منذُ الإنفجارِ العظيم .. وإلى العيدِ القادم‎

عماد عبد اللطيف سالم3
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=639488  
· 

أنتَ تقولُ لهم .. كُلُّ عامٍ وأنتم بخير
وهُم يقولونَ لك .. كُلُّ عامٍ وأنتَ بخير
وهُم يعرفونَ ، وأنتَ تعرِف
أنّ الأمورَ ليست بخيرٍ هذا العامَ
ولمْ تكُن بخيرٍ في العامِ الماضي
وأنّها قد لا تكونُ بخيرٍ ، في العامِ القادم.
ولأنّكَ خائِفٌ
فأنتَ ترى الأمور كذلك.
ترى النصفَ الفارغَ أبداً من الكأس .
ترى ، مثلاً ، أنّ حرباً ستحدُثُ
ويدخلُ أبناءُ الجيرانِ ، الذينَ “يُعايدونكَ” الانَ ، إلى بيتكَ شاهرينَ أسلحتهم ،
ويقولونَ لكَ .. ما الذي تفعلهُ في هذا الحَيّ ، أيُّها الكافِر؟
أو أنّكَ تعتقِدُ ، أنّ درجة الحرارة قد تصلُ إلى السبعين مئوي في العيد القادم..
وأنّ جاسم “أبو المُوَلّدة” سيرفضُ تشغيلَ “المُوَلِّدة” ، ويشتمُ “الدولة”.
أو أنّ زوجتكَ قد تهجركَ
ولن يكونَ هناك من يطبخُ لكَ الفاصوليا البيضاء التي تحبّها ،
أو يغسلُ لك ملابسكَ العجيبة.
أو أنّ الأحفاد قد يدعونكَ للتدخينِ معهم خِلْسةً ، وأنتم تلعبونَ “البوبجي” ، إلى طلوع الفجر.
وبسببِ هذهِ التوقعّاتِ القاتلةِ
فإنَّكَ في العامِ القادم ، قد تكونُ ميِّتاً
وسيكونُ عبئاً ثقيلاَ على العائلة
أنْ تذهبَ إلى مقبرةِ الكرخِ ، أو إلى وادي السلام
لكي تقرأَ على روحكَ “الفاتحة”.
هذهِ ، كُلُّها ، ليستْ تفاصيلَ سعيدة
وليستْ أحداثَ خير
ومع ذلكَ يارفاق .. لنتفائِل الآنَ
ولنقُلْ أنّ هذا كُلّهُ لن يحدث لي ، ولنَ يحدثَ لكم
ولنواصلَ معاً تبادُلَ التهاني
ونُقبّلُ بعضنا بعضاً ونحنُ نبتَسِم
وأنتُم تقولونَ لي .. كُلُّ عامٍ وأنتَ بخير
وانا اقولُ لكم .. كُلُّ عامٍ وأنتم بخير
وكأنّ شيئاً لم يحدث .. ولن يحدث
منذُ الإنفجارِ العظيم
وإلى العيدِ القادم.

كلما كان ذلك ممكناً‎

في العيد
ستكونُ أوّلَ امرأةٍ تنزِلُ إلى النهرِ
لتغسِلَ تلكَ الوجوه النبيذة
التي يُحبّها الآخرون
حُبّاً جمّاً.
في العيد
ستكونُ أوّلَ رجُلٍ ينزِلُ إلى النهر
ليغسِلَ جِلْدَهُ الواحد.
في العيد
أنتَ تعرفُ كَمْ أنتَ وحيدٌ ، و مُرتَبِك ،
لهذا تبتَسِمُ كثيراً في ثلاثةِ أيّامٍ
لعلّ أحدهم سيعرفُ أخيراً
أنّكَ ستكونُ سعيداً
كُلّما كانَ ذلكَ مُمكِناً.
في العيد
تلخيصٌ جيّدٌ للعَيْش..
جِلْدٌ واحد
وأقنعةٌ كثيرة.

