مائة عام على الثورة البلشفية .. اشكالية الثورة والاصلاح

مائة عام على الثورة البلشفية .. اشكالية الثورة والاصلاح

ا. د. ميثم الجنابي

mutham aljanabi2 (الى فارس، الذي لم أر في حياتي أكثر فروسية منه)

لقد مر قرن من الزمن على احداث الثورة البلشفية في روسيا، وما ترتب عليها من آثار ومآثر وانجازات وهزائم، الا انها مازالت تشتعل وتخفت في الضمير والعقل اليساري بشكل عام والشيوعي بكل خاص. فقد كان الانقلاب البلشفي هائلا من حيث اثره وصداه ومجريات القرن العشرين ككل، الا انها اخذت في الزوال والتلاشي. والعودة اليها، بما في ذلك في مجال الفكر النظري والسياسي، من وجهة نظري،لا يتعدى العبرة التاريخية فقط لما فيها وما آلت اليه. فهي غير قابلة للاصلاح والتجديد والانبعاث، شأن كل ما يموت. والشيئ الوحيد المتبقي هو وهج الروح الثوري واليساري. وهذا لا يكفي لتأمل المستقبل.

ان المصطلحات الكبرى تعكس كبر الظاهرة وأثرها ولحد ما طابعها الدرامي. وفيما يخص ثورة أكتوبر، فأنها بدأت بعنوان الانقلاب البلشفي لارتباطه بدور البلاشفة فيها، ثم ثورة أكتوبر لتمييزها عن ثورة شباط من نفس العام، ثم ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى بعد ان تحول الاتحاد السوفيتي إلى قوة عظمى في مواجهة النظام الرأسمالي والامبريالية الأوربية والأمريكية.

فقد كانت بدايتها ونهايتها مثيرة للدهشة السياسية والفكرية والفلسفية، لكن وهجها الأيديولوجي ما زال مستمرا رغم خفوته الكبير. فمن حيث أثرها التاريخي تشبه الثورة الفرنسية الكبرى وتضاهيها من حيث وهجها السياسي. ولكل منهما مساره وخاتمته، ومن ثم أثره التاريخي. وفي كل منهما إشكاليات لا تحصى. وقد تكون ثورة أكتوبر ونهايتها إحدى اشد الإشكاليات تعقيدا للقرن العشرين، حيث ما زلنا نلمس أثرها السلبي والايجابي على النطاق العالمي لحد الآن. أما بالنسبة لروسيا فهي جزء من تجربتها التاريخية التي لم تحسم فيها لحد الآن لا قضية الانتماء القومي الثقافي ولا طبيعة النظام السياسي. وهذه قضية عانى ويعاني منها الفكر الفلسفي والسياسي الروسي منذ زمن ظهور كتاب (روسيا وأوربا) لدانيليفسكي عام 1871 ومرورا بصعود التيار السلافي والفلسفة الدينية الروسية والفكرة الاوروآسيوية ولحد الآن.

وسوف اكتفي هنا بتحليل فكرة الثورة والإصلاح في روسيا، باعتبارها القضية الجوهرية في المسار التاريخي لثورة أكتوبر والعقدة التي لم تحلها روسيا على امتداد تاريخها الحديث.

اشكالية الثورة والاصلاح

عندما تبلغ الثقافة قناعتها الخاصة عن المثال، فان ذلك يفترض معاناتها إياه في العلم والعمل. وهي معاناة تبدع  تصوراتها عن الواجب أو عما ينبغي القيام به، ويستحيل بلوغه دون النزعة الانتقادية للفكر ودون فرضياته الكبرى.

