس التي مطلعها:
يا دارُ مافعلتْ بكِ الأيامُ
ضامتْكِ والأيامُ ليس تُضامُ
فقال أبو تمام:
دِمَنٌ ألمّ بها فقال سلامُ
كم حلّ عقدةَ صبره الإلمامُ
وعندما قال أبو تمام قصيدته الرائعة التي مطلعها:
السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتب
في حدّه الحدُّ بين الجدّ واللعبِ

عارضه ابن القيسراني بقصيدة مطلعها:
هذي العزائمُ لا ما تدعي القُضُبُ
وذي المكارمُ لا ما قالت الكتبُ.

وأما المتنبي فقد عارضه الكثير من الشعراء باعتباره (مالئ الدنيا وشاغل الناس). فعندما قال قصيدته في مدح سيف الدولة:
على قَدْرِ أهلِ العزم تأتي العزائمُ
وتأتي على قدر الكرامِ المكارمُ.

عارضها ابن زريك (ت 556هـ) بقصيدة مطلعها:
ألا هكذا في الله تمضي العزائمُ
وتقضي لدى الحرب السيوفُ الصوارمُ

كما عارضه أسامة بن منقذ بقصيدة مطلعها:
لك الفضل من دون الورى والأكارم
فمَنْ حاتمٌ؟ ما نال ذا الفخر حاتمُ

وعندما قال المتنبي قصيدته التي يمدح بها سيف الدولة، ومطلعها:
أعلى الممالك ما يُبنى على الأسَلِ
والطعنُ عند محبيهن كالقبلِ

عارضه عبيد الله الموصلي بقصيدة مطلعها:
ظبا المواضي وأطراف القنا الذبل
ضوامنٌ لك ما جازوه من نفل
وعندما قال المتنبي بائيته التي مطلعها:
بأبي الشموس الجانحات غواربا
اللابسات من الحرير جلاببا

عارضه صفي الدين الحلِّي بقصيدة مطلعها:
أسبلن من فوق النهود ذوائباً
فجعلن حباتِ القلوب ذوائبا

ولعل (المعارضات) الحقيقية بدأت في الشعر الأندلسي عندما شعر الأندلسيون أنهم دون المشارقة علما، فاعترفوا بفضل المشرق عليهم، وقام الكثير من أدبائهم وشعرائهم بمعارضة الأدباء والشعراء المشارقة الذين يعتبرونهم أساتذتهم، فمحمد بن عبد ربه يضع كتابه (العقد الفريد) ليشابه كتاب (عيون الأخبار) لابن قتيبة، والصاحب بن عباد يقول عندما يطلع عليه: (هذه بضاعتنا رُدّت إلينا). كما صنفوا شعراءهم تصنيفاً يتصل بشعراء المشرق، فقد لقبوا ابن دراج القسطلي بمتنبي الأندلس، ومثله ابن هانئ، وابن زيدون بحتري الأندلس من ذلك معارضة أبي بكر الأشبوني لرائية أبي فراس الحمداني التي مطلعها:
أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبرُ
أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ؟

فقال الأشبوني:
وليل كهمّ العاشقين قميصُهُ
ركبتُ دياجيه ومركبُهُ وعْرُ.

ومعارضة ابن دراج القسطلي لأبي نواس التي يمدح فيها الخصيب، ومطلعها:
أجارةُ بيتينا أبوك غيورُ
وميسورُ ما يُرجى لديك عسيرُ
فعارضه ابن درّا ج بقصيدة يمدح فيها المنصور بن أبي عامر، مطلعها:
ألم تعلمي أنّ الثواءَ هو الثرى
وأنّ بيوتَ العاجزين قبورُ

وعارض أبو الحسن البغدادي (الفكيك) مسلم بن الوليد في قصيدته التي قالها في مدح الرشيد والتي فيها:
أديرا عليّ الكأسَ لا تشربا قبلي
ولا تطلبا عند قاتلتي ذحلي

فقال الفكيك معارضا:
لأية حال عن سُنّةِ العدل
ولم أصغ يوما في هواك إلى العذل
كما عا رضها محمد بن عبد ربه بقوله:
أتقتلني ظلماً وتجحدني قتلي
وقد قام من عينيك لي شاهد عدل

وعارض أبو بكر بن نصر الإشبيلي أبا تمام في رائيته التي يمدح بها المعتصم والتي مطلعها:
رقّتْ حواشي الدهر فهي تمرمرُ
وغدا الثرى في حليه يتكسّرُ

