شعبٌ يتلظّى ووطنٌ يتشظّى  ميلاد عمر المزوغي

شعبٌ يتلظّى ووطنٌ يتشظّى  ميلاد عمر المزوغي

 لم يتحقق أي من الوعود التي ساقها دعاة الديمقراطية, من حيث حياة الرفاهية والعيش الرغد, فلم يعد المواطن آمنا في بيته أو في الطريق, ربما تحسن الراتب لكن ارتفاع الأسعار قضى على تلك الزيادة, الراتب بالكاد يفي بالسلع الأساسية, ارتفاع الأسعار عزاه الوزير الأول المكلف تشكيل حكومة الطوارئ, بأنه ناتج عن تدهور سعر صرف الدينار أمام عملات دول الجوار, لماذا لا تقم الدولة باستيراد السلع عبر القنوات الرسمية بالدولار لأن دخل الدولة من بيع النفط هو الدولار للمحافظة على ثبات الأسعار,الطوابير تشاهد في كل أرجاء العاصمة, بدءا من الحصول على رغيف الخبز الذي زادت قيمته, مرورا بطوابير الحصول الوقود واسطوانات غاز الطهي, انتهاء بطوابير مغادرة الوطن, حيث لم يعد المقام يطيب للعديد من أبناء الوطن وخاصة تلك المناطق المنكوبة.

الأحداث الأخيرة في العاصمة والتي لا تزال مستمرة وان بخطى بطيئة, ألقت بظلالها على المشهد الحياتي لسكان العاصمة وجوارها, عديد الأحياء لا تزال مهجورة, مبان سويت بالأرض وأخرى أفرغت من محتوياتها, بل أصبحت تلك البيوتات ثلاجات لموتى الحرب, يبدو أن الذين لم يقوموا بعملية الدفن يفتقرون إلى القيام بعمليات التحنيط, ليتم توزيعها على كليات الطب بالبلد فلم نعد في حاجة إلى استيراد الجثث من الخارج, خاصة وان الجثث تخص أناس, اسماهم المفتي, دام ظله , بأنهم بغاة طغاة فأهدر دمهم, فكانت أعداد القتلى جد مرتفعة, تلبية لدعوات المفتي, لينعم القتلة بالجنان وحور العين.

كان النظام السابق يدعو الليبيين إلى مغادرة الوطن والاستثمار في إفريقيا, ذهب البعض من أصحاب رؤوس الأموال وآخرون تحصلوا على قروض من الدولة بشروط ميسرة, اليوم, يغادر الوطن من لا رأسمال له,لأنه يخاف على نفسه,حتى أولئك الذين رأسمالهم الوطن, لم يحتملوا البقاء.لقد جاوز الظالمون المدى, فر بجلده لينضم إلى مئات آلاف المهجرين في الشتات, قد يطول بهم البقاء, ذلك رهن بالمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.

بلد بحكومتين وبرلمانين وجيشين وعاصمتين, يعترف العالم بإحداها أما الأخرى فإنها ليست في حاجة إلى اعتراف العالم بها, لأنها تمتلك من الثروة والقوة ورباطة الجأش ما يجعلها تقف بكل صلابة في وجه الآخرين, الثروة والقوة كفيلتان بتسوية الأمور, فالغرب لا تهمه الأرواح التي أزهقت, والمباني التي دمرت, بل يسيل لعابه للمال ويقف مع الذي يدفع أكثر, ربما كانت أعمال التدمير الأخيرة من تخطيط الغرب ليتم إعمار البلد على أسس “صحيحة”, وتكون طرابلس أشبه بهونغ كونغ بدلا من دبي التي حلم الليبيون ولعدة سنين بان تكون عاصمتهم مثيلا لها.

هذه ليبيا اليوم بعد سبع سنوات ونيف من سقوط النظام, أين تذهب عوائد النفط؟ للحكومة الشرعية أم الحكومة المشرعنة بقانون القوة؟, أين ذهبت المليارات المجمدة والمجنبة؟ هل سيكون هناك أكثر من بنك مركزي؟ وهل سيبقى الدينار عملة رسمية من قبل الحكومتين, أم انه ستكون هناك دولتان على غرار السودان وكوريا؟, ليبيا اليوم هي “الدولة الإسلامية” النواة في شمال إفريقيا وتكون خيراتها لكافة مجرمي المنطقة. وليذهب الليبيون إلى الجحيم.

كنا نخاف على ليبيا من برقة, فإذا برقة تسع الوطن بأكمله, تحضن الشرفاء وتكشف الانعزاليون ضعاف النفوس, الساعون إلى تحقيق مصالحهم الشخصية على حساب وحدة الوطن المتشبثون بالسلطة تشبثهم بالحياة, يتساوى في نظرهم البشر والشجر والحجر, صواريخهم المحرمة دوليا لم تفرق بين المكونات الثلاث للطبيعة, فكانت هدفا للمجرمين, اختلطت العناصر الثلاث, علها تصير يوما ما, بترولا يستفيد منه البغاة الطغاة الغزاة.

الامل معقود على الجيش الوطني لتخليص البلاد من دواعش المال العام والتكفيريين.

ميدان الشهداء ….. ليس رابعة فتمهلوا   ميلاد عمر المزوغي

ميدان الشهداء ….. ليس رابعة فتمهلوا   ميلاد عمر المزوغي

عدم اعترافاهم بنتائج انتخابات 2014 التي خسروها,انقلبوا على الشرعية,دمروا البلد واستولوا على السلطة من خلال عمليات “فجر ليبيا” التي لا زلنا نعاني تبعاتها على كافة الاصعدة الاقتصادية والأمنية والاجتماعية. 

خلال مدة حكمهم التي جاوزت السبع سنوات كان بإمكانهم اقامة دولة مدنية وديمقراطية,ولكنهم لا يريدون ذلك,لأنهم لا يؤمنون بالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير,لا وجود للجيش الوطني في قاموسهم,بل عصابات (ميليشيات)تحمي نظامهم العابر للقارات.

لقد منحوا الوقت الكافي للعودة الى رشدهم والانخراط في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية, لكنهم كانوا يداهنون,يعوّلون على القوى الاقليمية التي ماانفكت تدعمهم وأوصلتهم ال سدة الحكم والتحكم في موارد الدولة.فسعوا جاهدين الى نهب المال العام وإحداث فتن بين مكونات الشعب,اخذتهم العزة بالنفس,دمروا ما طاولته اياديهم القذرة,هجروا المساكين من ديارهم.

المؤسف له حقا ان يتحدثوا عن (سكان المنطقة الشرقية-الشراقة )وكأنهم نزلوا من كوكب اخر وليسوا شركاء في الوطن,يعيبون عليهم قدومهم الى العاصمة لتخليص سكانها من براثنهم,او ليس الاسلاميون هم البادئون والبادئ اظلم؟.من المؤسف له ان يرتوي تراب الغرب الليبي بدماء اخوتنا من الشرق وقد قطعوا مئات الكيلومترات,بينما افراد من الجيش النظامي يوالون العصابات المسلحة التي يقودها شذاد افاق مجرمون ليس لهم علاقة بالمؤسسة العسكرية ويأتمرون بإمرتها,ما يعد اهانة لشرف المهنة.