إذا كان الفكر الروسي المتمثل لقيم المثال الأسمى قد بلغ قناعته الخاصة عن ضرورة الثورة بالنسبة للإصلاح، فان نزعته الانتقادية اللاذعة تجاه الواقع وفرضياته الكبرى عن الواجب بقت في الأغلب أسيرة المواجهات الفردية والجزئية مع النظام القائم. فالفكر الروسي لم يرتفع في نقده وفرضياته إلى مستوى الرؤية المنظومية، ولم يستطع بلورة وصياغة فلسفته السياسية. وهو السر القائم وراء الاندفاعة المتحمسة للفكر الديمقراطي الثوري صوب الهيغلية اليسارية أولا والماركسية لاحقا. بحيث جعل لينين يتكلم في وقت لاحق عن المعاناة الروسية في  انتظارها للماركسية. لم يقصد العثور المفاجئ عليها كما لو أنها الهبة المرسلة من سماء التاريخ الأوربي إلى أراضي روسيا الشاسعة، بقدر ما كان يعني استجابة الماركسية للعناصر النقدية والفرضيات المتراكمة في التاريخ الروسي بشكل عام والثوري الديمقراطي منه بشكل خاص. وليس مصادفة أن يتكلم لينين أحيانا عن “المصير التاريخي” للماركسية في روسيا.

لم تعن مطابقته بين معاناة الوعي الثوري الروسي في بحثه عن “مرشد عمل” وبين العثور عليه في الماركسية سوى إدراك قيمة الماركسية بالنسبة للحرية  الاجتماعية الحقيقية. فقد كانت الحرية معضلة روسيا القيصرية ومعضلة الماركسية أيضا، بمعنى انعدامها في الأولى و”غائيتها” في الثانية. وهي فكرة أكد عليها لينين منذ بواكير أعماله النظرية ونشاطه السياسي. فهو يشير في إحدى مقالاته إلى أن روسيا المتحررة من الاضطهاد الطبقي والقومي هي مقدمة تحرير أوربا نفسها من رجعيتها وحروبها الدائمة.

ومن الممكن القول بان الوعي الروسي الثوري قد تمرس في قبوله نتاجات الفلسفة “الكلاسيكية الألمانية” ابتدأ من كانط وانتهاء بفيورباخ  مرورا بهيغل. وبما أن المنطق الهيغلي يفترض بلوغ ملكوت الحرية في مجرى تعمق وعي الذات،  فقد اصبح  من الممكن إنزال هذا الملكوت إلى أرض الصراع الطبقي المباشر وإعلانه أسلوبا لبلوغ الحرية الحقيقية. وهذه الفكرة التي شكلت عصب الصيرورة الماركسية وروحها الفعال ابتداء من إشكاليات الاغتراب والفعل حتى حتمية الانتقال إلى الشيوعية وضمور السلطة القهرية (أو الدولة بالمعنى التقليدي للكلمة). بهذا المعنى كان “اكتشاف” الماركسية في مجرى المعاناة الثورية الروسية النتاج “الطبيعي” لالتقاء الجهود العلمية (النظرية) والعملية الروسية في البحث عن النموذج الواقعي والمثالي للحرية.

إن “اكتشاف” الماركسية في روسيا كان يعني بناء صيغتها الروسية. فالماركسية الروسية لم تكن تقليدا أجوف ولا معاناة مغامرة، بل نموا تلقائيا للوعي الثوري الروسي في سعيه للتحرر من القهر والاضطهاد القيصري. من هنا فان تحسس وإدراك الالتقاء التاريخي والروحي بين الماركسية والديمقراطية الثورية يخدم  مزاج الرؤية الثورية في بحثها عن “عقيدة الخلاص” وتأسيسها النظري السياسي لتفعيل هذه العقيدة في “الروح الجماعي” الروسي.

