هكذا كانت المقدّمات .. وهكذا جاءت النتائج

لقد دفعنا ثمناً باهظاً لثقتنا الكبيرة ، بأحلام وقُدُرات “قادتنا” التاريخيّين ، من بداية الخمسينيّات وصولاً الى الآن .. وكانت النتيجة أنّنا لم نعُد نثِقُ بأحدٍ أو شيء.
لقد دفعنا ثمناً باهظاً لإيماننا الساذجِ بالاشتراكيّة والشيوعيّة و “الاسلام هو الحَلّ” .. لينتهي بنا الحال ونحنُ نغفوا كالصيصان ، في أحضان العولمة ، و”الامبرياليّة أعلى مراحل الرأسماليّة”.
لقد دفعنا ثمناً باهظاً من أجل “الوحدة العربية” .. وأنتهى بنا المطاف الى رايةٍ فوق كلّ بيت ، ونشيدٍ وطنيٍّ لكلّ زقاق ، وفي كلّ مدينةٍ زعيمٌ و نوّابهِ العشرة ، ومائة جيش.
لقد دفعنا ثمناً باهظاً لأنّنا أرَدْنا فلسطينَ كُلّها لنا ، من النهرِ الى البحر .. وكانت النتيجة أنّ فلسطين كُلّها لم تَعُد لنا ، ولم يعُد لنا لا نهرٌ ولا بحرٌ ولا شَطٌّ ولا بَط.
لقد دفعنا ثمناً باهظاً لأنّ القدس كانت تقعُ ، أبداً ، الى الغربِ من بُلداننا .. بينما كُنّا نُرسِلُ جيوشنا لتحريرها عبر الشمالِ والشرق ، والجنوب العربيّ .
لقد دفعنا ثمناً باهظاً في “خريفنا” العربي – الديكتاتوري- الشمولي- الشوفيني .. و دفعنا ثمناً أكثر فداحةً في “ربيعنا” العربي- الديموقراطي – التعدّدي- الاتّحادي .. ثمّ ضاعتْ علينا جميعُ الفصول.
لقد دفعنا ثمناً باهظاً لبناء جيوشٍ جرّارة .. وأنتهى بنا المطافُ الى أنّ شرطيّ المرور يخافُ أن يقولَ لصاحب “الستّوتة” : ماذا تفعلُ هنا يا حبيبي ، على الطريق السريع؟
لقد دفعنا ثمناً باهظاً ، لأنّنا لم نعرف كيف نفرَح ، عندما كان اللهُ معنا .. وانتهى بنا المطاف الى أنْ نحزَنَ كلّ هذا الحزن ، لأنّ الله ، حتّى الله ، لم يعُد معنا الآن.
لقد دفعنا ثمناً باهظاً لكي يكون العراقُ “عظيماً” ، وسوريا “مُضيئة” ، واليمن “سعيداً” ، وليبيا “خضراء” .. وأنظر الى ماذا انتهى بنا الحال.
لقد كرّسنا الكثير من مواردنا (الماديّة والثقافيّة والعلميّة)، لكسبِ “العُقلاء” الى صَفّنا ، وضمان وقوفهم مع قضايانا ، فما نفَعَنا هؤلاء العقلاء في شيء .. واكتشَفْنا مُتأخرّين أنّ “القطيع” يُمكنُ أن يُساعِدَ على فعلِ كلّ شيء ، وخدمةِ أيّ قضيّة .. بينما لا يحتاجُ تجميعُ هذا القطيع ، لأكثرَ من راعٍ و كلب.

عن التجربة الكوريّة في التنمية الاقتصادية

إلى من يهمّهم الأمر ..
كوريا الجنوبية : من بلدٍ مُدَمّرٍ بفعل الحروب ، و يُعاني من الفقر وتفتكُ به المجاعة .. الى واحدٍ من أفضل الاقتصادات، والمُجتمعات ، في العالم ..

تقدّم التجربة الكورية في التنمية الاقتصادية أنموذجاً يصلحُ للاقتداء من قبل الدول النامية و المُتخلّفة الأخرى. ومع ذلك لا يجب أن يكون السير على ذات النهج نسخةً مكرّرة لتلك التجربة ، فالفروق ستبقى قائمة بين بلدٍ وآخر .. وينبغي دائماً وضع ذلك في الاعتبار عند الشروع بعملية التنمية في أيّ بلد ، أيّاً ما كانت امكاناته ومحدّداته.
إنّ “روح” التجربة الكورية تتجسّدُ في مسارها الخاص ، و “ركلها” للسلّم التقليدي لـ “الصعود” الاقتصادي ، وخروج توجّهاتها الرئيسة عن “طاعة” المنظمات الاقتصادية الدولية ، ومنطلقات ومباديء “الليبرالية الجديدة” ، التي جعلت النموذج التنموي للبلدان المتخلّفة بمثابة كتاب منهجي “مدرسي” مُوَحّد ، يقوم بفرضهِ على “التلاميذ” المطيعين ، مفتّشو “اجماع واشنطن” ، وأساتذة “مدرسة شيكاغو للاقتصاد” .. والويل كلّ الويل ، لمن يرسب في الامتحان.
لا خوف في النموذج الكوري للتنمية ، ولا وصاية ، و لا تبعيّة ، ولا خضوع . لهذا كانت المقاربة مختلفة ، والمنهج مغاير، عن تلك القوالب الغربية الجاهزة التي جعلت بلداناً اخرى لا تتقدّمُ خطوةً واحدةً نحو وضعٍ أفضل ، ولا تستطيع بناء “نمط انتاج” أكثر تطوّراً ، ولا تستطيع ترسيخ “علاقات انتاج” أكثر انسانيةً ، لا لشيء ، إلاّ لكونها أكتفَت بالاعتماد على “نماذج تنموية” هبطت عليها بالمظلاّت من سماوات البلدان الصناعية المتقدمة .. فما امطرت ، ولا سقَتْ ، ولا أينعَت في أيّ مجال ، رغم كلّ ما تمّ بذله من اجلها من جهدٍ ومالٍ .. و دَمّ.
هل بالإمكان تكرار “المعجزة” الكورية في التنمية ، وتطوير الاقتصاد الوطني ؟
نعم .. بإمكاننا فعل ذلك من خلال ما فعلته كوريا ذاتها بهذا الصدد ، و بوسائلها ومبادراتها الخاصّة ، وكما يأتي :
1- قيادة سياسية كفوءة و قوية ومُستقّلة وذات تصميم.
2 – هذه القيادة السياسية تعمل على وفق منهج خاصّ لـ “دكتاتوريّة تنمويّة” ، قادرة على توحيد الأمّة ، وحشد امكاناتها المادية والبشرية لتحقيق مصالح وطنية عليا غير قابلة للمساومة والنقض من أيّ طرف فاعلٍ في الاقتصاد والمجتمع.
3- “الدكتاتورية التنموية” هنا ، هي “ضرورة” وطنية ، من أجل انجاز الاستغلال الأمثل للموارد المادية والبشرية المتاحة ، و تطوير الاقتصاد ، و تنويع الانتاج ، وتنوّع مصادر الايرادات ، والتوزيع المُنصف للثروة ، والقضاء على الفقر ، والحدّ من الفساد.
4- حكومة متجانسة و متخصّصة و كفوءة ، تعمل (داخليّا) كفريقٍ واحد لتحقيق الأهداف والأولويات الوطنية المحدّدة بدقّة ، تحت قيادة “دكتاتور تنموي” يعرفُ ما يريد ، و تعمل (خارجيّا) على ادارة التفاوض والمساومة ، وضبط قواعد اللعبة ، واجادة اللعب مع “الكبار” لتحويلهم الى أصدقاء و “حُلفاء” ، بدلاً من السعي الأحمق لخلق الأعداء ، على الساحتين الدولية والإقليمية.
5- سياسيّون يدعمون الخبراء والمستشارين المحليّين لإنجاز مهمّتهم في دفع عملية التنمية الشاملة قُدُماً ، وليس العكس.
6- بناء استراتيجيات ، ورسم سياسات ، تعمل على انجاز تنمية مُقادَة بالصادرات ، وبالتصنيع من أجل التصدير ، وعدم الاكتفاء بالمديات التنموية المحدودة لإحلال الواردات.
إنّ هذه المُقاربة التنمويّة “الصعبة”( التنمية المُقادة بالصادرات الصناعيّة)، تُعد ضروريّة جداً لبلدٍ كالعراق ، لأنّ الاقتصادات الريعية تعمل على كبح الامكانات ، والتطفّل الريعي لا يسمح بالاستغلال الأمثل للموارد ، و يجعلنا ندور الى الأبد في حلقات تخلّفنا المُفرغة . لذا ينبغي قلب آليات النكوص هذه ، رأساً على عقب ، اذا أردنا أن نحقّق شيئاً ذو قيمة ، يُفضي الى تطوّرنا فعلاً في نهاية المطاف ، وفي جميع المجالات .
7- التصميم على محاربة الفساد ، و تسمية الفاسدين دون مواربة ، واعلان اسماءهم في سجلٍ (أو كتابٍ) أسْوَدٍ تعرضهُ الحكومة على الشعب دَوريّاً ، وإلحاقِ العار بهم على الصعيد الوطنيّ.
8- وضع قواعد ، وبناء سياسات مُصمّمة لتعزيز قدرة الدولة على معالجة اخفاقات السوق.
9- دعم عملية اعادة بناء وتطوير قطاع خاص “حقيقي” ، وليس قطاع خاص “طفيلي” يقتاتُ على الريع ، ويعمل كذراعٍ اضافيّةٍ للفساد ، في “الدولة” الفاسدة ، واستخدام كلّ امكانات الدولة الاقتصادية (وغير الاقتصاديّة) ، لتحقيق ذلك بأسرع ما يُمكن.
بهذا نجحت كوريا الجنوبية في الإعمار ، والتصنيعِ ، والتشجيرِ ..
وبغيره “نجحتْ” بلدانٌ اخرى في أن تجعلَ من الفسادِ والإفساد ، والخرابِ و التدمير، حرفتها الوحيدة.