كانوا يدركون جيدا ان مصيرهم المشئوم المحتوم سيكون على ايادي الجيش الوطني,أمدوا اخوانهم في بنغازي بمختلف انواع الاسلحة والمجرمين,فجرافات الموت لم تنقطع يوما وعلى مدى 3 سنوات,علّهم يقضون على المارد في مهده لكنهم فشلوا,تحررت بنغازي,وأصبح الجيش كابوسا يقض مضاجعهم,يحاصرهم في عقر دارهم,اخر معاقلهم العاصمة التي ساموا اهلها سوء العذاب والإذلال المبيت رجلا ونساء امام البنوك التجارية والانتظام في طوابير لأجل السيولة النقدية والطوابير على محطات وقود السيارات,والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وأكوام القمامة بمختلف الميادين والساحات.

لعلها المرة الاولى التي يجد فيها الاسلاميون,حملة السلاح والأفكار الهدامة انفسهم عراة امام العالم اجمع,واتضح ان المجلس الرئاسي الذي نصّبه الغرب كان الواجهة السياسية لهم,كانوا يعولون على تدخل المجتمع الدولي,لكن عدم امتثالهم لمقررات الصخيرات بشان الترتيبات الامنية,وإعلان مليشيات مصنفة ارهابية الوقوف الى جانبهم في محاربة الجيش الوطني,جعل العالم ينفض يده ولو مؤقتا,سحب جنوده الذين كانوا يحرسون البعثات الدبلوماسية الغربية ومصالحها بليبيا بواسطة فرقاطتين,وتبين مدى عجز الرئاسي وعصاباته القيام بذلك,تركهم الغرب وشانهم يحسمون مصيرهم مع الجيش(شأن داخلي) الذي قضى على الارهاب في شرق الوطن وحرر الجنوب من المرتزقة ويسير بخطى ثابتة نحو تحقيق الامن والاستقرار المفقود على مدى سنوات ووقف نزيف اهدار المال العام وتوحيد المؤسسات التي انقسمت بفعلهم ومن ثم اعادة اللحمة بين مكونات المجتمع الليبي,لتكوين الدولة التي فقدت مكانتها وأصبحت ساحة صراع ونفوذ لدول لم نكن نعيرها أي اهتمام,انه الزمن الرديء الذي يكون فيه المرء مطية للغير وتدمير (بلاده) لأجل مصالح شخصية.

قامت المليشيات الاخوانية الجمعة (12 ابريل 2019)بمسيرات جابت ميدان الشهداء بالعاصمة معلنين دفاعهم عن العاصمة (وما يدافعون إلا عن انفسهم انه اخر خط دفاعي لهم),وهي اشبه بمسيراتهم بميدان رابعة بالقاهرة,ولكننا نقول لهم,ميدان الشهداء ليس رابعة….تمهلوا,فالجماهير التي لم تخرج اليوم لنصرة الجيش على مشارف المدينة,ستخرج عندما يقوم الجيش الوطني باقتلاعكم من جذوركم لأنكم نبتة خبيثة,فلا مكان لكم في وطن محافظ وسطي لا يؤمن بالعنف,وستبنى الدولة وتعود لها هيبتها وتنعم بالازدهار والرخاء.

ثورة السودان الان .. و “ثوراتنا” السابقة‎

تستحقُّ السودانُ “زعيماً” جديداً أفضل من البشير ، وليسَ جنرالاً هو النائبُ الأوّلُ للبشير ، ووزير دفاعه ، ومطلوبُ مثلهُ للمحكمة الجنائية الدولية ، واسمهُ مُدرَجٌ في “القائمة السوداء” للولايات المتحدة الأمريكية ، لأتّهامهِ بارتكاب جرائم حربٍ ، وجرائم ضد الانسانيّة ، وانتهاكه حقوقَ الانسانِ في بلده.
كانَ البشيرُ يشقُّ الجموع الغفيرة من مؤيدّيه ، وهو يُهدّدُ و”يَزبِدُ” ، ويتوَعّدُ ، مُردّداً الكثير من الآيات القرآنيّة في خطاباتهِ المُرتَجَلة (حالهُ حالَ جميعِ الطغاةِ في العالَمين العربي والأسلامي) ، وسط غُبارٍ كثيفٍ تثيرهُ سيّاراتُ موكبهِ وحماياته ، وهرولةُ مئات الآلاف من الأقدامِ الحافيةٍ من حوله.
كان يفعلُ ذلكَ كلّما ازداد ضغطَ المجتمع الدولي عليه لآجبارهِ على تسليم نفسه لمحكمة الجنايات الدولية .. وكان يفعلُ ذلك وبيدهِ “عصا” يلوّحُ بها في وجوه معارضيهِ ، في الداخل والخارجِ على حدٍّ سواء .
كانَ البشيرُ يسرقُ كأيّ لُصٍّ عاديّ ، ويقطعُ يدَ السُرّاقِ (وسطَ المجتمع الذي أفقرَهُ الى حدّ الجوع) بحدّ السيف .. وكان “يزني” بالشعب كُلّه ، ويَرجُمُ “الزناة” بأحجار “الشريعةِ” التي “كيّفَ” حزبهُ أحكامها كما يشاء ، كما تفعلُ الأحزابُ الاسلاميّة “الحاكمة” في كُلّ مكانٍ وزمان *.
ماذا سيفعلُ للسودانِ والسودانيّين ، “خَلَفٌ” كهذا .. وهو كان نائباً أوّلَ لـلرئيس “السَلَف” ، ووزير دفاعه ، وشريكهُ في جميع “الأخطاء” ، وجميع “الجرائم” ؟
ماذا بوسعهِ أن يُقدّم للسودانيّين بعد ثلاثين عاماً من الاستبداد ، و تطبيق “الحدود” ، و حُكم “الشريعة” ؟
بماذا سيُقايِضُ المحكمة الجنائية الدولية التي تُطالِبُ برأسهِ ، ورأسِ “سَلَفِه” ؟
هاهو “الزعيم” الجديد ، يُردّدُ في “بيانهِ الأوّل” الآياتَ القرآنية ذاتها التي كان سَلَفَهُ لا يمِلُّ من ترديدها في كلّ مناسبة ، ليضحكَ بها على “الأتباع” .. و يُعَطِّلُ العمل بـ “الدستور” ، و يُشكّل “مجلساً للحُكم” ، ويُنَصِّبُ نفسهُ “رئيساً” لمدةِ عامين ، ويُعلِن حالة الطواريء ، ويمنع التجوال .. والأهمّ من هذا كُلّه هو اعلانهُ الاحتفاظ بـ “كنز” البشير ، من خلال “اعتقالهِ في مكانٍ آمن ” !!!!!.
لو لم “يسقط” البشير ، لما فعَلَ شيئاً أفضل ممّا فعلهُ هذا ” الجنرال” ، في “متاهة” السودان الحاليّة .
لم يبقَ على “الزعيم” الجديد ، سوى أن يُعيدَ رفعَ العصا في الوجوه ، ويرقصُ “العَرْضَةَ” أمامَ الحُشود ، أسوةً بسلَفِه .
ماهو هذا “النمط” الجديد من “الثورات” ، الذي ينتهي بالشعوب الى مصائر كهذه ؟
لماذا لمْ تَعُدْ “المقدمات” المنطقيةِ لهذا النمط من الثورات ، تؤدي الى “النتائج” المنطقية ، التي تنتظرها الشعوبُ منها ؟
هل يحدُثُ ذلكَ لأنَ “الثورة” لم تعُد ثورة ، بل ديكوراً مُلحَقاً بالانظمة الحاكمة ، و “الشعوبُ” لم تَعُد شعوباً ، بل قطيعاً من الاتباعِ الراكعينَ لسطوةِ السُلطة والثروة ؟
هل يحدثُ ذلك لغياب “دالّةٍ” مُحدّدةٍ لأهداف “التشكيل الاقتصادي – الاجتماعي القائم ، ومعرفتهِ لما يُريدهُ من عملية التغيير ، معرفةَ اكيدة ؟؟
أمْ يحدثُ ذلكَ لغيابِ “الوعي” الجامعِ لـ “الطبقات” الثورية ، ولتداخل “الخطابات” والوسائل اللازمة لتحقيق “الانتقالِ” لوضعٍ أفضل .. بحيث اختلطتْ “المادية الديالكتيكيّة” ، و “تناقضات” انماط الانتاج وعلاقات الانتاج ، بـ “الرثاثة الشعبويّة” ، واستبداد “الزعماء” الثوريّين ، وانتهازيّة “المُنَظّرين” ، و طروحات “المُجاهدين” ، و “السرديّات” المثيرةِ للأتباع “الموالين” ، وبنادق الكلاشنكوف ، وحدّ السيف ، وأحكام النَبْذِ للمارقينَ و “الخوارجَ” ، وأحجارِ الرَجْمِ لـ “الزُناةِ” بالعقائد السائدة .. كلّها معاً ؟
لستُ ادري ، ولستُ مؤهَّلاً للإجابة عن اسئلةٍ كهذه .
وأتمنى أن يتصدى لذلك غيري .. لأعرفَ ماهذا الذي يحدثُ لنا ، ولغيرنا ، بالضبط .. والى أين سيقودنا ويقودُ غيرنا في نهاية المطاف ، كلُّ هذا .