لهذا لم  يجد لينين في الماركسية “عقيدة خلاص”، بل “مرشد عمل”. وهو تباين يتجاوز حد العبارة إلى أسلوب الرؤية والفعل. من هنا تشديده في بواكير أعماله النظرية، على انه لا يوجد ماركسي في روسيا يشترط إلزامية الرأسمالية فيها لأنها موجودة  في الغرب، او  يرى  في آراء ماركس مخططا فلسفيا – تاريخيا ملزما للجميع، او اكثر من نظرية تخدم مواقف الاشتراكية الديمقراطية ورؤيتها للواقع التاريخي الروسي. لان الجوهري هو كيفية تطبيق آراء ماركس في الواقع الروسي. وذلك ما جعل لينين يشدد على أن شروط الإبداع الفكري والسياسي للمثقفين الروس يكمن في بحثهم الجاد والمتعمق في روسيا الواقعية لا روسيا المرغوب فيها، روسيا الواقعية لا المثالية.  ذلك  يعني أن الجوهري في الماركسية ليس خطتها المجردة ولا حتى أحكامها الملموسة، بل منطقها وماهيتها (العلم والديالكتيك). ولا تعني هذه الأفكار في مضمونها التاريخي سوى المساهمة النظرية في تعميق الرؤية الثورية  للتراث الديمقراطي الروسي من خلال تفعيل نقدية الماركسية وفرضياتها المنظومية.  فقد استجابت الماركسية كنظرية وحّدت في ذاتها النزعة النقدية والفرضية المنظومية، لنزوع الديمقراطية الثورية الروسية في بحثها التاريخي عن الحلقة المكملة لسلسلة فلسفتها السياسية.  لهذا جعل لينين من شرط الإبداع النظري الثوري الروسي سبيله إلى دراسة الأشكال الواقعية الاجتماعية الاقتصادية كاشفا حتمية الاستغلال ومآسيه في ظل سيادة الرأسمالية، وكذلك تفعيل الرؤية العملية الكفاحية.

إن انتظار الماركسية كان يعني أيضا استعداد روسيا المادي والروحي لتأسيس رؤيتها التاريخية والسياسية عن ضرورة البديل الاجتماعي الشامل. لهذا كان ارتقاء الديمقراطية الثورية صوب الاشتراكية الديمقراطية نتيجة لازمة لنضوج الوعي التاريخي الثوري، لا نتيجة للأهواء العابرة.  بمعنى تصّير الديمقراطي الثوري  ديمقراطيا اشتراكيا، وأن تكون ثوريا يعني أن تكون اشتراكيا. وهو ادراك استعاد تقاليد الثورية الروسية بالشكل الذي جعل من تفعيلها السياسي في نهاية القرن التاسع عشر- بداية القرن العشرين، المهمة الأولى للاشتراكية الديمقراطية.  من هنا توكيد لينين على أن الماركسيين الروس بالاختلاف عن اشتراكيي الماضي لم يكتفوا بالإشارة إلى واقع الاستغلال، بل وحاولوا تفسيره، ولم يقفوا عند هذا الحد بل واكتشفوا الطبقة التي يمكن أن يوجهوا اهتمامهم إليها من اجل تثوير وعيها الذاتي لقيادة التحولات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية الشاملة. وهي المهمة التي استلزمت في ظروف روسيا، كما يقول لينين، تحويل الطبقة العاملة إلى ممثل للفئات المستضعفة عبر رفع  نضالها من حضيض الفتن وردود الأفعال الجزئية إلى مستوى النشاط السياسي المنظم، باعتبارها المهمة الأساسية للاشتراكية الديمقراطية الروسية.  وأن بلوغ الحركة الاشتراكية الديمقراطية في رؤيتها النظرية والسياسية درجة تمثيلها للمصالح الجذرية للطبقة العاملة والكادحين هو الذي يمنحها إمكانية السير صوب الثورة الاشتراكية، كما هو جلي في كتابه (ما العمل؟).