(المقال كاملاً تجدونه على الروابط المذكورة  في أدناه)

https://almadapaper.net/Details/213860/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D8%A3%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC-%D9%84%D9%84%D8%A5%D9%81%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=614860

تلاميذ نوح .. في أرضنا اليابسة‎

قلتُ للتلاميذِ تعالوا
لنَدخُلَ “الصَفّ” ، ونضحَكَ على حالِنا
الذي لا يَسُرُّ ذبابة.
وصلنا معاً ..
و تَصَفّحْنا “مباديءَ” الاقتصادِ
و رِسَمْتُ على السَبّورةِ خَطّينِ
وابتَسَمْتُ مثل أبلَهٍ حديث الولادةِ ، قائلاً ..
هذا هو “العَرْضُ” ، وهذا هو “الطَلَبُ”
وها نحنُ هنا الآنَ
في هذهِ السوقِ تامّةِ الليلِ
واقفونَ جميعاً
على شفا “اللاتوازُن”.
لَمْ يفهَم التلاميذُ شيئاً ، فقلتُ ..
والدولةُ لا ينبغي أنْ تَقْمَعَ “العَرْضَ”
ولا أنْ تجعلَ “الطَلَبَ” مُنْفَلِتَ الزمامِ
لأنَها دولةُ “حارِسة”.
كانَ في الصَفِّ طالِبٌ نائمٌ من ألفِ عامٍ
تدَحْرَجَ من سفينةِ نوحٍ
وأصبَحَ تلميذي.
تثاءبَ أوّلاً ، ثمَّ قالَ ..
و تَحْرِسُ ماذا ، و مَنْ ، دولَتُكَ الحارِسة ؟
جَفَلْتُ .. ليسَ لأنَّ السؤالَ مُباغِتٌ
بل لأنّهُ جاءَ بـ نوحٍ الى “الصَفِّ”
واقتادَني الى سفينتهِ عُنْوَةً
و وَضَعَني مع زَوْجَينِ اثنَينِ منَ الحَميرِ الفَتِيّةِ
و امْطَرَني بطوفانٍ منَ الأسئلةِ المُحرِجة
عن هذا الذي سوفَ يحدثُ هُنا
على هذهِ الأرضِ
بعدَ عشرةِ آلافِ عام.

الاقطاع الريعي : انماط سلوك الدولة والمجتمع في العراق الحاليّ‎

امتدّ تأثير الاعراف و “السُنَن” العشائرية الى الجامعات ، وأصبح “الاساتذة” يستخدمون “الفصل” القَبَلي لحلِّ خلافاتهم الشخصية والادارية ، بل وحتى الاكاديمية ، في مفارقة هي الاكثر سخرية ومرارة في تاريخ العراق الحديث.
قبل هذا تم “ترييف” المدن , و”ترَيُّف” السلطة , وتغلغلَ نفوذ الاقطاعيات العائلية والعرقية والمذهبية والمناطقية الى كلّ مفاصل الدولة ، من أصغر “وُحدَةٍ ” فيها الى أكبر مؤسسة , ومن السيّد “الرزّام” ، و”عامل الخدمة”، الى معالي الوزير.
لم يحدث هذا “الحِراك” السياسي والاقتصادي والمجتمعي “الزائف” الآن , ولم يتحول الى منظومة “قِيَمِيّة” فاعلة في سياقها التاريخي بعد احتلال العراق في بداية عام 2003 , بل هو “نَسَقٌ” مُمتد من عقودٍ سابقة.
غير ان القوى والفئات الاجتماعية “الصاعدة” بفعل هذا “الحراك” قد حوّلت هذه اللحظة التاريخية الطارئة الى “نظام” تخادمي معقّد ومُستدام ، وعملت(من خلال تعميم الفوضى في كلّ شيء) على تجذيرهِ وتعميقهِ ، و تحويلهِ من “ظاهرة” سابقة ، الى “بُنْيَة” حاليّة ، لها “مؤسّسات” ذات سطوة ومال وبنادق ونفوذ ، لا تقوى “الدولة” الحاليّة(بحكم ظروف تكوينها المعروفة) على الوقوف في وجهها ولو لساعةٍ واحدة.
بهذه الكيفيّة استمرّ “النمط الانتقالي” للتنمية في العراق بالمُحافظة على سماته وخصائصه الرئيسة ، بعَدِّهِ نمطاً”انتكاسيّاً” ، وليسَ نمطاً “تطَوُّرِيّاً” ، استناداً للمنطق التاريخي الذي على وفقه تتطوّر الأشياء.
وبذلك عُدْنا(بمنظور ومنطق التطور التاريخي للوقائع الماديّة) الى حقبةٍ شبيهٍةٍ بتلك الحُقب التي سادت في عصر الاقطاع العراقيّ السابق ، بدَلَ أن نجتازَ عتَبَة “الانطلاق” نحو الرأسمالية منذ منتصف الخمسينيّات ، وبدلاً عن تحقيق “الاشتراكيّة”(بنسختها العربيّة و”القُطرية”) منذ منتصف الستينيّات من القرن الماضي.
عُدنا الى عصر”الاقطاع” .. و لكنّهُ في الحالة العراقية الراهنة لم يَعُد اقطاعاً “تقليدياً” ، بل اقطاع مرتبط بالريع النفطي ، و بـ “التوافق” السياسي – المُكوّناتي “الفوقي” ، الذي يتمّ بموجبه “تقاسُم” هذا الريع.
إنّهُ “اقطاع ريعي” ، يعمل و يُمارسُ دورَهُ و وظيفتهُ التاريخية في حَرْف التاريخ الاقتصادي للعراق عن مساره الطبيعي ، من خلال تكريس أنماط انتاج وعلاقات انتاج تتسّم بالشذوذ والغرابة ، تتعايشُ فيها المتناقضات ، وتختلطُ فيها المفاهيم ، وتسودُ من خلالها الفوضى ، بالضدّ من كلّ تعقيدات ومعطيات ومتغيرات العقد الثاني من الألفيّة الثالثة.
و في “نسَقٍ” كهذا ، يتحوّلُ “الأقنان” المرتبطين بالأرض (في النظام الاقطاعي القديم)، الى “أقنان مرتبطين بالريع” (في حقبة الاقطاع العراقي المُعاصر).
وهؤلاء “الأقنان” يُمارسون (ضمن الاطار العام لهذا النَسَق) سلوكهم البدوي والريفي في قلب “المدينيّة” العراقيّة المُهدّدة بالزوال ، ويُعيدونَ بناء “تشكيلة اجتماعية –اقتصادية” قائمة على “الرثاثة” في كُلّ شيء.
وبينما يتكدّسُ الفقراءُ والمُهَمّشونَ المقهورونَ في قاعدة هذه “التشكيلة” ، تتربّعُ على قمّتها “التراتبيّة” دولة ضعيفة وفاشلة و مُرتبِكة ، ولكنّ هذه “الدولة” تستمرُّ في اعادة انتاج ذاتها ، ولا تسمحُ بأن تنضجَ ايّة ظروف وعوامل موضوعيّة ، قد تنزَعُ عنها( أو تنتِزِعَ منها) امكانات الاستحواذ الدائم على السلطة والثروة .
(المزيد .. في مقالٍ لاحق)