أينَ أنت .. حينَ نحتاجُ إليك -‎ عماد عبد اللطيف سالم

أينَ أنتَ ..
حينَ نحتاجُ إليك ؟
أينَ أنتَ ..
عندما يحضرُ الأسى؟
أينَ أنتَ ..
حينَ يحينُ الحنين ؟
أينَ أنتَ ..
عندما تكونُ أفدحُ الخساراتِ
واطئةُ التكاليفِ
كإسمٍ تالفٍ في “مقبرةِ الكَرخِ”
حيثُ لا أحدَ يأتي من الأهلِ والأصدقاء
ليسقي “اليوكالبتوسةُ” الوحيدةُ
التي تقِصُّ لكَ القصص ؟
أينَ أنتَ ..
عندما نجمةً في هذهِ المَجَرّاتِ
تضيعُ علينا ؟ 
عندما عصفورٌ
يغيبُ فجأةً عن نخلةِ البيتِ؟
عندما كلبٌ صغيرٌ
لم يَعُدْ ينبحُ في الحديقةِ؟ 
أينَ أنتَ ..
عندما نطرقُ الباب ؟
لماذا لا يفتَحُ البابَ أحدٌ
ليُلَبّي الحوائجَ
ويملأُ الارضَ باللبنِ البائدِ ، والعسلِ المغشوشِ
وبالنساءِ الباذخاتِ كثيراً
في هذا الزمانِ الشحيح.

أَعْطِني ممّا أخَذْت‎ – عماد عبداللطيف سالم

ا

عْطِني
ممّا أخَذْت.
خُذني إليهِمْ 
أو رُدَّهُم لي.
دَعْ ما ضاعَ من المُلْكِ
، دونَ معنى ،
يعودُ إليك.
دُلّني
إلى الضوء
فقد طالَ مكوثي
في جوفِ الحيتان.
أخْرِجْني من البئر
فلا ماءٌ هُنا
ولا قافلةٌ تعوي
ولا كلابٌ تسير.
رُدَّ الضربةَ 
بضربةٍ ..
إنْ استَطَعْت.
إذا كانَ أبي لديك
قُلْ لهُ بهدوء ..
لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً
و جِئْتَ إلَيّ؟
كُنْ قَمَراً لي
وأرضاً
وشمساَ
وماءً..
فأكون ..
ولا تتركني وحيداً
في واحدةٍ من نجومكَ المُطْفأة
كأنّني لم أكُنْ يوماً .. نملةً
تحملُ على ظهرها صخرتكَ الدائمة
وتحلمُ بقمحكِ القادم
في هذا السَبَخِ العظيم.

آخرُ شخصٍ ينطقُ إسمَكَ بعدكَ أنت‎ – عماد عبد اللطيف سالم

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=638494

هذا ليسَ موتاً.
هذا غياب.
حينَ ينطِقُ آخرُ شخصٍ تعرفهُ إسمكَ ..
ستموت.
لذا ..
من الأفضلِ أن يكونَ آخر شخصٍ ينطقُ إسمَكَ
إمرأةً عذبةً
كان الكثيرُ يحبّونها
بما فيهم أنت
ولم تكُنْ هيَ ، تُحِبُّ أحداً ،
وبالذاتِ أنت .
سيكونُ الموتُ سعيداً حينها
لأنّها ستتذكّرُ قلبكَ المليءِ بنَمِشها الحُلو
بدلَ موتِكَ الأوّلِ المليء بالعويل
لأنّ قلبكَ الفارغ
قد توقف عن النبض.
سيكونُ آخرُ شخصٍ ينطقُ إسمكَ مُهِمّاً
فقد يكونُ ذلكَ شخصاً يكرهك بعُمق
لأنّهُ لم يشعر في موتكَ الأوّلِ
بمُتعةِ النصرِ على الأعداء.
ستكونُ محظوظاً لو أنّ أمّكَ هي آخرُ شخصٍ ينطقُ إسمَكَ
بعد موتِكَ السابق
حينها سيورقُ قلبكَ
كما لو أنّكَ قد عُدْتَ توّاً
الى ذلك العالم
الذي تركتَ أُمّكَ
وحيدةً فيه.