* لمزيدٍ من التفاصيل حول طبيعة وسمات نظام حكم البشير “الأسلامي” ، راجع المقال المهمّ للأستاذ سهيل سامي نادر ، الموجود على صفحته الشخصية ، بعنوان ” صورة نظام البشير كما عرفته عام 2012 ، والذي ورد فيه ما يأتي :
إليكم ما ينقله عليش من إحدى الصحف في يوم 24 مايو من العام 1985 : (شهدت شوارع الخرطوم موكباً فريداً، يتكون من عشرات المواطنين، بعضهم قُطعَت يدُه والبعض قُطعت رِجله، ومنهم من فَقَد عينه، وقد توجهوا جميعاً من مركز ‘الأطراف الصناعية’ إلى مقر المجلس العسكرى، وقدِّر عددهم بما لا يقل عن 600 شخص، ما بين 18 و25 عاماً، طبقت عليهم بعض الحدود ).
هذا مشهد يوم الحشر – السوداني .
حافظ الشيخ الزاكى واحد من اعمدة النظام الدينيين قال عام 1983 لصحيفة الشرق الأوسط، تمهيداً لتطبيق الحدود في السودان مخففا منها (على مدى 6 قرون فى الدولة الإسلامية لم تُقطع إلا ست أيادٍ فقط).
لكن هذه الإحالة الى الإسلام القديم ، مثل إحالات الترابي ، ما أن نقربها من جمهورية السودان التي يقودها عسكري جلف حتى يبدو الأمر أننا إزاء جريمة تتغطى ببرقع . لأننا إذا قارنا تطبيق الحدود في الماضي وفي الحاضر ، فسنعرف أن السودان طبق الحدود خلال عام واحد مئة ضعف مما جرى بستة قرون ].

وأيضاً .. قدّم العقل الجميل فارس كمال نظمي على صفحته الشخصية ، تحليلاً موجزاً وعميقاً لما أسماهُ بـ “الربيع السوداني” ، تحت عنوان “الربيع السوداني قد يكون مختلفاً ” ، أرى أنّ من المهمّ جداً الأطّلاع عليه .

من يعتذر عن قلب الظلام ؟؟

هكذا يُقرأ التاريخ ، حكومات تتعذر عن جرائم أسلافها ، ونحن نُمجّد بمن يبطش بنا .