العراق…من سياسات الهوية إلى الزبائنية المتوحشة “العابرة” للطائفية..!‎

العراق…من سياسات الهوية إلى الزبائنية المتوحشة “العابرة” للطائفية..!
أهو آخر برلمان ينتجه الدستور الحالي..!
..
ما حدث اليوم من بهلوانيات قِردويّة وفساد سياسي علني عند التصويت على رئاسة مجلس النواب الرابع، وافتقار كل الأسماء المطروحة إلى الحد الأدنى من المعيار السياسي المطلوب لبلد ينخره الفساد والتطرف والظلم الاجتماعي وانهيار البنى التحتية، إنما يشير بوضوح إلى انغلاقٍ وعجزٍ نهائي في بنية ووظيفة النظام السياسي عن الإقدام على أي خطوة محدودة لإعادة هيكلة نفسه – ولو جزئياً أو مؤقتاً- ولترقيع علاقته الهشة والمتآكلة مع المجتمع.
.
فالعقلية “الساذجة” و”الإنكارية” التي حكمت مسار الصفقة السياسية اليوم، تؤشر مدىً غير مسبوق من انفصال النخب الحاكمة – نفسياً وإجرائياً- عن البنية السوسيوسياسية المتأزمة للبلاد؛ وهو انفصال لم يحدث بهذا المقدار من “الاستعلاء” و”النرجسية” طوال التاريخ المعاصر للعراق منذ نشوء دولته قبل نحو قرن من الزمن.
.
فما حدث يتجاوز مسألة التوازنات “التوافقية” التي حكمت مسار العلاقة بين الشيعة السياسية والسنّة السياسية وفق سياسات الهوية التقليدية طوال السنوات الخمسة عشرة الماضية. وبدلاً عن ذلك ينشأ تحاصص جديد هو اتفاق الشبكات الزبائنية التي أنتجها الفساد الإسلاموي بشقيه الشيعي والسنّي معاً، على انتخاب من يمكن أن يغدو “ممثلاً” و”حارساً” لها في المرحلة القادمة، بعد أن تم تثبيت قواعد “متينة” لرأس المال المنهوب من كلا الطرفين.
.
هي لحظة يعاد فيها إنتاج الصراع السياسي “رسمياً” بوصفه حراكاً اقتصادياً مستنداً إلى فساد الريع النفطي الذي أمسى أخيراً محمياً بسلطة كومبرادورية قررت أن توحّد صفوفها “العابرة” للطائفية، بعد أن امتلكت وعياً صريحاً لذاتها، أي صار لها ملكيتها ومصالحها وشبكاتها المشتركة في “الفضاء الوطني”.
.
هذه الاصطفاف الجديد المستند إلى تبلور اقتصاد سياسي طفيلي بات يوحّد غرماء الأمس، سوف يستدعي بالضرورة اصطفافاً ونهوضاً مقابلاً لدى الفئات الاجتماعية المتضررة من الشيعة السكانية والسنّة السكانية على حد سواء. وكل ذلك سيعزز الأفول المستمر لعصر الأسلمة السياسية الرثة، في مقابل البزوغ المتلكئ والعسير – وربما العنفي- لعصر الدولة الوطنية القادمة.

ابن سلمان بين ترامب واردوغان  ميلاد عمر المزوغي

ابن سلمان بين ترامب واردوغان  ميلاد عمر المزوغي

بحجة الاصلاح وضخ دماء جديدة في قمة الهرم,استطاع ان يجتاز الحواجز بدون اخطاء,افلح في وضع بعض من آل بيته وبني عمومته تحت الاقامة الجبرية لأيام بأحد القصور ولكنها تظل تمثل غصة في قلوب هؤلاء الذين لم يعتادوا يوما على تلقي الاوامر من احد بل يعتبرون انفسهم من الطبقة الحاكمة,لم يقف الامر عند هذا الحد بل تعداه الى مقاسمتهم ثرواتهم(لا تهم ان كانت ضريبة ام جزية),خيّل الينا ان ابن الخطاب قد بُعث من جديد ليقيم العدل.

النساء اللواتي كن ممنوعات من سياقة السيارات,في لمح البصر,نزعن عن انفسهم النقاب والحجاب,أصبحن يتجولن في كل مكان,يحضرن الحفلات الاجتماعية ويستمتعن بالموسيقى الصاخبة.تحول جذري احدثه ابن سلمان,ليكون ملك المستقبل لمملكة زجت بنفسها(!)في احداث الربيع العربي,دفعت الاموال الطائلة ولا تزال لأجل تدمير بلدان شقيقة وقتل شعوبها,ومن كتبت لهم النجاة اصبحوا مشردين بكافة اصقاع المعمورة ينتظرون المساعدات الدولية.

المؤسف له حقا انه وبعد عقود من سيطرة آل سعود على شبه الجزيرة العربية وتكوين مملكتهم وتعتبر اكبر دولة مصدرة للنفط (وصل الانتاج في بعض الاوقات الى 12مليون برميل يوميا),تنفق في شراء الاسلحة المختلفة نسبة كبيرة من ايراداتها,نجد من يبتزهم اليوم ويقول ادفعوا ثمن حمايتنا لكم,ولولانا لكنتم في خبر كان,هل يعقل انهم رغم هذا الكم الهائل من الاسلحة المختلفة المتطورة غير قادرين على حماية انفسهم؟ ايران التي يناصبونها العداء (بحجة تصدير الثورة)تنتج كمية اقل من النفط ولكنها استطاعت توظيف جزء من ايراداتها في اقامة الصناعات العسكرية وأصبحت تمتلك صواريخ متوسطة المدى وطائرات مسيّرة,لأنها ادركت الاخطار المحدقة بها ولم تتكئ على الاخرين كما كانت ايام الشاه,اما تركيا رغم انها لا تمتلك نفطا او غاز,لكنها استطاعت اقامة صناعات استخراجية,فأصبحت منتجاتها الغذائية والصناعية تغزوا بلداننا العربية وتعتبر من كبريات الدول اقتصاديا,ترى ما الذي ينقص المملكة لان تكون دولة كبرى يُهاب جانبها؟ المؤكد انه تنقصها الارادة والعزيمة لتكون دولة استهلاك ويستفيد غيرها من خيراتها.       

الحديث عن حرية الراي والتعبير والقبول بالرأي الاخر,مجرد شعار زائف,حادثة تغييب الخاشقجي(الذي يدعي بأنه ليس معارض بل مجرد ناصح) القت بظلالها,اصبحت الانظار مصوبة نحو السعودية,وبعيدا عن القرائن والأدلة التي يدفع بها البعض(قطر وتركيا) لتوريط المملكة في الحادثة وأنها لعبة اخوانية مكشوفة نقول بان الملعوب بهم (حكام المملكة)ليسوا من جنس الملائكة,فهناك عمليات اغتيال وخطف للعديد من رموز المعارضة على مدى عمر المملكة,ومنها على سبيل المثال لا الحصر اختطاف ناصر السعيد وإلقائه من الطائرة بأجواء الربع الخالي ,ربما اخذ الامريكان منهم الفكرة فألقوا بجثة ابن لادن في اعماق البحر.

المؤكد ان ابن سلمان إما انه قاصرا سياسيا او فاقد اهلية,وفي كلا الحالتين استوجب وجود وكيل له…,المهم ان ابن سلمان قد اصبح كرة يتقاذفها ترامب واردوغان,يستجدي عطفهما وبالتأكيد كل شيء بثمنه,لا باس فالأموال سائبة ولن يستفيد منها الشعب,المهم ان يصل الامير الى العرش ولتخرس كافة الاصوات المنادية بالحرية والمطالبة بالعيش الكريم فوق الارض وتحت الشمس بعزة وإباء.نتمنى ان لا يصاب أي قطر عربي بسوء,كفانا ما نحن فيه من قتل وتدمير وتهجير,ونحن ننظر حولنا نندب حظنا السيئ .   

الملفت للنظر ان مجموعة من الكتبة الذين يملئون صفحات المواقع الالكترونية بكتاباتهم, وإعلاميون لا يكادون يفارقون القنوات الفضائية,نقول لهم ان تبغضوا نظام او انظمة حكم او تحتقروا مجموعة من البشر (كيانات حزبية او دينية)بفعل تصرفاتهم,نعتبره امر مقبول,ان تأتوا بمعلومات ذاك عمل جيّد,اما ان تذهب تحليلاكم  للأمور الى حيث لا يقتنع بكم البسطاء من القراء والمشاهدين فإننا نعده عهر سياسي بامتياز,مدفوع الاجر(مسبوق الدفع).   

ملامح جادة …في مشهد سياسي ساخر

ملامح جادة …في مشهد سياسي ساخر

أولاً: ما حصل في مجلس النواب وانتخاب السيد محمد الحلبوسي رئيساً له ، هو انعكاس للمشهد الإقليمي من الصراع السعودي القطري وانشغال الأولى ودولة الإمارات بحرب اليمن ، وضعف الدور التركي بسبب الأزمة الاقتصادية وانهيار عملتها وانشغالها وانغماسها في ترتيب نهاية المشهد السوري ،وكذلك غموض سياسة ترامب حول المنطقة وكذلك غموض مصير رئاسته، كل هذا جعل النخبة السياسية الطفيلية (السنية) بدون مرجع قوي أو سند إقليمي ، وهي تعاني من انفصال عن جمهورها المثخن بجراح مخيمات النزوح ودمار محافظاته ، ما جعل هذه النخبة تهرول بكل الاتجاهات ، ففاز الأسرع والأخف وانقرضت الوجوه القديمة المترهلة ، قد تبدو إيران وحلفاؤها فائزين ، لكن هذا الاستنتاج مستعجل ، فالصورة لم تكتمل بعد .