سيدة الحضور

عماد عبد اللطيف سالم

1 hr ·http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=637749  

لا شيء لهُ معنى 
،عندما نمشي معاً،
غيرَ أن نمشي معاً
إلى آخرِ هذا “الرمضان” العجيب
الذي طالَ جِدّاً
وليسَ ثمّةَ مائدةٍ في الأُفُق.
ولأنّنا في نهايةِ هذا العُمرِ العصيب
لن يكونَ لنا سوانا
فإنّ كلُّ ما يحتاجُ اليه
رجُلٌ يشبهني
هو أمرأةٌ تشبهكِ
يصومُ عليها أبدَ الدهرِ
ويمشي معها
ولو إلى آخر زاويةٍ في المَمَرِّ
ويضعُ إصبَعاً واحداَ ، خِلسةً ،
فوق واحدٍ من أصابعها العَشرةِ المُضيئة
ويموتُ من شدّةِ البهجةِ
قبل أذانِ “الفطور”.
من يُعينني على هذا الصيامِ الطويل
غيرُ هذا الحضورِ قصيرُ الأجَل؟
من يجعلُ الجَنّةَ” قريبةٌ هكذا
من رجُلٍ قضى كُلّ عمرهِ 
وهو يُضيّعُ الفراديسَ النبيذةَ
فوق مائدةِ الوقتِ
غيرَ أن تكوني “رسولتهُ” العذبةُ
بفمها الباذخِ
“حتّى الينابيع” ؟.
لا أُريدَ عند هذا الغروبِ البطيء
أنْ تُعِدّي الطعامَ
لأيتامِ روحي.
إجْلسي أمامي فقط
وسيغفرُ اللهُ لي
ما تقدّمَ من ذنوبي
التي كنتِ غائبةً عنها
وما تأخّرَ منها
بسببِ وجهكِ الحُلو
الذي يجلسُ أمامي
في هذه اللحظة
و يجعلُ “شيطانَ” الخُذلانِ بعيداً
و قلبُكِ أقربُ لي
من جميع الملائكة.

هذا الماعِزُ الجَبَليّ ، لا يمكنُ أنْ يبكي.‎

عماد عبد اللطيف سالم

17 hrs

·http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=637361

لقد داستْ عليكَ الكثيرُ من شاحناتِ الهمومِ
وأصبحَ جِلْدُكَ دِرْعاً ، في لحظات الدبابيسِ
ولكنّكَ ، مع ذلكَ .. هَشٌّ ..
كالقَطا الذي يَعلِكُ الشوكَ
في “الرُبْعِ” الأخير الشاسعِ
من صحراءِ روحك.
عندما ينظرُ الآخرونَ إلى وجهكَ ، يقولونَ ..
هذا الماعِزُ الجَبَليّ ، لا يمكنُ أنْ يبكي.
ولكنّكَ في واقعٍ الأمرِ .. تبكي.
تبكي .. كما لَم يبكِ يعقوب.
تبكي لأنّكَ مُحْرَجٌ مثلَ يوسف..
فلا أنتَ مُقْبِلٌ ، ولا أنتَ مُدْبِرٌ ، ولا أنتَ ضمآنٌ ، ولا أنتَ ترتوي ، ولا هي تدري ، ولا أنتَ تدري .. لماذا يخافُ “العزيزُ” عليها .. ولا يخافُ “العزيزُ” عليك.
وحينَ تَمُرُّ الذئابِ ببئرِك
ستنزعُ عنكَ قُمصانَ أخوتكَ اليابسات
وسكاكينَ نساءكَ السابقاتِ
طويلاتُ الأصابعِ
وسَيُزْهِرُ فيكَ الغيابُ
كما لو كنتَ عُشباً
وستملأُ البهجةُ قلبكَ بالسنابُلِ الخُضْرِ
في السنينِ العِجاف.

رمضانُ الذي يطرحُ الأسئلة‎

عماد عبد اللطيف سالم

3 hrs ·http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=636624  

في ذلكَ الزمان القديم ..
يوم لم يكُن الله ، دائماً معنا .. 
كان رمضانُ بسيطاً.
كان ساكِتاَ نوعاً ما
وكان بهِ فرحٌ قليل
وبهِ أيضاً شيءٌ من الحُزنِ 
يجعلُ الطعامَ رديئاً.
كان ذلك الرمضان .. رمضانُ الحروب
التي يذهبُ الأبُ اليها صائماً
ليعودَ “مُفْطِراً” بالعَلَم الوطنيّ
مع قليلٍ من الغبار والعُشب
في فمهِ المفتوحِ على وسعه.
كان ذلك الرمضان .. رمضانُ الأمّهات
اللواتي يسألنَ اللهَ ، قبل كُلِّ غروب ،
لماذا يغيبُ مذاقُ الأُبُوّةِ هكذا
في عشاء اليتامى ؟
كان ذلك الرمضان .. رمضانُ الأسئلة
حيثُ كانَ عليكَ 
أن تصومَ .. لتَعْرْف
وأن تصومَ .. لتَحلَمَ 
وأن تصومَ .. لتكونَ 
وليسَ لتأكُلَ تمرَ الحُفاةِ
وأنتَ وحيدٌ ، كضيفٍ غريبٍ،
على العائلة.
في ذلك الرمضان ..
يوم لم يكُن الله ، دائماً معنا .. 
كانت دائماَ معنا ، مُعلّمةٌ كالنبيّ ،
تُذَكِّرنا بأنَ الصيام 
هو الآخرونَ الجياعَ
وحينَ يحينُ أذانُ الغروب
يجِدْ أطفالهم
شيئاً على هذه الأرضِ
التي تشبهُ المائدة.
في الرمضانِ الذي جاء لاحِقاً
حيثُ اللهُ
أصبحَ دائماً معنا
غابت الأسئلة
ولم نعُدْ نصومُ .. لنعرِف
ولم نعُدْ نصومُ .. لنحلَم
ولم نَعُدْ نصومُ .. لنكون
وغاب الجياعُ
عن تُخمة العائلة .