فقال الإشبيلي:
انظرْ نسيمَ الزهر رقّ فوجههُ
لك عن أسرّته السرية يُسفرُ

وعارض ابن خفاجة أبا تمام في رائيته التي يمدح بها المعتصم، ويقول فيها:
الحقُ أبلجُ والسيوفُ عوارِ
فحذارِ من أُسْدِ العرين حذارِ
فقال ابن خفاجة معارضا:
سمح الخيال على النوى يزار
والصبح يمسح عن جبين نهار

وعارض ابن هانئ الأندلسي (الذي يفتخر بلقبه: متنبي الأندلس) المتنبي الذي يمدح ابن عامر الأنطاكي بقوله:
أطاعنُ خيلاً من فوارسها الدهرُ
وحيداً، وما قولي كذا ومعي الصبرُ

فعارضه ابن هانئ برائيته يمدح فيها المعز لدين الله الفاطمي لفتح مصر من حكم العباسيين:
تقول بنو العباس هل فتحت مصر
فقل لبني العباس قد قضي الأمرُ

وعارض ابن عبدون المتنبي في بائيته التي يمدح بها كافورا ومطلعها:
كفى بكَ داءً أن ترى الموتَ شافيا
وحسبُ المنايا أن يكنّ أمانيا

فقال ابن عبدون معارضاً:
وإني لاستحيي من المجد أن أرى
عليّ لمأمول سواك أياديا
أما (معارضات) الشعراء الأندلسيين لبعضهم بعضاً فأكثر من أن تحصى، ولا سيما في (الموشحات).
ولم تقتصر (المعارضات) على الشعر، فقد تعدته إلى النثر، فشملت الرسائل والمقامات، كتلك التي ظهرت بين الخوارزمي (ت 383هـ) وبديع الزمان الهمذاني (ت 398هـ ) في مجال الرسائل. وكما عارض ابن شرف الأندلسي بديع الزمان الهمذاني في مقاماته، فعمل مقامة في ذكر الشعر والشعراء ، وكما عارض الهمذاني أندلسيون كثيرون.
وأما عصر الدول المتتابعة فيبدأ بسقوط بغداد عام 656هـ وينتهي سنة 1220هـ، وهي سنة قيام محمد علي باشا في مصر. وفيه سيطر العنصر التركي، وساد المماليك في العالم الإسلامي. ويمتاز هذا العصر بظهور الموسوعات الأدبية، وانشغل الشعراء بالمحسنات البديعية في الأساليب لتغطية خواء المضامين الشعرية.
ولعل هذا العصر من أغزر عصور الأدب العربي (معارضات) شعرية، بسبب ضعفه السياسي والحضاري الذي انعكس ضعفاً فنياً، فتوخى الشعراء فيه سابقيهم، يعارضونهم ويحاكونهم.

وأما عصر النهضة الحديثة فيبدأ منذ 1220هـ إلى يومنا هذا. ويمتاز بالنهضة في كل مناحي الحياة، وبظهور أجناس أدبية حديثة كالقصة والرواية والمسرح.. وقد كثرت فيه (المعارضات) الشعرية، لا سيما مع البارودي رائد مدرسة الإحياء، وشوقي رائد مدرسة الاتباعية (الكلاسيكية) الجديدة.

وهكذا كثرت (المعارضات) عندما وجدت أمام الشعراء نماذج شعرية ذات مستوى فني عال، تستحق أن يجرد لها الشاعر التالي عبقريته، معارضاً، ومحاكياً، وطامحاً إلى أن ينسج على منوالها، إثباتاً لمقدرته الفنية.
مراجع:
1 – تاريخ المعارضات في الشعر العربي : محمود محمد قاسم نوفل .
2 – الشاعر أبو اسحاق الأطعمة ومعارضاته الشعرية : أمين علي سعيد .
3 – ديوان المتنبي
إبراهيم إبراهيم الوكيل