ثانياً: يقول تقرير للفورين بوليسي تم تداوله بالأمس ، أن العراق مقبل على حرب أهلية ، وهي شيعية شيعية ، وبين فصائل الحشد الشعبي أو بينها و(الدولة) ، ويشير التقرير إلى قوة وانضباط وكفاءة وتدريب قوات الحشد مناظرة مع القوات الرسمية من جيش وشرطة ، وليس بالضرورة أن يكون التقرير صائباً ، وقد يكون جزءا من خلط الأوراق ، لكن ما يهمنا أن هذه الدورة الانتخابية وما سينتج عنها ، هي خلطة وإطار لصراع داخلي ، قد ينتهي إلى حرب أهلية ، وهو يعكس عجز الطبقة الحاكمة من الاستمرار وأفولها وعدم قدرتها على تجديد نفسها وعقم الإجراءات الترقيعية ، ما يجعل الحل الجذري هو الوحيد والفاعل والباقي .

ثالثاً: ما يبدو انتصاراً إيرانياً وهزيمة أمريكية ، تنقصه الحكمة ، فالجمهورية الإسلامية تستخدم العراق بشكل فظ وكملحق ومخرج لأزمتها ، وتحرك أحزابها المساندة بشكل يعبث بالجغرافية السياسية العراقية ، وهي تخرق الثوابت ، وبالمقابل فأن التواجد الأمريكي العسكري هو الأكثر والأقوى منذ نهاية عام 2010 ، والهدوء في الجبهة السورية ، وفرض الهيمنة الروسية المطلقة هناك ، مع بروتوكول صامت حول (الحق الإيراني) بالانسحاب إلى العمق العراقي بديلاً عن خسارة إيران للنفوذ في سوريا ( أصبح مشهد ضرب الصواريخ الإسرائيلية للمواقع الإيرانية في سوريا مذلاً ) ، وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه في أن المسرح العراقي يُعدُّ لعرض عنيف ، ونرجو أن يكون نهائياً .

رابعاً : كان من أبرز المشاهد السلبية في الحياة السياسية منذ عام 2003 ، هو غياب المعارضة الوطنية الحقيقية للنظام السائد ، وقد تمثلت تلك المعارضة بالتيار الصدري ومن خلفه الحزب الشيوعي ، وهي معارضة غير جادة ، عينٌ على النظام وأخرى على الشارع ، مما أفسد المناخ (الوطني) ، وإذا ما أسفر مجلس النواب الجديد من (انشغال) سائرون في الحكومة أو امتيازات الكتلة الأكبر ، سيُسحب البساط من تحتها ، وإذا ترك الطرفان المذكوران الهيمنة بالإكراه والتعسف على تمثيل المعارضة بل وإفسادها ، فسيمهد هذا إلى بروز معارضة جادة تليق بالتحديات الجادة والجديدة ، حيث البلاد تقف على منعطف خطير ، لا يتحمل الخطاب المزدوج والانتهازي الذي دأبت الجهتان المذكورتان على حرف مسار التغيير المنشود ، حتى وإن كان (بحسن نية) ، كما أن خطاب (المعارضة البعثي) والآخر العدمي ، قد تجاوزه الزمن ، بعد جيل الاحتجاج الذي وُلد بالنار والدم في انتفاضة البصرة وبقية محافظات الجنوب .

خامساً : تحدث تقرير صحفي غربي عن الحالة الصحية للسيد السيستاني ، وقد حدد نهاية العام كاحتمال لوفاة الرجل ، والموت حق ، وغياب السيد سيترك فراغا لن يسده أحد ، كما سيجعل النظام الحاكم أعرجا لفترة طويلة ، وقد تكون الصراعات التي نشهدها أو التي سنشهدها ، هي بسبب انتقال (الهيمنة) المرجعية من الرجل المريض إلى ورثته أو مجموعة من المقربين منه ، وهم في كل الأحوال يختلفون عنه من حيث التأثير الوازن ، وانصياع الآخرين لأوامرهم ، وهذا كله سيؤدي إلى مجيء رئيس وزراء ، هو الأكثر ضعفاً وفساداً ، مهما حمل من (النوايا الحسنة) ، وهو ما يؤكد الوجهة التي يقودنا المجلس الجديد والحكومة المنبثقة ، والتي هي الصراع العنيف ، وكم نتمنى أن نكون مخطئين .

أخيراً: ظهرت في الفترة الأخيرة نزعتان ، الأولي اعترضت على سخرية الشعب مما حصل في مجلس النواب ، وبحجج متهافتة وهابطة ، منها أن السيد الحلبوسي لا يختلف عن سابقيه فلماذا السخرية منه ، وكأننا ، أو كأن الشعب كان راضياً ومقتنعاً بأداء النجيفي والمشهداني أو الجبوري ، أو من يقول أن النخبة السنية تتطور في اختيار قادتها(كذا) ، والحقيقة أن السخرية هي وسيلة من وسائل الاحتجاج السياسي المشروعة ، وهي أفضل من غيرها ، وأفضل بلا شك من العبودية ل(لديمقراطية) وهي تُبتذل وتتحول إلى سيرك للتهريج ، وهذا يعكس تنامي (حاشية) من المثقفين والمدونين والكتاب ، همهم الدفاع عن الوضع المزري بكل الطرق ، أما بدافع الارتزاق أو الخروج عن المألوف ، وهو ليس غريباً في مثل هذه الظروف.
أما الظاهرة الأخرى ، فهي إشاعة مشاهد وخطاب اليأس بعد الذي حصل في مجلس النواب ، وهو يعكس عدم إدراك بحقيقة الطبقة الحاكمة والترقب خيراً منها أو من بعض أجنحتها ، والحقيقة هو الوقت الملائم لإعادة وسائل العمل السياسي ، رغم صعوبة ذلك ، كما أن الصراع ، كما سيبدو، سيُحسم بالسلاح (الوطني) أو الخارجي ، وللحقيقة ، فإن سلاح الجيش الذي تلوث بقتل المتظاهرين ، وكذلك سلاح الحشد الذي غمس أصبعه في انتخابات ملفقة ، كلا السلاحين ، أمامهما فرصة للتصويب نحو الجهة المطلوبة ، حيث أعداء الشعب ، وليس إلى صدره …والأيام حبلى .

وظيفتنا الثانية التالية .. في الحكومة العراقيّة القادمة – عماد عبد

هل يفسّرُ لنا هذا ، لماذا يتقَدّم 36 الف عراقيّ (في يومٍ واحدٍ فقط) ، بطلبات ترشيحهم “الكترونيّاً” ، ليصبحوا وزراء .. من أوّلِ نظرة ؟؟!!.    