الحياة طويلة جدا – عماد عبد اللطيف سالم

لأنّكَ لَمْ تَمُتْ قبل الأربعين ، ستبلغُ العاشرةَ للمرَّةِ السابعةِ .. بعد عامين.
هذهِ حياةٌ طويلةٌ جدّاً.
ففي عشرةِ أعوامٍ ، هناكَ عشرونَ جيلاً في عائلةِ العصافيرِ.
وفي ثلاثينَ عاماً ، هناكَ جيلينِ في عائلةِ الكلابِ الأليفة.
وهُناكَ حوتٌ واحد ، ونصفُ فيل ، في خمسينَ عاماً .
هذهِ حياةٌ طويلةٌ جدّاً
فيها عشرةُ آلافِ حُلْمٍ على الأقلّ
وفيها أيضاً كوابيسُ طويلةُ الأجل ، عشتها بدوامٍ كامل ، في نهارٍ قصير.
الحياةُ طويلةٌ جدّاً ..
والحياةُ الطويلةُ جدّاً
مُمِلّةٌ جدّاً
مثل أسماكَ صغيرة
تلبطُ في الطين.
الحياةٌ طويلةٌ جدّا
والحياةُ الطويلةُ جدّاً
فيها الكثيرُ من الخيانات.
الأصدقاءُ يخونونَ .. والنساءُ .. والأهلُ .. والجسد الآدميّ .. والكلمات.
حتّى أُمُّكَ ، يخونها الحنينُ الى وجهكَ ، فتضحكُ ضِحكةً يُخالطها الدمعُ ، ويخنقها الحُزنُ .. شوقاً اليك.
حتّى الحبيباتُ اللواتي أحْبَبْتُهُنّ .. ولا واحدةً منهنّ تعرفُ كيفَ تُحبّكَ .. ولا واحدةٌ منهنّ تعرِفُ كيفَ تكتبُ ، وهي في الستّينِ من العُمْرِ ، رسالةَ حُبّ اليك.
الحياةُ طويلةٌ جدّاً
والحياةُ الطويلةُ جدّاً
حزينةٌ جدّاً
لذا ، ما كان عليك ، أن تعيشها كُلّها
وكانَ عليك ، قبل أنْ تعيشها كُلّها ،
أنْ تموتَ سعيداً
منذُ وقتٍ طويل.

وداعا ويليام ستانلي ميروين

وداعا ويليام ستانلي ميروين

الحبيب الواعي

766 وليم ستانليالشاعر الأمريكي الحاصل على جائزة بوليتزر مرتين والمدافع عن الحقوق البيئية يغادر العالم عن عمر 91 عاما

ولد ميروين في مدينة نيويورك عام 1927، وترعرع بين تقاطع زاوية الشارع الرابع وشارع نيويورك في يونيون سيتي بولاية نيو جرسي، إلى حدود 1936 حين انتقلت أسرته الى مدينة سكرانتون بولاية بنسلفانيا. كان مهووسا بحب الأشياء التي تذكره بالماضي وبسحرِ الكلمات منذ نعومة أظافره ، وكان والده قسّاً في الكنيسة البروتستانتيّة حيث بدأ ميروين بنظم الترانيم لكنيسة والده وهو في سنّ الخامسة. شجّعته مدَرِّسةُ لغة إسبانية على كتابة الشعر، وحثّتهُ على أن يجرّب ترجمة الشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا.

