لوحة وقصة

” إن هذه اللوحة .. قادرة على أن تفقد المرء إيمانه دفعة واحدة !”
.دوستويفسكي

في الطريق إلى جنيف، يتوقف دوستويفسكي برفقة زوجته آنا في مدينة بازل ليوم واحد. ليس من أجل لعب القمار، ولا للاستدانة من أحد، بل من أجل لوحة! لوحة هانز هولبن. تخبرنا آنا زوجة دوستويفسكي عن تأثير هذه اللوحة على شخصية دوستويفسكي :
في الطريق إلى جنيف، توقفنا ليوم واحدٍ في بازل، و في نيتنا أن نرى اللوحة التي سمع بها زوجي من أحدهم. هذه اللوحة، و المرسومة بريشة هانز هولبن، تصور المسيح، بعد أن قاسى من العذابات ما يفوق طاقة البشر، و قد أنزل من الصليب و أُسلم للتحلل و العفن. وجهه المنتفخ مغطى بالجراح الدامية، و قد بدا مفزعاً. اللوحة تركت انطباعاً هائلاً على زوجي، و لقد توقف أمامها كما لو أنه مصعوق. بعدَ أن عدت إليه بعد ما يقارب الخمسة عشر إلى عشرين دقيقة، وجدت زوجي لا يزال واقفاً أمام اللوحة و كما أنه مربوط بها. بدت على وجهه المهتاج تلك الملامح المفزوعة التي اعتدت أن أراها في اللحظات الأولى السابقة لنوبات الصرع التي تداهمه. أسرعت بإمساكه من تحت ذراعه، و أخذته إلى غرفة أخرى، و أجلسته على كرسي، مترقبة في أي لحظة مجيء نوبة الصرع، لحسن الحظ أنها لم تأت.
في هذه اللوحة لهانز هولبن: الجسد ليس سوى عظم وجلد، والعينان مفتوحتان بصورة رهيبة، لا تريان ولا تعبران عن شيء، والشعر أشعث، والفم فاغر في جهد أخير للتنفس. على ذراعيه وفخذيه جروح عميقة متورمة. على وجهه آثار تعذيب رهيب، كل هذا يبدو موتاً لا رجعة فيه. لم يعد المسيح في لوحة هانز هولبن كما في التراث المسيحي: إله يكسو وجهه جمالاً أخاذا بعد إنزاله من الصليب، بل إنسان تعرض للموت والموت فقط.
.
قيل أن اللوحة هي المسبب الأول لكتابة المؤلف لرواية الأبله.