كثيرونَ جداً ، هُم أولئكَ الذين كانت أوّلُ درجةٍ وظيفيّةٍ عامّةٍ لهم ، في “الدولة” العراقيّة ما بعد العام 2003 ،هي درجة مدير عام .
بعضهم كانَتْ أوّل وظيفة له ، هي وزير ، في وزارةٍ لم يسمعْ بها في حياته ، و بطبيعة الحال ، لم يعمل بها من قبل.
بعضهم الآخر كانَت أوّل وظيفة له ، هي وكيل وزير ، أو سفير في دولة كان يُقيم فيها ، ويحمل جنسيتها ، وجواز سفرها.
بعضهم كانَت أوّل وظيفة له ، هي مستشار لمناصب تنفيذيّة ، وتشريعيّة عُليا ، في دولةٍ لم يعِشْ فيها أصلاً، ولم “يَخْدِم” يوماً واحداً في “دوائرها”.
وبعضهم كانَتْ أوّل وظيفةٍ لهُ هي نائب رئيس وزراء ، أو نائب رئيس جمهوريّة.
وبعضهم كانَتْ أوّل وظيفةٍ لهُ هي رئيس وزراء.
بل أنّ بعضهم ، كانَتْ أوّلُ وظيفةٍ لهُ في الدولة العراقيّة “الجديدة” ، هي رئيس جمهوريّة .
والمصيبة لا تكمن في هذه التراتبيّة الوظيفيّة العجيبة ، التي كرّستها المحسوبيّة ، والمناطقية ، والعشائريّة ، والطائفية السياسية ، وعلاقات التخادُم متعدّدة الأوجه والغايات .. بل المصيبة الكبرى تكمن في أنّ هذه القيادات الاداريّة “الفذّة” ، لم تعُدْ تقبل بدرجةٍ وظيفيّةٍ تالية (أو ثانية) ، تكون أقلّ من درجتها الوظيفية “الأولى” أو السابقة ، والتي لم تكن أقل من درجة مديرعام. لقد خُلِقَ هؤلاء من أجل ان يكونوا مدراء عامين، فما فوق ، ولن تسمح لهم “جيناتهم” بأن يقبلوا بأيّ مركزٍ وظيفيٍّ آخر.
وشيئاً فشيئاً ، تقمّص هؤلاء دور “القادة” الذين لا بديل لهم ، و تكرّس لديهم جنون العظمة ، وباتوا يعتقدون أنّ لا أحد بوسعه ادارة “مؤسسات” الدولة ،عداهم بالطبع .
انّ هذه الظاهرة لم تحدث في دولٍ أخرى ، إلاّ على نطاقٍ “سياسيّ” ضيّقٍ ومحدود ، وفي حالات نادرة ، ولشخصيات استثنائيّة ، لا يختلف اثنان في هذا العالم ، على دورها ومكانتها ، و ما تشكّلهُ من وظيفةٍ ودَور ، ليس في تاريخ بلدها فحسب ، بل وفي تاريخ البشرية ككل .
إنّ القفز بـ “الزانة” الوظيفيّة ، هي “رياضة” تحفيزيّة – عقابيّة ، طارئة على النظام الاداري في العراق ، و تقوم على ثنائية الجزرة والعصا . وقد ابتدعها النظام السياسي بعد عام 1968. آنذاك كانت السًلطة لا “ترفع” الفرد من “معاون ملاحظ” الى وزير ، ومن “نائب عريف” الى ” فريق أوّل ركن” برمشة عين ، بل كانت تقوم بـ 
تنزيله” من وزير الى “معاون ملاحظ” ، ومن فريق أوّل ركن” الى “نائب عريف” برمشة عينٍ أيضا (باختلاف الدوافع والأسباب) . غير أن سياقات الرفع من الشأن الشخصيّ ، والحدّ منه عن طريق التلاعب بدرجات الوظيفة العامة ، كانت صلاحية حصريّة لرأس هرم السلطة آنذاك. وكانت تتم على نطاق ضيّق ، ولأسبابٍ نعرفها جميعاً . و كانت تتوجّه لفئات معيّنة ، في مجالات معينة ، ولأشخاص محدّدين بدقّة . وأيّاً ما كانتْ دوافع النظام السابق لانتهاج هذا الأسلوب ، فقد كان من المفترض أن ينتهي العمل على وفقه بعد العام 2003 . غير أنّ هذا لم يحدث ، و بدلاً من ذلك تحوّلتْ تلك الممارسة التي كانت مثار سخرية الكثيرين من النظام السابق ، الى ظاهرة عامّة ، و مقبولة ، و تجِدُ من يبرّرها ،أو يُدافعُ عنها ، بل و أصبحتْ تُعَد من طبيعة الأشياء ، ومن متطلبات “التوازن” في تقاسم السلطات بين “المكونّات”.
انّ استمرار ، وتكريس ، هذه “القفزات” الوظيفيّة بعيدة المدى ، بعد العام 2003 ، لم يَعُد ظاهرة لصيقة بفئة أو طائفة أو قوميّة معينة ، بل اصبح جزءاً من سلوك سياسي – اجتماعي عام ، ومن قيم اداريّة جديدة تتحكم في شغل جميع الوظائف ، و تتبَنّاها وترعاها جميع الفئات السياسية الحاكمة (والمتحكّمَة) ، ومن مختلف المِلَلِ والنِحَل .
هل يفسّرُ لنا هذا ، أسباب مطاردة بعض اعضاء مجلس النواب ، لحالاتَ فسادٍ جزئيّة ، و فرديّة ، ولا يستهدفون فساد النظام ككل ؟
هل يفسّرُ لنا هذا ، الأسبابَ الحقيقية الكامنة وراء تعطيل مجلس الخدمة العامة الاتّحادي ، الذي ينظّم شؤون الوظيفة العامة ، و المنصوص على تأسيسه في دستور جمهورية العراق “الدائم” ، منذ عام 2005 ، وحتّى الآن ؟ 
هل يفسّرُ لنا هذا ، الأسباب الحقيقية الكامنة ، وراء حجم الفساد ، والخراب المذهل ، في الأموال والأنفُسِ والثمرات ؟
هل يفسّرُ لنا هذا ، لماذا
 يتقَدّم 36 الف عراقي (في يومٍ واحدٍ فقط) ، بطلبات ترشيحهم “الكترونيّاً” ، ليصبحوا وزراء .. من أوّلِ نظرة ؟؟!!.  
اذا لم يكن كلّ هذا ، قادراً على تفسير بعض هذا الذي يحدثُ لنا الآن .. فمبروكٌ علينا مناصبنا ، و”درجاتنا” الوظيفيّة التالية .. في الحكومة العراقيّة القادمة.
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=533721

هكذا تم إسقاط نظام البعث 1963

من ذاكرة التاريخ: هكذا تم إسقاط نظام البعث 1963

حامد الحمداني

حامد الحمدانيلم يكن حزب البعث يضم عنصر التجانس بين أعضائه، فقد كان أعضاءه وقيادييه ينتمون لطبقات  مختلفة، قسم منهم من الطبقة البرجوازية، وقسم من البرجوازية الصغيرة، ونسبة قليلة من العمال والفلاحين والحرفيين ذوي الدخل المحدود، ووجود نسبة عالية من الطلاب الذين لا تتجاوز أعمارهم  على الأغلب 20 عاماً بين صفوفهم، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً وتنظيمياً. 

وبسبب هذا التباين في التركيبة القومية والطائفية والطبقية، فقد كان من الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في التطلعات والتوجهات والأفكار والعواطف، كما كان معظم ضباطهم الذين قادوا انقلاب 8 شباط ضد نظام عبد الكريم قاسم من الطائفة السنية، في حين كانت قيادتهم القطرية تضم خمسة من الشيعة، وثلاثة من الطائفة السنية، ويرجع معظم أعضاء البعث من المناطق الريفية المختلفة، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً، وحتى قياديي الحزب كانوا من هذا الطراز، كما وصفهم مؤسس الحزب عندما قال:

{بعد الثورة ـ أي انقلاب 8 شباط ـ بدأت اشعر بالقلق من فرديتهم، وطريقتهم الطائشة في تصريف الأمور، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة بلد، وشعب}. 

لقد كان الحزب عبارة عن تجمع لعناصر معادية للشيوعية التي لا يجمعها أي رابط أيديولوجي، وكان جُل همهم منصباً على حربهم الشعواء ضد الشيوعية، وظهرت بينهم تكتلات أساسها المنطقة أو العشيرة أو الطائفية، وهكذا كانت التناقضات والخلافات تبرز شيئاً فشيئاً على سطح الأحداث، والتي كان من أهمها:

1 ـ الموقف من عبد السلام عارف:

ففي 11 شباط 1963، حدث بين قيادة البعث وعبد السلام عارف، الذي نصبوه رئيساً للجمهورية صِدامٌ مكشوف، مما دفع علي صالح السعدي، أمين سر القيادة القطرية للحزب، إلى أن يطرح موضوع بقاء عبد السلام عارف، أو إزاحته من منصبه، قائلاً:

{إن عبد السلام عارف سوف يثير لنا الكثير من المتاعب، وربما يكون خطر علينا، إلا أن أغلبية القيادة لم تأخذ برأي السعدي، خلال اجتماع القيادة الذي جرى في دار حازم جواد، وقد هدد السعدي بالاستقالة إذا لم تأخذ القيادة برأيه، لكنه عدل عن ذلك بعد قليل، وبعد نهاية الاجتماع ذهب حازم جواد إلى عبد السلام عارف وأخبره بما دار في الاجتماع، وحذره من أن السعدي ينوي قتله والتخلص منه}.

2 ـ الموقف من قانون الأحوال المدنية:

الخلاف الثاني الذي حدث بين أعضاء القيادة القطرية حينما طُرح موضوع قانون الأحوال المدنية رقم 188 لسنة 1959الذي شرعه عبد الكريم قاسم، والذي اعتُبر ثورة اجتماعية أنجزتها ثورة 14 تموز فيما يخص حقوق المرأة وحريتها، وإطلاق سراح نصف المجتمع العراقي الذي تمثله المرأة من عبودية الرجل، وكان القانون قد ساوى المرأة بالرجل في الإرث، ومنع تعدد الزوجات إلا في حالات خاصة وضرورية، ومنع ما يعرف بالقتل غسلاً للعار، وغيرها من الأمور الأخرى، وقام عبد السلام عارف بإلغاء القانون في 18 آذار 1963، أثناء وجود علي صالح السعدي في القاهرة، وانقسم مجلس قيادة الثورة ذو الأغلبية البعثية وأعضاء القيادة القطرية حول مسألة الإلغاء، حيث أيده بعض الأعضاء وعارضه البعض الآخر، وفي نهاية المطاف فرض عبد السلام عارف أجراء تعديلات جوهرية على نص القانون أفرغته من محتواه فيما يخص حقوق المرأة .

3 ـ الموقف من الحركات السياسية القومية:

كان الخلاف الثالث بين أعضاء قيادة البعث ينصب حول الموقف من الحركات السياسية القومية [القوميون، والناصريون، والحركيون]، وقد أجرت قيادة الحزب نقاشات حادة حول الموقف منهم، و برز خلال النقاش فكرتان متعارضتان، الأولى تدعو إلى تحجيم القوى القومية، والأخرى تدعو للتعاون معها، لكن القيادة البعثية لم تستطع حسم الأمر، بل على العكس من  ذلك أدى الأمر إلى تعمق الخلافات والصراعات فيما بين أعضاء القيادة.