مكسورُ الظهرِ ومكسورُ القلبِ ومكسورُ الخاطر

مكسورُ الظهرِ ومكسورُ القلبِ ومكسورُ الخاطر


عماد عبد اللطيف سالم
 
الحوار المتمدن-العدد: 6676 – 2020 / 9 / 14 – 14:40
المحور: الادب والفن
    

في كُلِّ مسامةٍ من هذهِ الروحِ
كَسْرٌ.
أنا الآنَ مكسورُ الظهرِ ، ومكسورُ القلبِ ، ومكسورُ الخاطر.
أنا من أُمّةِ “المكاسيرِ” التي يكسرها
هذا الوطنُ المكسورُ مثلي.
أنا المكسورُ كثيراً
المكسورُ جدّاً
أستجيرُ بآخرَ المضاربِ في قبيلةِ الصمتِ
وأُغلِقُ على ما تبَقّى من الروحِ
خيمةَ الأسى
وأتركُ نفسي تنامُ طويلاً
فوقَ هذا الرملِ الموحشِ
الذي لايوجدُ فيهِ موزارت
ولا هيجل
ولا مارلين مونرو.
أنا العابِرُ قسراً
في هذا الوطنِ القسريّ
العابِرُ الذي لَنْ ينْتَخِب
ولن يتظاهَرْ
ولن يكتُبَ “منشوراً”
ولن “يُعَلّقَ” على شيءٍ
ولن يضَعَ “لايكاً” لأحد
ولا قلباً أحمر
ولا وجهاً يبكي.
أنا العابِرُ الذي لن أكونَ معَ ، أو ضِدَّ
ولن أُصابَ بالدهشة
ولن أشْعُرَ بالغضب.
أنا العابِرُ الذي لا شأنَ لي ، بكُلِّ هذا الجوعِ الكاسرِ ، والعطشِ الكاسرِ ، والظلامِ الكاسرِ ، و العملِ الكاسرِ للظهرِ في السبعينِ من العُمْرِ ، و التجنيدِ “الإجباريِّ” الكاسرِ للروحِ ، والراتبِ التقاعُديِّ الذي يكسِرُ العائلة.
أنا أمتَلِكُ الآنَ القليلَ من الزمن الإضافيّ
الذي سأُحِبُّكِ فيهِ فقط
فيما تبَقّى لي منَ الوقت
وسأحاولُ أنْ أنامَ عميقاً
لأراكِ هناك
وأحلمُ في حضوركِ ذاك
بأشياءَ لا تحدثُ في الواقع.
أنتِ أيضاً
منَ الأشياءِ التي لا تحدثُ في الواقع
لذا سأُغلِقُ عيني عليكِ
وأبتَسِمْ
قبلَ لحظةٍ واحدة
من الغيابِ الأخير
وسأترُكُ الفِتيةَ والصبايا
الذين لايُريدونَ أن يعرفوا ماهو الحُبّ حَقّاً
“يثورونَ”
و يكتبونَ عن “الثورة”
وعنِ الوطنِ الذي لا يستحي
وعنِ المرأةِ التي لا تجيء.
ومثلُ الذينَ إنتهى وقتُهُم
سأترُكُ الأمكنةَ التي كانتْ أثيرةً عندي
للقادمينَ
الذينَ لا شأنَ لهم بالرائحة
وليسَ لديهم في العطيفيّةِ ، واليرموكِ ، والعامريّةِ ، والدورةِ ، شيءٌ أثير
وسأُغلِقُ على ما تبقّى من الروحِ
ما تبقّى من الروحِ
وأتمَدَّدُ على وجَعِ الفُقدانِ وحيداً
مكسورَ الظهرِ
ومكسورَ القلبِ
ومكسورَ الخاطر.

قصيدة وحيدا

إدغار آلن بو
ترجمة: خالدة حامد

…………..

منذ الطفولة لم أكُ كالآخرين؛
ولم أبصر ما أبصره غيري؛
ما كان لي أن آتي بعواطفي من نبعٍ مشترك.
ولم أستقِ حزني من المصدر نفسه؛
ولم يكن لي أن أوقظ قلبي ليطرب باللحن نفسه؛
كلُّ ما أحببتُه، أحببتُه وحدي.

في طفولتي، ثم في فجر حياةٍ اكثر اصطخاباً ـ
بحثت في أغوار مسرّاتي وأوجاعي
عن اللغز الذي ما انفك يشدني:
في السيل الجارف، أو الينبوع،
في المنحدر المحمرّ للجبل،
في الشمس حولي
تتمرغ في خريفها المخضب بالذهب،
في البرقِ يمرُ بي محلقاً،
في الرعد والعاصفة،
في السحابة التي بدتْ لي
مثل شيطان
بينما اتشحت السماوات بالزرقة.