بالرغم من أن الحالة المادية لأسرته لم تسمح لها بإرسالِه إلى الجامعة، إلا أنه نالَ منحة دراسيّة من جامعة برينستون، هناك عمل نادلاً في مطعم للنّخبة تابعٍ لأحد نوادي الجامعة، مما ساعده على دفع تكاليف المعيشة. في برينستون، تأثّر بالنّاقد والشّاعر الشهير ر. ب. بلاكمور ومساعده في الجامعة نفسها الشاعر جون بيريمان الذي ظهر أول مرة بالجامعة وهو يلبس قبعة فطيرة الخنزير. بعد الحرب العالمية الثانية، وبالضبط في سنة 1946، سافر الى مستشفى سانت اليزابيث بواشنطن العاصمة كي يزور الشاعر إزرا باوند الذي أوصاه بتعلم اللغات والترجمة التي ستفتح له مجالا أوسع للاطلاع على الثقافات الأخرى وتمنحه اختيارات واسعة. عاد ميروين الى برينستون ليتابع دراسته وتسجل في قسم الّلغات الأوروبية، ويعدّ نفسه لمهنته المستقبلية كمترجمٍ للآداب الفرنسية والإسبانية والإيطاليّة، وبدا بأشعار فدريكو غارسيا لوركا والنصوص الاسبانية القديمة مثل القصيدة الملحمية Poem of Cid.

و بعد التّخرّج من الجامعة، تزوج ميروين زوجته الأولى دروثي جين فيري وانتقل الى أوروبا حيث عمل مترجما ومدرسا خصوصيا لأبناء العائلات الموسرة بالبرتغال وجزيرة مايوركا الاسبانية حيث درس ابن الكاتب البريطاني روبرت غريفس Robert Graves. بعد ذلك بفترة قصيرة ، سيشتري منزلا قديما بمزرعة مهجورة في وادي دوردوني بجنوب فرنسا ، ويصلحه على مدى سنوات عديدة. في مايوركا سيلتقي ديدو ميلروي التي أشرف معها على كتابة مسرحية وتزوجها بعد ذلك وانتقلا للعيش معا في لندن حيث ربط صداقة مع كل من سيلفيا بلاث وتيد هيوز بعد عودته من اقامة فنية بمدينة بوسطن التي كان يشرف منها على تحرير الشعر لمجلة “الوطن”. في عام 1968، عاد ميروين الى نيويورك بعد أن انفصل عن زوجته الثانية وفي السبعينات رحل الى هاواي وتزوج من باولا دنوي. على مدار الخمسة والستين عامًا التالية ، انخرط ميروين في واحدة من أكثر التجارب الشعرية تميزا بعد الحرب، حيث ترجم من مجموعات شعرية متنوعة من لغات متعددة مثل الفرنسية ، الألمانية ، الروسية ، الإسبانية ، الكاتالانية ، البرتغالية ، الإيطالية والصينية والرومانية واليونانية والأيرلندية والكيشوان والإسكيمو ولغة أمازيغ الجزائر، على سبيل المثال لا الحصر. نُشرت مجموعة أخرى من هذه الترجمات في ربيع عام 2013 ، جنبًا إلى جنب مع نسخة جديدة من الهايكو كتبها يوسا بوسون.

جاء في مقدمة كتاب بعنوان «قصائد مختارة» للشاعر الاميركي الكبير و.س. ميروين، من منشورات دار الجمل ومن ترجمة الشاعر العراقي الراحل سركون بولص، أن ميروين قطع أشواطاً بعيدة في مسار الشعر أكثر من أي شاعر أميركي أو بريطاني آخر حيث أبان عن صوت شعري مختلف يصبو الى الانسلاخ عن التقليد، بالرغم من أنه حافظ على خصائص الحساسية الشعرية المعاصرة في ديوانه الأول بعنوان «قناع لجانوس» (1952) والذي تميز بغنى في اللغة وتنوع في الشكل مما دفع بالشاعر W. H. Auden الى اختياره كأحسن عمل في مسابقة الشعراء الشباب التي تنظمها جامعة ييل.