4 ـ الموقف من الحرس القومي:

في شهر حزيران 1963  ظهرت أسباب أخرى للخلافات بين أعضاء قيادة الحزب حول الحرس القومي، فقد وجهت القيادة العليا للقوات المسلحة في 4 تموز 1963 برقية إلى قيادة الحرس القومي تحذرها وتهددها بحل الحرس القومي إذا لم تتوقف هذه القوات عن الإجراءات المضرة بالأمن العام  وراحة المواطنين.

كانت روائح الجرائم التي يقترفها الحرس القومي ضد أبناء الشعب بشكل عام والشيوعيين منهم بوجه خاص قد أزكمت الأنوف، وضجت الجماهير الواسعة من الشعب من تصرفاتهم وإجرامهم.

إلا أن القائد العام لقوات الحرس القومي [منذر الونداوي] لم يكد يتسلم البرقية حتى أسرع إلى الطلب من القيادة العليا للقوات المسلحة سحب وإلغاء البرقية المذكورة في موقف يبدو منه التحدي، مدعياً أن الحرس القومي قوة شعبية ذات قيادة مستقلة، وأن الحق في إصدار أوامر من هذا النوع لا يعود إلى أي شخص كان، بل إلى السلطة المعتمدة شعبياً والتي هي في ظل ظروف الثورة الراهنة هي المجلس الوطني لقيادة الثورة ولا أحد غيره، وهكذا وصل التناقض والخلاف بين البعثيين وضباط الجيش، وعلى رأسهم عبد السلام عارف، إلى مرحلة عالية من التوتر، مما جعل عبد السلام عارف يصمم على قلب سلطة البعثيين بأسرع وقت ممكن.

5- الحرب في كردستان:

جاء تجدد الحرب في كردستان التي بدأها البعثيون في 10 حزيران1963  لتزيد وضعهم صعوبة، وتعمق الخلافات بينهم حتى أصبح حزب البعث في وضع لا يحسد عليه، فقد تألبت كل القوى السياسية والعسكرية ضدهم، وسئمت أعمالهم وتصرفاتهم .

حاول عبد السلام عارف، وأحمد حسن البكر، بالتعاون مع حازم جواد وطالب شبيب التخلص من علي صالح السعدي، وإخراجه من الحكومة، ومجلس قيادة الثورة، إلا أن الظروف لم تكن مؤاتية لمثل هذا العمل في ذلك الوقت.

ففي 13 أيلول عُقد المؤتمر القطري للحزب، وجرى فيه انتخاب ثلاث أعضاء جدد من مؤيدي علي صالح السعدي، وهم كل من: هاني الفكيكي، وحمدي عبد المجيد، ومحسن الشيخ راضي، فيما أُسقط طالب شبيب في الانتخابات، وبقي حازم جواد، كما فاز أحمد حسن البكر،  وصالح مهدي عماش، وكريم شنتاف بتلك الانتخابات.

وهكذا بدا الانقسام ظاهراً أكثر فأكثر  فجماعة السعدي تتهم جماعة حازم جواد باليمينية، بينما تتهم جماعة حازم جواد السعدي وجماعته باليسارية، ووصل الأمر بعلي صالح السعدي إلى الإدعاء بالماركسية، وحاول أن يبرئ نفسه من دماء آلاف الشيوعيين!.

وفي الفترة ما بين 5ـ23 تشرين الأول، عُقد المؤتمر القومي لحزب البعث، في دمشق، وجرى تعاون بين السعدي وحمود الشوفي، حيث ضمنا لهما أكثرية من أصوات المؤتمرين العراقيين، والسوريين، وسيطرا على المؤتمر وقراراته، وبلغ بهم الحال أن شنوا هجوماً عنيفاً على جناح مؤسس الحزب [ميشيل عفلق] وطرحوا أفكاراً راديكالية فيما يخص التخطيط الاشتراكي، وحول المزارع التعاونية للفلاحين.

ضاقت الدنيا بميشيل عفلق، حيث لم يتحمل الانقلاب الذي أحدثته كتلة [السعدي و الشوفي] داخل المؤتمر في تركيبة القيادة القومية مما افقده القدرة على التأثير في مجرى الأحداث وجعلته يصرح علناً [هذا لم يعد حزبي].

الخلافات بين الجناحين المدني والعسكري

بعد أن قوي مركز علي صالح داخل القيادتين القطرية والقومية و بدأ هو وكتلته يطرحون أفكاراً راديكالية، وتحولا نحو اليسار، بدأ الضباط البعثيون يشعرون بعدم الرضا من اتجاهات السعدي وكتلته، و أخذت مواقفهم تتباعد شيئاً فشيئاً عن مواقفه، وانقسم تبعاً لذلك الجناح المدني للحزب، فقد وقف منذر الونداوي وحمدي عبد المجيد ومحسن الشيخ راضي، بالإضافة إلى الحرس القومي، واتحاد العمال، واتحاد الطلاب، إلى جانب السعدي، فيما وقف حازم جواد، وطالب شبيب، ورئيس أركان الجيش وطاهر يحيى، وقائد القوة الجوية حردان عبد الغفار التكريتي، ووزير المواصلات عبد الستار عبد اللطيف، وقائد كتيبة الدبابات الثالثة محمد المهداوي إلى الجانب المعارض لجناح السعدي، بينما وقف أحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش على الحياد، لكن السعدي أتهمهما بأنهما يدفعان الحزب نحو اليمين، و يؤيدان معارضيه في الخفاء.

ثالثاً:الصراع بين البعث والضباط القوميين والناصريين والحركيين:

كان أحد العوامل الرئيسية للصراع داخل قيادة حزب البعث هو الموقف من القوى القومية والناصرية والحركية، فقد انقسمت القيادة القطرية في مواقفها إلى كتلتين، فكتلة حازم جواد وطالب شبيب كانت تطالب بقيام جبهة واسعة تضم حزب البعث وكل الفئات القومية والناصرية والحركية، فيما كانت كتلة السعدي تعارض هذا التوجه، وقد أدى ذلك إلى تأزم الموقف، واشتداد الصراع بين الجناحين وتصاعده حتى وصل الأمر إلى الموقف من السعدي نفسه عندما حاول جناح [ جواد و شبيب] إزاحة السعدي متهمين إياه بالتهور والتطرف، وتعاون احمد حسن البكر مع عبد السلام عارف على إزاحته، فكانت البداية قد تمثلت بإجراء تعديل وزاري في 11 أيار 1963، جرى بموجبه إعفاء السعدي من منصب وزير الداخلية وتعيينه وزيراً للإرشاد، فيما جرى تعيين غريمه حازم جواد مكانه وزيراً للداخلية.

كان ذلك الإجراء أول ضربة توجه إلى قيادة السعدي، ثم تطور الأمر إلى محاولة إخراجه من الوزارة ومجلس قيادة الثورة، والسيطرة على الحرس القومي الذي يقوده منذر الونداوي، والذي يعتمد عليه السعدي اعتماداً كلياً. 

عبد السلام عارف يعفي الونداوي من قيادة الحرس والونداوي يرفض

في 1 تشرين الثاني  صدر مرسوم جمهوري يقضي بإعفاء منذر الونداوي من قيادة الحرس القومي، وتعيين عبد الستار عبد اللطيف بدلاً عنه، غير أن الونداوي تحدى المرسوم، وأصرّ على البقاء في منصبه، في قيادة الحرس القومي، وقد أدى ذلك إلى تعقد الموقف، وتصاعد حمى الصراع الذي تفجر بعد عشرة أيام.

ففي11 تشرين الثاني عُقد مؤتمر قطري استثنائي لانتخاب ثمانية أعضاء جدد للقيادة القطرية لكي يصبح العدد 16 عضواً بموجب النظام الداخلي الذي تبناه المؤتمر القومي السادس [المادة 38 المعدلة من النظام الداخلي].

غير أن المؤتمر لم يكد يباشر بإجراء الانتخاب حتى داهم 15 ضابطاً مسلحاً قاعة الاجتماع بقيادة العقيد [محمد المهداوي] الذي بدأ يتحدث أمام المؤتمرين قائلاً :

{لقد اخبرني الرفيق ميشيل عفلق، فيلسوف الحزب، أن عصابة استبدت بالحزب في العراق، ومثلها في سوريا، وأن العصابتين وضعتا رأسيهما معاً، وسيطرتا على المؤتمر القومي السادس، ولذلك يجب القضاء عليهما}.

كما هاجم المهداوي قرارات المؤتمر القومي السادس واصفاً إياه بمؤامرة ضد الحزب، وطالب بانتخاب قيادة قطرية جديدة تحت تهديد أسلحة الضباط المرافقين له.

تظاهر المؤتمر باختيار قيادة جديدة، واشترك الضباط بالتصويت،علماً بان بعضهم لم يكن بعثياً على الإطلاق، وجاء على رأس القيادة الجديدة [حازم جواد] بالإضافة إلى فوز أنصاره.