 من يعتذر عن قلب الظلام

تقدمت الحكومة البلجيكية، بلسان رئيس وزرائها شارل ميشيل وباسم الحكومة الفدرالية وأمام جلسة موسعة للبرلمان، باعتذار رسمي إلى شعوب الكونغو ورواندا وبوروندي، عن الجرائم التي ارتكبتها السلطات الاستعمارية البلجيكية بحقّ أطفال هذه البلدان «المهجّنين»؛ أي أولئك الذين ولدوا من زيجات مختلطة بين البيض والسود. وتلك ممارسات انطوت على الخطف، والفصل العائلي، والترحيل، والتبنّي القسري للآلاف من الأطفال. ولأنّ هؤلاء كانوا يودعون، على نحو أقرب إلى الاحتجاز، في كنائس ودور أيتام وبعثات تبشيرية في مختلف أرجاء أفريقيا الوسطى؛ فقد سبق للكنيسة البلجيكية أن تقدمت، في سنة 2017، باعتذار مماثل، أقرّ فيه الأساقفة بأنّ الكنائس حظرت الزواج المختلط بين البيض والسود، وحرمت آلاف الأطفال من حقوقهم المدنية.
إجراء محمود، قد يقول قائل، حتى إذا تأخر ستة عقود على الأقلّ، وعملاً بالحكمة الشهيرة: أنْ تأتي متأخراً… لكنه محمود ناقص، إذا جاز القول، أو هو مجتزأ يذهب بالانتقاص إلى مستوى التستر أو التضليل أو تعمية الأعين عن الحقائق الأفظع في التاريخ الاستعماري البلجيكي؛ الأمر الذي ينسحب منطقياً، وتلقائياً، على التواريخ الاستعمارية الأوروبية كافة. هذه جرائم بحقّ الإنسانية، وجرائم حرب بامتياز، وإبادات جماعية، وفظائع تقشعرّ لها الأبدان؛ ارتكبها إسبان في الأمريكتَيْن وسائر «العالم الجديد»، وفرنسيون في الجزائر، وبريطانيون في الهند، ووبرتغاليون في أنغولا، وهولنديون في جنوب أفريقيا… ومنذ القرن الثامن عشر، بعيداً عن الساسة والحكومات، كان الأسكتلندي آدم سميث، مؤسس علم الاقتصاد السياسي، هو الذي عزى تفوّق أوروبا السياسي والاقتصادي والعسكري إلى ابتكارها ثقافة العنف، وتحويلها الحرب إلى علم، وإلى استثمار. وأمّا في أواسط القرن اللاحق، فقد كان المشرّع الهولندي هوغو غروتيوس، مؤسس القانون الدولي الحديث، هو الذي قال دون أن يرفّ له جفن: «أكثر الحروب عدالة هي تلك التي تُشنّ ضدّ الوحوش. وثمة بشر يشبهون الوحوش».
وكان الراحل إدوارد سعيد قد دافع، برأي سديد وحجّة بليغة، عن خلاصة تقول إنّ جوزيف كونراد استلهم وقائع وشخصيات حقيقية عند كتابة روايته الشهيرة قلب الظلام»، 1902. ومع صدور كتاب جديد يروي سيرة الملك البلجيكي ليوبولد الثاني (1835 ــ 1909)، يتضح أنّ أمثولة هذا الملك كانت في ذهن كونراد حين رسم شخصية كرتز ومملكته في الكونغو. ففي كتابه «شبح الملك ليوبولد: قصة الجشع والرعب والبطولة في أفريقيا المستعمرة»، يروي آدم هوكشايلد حكاية سفّاح في ذمّته دماء عشرة ملايين أفريقي كونغولي، هو القائل عن نفسه: «نيرون قدّيس بالمقارنة معي. إنني غول لا يتلذذ إلا بتعذيب الأفارقة الزنوج».
مغامرته تبدأ في عام 1885 حين قرر، هو الملك المتوّج وسليل أسرة ملكية كانت لها حصّة في معظم تيجان أوروبا عبر المصاهرة والخؤولة والعمومة، أنّ بين أبسط حقوقه الملكية تحويل بلد أفريقي، تفوق مساحته مساحة بلجيكا 80 مرّة، إلى ملكية فردية شخصية؛ له وحده. ولقد بدأ من حيث هاجرت الحداثة الأوروبية إلى الأصقاع النائية، فأنشأ «جمعية الكونغو العالمية» ذات الأغراض الخيرية والإنسانية والعلمية، ثم أعلن بعدها تحويل الجمعية إلى «دولة الكونغو الحرّة». ولقد جنّد خبراء العلاقات العامة في تأمين ما تحتاجه «الدولة» من دعم سياسي لدى حكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا، وليس بغير دلالة خاصة أن الولايات المتحدة كانت أوّل المعترفين بدويلته تلك.
شهوة القوّة، بأىّ معنى فرويدي أو نيتشوي، لم تكن الدافع وراء سلوك الملك، بل كان تكديس كنوز المطاط والعاج هو مبرّر تأسيس «الدولة» وإرساء ركائزها على نظام الاستعباد والرقّ والسخرة. وكان الأفارقة الكونغوليون يُجبرون على العمل عند رجال ليوبولد الثاني، فيقتلون الأفيال للحصول على العاج، ويجوبون الأدغال شجرة شجرة لجمع سائل المطاط. قطع اليد كان العقوبة الأولى للمسخَّر الذي يفشل في تنفيذ الحصة المناطة به من الإنتاج. قطع اليد الثانية كان العقوبة التالية، وأما الثالثة فهي الأخيرة والثابتة: رصاصة في الدماغ!
وخلال قرابة عقد واحد، انخفض عدد سكان الكونغو إلى النصف: كانوا عشرين مليوناً، فأصبحوا عشرة ملايين! وسجّل رحالة أوروبيون تفاصيل رهيبة حول فظائع جنود الملك، بينها أنّ إدارة «الدولة» كانت تعوّض رجالها عمّا فقدوه من ذخيرة نارية، استناداً إلى عدد الأيدي المقطوعة التي يجلبها هؤلاء في سلال، وكلّ يد مبتورة هي دليلٌ على استخدام رصاصة في قتل إفريقي. وللتذكير، هنا بالذات، وفي وصف مجازر ليوبولد الثاني تحديداً، دخلت إلى القاموس السياسي الدولي عبارة «جرائم بحقّ الإنسانية»، وكان الذي استخدمها للمرّة الأولى صحافي أمريكي أسود يدعى جورج واشنطن وليامز. وفي عام 1908 اضطر الملك ليوبولد الثاني إلى بيع دويلته هذه إلى الحكومة البلجيكية، التي سارعت إلى حلّها، وأقامت بدلاً عنها مستعمرة «الكونغو البلجيكية». الأموال التي كسبها الملك من مشروعه هذا قُدّرت بـ220 مليون فرنك بلجيكي (ما يعادل 1و1 مليار دولار بعملة هذه الأيام)، صرفها بالكامل على إمتاع عشيقته كارولين، البغيّ السابقة.
فأيّ رئيــس حكومة بلجيكية يمكن أن يعتذر عن قلب الظلام والبربرية ذاك؟ وكم سيأتي الاعتراف متأخراً، إنْ أتى؟)

عماد عبد اللطيف سالم

أبريــ9ــل….  انهيار أُمّة  ميلاد عمر المزوغي

  أبريــ9ــل….  انهيار أُمّة  ميلاد عمر المزوغي

العرب على اختلاف مذاهبهم لم يقوموا باستغلال مواردهم الطبيعية,في مختلف العلوم بل وللأسف تم الدفع بالأموال إلى أسواق الغرب لتدور عجلة مصانعهم والتخفيف من الكم الهائل للبطالة بين صفوف الشباب,وفي أحسن الأحوال فان بعض الدول الوطنية أو ما يطلق عليها بالتقدمية,دخلت مجالات التصنيع الحربي إلا أنها وللأسف تم مجابهتها من قبل الغرب وأذنابه من العرب فحالت دون تقدم العرب وتكوين كيانهم السياسي على غرار الأمم المجاورة ,الفرس والروم ,كل يوم يزداد تشرذم الأمة ونهب خيراتها وتشريد الخيّرين من أبنائها فاختلقت الحروب فيما بينها وتم وصفها بأنها امة عنصرية جهولة لا تعترف بأدنى معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان وبأنها سبب مشاكل العالم ومن ثم لا بد من ترويضها,فكانت أضحوكة الشرق الأوسط الجديد المفعم بالحرية والعدالة بدءا من الإطاحة بالأنظمة وما صاحبه من قتل وتدمير وتشريد بين أبناء الأمة, وقيام الغرب بمنح تأشيرات لجوء لبعض العامة وكل من يتوق إلى الهجرة من الكوادر العربية في مختلف التخصصات لأجل الاستفادة منها.

العرب جميعا دونما استثناء,حطموا بعضهم بعضا,عندما شعر بعضهم بقوة العراق والخوف على عروشهم عملوا على وجود خلافات بينه وإيران,فكانت حرب السنوات الثمانية التي أزهقت فيها أرواح أكثر من مليون نسمة من الطرفين إضافة إلى الخسائر المادية الجسيمة وتحطيم الجيش العراقي,بل أصبح فيما بعد دولة هشة مقسمة وان بدت أمام العالم أنها موحدة,العداء المذهبي والطائفي مستفحل يتمترس كل في خندقه لأجل القضاء على شريكه في الوطن,ست  عشرة سنة من الظلم والقهر والفقر ولا حل للازمة في الأفق بسبب الساسة المفسدين المأجورين ليبني كل منهم مجده الوهمي على ركام المباني وجثت الضحايا وآهات الأرامل واليتامى والمشردين.