قصائد ميروين تسبر أغوار العالم المعقد في قالب فنّي فريد من خلال مواضيع وأساليب لها علاقة بتجربته الشخصية، كما أنها تبحث في علاقة الفرد بالمحيط السياسي والطبيعي. كان مروين واحدًا من أعظم شعراء العالم الذين انشغلوا بالفقدان، وكان يؤرخ للظرف الإنساني ويندد بالتدمير الذي يطال البيئة بسبب التصنيع المفرط، وكان يعبر عن ذلك بإحساس مفرط في الزهد، وهو ما يعكس ممارسته للبوذية. على مدى مراحل عديدة من حياته، انسلخ ميروين من التقاليد القديمة التي فرضها التيار الشكلاني على الشعراء كي يتمكن من بناء فهم جديد وتقاسم رسالة تناسب العصر الذي يعيش فيه، ولذلك كان يتوق الى جعل شكل قصائده امتدادا للمحتوى عن طريق الاشتغال على مجال الكتابة. وبالرغم من أن بعض النقاد يميلون إلى تصنيفه كشاعر سابق لأوانه، إلا أنه صرَّح ذات مرة بقوله: «لم أؤسس أي نظرية جمالية حتى الآن، كما أني لا أعرف إن كنتُ أنتمي إلى أي حركة شعرية». يتميز أسلوبه في الشعر الحر برسم الصورة فوق الصورة دون علامات ترقي، وفي غالب الأحيان، يبرز مروين في شعره كيف أن البشر لا يؤدون دورهم بشكل صحيح في العالم وأنهم يعتقدون بأنهم أكثر أهمية من الكائنات الأخرى في خطة الخلق، وهو موضوع لا يمكن استكشافه بالكامل داخل الحدود الذي وضعها الحداثيون لأن الأشكال التي استخدموها في شعرهم تحد من استكشافاتهم. إلا أنه حتى التغيير في الأسلوب والموضوع لم يرضيه، فواصل البحث عن طرق جديدة لاستحضار معنى أسمى أو مختلف في شعره. فكان التغيير التالي هو الابتعاد عن اللغة المصممة والمتأثرة بالأشكال التقليدية، وبدلاً من ذلك ، بدأ في استخدام “القواعد النحوية” التي تركز على جوهر الأشياء من خلال البساطة المتأصلة في الوصف والانسجام المسموح به من خلال عبارات غير محددة . في هذه الصياغة والتركيب الغير المحددة ، لا تسعى الكلمات لتحل محل جوهر الشيء، بل تسمح للقارئ بدلاً من ذلك ، بالاستغناء عن الأشياء بالطريقة التي تناسبه، مما أجبر القراء على التفحص والتعليق ومسائلة الموضوع بانفسهم (ديفيس ، 42)، ولكي يشجع على تأويل أكثر حرية لشعره ، اختار أخيرًا التخلي عن استخدام علامات الترقيم.

سُئل ميروين ذات مرة عن الدور الذي يلعبه الشاعر في أميركا، فأجاب بقوله: «أعتقد أن للشاعر أملًا ميؤوسًا منه، فهو يريد –بيأسٍ كاملٍ- أن ينقذ العالم. يحاول الشاعر أن يقول كل ما يمكن قوله من أجل الشيء الذي يحبه ما دام الوقت لم يفت بعد. أعتقد أن هذا دور اجتماعي، أليس كذلك؟ إننا نستمر في التعبير عن غضبنا وحبنا ونتمنى –رغم استحالة ذلك- أن يكون له تأثير. لكنني تجاوزت هذا اليأس والرؤية البكماء والحرقة التي كنت أشعر بها بعد صدور ديوان «القمل». لا يمكن لأحد أن يعيش اليأس والحرقة دون أن يحطم تدريجيًّا هذا الشيء الذي أغضبه. العالم ما زال هنا وفيه الكثير من المظاهر الحياتية التي لا تؤذي أحدًا، وهناك حاجة ماسَّة لأن ننتبه للأشياء التي حولنا ما دامت حولنا؛ لأننا إن لم ننتبه لها فسيكون هذا الغضب محض مرارة لا أكثر». (المجلة الإلكترونية “بويتري فاونديشن”.

صدرت له أعمال شعرية عدة من أهمها: “القمل” و”قناع جانوس” الذي يرمز إلى إله الأبواب والبدايات عند الرومان -1952، و”الدببة الراقصة” الذي استلهم عنوانه من عمل فلوبير الشهير «مدام بوفاري» – 1954، و”مسرحية شعرية” 1963، “الدريئة المتحركة” -1963، و”ثلاث قصائد” 1968، “حامل السلالم” – 1970، و”العثور على الجُزر” 1982، و”انفتاح اليد” 1983. بالإضافة إلى هذه الأعمال أنجز ميروين ترجمات شعرية لبابلو نيرودا، مندلشتام، أعمال ومسرحيات لوركا، رينيه شار، جوزف برودسكي، بورخيس، مختارات من الشعر الصيني واليابانيو اليوناني والروسي، بالاضافو إلى جلال الدين الرومي، وبول إيلوار.