غير أن المهزلة لم تنتهِ إلى هذا الحد، بل أسرع الضباط إلى اعتقال [علي صالح السعدي] و[محسن الشيخ راضي] و[حمدي عبد المجيد] و[هاني الفكيكي] و[أبو طالب الهاشمي] الذي كان يشغل منصب نائب القائد العام للحرس القومي، وجرى تسفير الجميع على متن طائرة عسكرية إلى مدريد.

امتداد الصراع إلى الشارع

أنفجر الوضع المتأزم في ذلك اليوم، وامتد الصراع إلى الشارع، ففي صباح يوم 13 تشرين الثاني اندفعت أعداد غفيرة من مؤيدي علي صالح السعدي ومن الحرس القومي إلى شوارع بغداد،  وأقاموا الحواجز في الطرق، واحتلوا مكاتب البريد والبرق والهاتف ودار الإذاعة، وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا على الأسلحة فيها.

وفي الوقت نفسه أسرع منذر الونداوي إلى قاعدة الرشيد الجوية ومعه طيار آخر، وامتطيا طائرتين حربيتين، وقاما بقصف القاعدة المذكورة، ودمرا [5 طائرات] كانت جاثمة فيها.

وفي الساعة الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم أذاع [صالح مهدي عماش] وزير الدفاع بياناً من دار الإذاعة حذر فيه [أحمد حسن البكر] من أن هناك محاولة لجعل البعثيين يقتلون بعضهم بعضاً، وهذا ما لا يفيد إلا أعداء الحزب، كما وجه نداءاً للعودة إلى العلاقات الرفاقية، وإلى التفاهم  والأخوة.

وفي تلك الأثناء فرضت قوات الحرس القومي سيطرتها على أغلب مناطق بغداد، ورفض البكر وعماش إعطاء الأمر إلى الجيش بالتدخل وأصبحت قيادة فرع بغداد للحزب هي التي تقود الحزب في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ حكم البعث، وطالبت تلك القيادة بإعادة السعدي ورفاقه إلى العراق، وممارسة مهامهم الحزبية والرسمية،غير أنها لم تفلح في ذلك، واضطرت إلى الموافقة على إحالة القضية إلى القيادة القومية لتبت فيها.

عفلق وأمين الحافظ في بغداد لمحاولة حسم الصراع:

وفي مساء ذلك اليوم الثالث عشر من تشرين الثاني، وصل إلى بغداد مؤسس الحزب[ميشيل عفلق] والرئيس السوري [أمين الحافظ] بالإضافة إلى عدد آخر من أعضاء القيادة القومية للحزب.

غير أن عبد السلام عارف تجاهل وصولهما، ولم يجر لهما استقبالاً رسمياً  كما يقتضي البروتوكول والعرف الدبلوماسي، كما لم يحاول الالتقاء بالوفد، مما جعل الوفد يحس أن هناك جو غير طبيعي في بغداد، وأن لابد من أن يكون هناك أمراً يدبر ضد حكم البعث.

حاول ميشيل عفلق ورفاقه في الوفد التصرف بشؤون العراق، فقد أصدروا  قراراً بنفي [حازم جواد] وزير الداخلية، و[طالب شبيب] وزير الخارجية متهمين إياهما بأنهما أساس الفتنة، كما أصدر الوفد قراراً آخر بحل القيادة القطرية التي جرى انتخابها تحت تهديد الضباط الخمسة عشرة، وكذلك القيادة القطرية السابقة التي كان يقودها علي صالح السعدي، وأعلن عن تسلم القيادة القومية للمسؤولية لحين انتخاب قيادة قطرية جديدة.

هكذا إذاً كان تصرف عفلق والوفد الموافق له، تجاهلاً لعبد السلام عارف بصفته رئيساً للجمهورية، وتجاهلا لسيادة واستقلال العراق، والتدخل الفض في شؤونه الداخلية، حيث وصل الأمر إلى أن يعين عفلق أعضاء في الحكومة ويقيل أعضاءً آخرين، وقد أدى تصرفه هذا إلى استياء الضباط العراقيين الممسكين بزمام الجيش.

كما أن الرابطة التي كانت تجمع الضباط البعثيين بالقيادة المدنية قد تفككت، ودبت الخلافات العميقة بينهم، وسارع الجناح المدني في الحزب يتحدى من اسماهم أعداء الحزب، ودعا اتحاد العمال الذي يسيطر عليه الحزب إلى سحق رؤوس البرجوازيين الذين خانوا الحزب، وإعدام أصحاب رؤوس الأموال الذين هربوا أموالهم إلى الخارج.

كما دعوا إلى تأميم كافة المشاريع الصناعية في البلاد، وكانت تلك الاندفاعات لجناح الحزب المدني كلها تصب في خانة عبد السلام عارف الذي صمم على إزاحة حزب البعث عن السلطة، وأحكام قبضته على شؤون البلاد دون منازع أو شريك.

رابعاً: انقلاب عبد السلام عارف ضد البعث

بعد أن وصلت حالة الحزب إلى أقصى درجات التمزق والتناحر، وبعد أن عمت الفوضى أرجاء البلاد، وبلغ استياء ضباط الجيش الممسكين بالمراكز القيادية في الجهاز العسكري من تصرف القيادة البعثية مداه، قرر عبد السلام عارف بالتعاون مع تلك العناصر العسكرية توجيه ضربته القاضية لحكم البعث، وإنهاء سيطرتهم على مقدرات البلاد، فقد استغل عبد السلام تلك الظروف البالغة الصعوبة التي مرّ بها حزب البعث وبالتنسيق مع عدد من أولئك الضباط  وكان من بينهم :

1- الزعيم عبد الرحمن عارف قائد الفرقة الخامسة- شقيق عبد السلام.

2 – الزعيم الركن عبد الكريم فرحان، قائد الفرقة الأولى.

3 – العقيد سعيد صليبي، آمر الانضباط العسكري.

4 – الزعيم الركن الطيار حردان التكريتي، قائد القوة الجوية [ بعثي].

5 – اللواء الركن طاهر يحيى، رئيس أركان الجيش.

هذا بالإضافة إلى العديد من الضباط الآخرين ذوي الميول القومية.

وفي فجر يوم 18 تشرين الثاني 1963 ، قامت طائرات عسكرية بقصف مقر القيادة العامة  للحرس القومي في الأعظمية، ثم تقدمت الدبابات، والمصفحات لتستولي على كافة المرافق العامة في بغداد، ومقرات الحرس القومي.

وحاول البعثيون مقاومة الانقلاب في بادئ الأمر، إلا أن الأمر كان قد حسم في نهاية النهار، فلم يكن باستطاعة الحرس القومي، وهو يحمل الأسلحة الخفيفة أن يقاوم الدبابات والمصفحات والصواريخ والطائرات، وسارع أفراد الحرس  إلى إلقاء سلاحهم، والتخلص منه، برميه في الحقول والمزارع والمزابل بعد أن هددهم النظام العارفي الجديد بإنزال العقاب الصارم بهم إن هم استمروا على حمل السلاح أو إخفائه، وأجرى الجيش مداهمات لدور أفراد الحرس القومي بحثاً عن السلاح.

كما جرى إلقاء القبض على أعداد كبيرة من البعثيين لفترة محدودة من الزمن، حيث تمكن الجيش من إحكام سيطرته على البلاد، وأخذ النظام فيما بعد يطلق سراح البعثيين المعتقلين  في حين بقي السجناء والموقوفين الشيوعيين والديمقراطيين في السجون، وجرى تنفيذ أحكام بالإعدام، كانت قد أصدرتها المحاكم العرفية على عهد البعثيين، بعد تسلم عبد السلام عارف زمام الأمور في البلاد، فقد كان العداء للشيوعية هو الجامع الذي جمع البعثيين والقوميين دون استثناء، ربما شيء واحد قد تغير، هو تخفيف حملات التعذيب أثناء التحقيقات مع المعتقلين، واستمرت المحاكم العرفية تطحن بالوطنيين طيلة عهد عارف.

عبد السلام عارف يحكم سيطرته على البلاد

في مساء يوم الثامن عشر من تشرين الثاني 963 ، تلاشت مقاومة حزب البعث وحرسه القومي في أنحاء البلاد، وتم لعبد السلام عارف وقادته العسكريين السيطرة التامة على البلاد، وبدأ على الفور بترتيب البيت، مانحاً نفسه صلاحيات استثنائية واسعة لمدة سنة، تتجدد تلقائياً، إذا اقتضى الأمر ذلك، وعمد عبد السلام إلى الاعتماد على الروابط العشائرية، وخاصة عشيرة [الجميلات]،  فقد عين شقيقه [عبد الرحمن عارف] وكيلاً لرئيس أركان الجيش، رغم كونه ليس ضابط أركان. كما عين صديقه، وأبن عشيرته [سعيد صليبي] قائداً لحامية بغداد، فيما أعلن عارف نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة.

كما جاء عارف باللواء العشرين الذي كان يقود أحد أفواجه عند قيام ثورة 14 تموز، واتخذ منه الحرس الجمهوري الخاص به، واعتمد على العناصر المؤيدة له فيه من عشيرة الجميلات وغيرها من عشائر محافظة الأنبار.