العرب اليوم في أدنى منزلة,يتدخل بشؤونهم من يشاء,أراضيهم مستباحة, ثرواتهم يستفيد منها الغير,أعراضهم منتهكة,أكثر من 5 ملايين مشرد يسكنون الخيام وأكواخ الصفيح,تتم المتاجرة بأعضائهم,يتسولون المجتمع الدولي بما يجود عليهم من الفتات,في حين زعمائنا أصحاب الفخامة والمعالي والسمو يستحوذون على مقدرات شعوبهم ويعيشون حياة البذخ المفرط ,يشترون القصور والعمائر في بلاد الغرب لأنهم يدركون أن لا بقاء لهم في هذا الوطن,أتى بهم الاستعمار لتنفيذ أجنداته.

يتباكى الزعماء العرب على ما هم فيه وما ذاك إلا بفعل أعمالهم الإجرامية,لقد كان بإمكانهم حل أزمات ليبيا وسوريا وأخيرا وليس آخرا اليمن بدلا من تدويلها,مسؤولية تغيير نظام ما تقع بالدرجة الأولى على عاتق الشعب المعني,خاصة وأننا نعلم جيدا أن زعماءنا الذين يتشدقون بمساعدة الشعوب المقهورة في التخلص من أنظمتها هم الاحوج إلى تطبيق الديمقراطية فلا توجد مجالس نيابية في بلدانهم بل يعتبرونها من الكبائر,يجب على هؤلاء المعمرون في الحكم الذين يرثونه كابرا عن كابر إطلاق حرية الصحافة ورفع مستوى المعيشة لشعوبهم التي يعيش معظم أفرادها تحت خط الفقر.

لقد استطاعت شعوب الفرس والروم أن تبني نفسها وان يكون لها موقع متميز بين دول العالم فاستطاعوا بناء قوتهم العسكرية والاقتصادية بفعل زعمائها وتتعامل مع العالم بندية تامة وأصبحت تمثل رقما صعبا في المعادلات الدولية.

سقوط بغداد الذي يمر علينا ذكراه,الذي أراده الغرب وأتباعه من الأعراب بداية لانهيار الأمة العربية,يدفع بنا إلى لعن هؤلاء الزعماء الذين استشعروا الخطر الداهم لسقوط حصونهم التي لن تكون مانعتهم,الغرب الذي يعولون عليه تحكمه المصالح في التعاون مع الدول,وان الأمم التي لا تحترم نفسها تعش مهانة بين الأمم.

حتما لا يزال في الأمة أناس شرفاء سيعيدون للأمة مكانتها وليذهب الخونة والمرتدين إلى الجحيم.      

عن الشعبويّة في السياسة ، والشعبوية في الاقتصاد‎

عُذرا لإزعاجكم .. فأنا لا أعرفُ إنْ كان هناك من يمتلكُ “العزيمةَ” الكافية ، لقراءةِ موضوع كهذا .. في هذا “االمُنزَلَقِ” العراقيّ “الشعبويّ” العظيم !!؟؟


عن الشعبويّة في السياسة ، والشعبوية في الاقتصاد
ينظر الزعماء الشعبويّون للشعبوية الاقتصادية بعدّها “ردٌّ من الشعب الذي جرى افقارَهُ ، على المجتمع المُقصِّر بحق هذا الشعب” . وهذا المجتمع “المُقَصِّر” يتميز بوجود نخبة اقتصادية تمارس القمع ، وتعمل على استغلال سلطة الحكومة لزيادة ثرواتها ، وبما يؤدي الى تفشّي الفقر المدقع جنباً الى جنب مع الوفرة الاقتصادية .
وفي ظل الشعبوية الاقتصادية تخضع الحكومة لمطالب الشعب ، مع قليل من الاهتمام بالحقوق الفردية ، أو بخصوصيات وظروف الواقع الاقتصادي التي تتحكّم بالكيفية التي تتم بها زيادة ثروة البلاد ، أو حتى الحفاظ عليها.
بعبارة أخرى سيكون هناك تجاهل تام للنتائج الاقتصادية العكسية للسياسات ،عمداً ، أو بدون قصد.
تسعى الشعبوية الاقتصادية الى الاصلاح ، وليس الى الثورة . وموقف ممارسيها واضح بشأن المظالم الواجب معالجتها . غير أن وصفات العلاج الشعبوية تتسّم بالغموض . فعلى عكس الرأسمالية أوالاشتراكية لا تقدّم الشعبوية الاقتصادية تحليلاً مُحدّداً للشروط الواجب توافرها لخلق الثروة ، ورفع مستوى المعيشة . كما أنّ الشعبوية ليست وليدة فكرة ، بل هي في المقام الأوّل رد فعل عاطفي ، أو هي بالأحرى صرخة ألم ، اذ يقدّم الزعماء الشعبويون وعوداً لا لبس فيها لعلاج المظالم المُتَخَيّلة ، واعادة توزيع الأراضي ، ومحاكمة النخب الفاسدة التي سرقت الفقراء ، ويعدّون ذلك علاجاً شائعاً لجميع الأمراض.
وتتخيّل الشعبوية الاقتصادية عالماً أكثر استقامة ، ومبادؤها بسيطة ، وأطارها المفاهيمي بسيطٌ أيضاً. فاذا كانت هناك بطالة ، يجب على الحكومة توظيف العاطلين . واذا كان النقد شحيحاً في الاقتصاد ، واسعار الفائدة مرتفعة نتيجة لذلك ، يجب على الحكومة وضع حد أعلى لأسعار الفائدة ، او طبع المزيد من النقود . واذا كانت السلع المستوردة تهدد فرص العمل ، سوف تقوم الحكومة بوقف الاستيراد.
ولكي تجتذب الشعبوية الأتباعَ ، ولكونها تعاني من افتقارها الى سياسات اقتصادية ذات سمات واضحة ، فإنها تضطّر الى ادّعاء تبرير اخلاقي ما . وبناءً على ذلك يجب أن يتمتَع الزعماء الشعبويّون بـ “كاريزما” ذات تاثير كبيرٍ على الأتباع ، وأن تبدو عليهم دائماً هالة تَحَمُّل المسؤولية ، بل وأيضاً القدرة على ممارسة الاستبداد.
ويأتي العديد من هؤلاء القادة الشعبويّون ، وربما معظمهم ، من الجيش . وهم لا يُبرّرونَ التفوق المفاهيمي للشعبوية على الأسواق الحرّة على نحوٍ فعّال . كما أنّهم لا يؤمنون بالنزعة الشكلية الفكرية الخاصة بماركس ، ورسالتهم الاقتصادية تقوم على خطابٍ بسيط ، مُتَبّل ببعض الكلمات من قبيل “الاستغلال” و “العدالة” و “الاصلاح الزراعي” ، وليس “الناتج القومي الاجمالي” أو ” الانتاجية” .
تقدّم الشعبوية الاقتصادية وعوداً كبيرة ، بدون أن تأخذ بنظر الاعتبار كيفية الايفاء بها من الناحية المالية . وفي كثير من الأحيان يؤدي الاصرار على الايفاء ببعض هذه الوعود الى نقص في التمويل بسبب تراجع العائدات ، اضافةً الى صعوبة ، أو استحالة ، الاقتراض من القطاع الخاص أو من المستثمرين الاجانب . ويؤدي هذا في الغالب الى اعتماد يائس على بنك مركزي يقوم بدور الصرّاف . ومع تزايد مطالبة البنك المركزي بطبع المزيد من النقود لزيادة القدرة الشرائية للحكومة ، يتم اطلاق العنان لموجة من التضخم الجامح الذي لا يمكن السيطرة عليه ، أو التحكّم باتجاهاته وتأثيراته . وكانت النتيجة على مرّ التاريخ هي الاطاحة بالحكومات ، والحاق اضرار كبيرة وشديدة وعميقة بالاستقرار المجتمعي . وهذا النمط من النتائج الكارئية للشعبوية الاقتصادية كان قد تجسّد في وقائع تاريخية محددة ، منها (على سبيل المثال لا الحصر) التضخم الجامح في البرازيل (1994) ، والارجنتين (1989) ، والمكسيك في منتصف الثمانينيات ، وشيلي في منتصف السبعينيات من القرن الماضي ، وكان تأثير ذلك مُدَمّراً على مجتمعات تلك البلدان.
ويُفتَرض بالشعبوية الاقتصادية أن تكون مدّاً للديموقراطية الى الاقتصاد، ولكنها ليست كذلك.
فالديموقراطية عملية تتسم بعدم الترتيب ، ومن المؤكّد أنّها ليست ، وباستمرار ، الشكل الأكثركفاءة للحكم . ومع ذلك فنحنُ نتفّق مع ونستون تشرشل في قوله “أنّ الديموقراطية هي أسوأ شكلٍ للحكم ، اذا استثنينا تلك الأشكال الأخرى كلها ، التي تجري تجربتها من حينٍ لآخر” . وشئنا ام أبينا فليس أمامنا من خيار ، إلاّ افتراض أنّ الأشخاص الذين يعملونَ بحريّة ، سوف يتخّذون في نهاية الأمر القرارات الصحيحة بشأن كيفية حكم أنفسهم . فإذا اتخذت الأغلبية قرارات خاطئة ، ستكون هناك عواقب عكسية ، بل قد يصل الأمر الى الفوضى المجتمعية في نهاية المطاف .
إنّ الشعبوية في ارتباطها بالحقوق الفردية (وليس في نكرانها لهذه الحقوق) ، هي ما يسميّه معظم الناس بـ “الديموقراطية الليبرالية”. ومع ذلك يشير اصطلاح “الشعبوية الاقتصادية” ، (كما يستخدمه معظم الاقتصاديين ضمناً) ، الى ديموقراطية تفتقر الى حدٍّ كبير الى “الحقوق الفردية” . فعندما يُمكن لواحدٍ وخمسين بالمائة من الناس تجاهل حقوق التسعة والأربعين بالمائة المتبقيّة بشكل قانوني ، سوف تؤدي الديموقراطية المُطلقة .. الى الطُغيان.