مّثل كتاب لينين (ما العمل؟) من الناحية الرمزية انتقالا صريحا من تاريخ الفتن وردود الأفعال الديمقراطية المتحمسة إلى نظام الرؤية السياسية. أي الانتقال  من تذبذب “النفس الروسية”  بين “من المذنب” و”ما العمل؟” إلى وحدتهما الفعالة بالنسبة لتفسير الواقع وتغييره.  فقد كان (ما العمل؟) اللينيني الاستكمال السياسي للروح الأدبي (الديمقراطي الثوري) المتجمع في غضون قرن كامل من المعاناة الحقيقية في مختلف ميادين الصراع والإبداع. وأشار لينين في (ما العمل؟) إلى روسيا الظلامية،القمعية، الرجعية، المتخلفة نهاية القرن التاسع عشر. وهي المرحلة التي استنفدت فيها الديمقراطية الثورية رصيدها الخطابي. مما جعل من تغلغل الماركسية في الأدب الثوري والنظري العلمي، الظاهرة الأكثر  شيوعا وانتشارا. وأشار أيضا إلى أن الكتاب الماركسي أصبح الأكثر نفوقا في روسيا، والنظرية الماركسية أصبحت الأكثر انتشارا بين الخواص والعوام (النخبة والجماهير).

واصبح من الممكن الحديث عن ماركسية علنية وماركسية اقتصادية وماركسية مبتذلة وماركسية انتهازية وماركسية تحريفية وغيرها. إذ أنها أصبحت الكيان الجامع لتجليات السياسة المتنوعة في مراحل الصراع الحادة. وكشفت بذلك عن أن رواجها لم يكن صدفة بقدر ما كان استجابة للكل الثوري المتبلور في تنوع المدارس والفرق والمذاهب والعقائد والأحزاب والجمعيات في روسيا ما قبل الثورة.

أما الوحدة المتناقضة لرواج الماركسية وتنوعها، ضرورتها في مساعي الحرية و”انحرافاتها” العديدة، فأنها تعكس إشكالية البحث عن النماذج الواقعية للبديل الإصلاحي الشامل. وقد أصاب لينين عندما أكد على أن المبادئ التحررية للماركسية وبراهينها العلمية على ضرورة تصفية الاستغلال، كخطوة لبلوغ الحرية الإنسانية هي التي جعلت من خطواتها في كل مجال ميدانا للمعارك. ولم يكن ذلك ناتجا عن ضغط الرؤية المتبلورة في مجرى قرن من المعاناة الروسية في البحث عن المثال والواجب فحسب، بل وبفعل الانتقال التاريخي للديمقراطية الثورية نفسها إلى مصاف الاشتراكية الديمقراطية.  لقد قادت هذه العملية إلى تكون التيار الثوري الاشتراكي بوصفه توليفا روسيا لتقاليد الديمقراطية الثورية والاشتراكية الديمقراطية، ومن ثم تحول الاشتراكية الديمقراطية (الروسية) إلى الممثل الأكثر تجانسا للحركة الديمقراطية الروسية ككل.

إن مطابقة الثوري مع الاشتراكي، والاشتراكي مع الثوري جعلت من تيارات “الإصلاحية” الأخرى، بنظر الاشتراكية الديمقراطية الروسية (البلشفية منها بالأخص)، مجرد حركات ليبرالية برجوازية نشأت على أطراف التيار الأصيل للحركة التقدمية الروسية.  مما حدد حتمية الصراع معها، وميز التاريخ السياسي الروسي حتى الثورة، عبر صراع الاشتراكية الديمقراطية مع التيار الليبرالي.

وإذا كان هذا الصراع السياسي قد اتخذ في بداية الأمر صيغة الصراع النظري مع “الماركسية العلنية” ثم الشعبية ثم “الاقتصادية” و”التحريفية” و”الانتهازية” وغيرها، فانه أدى في ميدان الفعل السياسي إلى تركزه في مجال التعارض التام بين الرؤية الثورية والرؤية الليبرالية البرجوازية في المواقف من إصلاح روسيا. وهو صراع اتخذ في بداية الأمر صيغة “تنقية” الرؤية الماركسية نفسها والحفاظ على ثوريتها. وافلح هذا الصراع في غضون ثلاثة عقود (قبل الثورة) على تذليل مختلف الماركسيات العلنية والتحريفية والانتهازية، التي كانت تهدف إلى البقاء في حيز الجزئية (كالماركسية العلنية) وتمييع فكرة الصراع الطبقي (كالتحريفية الكاوتسكية) وإلغاء جوهرية الهدف النهائي (كالانتهازية البرنشتينية). وهو صراع أدى إلى  بلورت البلشفية، باعتبارها التيار الأكثر تجانسا مع السياسة الثورية في رؤية الوسائل والغايات.