بدأ عبد السلام عارف حكمه معتمداً على ائتلاف عسكري ضم الضباط القوميين والناصريين، والضباط البعثيين الذين انقلبوا على سلطة البعث فقد عيّن [طاهر يحيى] رئيساً للوزراء، و[حردان التكريتي] نائباً للقائد العام للقوات المسلحة، ووزيراً للدفاع، فيما عيّن [أحمد حسن البكر] نائباً لرئيس الجمهورية، والزعيم [رشيد مصلح ] وزيراً للداخلية، وحاكماً عسكرياً عاماً، ويلاحظ أن هؤلاء جميعاً من تكريت، ومن العناصر البعثية، أما العناصر القومية التي شاركت في الحكم فكان على رأسها الزعيم الركن [محمد مجيد] مدير التخطيط العسكري، والزعيم الركن [عبد الكريم فرحان] الذي عيين وزيراً للإرشاد، و[عارف عبد الرزاق] الذي عيين قائداً للقوة الجوية، والعقيد الركن [هادي خماس] الذي عيّن مديرا لجهاز الاستخبارات العسكرية، والمقدم [صبحي عبد الحميد] الذي عيين وزيراً للخارجية.

عبد السلام عارف يبعد العناصر البعثية عن الحكم:

رغم تعاون الضباط البعثيين مع عبد السلام عارف في انقلاب 18 تشرين الثاني 963 ضد قيادتهم المدنية، واشتراكهم في حكومته الانقلابية، إلا أن عارف لم يكن يطمأن لوجودهم في السلطة، ولم يكن إشراكهم في الحكم من قبله سوى كونه عمل تكتيكي من أجل نجاح انقلابه ضد سلطة البعث وتثبيت حكمه، لكنه كان في نفس الوقت يتحين الفرصة للتخلص منهم، وقد ساعده في ذلك الكره الشعبي الواسع النطاق للحكام البعثيين بسبب ما اقترفوه من جرائم بحق الوطنيين طيلة فترة حكمهم التي دامت تسعةاشهر، وهكذا بعد أن تسنى لعارف تثبيت أركان حكمه، بدأ بتوجيه الضربات للعناصر البعثية تلك.

ففي 4 كانون الأول 964 ،أعفى عارف المقدم [عبد الستار عبد اللطيف] من وزارة المواصلات، وفي 16 منه أزاح عارف [حردان التكريتي] من منصبه كقائد للقوة الجوية، وفي 4 كانون الثاني 64 ألغي عارف منصب نائب رئيس الجمهورية وتخلص من [احمد حسن البكر] الذي كان يشغل المنصب، وعينه سفيراً بديوان وزارة الخارجية. (7)

وفي 2 آذار 964، أعفى عارف [حردان التكريتي] من منصب وزير الدفاع وعين محله طاهر يحيى بالإضافة إلى منصبه كرئيس للوزراء، ولم يبقَ إلا رشيد مصلح التكريتي وزير الداخلية والحاكم العسكري العام الذي ربط مصيره بمصير عارف، مهاجماً أعمال البعثيين وجرائمهم، وبذلك أصبح عبد السلام عارف الحاكم المطلق في البلاد، وبرز الناصريون في مقدمة النظام، وبدأ النظام يقلد الجمهورية العربية المتحدة في أساليبها وخططها التنموية، حيث أقدمت الحكومة على تأميم المصارف،  وشركات التأمين، و 32 مؤسسة صناعية وتجارية كبيرة، وخصصت الدولة 25% من الأرباح للعمال والموظفين العاملين فيها، وقررت تمثيلهم في مجالس الإدارة.

كما أقدم النظام الجديد على تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي في 14 تموز 964، على غرار الاتحاد الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة، ودُعيت القوى السياسية في البلاد إلى الانضواء تحت راية هذا الاتحاد، وقد استهوى هذا الإجراء وتلك التحولات الاقتصادية جانباً من قيادة الحزب الشيوعي، حيث برزت دعوة لحل الحزب والانضمام إلى الاتحاد المذكور، لكن هذا الاتجاه لم ينجح في جر الحزب إليه، بعد أن وقفت العناصر الحريصة على مصلحة الحزب ضد دعوة الحل والانضمام للاتحاد الاشتراكي .

حامد الحمداني

تعديل وزاري …..وزير مفوض للميلشيات  ميلاد عمر المزوغي

تعديل وزاري …..وزير مفوض للميلشيات  ميلاد عمر المزوغي

لا نعلم ان كان التعديل الوزاري يعد استباقا لما قد يتمخض عن اجتماعات مجلسي النواب والدولة بشان السلطة التنفيذية واظهار حكومة الوفاق الوطني على انها فاعلة ومتوازنة جهويا وتلبية للمطالب المتعددة بشان الخروج من عنق الزجاجة وبالأخص المشكل الاقتصادي,ام مجرد ذر للرماد في العيون الى حين اجراء الانتخابات التي يسعى جميع الافرقاء بمختلف توجهاتهم الى تأجيلها لتطابق مصالحهم,وقد اطمأنت الحكومة الى عدم اقالتها.

الملفت للنظر ان يتم ضم المليشيات الى وزارة الداخلية  التى من ضمن مهامها راحة المواطن في حله وترحاله, ندرك بان افراد هذه الميليشيات هم ابناءنا ونعترف بأننا لم نحسن تربيتهم,بل دفعنا بهم الى اتون حرب اهلكت كل شيء,انهم في حاجة ماسة الى علاج نفسي ومن ثم الى اعادة تأهيل ليساهموا مستقبلا في اعادة اعمار البلد والنهوض به ويتطلب ذلك زمنا لا باس وإمكانيات مادية,أما ان نقوم بإعادة تدويرهم والزج بهم في اعمال مدنية صرفة فذلك يعد نوع من الاستهتار واستمرارا لزمن الاجرام الذي نعاني منه وبالتالي نجني على انفسنا بعد ان جنينا على ابنائنا.

لقد عايشنا ولا نزال تصرفات “أبنائنا “عن قرب بالبنوك ومحطات توزيع الوقود فهم يقذفون بألسنتهم حمم (كلام غاية في البذاءة)تذيب عقول الحضور وتجعلهم مجرد دمى تتحرك عفويا, بدلا من القول الطيب,اياديهم تمسك بالسلاح وأصابعهم على الزناد,فكثيرا ما كانت هناك حوادث قتل نتيجة رصاصات(عقول)طائشة,بدلا من مساعدة كبار السن والنساء في الحصول على احتياجاتهم.وكذلك تواجدهم بالشوارع والميادين فهم لا ينظمون حركة السير بل يربكونها.

 اعدادهم تربو على المائة وخمسون الف,يتقاضون منذ سنوات رواتبهم المغرية من الدولة(أي انها تدفع رواتب للمخربين-من ليبيا يأتي الجديد),أي ان جزءا كبيرا من الميزانية يذهب الى جيوب هؤلاء للاستمرار في طغيانهم,بدلا من تخصيص هذه الاموال لإقامة مشاريع انتاجية او توفير قطع الغيار اللازمة لاستمرار بعضها التي شارفت على التوقف,مثل منظومة النهر الصناعي التي فقدت ثلث انتاجيتها بفعل سرقة الالات والمعدات اللازمة للتشغيل,او تخصص في تقديم خدمات تعود بالنفع على الجميع.

ان انضمام هذا الكم الهائل من افراد الميليشيات الى وزارة يفترض انها تسعى الى  بسط الامن . يجعل منها وزارة مختصة بعمليات الاجرام من سرقة وحرابة وإهدار للمال العام,وينم عن مدى استهتار السلطات( المتغولين) بعقول المواطنين الذين ينشدون الامان وبناء الدولة,ولعل تكليف احد رموز فجر ليبيا التي دمرت البلد بمهمة وزير الداخلية والذي يعتبر نوع من المكافأة, يقطع الشك باليقين بان الامور تسير نحو الاسوأ.

هناك بعض التساؤلات تستوجب التوضيح,هل هذه التعديلات تحقق المطالب التي نادى بها المجتمعون في كل من الزاوية وترهونة؟وبالنسبة لدعاة تحرير العاصمة من الميليشيات هل الدماء التي سالت والمباني التي هدمت والضحايا الذين سقطوا بفعلكم,كل ذلك كان قربانا على مذبح الذل والهوان وشرعنة الميليشيات(يبدو انكم جزءا منها)؟ والى المواطن العادي,الى متى تظل تهادن وترضى بالدنية وبؤس العيش؟فهؤلاء لن يرقبوا فيك إلا ولا ذمة.

الحديث عن ظهور تكتل جديد بمجلس الدولة تحت مسمى كتلة الوفاق ذات الاتجاه الوطني, الوطنيون هم اولئك الذين سلموا الامور لسلطة منتخبة (كتلة 94),اما الباقون فهم من طيف سياسي مؤدلج(اخواني)ومؤلل(مسلح),الامر لا يعدو لإثبات ان المجلس يحوي اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة لئلا يصابوا بالحسد,اين الوطنية طيلة هذه المدة؟انهم ابعد ما يكونون عن الوطنية.