ملاحظة : ( النصّ بأكمله مُعَدّ بتصرّف ، نقلاً عن : آلان غرينسبان . عصر الاضطراب ، مغامرات في عالم جديد . ترجمة أحمد محمود . دار الشروق ، القاهرة ، الطبعة الأولى 2008 ، p 407-419 ) .

كليّات المجتمع Community Colleges ، و جامعات الشركات‎

كليّات المجتمع Community Colleges ، و جامعات الشركات

في البلاد التي تتم فيها تدنية معدلات القبول في الجامعات الى مادون الخمسين . في البلاد الوحيدة ، ربما، على امتداد هذا العالم ، التي يتم فيها قبول جميع الحاصلين على الشهادة الاعدادية في الجامعات الحكومية والأهلية . في البلاد التي لا “يرسِب” فيها أحد ، ولا يتم فيها “ترقين قيد” أحد في جميع المراحل الدراسية. وفي الوقت الذي يتكدّسُ فيه ، لدينا ، مئات الآلاف من خريجي الدراسة الأعدادية(على اختلاف تخصصاتهم ، وقدراتهم العلمية ، ومؤهلاتهم التربوية) في جامعات حكومية وكليّات أهليّة لم تعُدْ قادرة (لظروف وأسباب وتبريرات كثيرة لا يتسّع المجال لذكرها الآن)على توفير الحد الأدنى الضروري من المتطلبات (المهنية والعلمية والأكاديمية) للتعليم الجامعي ، وبالتالي فهي غير قادرة على الاستجابة لاحتياجات (ومتطلبات) سوق العمل المعاصرة (بحدّها الأدنى أيضاً) . في هذا الوقت ذاته تتحقّق في بلدان اخرى كثيرة ، زيادات كبيرة في التسجيل بما يُطلَقُ عليه “الكُليّة المُجتمعية” أو “كليّة المجتمع”Community College ، أو “كليّات المجتمع المحلّي”. وبعد مرور أكثر من قرنٍ على تأسيس أوّل كليّة منها في الولايات المتحدة الأمريكية(وهي كليّة جولييت جونيور كوليدج ، في ولاية ألينوي)، ماتزال هذه الكليّات تتبوأ مكانة محوريّة في مجالات تطوير القوى العاملة ، ومواصلة تحصيل العلم (لأولئك الذين لم تسمح لهم ظروفهم الخاصة بمواصلة تعليمهم الجامعي) ، وتوسيع نطاق مسؤولية المجتمع المدني على الصعيد المحلي .
وكان لهذه الكليات ، عبر تاريخها ، وعلى نحو أكثر في هذه الأيّام ، دور حاسم في ايجاد انظمة فعالة لتأهيل الطلاب (وبالذات طلبة المدارس الاعدادية) للأنتقال مباشرةً من مقاعد الدراسة الى مواقع العمل . وتؤمّن الكليّات المجتمعيّة (بالاضافة الى كونها حلقة الوصل الرئيسة بين التعليم في المدارس الثانوية ، ومابعد المرحلة الثانوية) برامج انتقالية خلاّقة ، كالإعداد الفني ، والتدريب على المهن في مقر العمل ، والتعليم التعاوني ، والتعليم الخاص بالحياة المهنية . وهي تتعاون بالاضافة الى ذلك مع أرباب العمل والمجتمعات المحلية والحكومات والمنظمات العمالية ، والتنظيمات النقابية الأخرى.
ويصل عمر ثلث طلاب هذه الكليات ، تقريباً ، الى الثلاثين أو اكثر في الولايات المتحدة الأمريكية . وتتخصّص هذه المؤسسات في تدريس المهارات العملية التي يمكن تطبيقها مباشرةً في مكان العمل ، وكانت مفيدة على نحو خاص في اعادة تدريب الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم ويبحثون عن فرص عمل جديدة .
وتتضمن مناهج التدريس في هذه الكليات مواد دراسية تقليدية ، كالنجارة ، والحدادة ، وإعداد المعجنات والحلويات ، وصيانة السيارات ، وصناعة الأكسسوارات ، والمنتجات التراثية .. وأخرى غير تقليدية مثل صيانة الألكترونيات ، والتمريض ، والعلاج بالتدليك، وأمن معلومات الكومبيوتر. وتتطلب المهن ذات الدخول المتوسطة هذه الآن ، مهارات تزيد كثيراً عما كان مطلوبا من العمال ذوي الدخول المتوسطة في السابق .
وتستفيد نسب متزايدة من السكان في سنّ العمل من توجّهات هذه المؤسسات التي تتركّز أساساً حول الايفاء باحتياجات سوق العمل الحديثة . وفي البلدان المتقدمة عموماً (التي لحقت بها دول “نامية”عديدة ، وأصبحتْ هذه بدورها دول صناعية “جديدة” ) ظهر شكل آخر من هذه المؤسسات التعليمية ، هو ما يُطلق عليه “جامعة الشركات” . وتحولت هذه “الجامعة” على نحو سريع الى جزء ثابت في تعليم الكبار المتصّل بالعمل.
وتقوم الكثير من الشركات التي تحتاج الى مستخدمين جُدُد ، على مستوى مقبول من الجودة بالنسبة لها ، باستكمال تعليم هؤلاء ، وتحسين قدراتهم ، وإعدادهم للمنافسة بنجاح وكفاءة في الأسواق العالمية.
ولدى شركة جنرال موتورز نظام “جامعة” موسّع بهِ ست عشرة كليّة “وظيفية” ، تقوم بإعداد “تلاميذها” ليشغلوا الوظائف المتاحة في سوق العمل حال تخرّجهم . وتقوم شركة ماكدونالدز (لغاية عام 2008) ، بتعليم أكثر من خمسة آلاف موظف سنوياً في “جامعة الهامبورجر” التابعة لها .. وهي تسمية مناسبة لما يمكن ( أو يجب) أن تقوم به هذه الجامعات من مهام .
نحنُ أحوَجُ ما نكون لـ “كليّات” و “جامعات” كهذه .
والنماذج الناجحة للكليّات المُجتمعية ، القائمة في بلدان أخرى ، جديرة بالاقتداء ، دون الحاجة الى إعادة اختراعنا للعجلة من جديد .. ومنها النموذج الماليزي ، على سبيل المثال لا الحصر
 .