في مجموعته الشّعرية “القمل” التي صدرت عام 1967، عمّق ميروين اتجاهه التجريبيّ في الشّعر، في تبنّيه المعاييرَ المخالِفة للسّائد والتي عرضها في مقالتِه المثيرة للجدل “في الصّيغة المفتوحة On Open Form.” تناولت بعض قصائد هذا الديون حرب فيتنام التي كان مشتعلة آنذاك كما ركزت على عنف وتلاشي الحياة، وبدا الشاعر وكأنه عازم على التخلي عن جنسيته في سبيل انتماء قبلي أكبر من بلده، وعندما نال جائزة بوليتزر للشعر عام 1970 عن مجموعته “حامل السّلالم”، انتهز المناسبةَ ليشهر معارضته لحرب فيتنام. وفي السبعيناتهذا وبالرغم من تقدمه في السن، لم يتخلى ميروين عن مناهضته للحرب والاضطهاد، ففي عام 2003 عاد إلى واشنطن العاصمة مُفَوَّضاً من قبل “شعراء ضد الحرب” للتظاهر ضد الغزوّ الأميركيّ للعراق.

في منتصف سبعينيات القرن العشرين ، انتقل ميروين إلى ماوي بهاواي لدراسة Zen مع روبرت أيتكين ، الذي شجع ميروين على شراء قطعة أرضية فوق الجزيرة حيث بنى منزله وبعد فترة وجيزة التقى بزوجته بولا دوناوي وبدأ الاثنان يزرعان البذور في قطعتهما الأرضية في وادي بيهاهي على الشاطئ الشمالي لمدينة ماوي في هاواي. بعد فترة وجيزة، تحولت من “أرض قاحلة” إلى غابة نخيل مزدهرة تبلغ مساحتها 19 فدانًا، ظل ميروين عضوًا عزيزًومتفانيًا في خدمة المجتمع البيئي، كما أسس الزوجان في وقت لاحق منظمة غير هادفة للربح تسمى ميروين كونسيرفانسي من أجل الحفاظ على منزلهما ومناظره الطبيعية المتنوعة بيولوجيًا التي تضم أكثر من 3000 نخلة ، بالإضافة إلى نباتات نادرة ومهددة بالانقراض. في عام 2015 ، كان مروين، الشاعري والبيئي ، موضوع الفيلم الوثائقي “حتى وإن كان العالم كله يحترق.”

شملت أعمالُه النّثرية كتاب “نهاية الأرض”، مجموعة مقالات في الطبيعة والاستكشاف. وفي سنة 1994 أصبح أوّل من تلقّى جائزة تانينغ التي تبلغ قيمتها مائة ألف دولار الممنوحة من أكاديمية الشّعر الأميركيّ. جُمعتْ قصائده التي كتبها في الخمسين عاماً الأخيرة في مجلّد عنون ب”ارتحال: قصائد مختارة 1951-2001″، هذا المجلّد الذي نال جائزة الكتاب الوطنيّ. في 1999 عُيِّن مستشاراً شِعريّاً لدى مكتبة الكونغرس، وسُمّيَ أمير شعراء مهرجان ليالي ستروغا الشّعريّة في ماسيدونيا، ثم نال جائزة الشّعر الدّولية، جائزة الإكليل الذّهبيّ، جائزة لانان للإنجاز على مدى الحياة، وجائزة روث ليلي الشّعريّة. حصل ميروين على جائزة بوليتزر مرة أخرى عام 2009 عن مجموعة قصائده الجديدة “ظلّ النّجم الكلب.” تم نشر ديوانه الشعري الأصلي المعنون ب “وقت الحديقة” Garden Time في عام 2016 ، ومجموعتان: الطبعة الخمسون لديوانه ” القمل” The Lice وThe Essential W.S Merwin في عام 2017.

مات ميروين في نومه بمنزله في هاواي عن عمر كان 91 سنة ، وتم الإعلان عن نبأ وفاته من قبل ناشره Copper Canyon Press يوم 15 مارس 2019. ما تزال أخته Ruth Moser ، وأبناءه Matthew Carlos Schwartz وJohn Burnham Schwartz من زواج آخر على قيد الحياة.