فالصراع مع الماركسية العلنية والكاوتسكية أدى إلى دمج الفكرة القائلة بجوهرية الصراع الطبقي وشمولها العقائدي في المواقف السياسية والآراء النظرية لكل جوانب الوجود الاجتماعي.  في حين أدى الصراع مع البرنشتينية وأفكارها عن جوهرية الحركة لا الهدف النهائي، إلى توكيد وحدة الحركة والغاية. إذ لا يعني إهمال الهدف سوى الإرجاء الدائم للاشتراكية. بينما لا طريق (أو وسيلة) إلى الاشتراكية إلا بالصراع الطبقي، الذي يفترض  ضرورة الثورة. وهي الحصيلة التي حالما جرى تثبيتها في المبادئ الكبرى للبلشفية ( باعتبارها التيار الديمقراطي الاشتراكي الروسي الأكثر فاعلية قبل الثورة) ، فأنها أدت إلى تركيز مواجهاتها السياسية الفكرية ضد التيارات البرجوازية بشكل عام والليبرالية منها بالأخص.

وليس مصادفة أن يرى لينين في التيارات التحريفية والانتهازية في الحركة الاشتراكية الديمقراطية (الأوربية والروسية) تعبيرا عن “أثر ومآثر” الليبرالية البرجوازية. وهذا ما جعله يشدد على أن تاريخ الماركسية بشكل عام (وفي روسيا بشكل خاص) هو تاريخ الصراع ضد الليبرالية البرجوازية في طروحاتها المتنوعة الهادفة إلى تمييع الصراع الطبقي وإلغاء ضرورة الثورة. لان ما تجتمع عليه الاتجاهات الليبرالية هو تنظيرها وعملها الهادف إلى عزل مفاهيم وممارسات الديمقراطية والاقتراع العام وإرادة الأغلبية والدولة عن مفهوم الطبقات والطبقية.

بينما كان مثال الديمقراطية الثورية الروسية والاشتراكية الديمقراطية هو التغيير الشامل للنظام القائم (القيصري). وهي الفكرة التي وضعها لينين في أبحاثه وبراهينه العديدة، حتى في فكرته القائلة بان المرء لا يمكنه أن يكون ثوريا ديمقراطيا في القرن العشرين، في حالة خوفه من السير صوب الاشتراكية. وقد حددت هذه النتيجة الموقف النهائي من تاريخ الإصلاحيات السابقة ككل.

وضعت الماركسية البلشفية فكرة الإصلاح ضمن مفاهيم الثورة، وجعلت من الثورة القابلة الضرورية للتاريخ، والقوة التي ينبغي أن تتخطى عقبات التاريخ الواقعي بنقله إلى أسلوب جديد في الملكية يحدد بدوره مضمون التحولات الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية والثقافية ككل. ذلك يعني، أن الإصلاح الحق حسب نظر البلشفية هو الإصلاح الشامل، الذي يفترض مشروعية الثورة باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على أنسنة العلاقات الاجتماعية بالقضاء على الاستغلال الطبقي، وبلوغ ملكوت الحرية.