تلاميذي .. الذينَ أُريدُ أنْ أُعَلِّمَهُم الخَيال

تلاميذي .. الذينَ أُريدُ أنْ أُعَلِّمَهُم الخَيال

لطالما سعيتُ الى تحقيق حلم صديقي الجميل ميثم راضي ، وهو أنْ أُعَلّمَ تلاميذي .. الخَيال.
عملتُ على ذلكَ كثيراً ، وما أزال ، بعنادِ بَغْلٍ على اعتابِ السبعينَ من العُمْر .
ومعَ “عِلم الاقتصاد” (وفيهِ الكثير من الخيالِ ، على عكس ما يعتقدُ الكثيرونَ) ، وبدون الاقتصاد .. كانَ ذلكَ يتمُّ بمرارة ، وغالباً دونَ جدوى.. مع الأسفِ الشديد.
ولم يكُن هذا الفشلُ الذريعُ دونَ سبب .
فأنا (مثلُ غيري) ، لا أستطيعُ تعليمَ الخيالِ لتلاميذَ لا يُجيدونَ القراءة والكتابة .. والقراءةُ والكتابة هما ، بحدّ ذاتهما .. خيال .
منذُ خمسةٍ وعشرينَ عاماً ، وأنا أقومُ بتدريسِ طلبة المرحلةِ الجامعيّة الأولى (حَصْرا) ، مادّةَ “مباديء الاقتصاد” . ومنذ ذلك الوقت ، أُلاحِظُ تراجعَ قُدرتهم على القراءة والكتابةِ ، عاماً بعد عام.
ومعَ تراجُعِ هذه “القُدْرَة” ، إنحَسَرَتْ “عُدّةُ” الخيالِ اللازمة لتجسيدهِ لديهم ، سواءَ اكانت من خلالِ حوارِ عاديّ ، أو نصٍّ مكتوب ، أو رَسْمِ لوحةٍ ، أو نَحْتٍ في شيءٍ ما .. أي في الأدبِ والفنِّ ، وأصولِ التخاطُبِ والتعبيرِ .. كلّها معاً .
“عّدّةُ” تلاميذي الآنَ ، وهُم يدخلونَ قاعةَ الدَرْسِ ، ثَمِلينَ بهمومهم ، وشرودِ ذهنهم ، وطريقة عيشهم ، وأساليب التصرف بأوقاتهم ( وقليلٌ منهم تمّ افسادهم باهمالِ عوائلهم لهم ، أو بتدليلهم الزائدِ عن الحَدّ ، ناهيكَ عن الإرث التربويّ البائس للدراسة الابتدائية والمتوسّطة والاعداديّة) .. هذه “العُدّةُ” لا تزيدُ عن علبة سجائرَ و “موبايل” للبنين “المُدَخِّنين” ، وحقيبة نسائية ليس فيها سوى “الموبايل” ، وبعض مستحضرات التجميل ، للبنات غير “المُدَخِّنات”.
أيُّ خيالٍ نستطيعُ تعليمهُ لهم ، وهُم يَضيقونَ ذَرْعاً بحملِ ورقةٍ واحدةٍ ، وقَلَمٍ واحد ؟
أيُّ خيالٍ نستطيعُ تعليمهُ لهم ، مع وصولهم الى المرحلةِ الجامعيّة من الدراسة ، وهُم (عموماً) .. لا يقرأونَ ولا يكتبون ؟
قبلَ الصراعِ على السلطةِ والثروة ، وعلى الجاهِ الزائفٍ والمناصب .. وبينَ الفيدراليّة والأقاليم ، وبين الديموقراطية والدكتاتورية ، وبينَ”الشعبويّةِ” والاستبداد ، وبين الأغلبيّة والأقليّة ، و بين العشائرِ والمذاهب ، وبينَ الرملِ والطين ..
ومن أجلِ أنْ ينتَصِرَ “التحضُّرُ” على “البداوة” ( ونحنُ على اعتاب العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين) .. نتوسّلُ إلى “أولي الأمرِ” منّا ، أنْ يُخَصّصوا جُزءاً يسيراً من مالِ هذه البلادِ ، ومن زمنها المهدورِ دونَ طائل ، لتعليمِ أبناء وبنات هذا البلد ، القراءةَ والكتابة.
دونَ ذلك .. لن يتسنّى لنا تعليمهم “الخَيال”.
لن يتسنّى لنا تعليمهم ، ما في “الواقعِ” مِنْ خَيال.
وتعليمُ “الخَيالِ” الآن ، ليسَ “تَرَفاً” ، بل “ضرورة”.
فمن خلالِ الخَيالِ ، يُمكِنُ أنْ يكونَ لأبناءِ وبناتِ هذا البلدِ شيءٌ من الأمَل.
ولا يُمكِنُ لهؤلاءِ الأيمانُ بشيءٍ من الأمَل ، إلاّ من خلال الخَيال..
ومن خلال تعليم هذا الخيال .. في المدارس .