بعض قصائده من ترجمتي:

مكان

في اليوم الأخير من العالم

أود أن أزرع شجرة

من أجل ماذا؟

ليس من أجل الفاكهة

الشجرة التي تحمل الثمرة

ليست هي التي زرعت

أريد الشجرة التي تقف

في الأرض لأول مرة

بينما الشمس

في طريقها إلى الغروب

والماء

يلمس جذورها

في الأرض المليئة بالأموات

والغيوم تمر

فوق أوراقها

واحدة تلو الأخرى

عندما تنتهي الحرب

عندما تنتهي الحرب

سنكون فخورين بالتأكيد  سيكون الهواء

في الأخير جيدا للتنفس

ستكون المياه قد تحسنت  سمك السلمون

وصمت السماء سيهاجران بشكل جيد

سيعتقد الموتى بأن الأحياء يستحقون كل هذا العناء

سنعلم من نكون

وسننضم جميعًا مرة أخرى إلى الجيش

 شكرًا

شكرًا

نقولها حين يجيءُ الليلُ

حين نتوقف على جسرٍ عالٍ ونرى الأسفل السحيق

حين نهربُ من الغرف الزجاجية

حين نضع في أفواهنا لقمة

نرفع بصرنا إلى السماء ونقولُ شكرًا

نقولها للماءِ

للنوافذ التي نقف خلفها ونحن نحدّق في الطريق الـ”سنمضي إليه”

شكرًا

نقولها حين نعود من المستشفى الذي ألِف وجوهنا

حين نعود من عزاءٍ ونجد بيوتنا مسروقة

حين نسمع عن موت أحدهم

عرفناهم أم لم نعرفهم سنقول دائمًا شكرًا

على امتداد المكالمات الهاتفية

عند عتبات الأبواب أو في الحقائب الخلفية للسيارات أو في المصاعد

نتذكرُ الحرب وأصوات رجال الشرطة وهم واقفون على أبوابنا

قلوبنا وهي تدقّ بقوة على السلالم

لكننا نقولُ شكرًا

في البنك نقولها

وفي أوجه القادة والأثرياء

وكل الذين لن يتغيروا مهما حدث

نكملُ طريقنا ونقول شكرًا

حين تموتُ البهائم من حولنا

ويموتُ معها شيئًا فشيئًا إحساسنا

نظل نقول شكرًا

حين تسقط الغابات بسرعة كما تسقط الدقائق من أعمارنا نقول شكرًا

حين الكلمات تنفد منا كما تنفد خلايا الدماغ

حين تصبح المدن أكبر منا

نقول شكرًا نقولها أسرع من أي وقتٍ مضى

حين لا يسمعنا أحد نقولها

نقول شكرًا ونمضي نلوّح

رغم كل هذا الظلام

***

ربيع أخير

أدخلُ الغرفة العُلْويّة مرّة أخرى بعد سنوات

بعد محيطاتٍ وظلالِ تلالٍ وأصواتِ أكاذيب

بعد خسائر وأقدام على السّلالم

بعد بحثٍ وأخطاء ونسيان

أستديرُ هناك متفكّراً لأجدَ

أن لا أحدَ هناك غير الذين أعرفهم

أخيراً أجدكِ

تجلسين في الأبيض

تنتظرين

أنتِ التي سمعتُها

بأذنيّ منذ البداية

التي لأجلها

فتحتُ البابَ أكثر من مرّة

ظنّاً منّي بأنّك لستِ بعيدة

كلمة

في اللحظةِ الأخيرةِ وقفتْ

تلكَ الكلمة التي ستقولُ الآنَ ما لم تقله من قبل

لن تعيدَ كلمتها بعدَ الآنَ ولنْ يتذكَّرها أحدٌ بعدَ ذلك

كلمة كانتْ كأيّ كلمة في المنزل

يستخدمونها في الحديثِ اليوميّ المعتادِ في الحياة

ليستْ جديدةً طارئةً ليستْ ذاتَ ماضٍ معتبَر

ليستْ للتعليقِ على شيء

لطالما ظنت الكلمةُ أنها

وحدَها منذ البدء تعبّرُ عنْ نفسِها

في كل استعمالٍ وسياق

لتقولَ آخر الأمرِ معناها الخاصّ بها

المعنى الـتي ظلَّت وحدَها تعبّر عنه

رغم أنه يبدو أنَّ أي كلمة ستعبّر عنه الآن

***

إعداد وترجمة الحبيب الواعي

شاعر ومترجم من المغرب