غير أن بلوغ الحرية الحقيقية والبقاء في إمكاناتها ليس تقنينا شبيها بما في الطوباويات القديمة وتخطيطاتها الشكلانية، بل هو الذروة التي يفترضها “منطق” التاريخ وتناقضات قواه المنتجة وعلاقاته الإنتاجية. بهذا المعنى فان الثورة إصلاح، كما أن الإصلاح ثورة. أما توليفهما العملي فيمكن أن يتخذ أشكالا يصعب حصرها مسبقا، مما فسح المجال أمام اللينينية لان تصوغ نظريا إمكانية الثورة السلمية والعنفية،  باعتبار أن ذلك لا يمس من حيث الجوهر إلا الأسلوب فقط. وإذا كان للأسلوب أثر في كيفية تفتح القوى الكامنة في الثورة، فان ذلك مرهون “بصدف” التاريخ وكيفية تجمع عقده المتناقضة لا بالرغبة الجامحة في كسر طوق التاريخ بالعبور إلى ما وراءه. إذ لم تعن الفكرة الماركسية عن تذليل التاريخ سوى القضاء على مقدمات صراعاته المقيدة بالملكية الخاصة. ومن ثم ليس “التاريخ الحقيقي” سوى الإمكانية اللامحدودة في الحرية.

الماركسية الينينة – الثورة والاصلاح

لقد شكلت فكرة التاريخ الحقيقي والحرية المتراكمة في الرؤية الماركسية منذ إرهاصاتها الفلسفية الأولى مرورا بالبيان الشيوعي وانتهاء بالرأسمال، المقدمة النظرية الكامنة للثورة الشاملة باعتبارها إصلاحا، وللإصلاح باعتباره ثورة دائمة. وإذا كانت الثورة الشاملة قد اتخذت في بادئ الأمر صيغة الثورة العالمية، بينما اتخذت الثورة الدائمة صيغة الفعل المتوجه صوب “التاريخ الحقيقي”، فان التجسيد العملي لهذه الأفكار في البلشفية لم يكن تحجيما لها بقدر ما كان استجابة واقعية لما في التقاليد الثورية للاشتراكية الديمقراطية (الأوربية) بشكل عام والروسية منها بالأخص. فالجوهري بالنسبة للينينية ليس الصيغة النظرية الدقيقة للماركسية، بل فرضياتها الكبرى واحتمالاتها المتجددة.  مما أعطى للينينية مرونة عملية هائلة وأبقاها في نفس الوقت ضمن حيز الاستيعاب الثوري للتقاليد الروسية. لهذا واجهت اللينينية إمكانية الانتقال إلى الاشتراكية عن طريق السلم والعنف. فالسلم والعنف بالنسبة لها مجرد أشكال ومظاهر للثورة بوصفها تحولا شاملا للوجود الاجتماعي السياسي والاقتصادي للامة.  فقد نظرت اللينينية إلى الثورة نظرتها إلى أسلوب ضروري للتسريع في بناء المجتمع الإنساني دون انتظار “حتميته” المتراكمة في الحاضر والمستقبل. ولم يكن ذلك تقديما للإرادية أو سقوطا في أحضانها أو انهماكا بالمستقبلية واستعجال آفاقها. على العكس! لقد كان ذلك إدراكا خاصا للعلاقة الواقعية والواجبة بين الحرية والضرورة، الواقع والمثال، وتحديد النسبة “المتذبذبة” لهذه العلاقة في الفعل السياسي. وهو الأمر الذي جعل اللينينية “ماركسية القرن العشرين”. بمعنى تحويلها الروح الثوري للماركسية إلى روح الثورة الروسية. بصيغة أخرى، أنها وضعت الروح الثوري للماركسية في ثورية الفعل، وتركت للعقائديين مهمة الجدل حول ما إذا كان ذلك انحرافا أو ابتعادا أو تمثلا لحقائق الماركسية ومبادئها. كما مارست ذلك تجاه من بدا لها منحرفا أو مبتعدا أو مبتذلا لحقائق الماركسية ومبادئها. وقد كان ذلك جدلا له صداه وأثره التاريخي والمعنوي حتى في الموقف من ماهية الثورة والإصلاح في روسيا القرن العشرين.