غسان سلامة…بعض الحقائق تربك متصدري المشهد السياسي ميلاد عمر المزوغي

غسان سلامة…بعض الحقائق تربك متصدري المشهد السياسي  ميلاد عمر المزوغي

نعلم يقينا ان الامم المتحدة لم تقم بحل أي من المشاكل الدولية على مدى تاريخها الحافل بالمآسي,فساهمت وبفاعلية في اطالة عمر الازمات,وإفلات مجرمي الحروب من العقاب,لان الازمات مبرمجة من قبل القوى الدولية الفاعلة,وهؤلاء المجرمين يعملون تحت حماية تلك الدول وينفذون اوامرها,وقد يعمد بعض هؤلاء المجرمين الخروج عن اوامر السادة,فيتم اصدار مذكرات توقيف بحقهم,لكن التنفيذ(الجلب) يظل رهن بجدية الدول الكبرى في معاقبتهم,فتعمد الى منحهم وقتا اضافيا لأجل الاستتابة.

المشكل الليبي ليس استثناءا,الازمة ودعت عامها السادس وأصبحت تشكل عبئا على المجتمع الدولي,استشرى الفساد المالي والإداري وضرب كافة قطاعات الدولة,الخزينة العامة شارفت على الافلاس,شهية الساسة انفتحت على مصراعيها,وهناك مساع حثيثة لأجل الافراج عن الاموال المجمدة,لتغطية المصروفات.

السيد سلامة وباعتباره مسئولا عن الملف الليبي او بعبارة اخرى تعتبر ليبيا محميته التي وهبها له المجتمع الدولي,سافر الى كافة اصقاع العالم لحضور المؤتمرات التي من شانها المساهمة في حل الازمة الليبية,اما الدول المؤثرة في الشأن الليبي فقد حظيت بالعديد من زياراته ومقابلة كافة مسئوليها وقد اعلن مؤخرا بان هناك حوالي عشر دول تتدخل مباشرة في الشأن الليبي(نعتقد من جانبنا ان العدد اكبر بكثير ولكن هذا ما امكن السيد سلامه الإفصاح عنه)وهذا الحجم يعكس مدى سعي هذه الدول لاستمرار الازمة والاستفادة من الأوضاع القائمة.

في الشأن الداخلي فإنه جال كافة مدن البلاد وقراها,واستمع من سكانها وعن قرب مدى العوز والبؤس الذي يعانونه,وعدم الاستقرار الامني فكان لزاما عليه ان يبوح ببعض مشاهداته التي لم ترق لمتصدري المشهد,فطالبوه بالتوضيح ليدرءوا عن انفسهم الخطر (ما يعتقدون انه شبهات) المحدق بهم الذي يقودهم حتما الى القضاء,فهؤلاء غير قادرين على (اقامة الدنيا)لأنهم قاعدون مقعدون,يتوكئون على عكاكيز مجوفة,لا تقو على حملهم دون مساعدات اسيادهم.

السيد سلامة ادلى ببعض الحقائق المتوفرة لديه,اكثر من مليون برميل يتم تصديره يومياوهناك مئات المدارس المصنوعة من الصفيح وعشرات المشافي التي تفتقر الى ابسط المواد الضرورية لتقديم الخدمات للمرضى وبأنه لم يتم انفاق مليم واحد على صيانة المرافق الخدمية, بينما تذهب نسبة كبيرة من (ميزانية الدولة)الى بند الرواتب والطبقة الوسطى اخذة في التقلص ,بينما اموال الشعب يتم نهبها وتحويلها الى الخارج لاستثمارها من قبل هؤلاء الذي يدخلون فئة اصحاب رؤوس الاموال الذين يتزايد عددهم عند كل مطلع شمس,وان الساسة لا يرغبون في ترك مناصبهم ويسعون جاهدين الى اطالة عمر المرحلة الانتقالية(!؟)لأنهم يدركون جيدا استحالة اعادة انتخابهم,وبالتالي يفقدون المزايا (الغنائم)التي اعتادوا عليها طيلة فترة حكمهم.

كلنا امل في ان يكون المجتمع الدولي قد اخذ صبره في النفاذ بسبب الكم الهائل من الفساد الواضح للعيان,من قبل الحكومة المنصبة من قبل الغرب والميليشيات الاجرامية المتعاونة معها, كما ان تقدم القوات المسلحة نحو معاقل المجرمين الخارجين عن القانون بالغرب الليبي,ينبئ بحدوث انفراج في الازمة,وتمكين المواطن من الحصول على ابسط الخدمات الضرورية, وتضفي عليه الادمية التي افتقدها لسبع سنين وجعلته مجرد كائن حي,انه مجرد رقم في ولاية دواعش المال العام واكلة لحوم البشر.

نشيدُ البلادِ الحزينة .. (المُحتوى المُقترَح ، للنشيد “الوطني” القادم)‎

نشيدُ البلادِ الحزينة ..
(المُحتوى المُقترَح ، للنشيد “الوطني” القادم)

أنتَ لم تَعُدْ أرضاً عظيمةً
وليسَ فيكَ ما يشي ، الآن ،
بأنّكَ كنتَ يوماً
مهداً للحضاراتِ
التي لا تغيبُ الشمسُ
عن ضفافها الشاسعة.
أنتَ لم تَعُد تختَرِعُ الحروفَ
كما كانَ الحالُ في الزمانِ المُضيء
شعوبكَ لا تقرأ
ونصفُ سكّانكَ ، على الأقَلّ ،
لا يُجيدونَ الكتابة.
سفوحُ رافديكَ
مزروعةٌ بعظامِ الفِتْيةِ
الذين آمنوا بكَ
وقُتِلوا دون معنى.
وما حولَ النهرينِ ، وما بينَ النهرينِ ،
جبالٌ ورمالٌ وطينٌ
و قبائلُ تقترفُ القُبَلَ الكاذبةَ
على الوجهِ والكَتْف
وتحتَرِفُ الغزوَ والسَبْيَ والجِزْية
والكُلُّ فيها يُحارِبُ الكُلَّ
لأسباب مُشينة.
أنتَ لَمْ تُعُدْ تجمَعُ
بلْ تُفَرّقُ ما بيننا من أواصِرَ
راكَمَتْها قرونٌ من حُزنِنا
النابتِ في العَظمِ
و روتها بضحكاتٍ لم تكتمِل
افراحنا العابرة في أرضكَ اليباب
التي مات فيها النخلُ
وانطفأت فيها البساتين.
لذا .. فإنّ كلُّ ما نريدهُ منكَ
يا وطنَ الأنبياِءِ والأولياءِ والأئمّة
هو القليل من الأملِ
الذي يجعلنا نعيشُ فيكَ ، ومِن أجلِكَ ،
بسلامٍ تامٍّ ، وايمانٍ كامل ،
وأنْ يبقى حنينُنا الدائم
لصيقٌ بكَ
مثلُ رغيفٍ من خُبزِ أُمّهاتِنا القديم
مغموسٌ بعُمق
في شايٍ ساخن.