إذا كانت الحصيلة الفكرية لتجارب الحركات الثورية في روسيا قد أدت إلى مطابقة الثوري الديمقراطي مع الاشتراكي الثوري، فان تجسيدها السياسي اتخذ صيغة المطابقة بين الثورة والإصلاح، وإعلان “الإصلاح الثوري” أسلوبا للإصلاح. لهذا كان بإمكان لينين في جدله مع التيارات المختلفة حول ضرورة الثورة ألا ينطلق من معايير وقيم الإدراك المتسامي للإصلاح الشامل والثورة فحسب، بل ومن تحليله لطبيعة التحولات الاجتماعية – اقتصادية على النطاق العالمي والروسي. فالإمبريالية لم تعد مجرد “درجة عليا” في التطور الرأسمالي العالمي، بل ومقدمة “لكسرها في اضعف حلقاتها”.  وهي الرؤية التي لم تتحدد بالتخطيط المنطقي المجرد لفلسفة التاريخ الماركسية عن التشكيلات الاجتماعية – الاقتصادية، بل حددها روح الثورة واصلاحيته الشاملة.  لهذا وجد لينين في الفكرة القائلة بعدم استعداد روسيا للانتقال إلى الاشتراكية نتيجة ضعف مستوى تطورها الثقافي مجرد حذلقة مثقفين لا قيمة عملية لها في إطار الرؤية التاريخية ومهمات الانتقال الثوري إلى الاشتراكية.  فالجوهري بالنسبة للينين هنا ليس “مستوى التطور الثقافي”(الذي يصعب تحديد حده وحقيقته)، بل أداة التحول. لهذا وجد في السلطة السوفيتية ضمانة “المستوى الثقافي”، أو القوة (والوسيلة) القادرة على التعويض عن نقص المستوى الثقافي في بناء النظام الاشتراكي.

لم يعن ذلك، بالنسبة لقضية الثورة والإصلاح، سوى أن أولوية السياسة هي أولوية الإدراك العملي لحل إشكالية النظام والحرية،  باعتبارها الإشكالية “الخالدة” للوجود الاجتماعي – السياسي للأمم.  أما الصيغة الثورية لهذا الحل فهي النتيجة الملازمة لنشوء علاقة الحرية والنظام.  ومن ثم  فان الضمانة المفترضة في السلطة السوفيتية هي ضمانة النظام (السلطة) والحرية (السوفيتات).  وهي الرؤية التي حددت قيمة الثورة الاشتراكية وجعلت منها في نفس الوقت المقدمة اللازمة للإصلاح الشامل في الاقتصاد والاجتماع والثقافة.

لقد تضمن الإقرار بأولوية السياسة بالنسبة للإصلاح الشامل دمج تقاليد الثورية الديمقراطية والاشتراكية الروسية في رؤيتهما لمسألة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.  من هنا قيمة “العنف الثوري” و”الإرهاب الأحمر” و”شيوعية الحرب”،  وكل ما كان بخدم بناء وحدة الحرية والنظام بمعايير الثورية الاشتراكية. ولا يغير من ذلك مساوماتها العديدة (كالسياسة الاقتصادية الجديدة وصلح بريست وغيرها). على العكس، أن ذلك يكشف عن المرونة العملية في استيعاب الأولويات السياسية في نظام الرؤية الثورية نفسها. إذ لم يجر وضع أولوية السياسة في متطلبات الاقتصاد والاجتماع، بقدر ما جرى تحويرها بالشكل الذي يخدم الأهداف القريبة والبعيدة للدولة. وتكشّف ذلك للمرة الأولى بعد الحرب الأهلية (1922) عن الإمكانيات الواقعية والأساليب العملية للبناء الاشتراكي. فالفرضيات التجريبية للبناء الاشتراكي تكشف عن أن أولوية السياسة لم تعد جزءا من استمرارية الثورة فقط، بل ومن كيفية الإصلاح الثوري الشامل أيضا. وهو الأمر الذي حدد مجرى  الصراع الفكري والسياسي منذ بدء تجارب البناء السوفيتي، وبالأخص الصراع بين التروتسكية وتصوراتها عن “الثورة الدائمة” والستالينية وتصوراتها عن “بناء الاشتراكية في بلد واحد”.

كانت الستالينية بهذا الصدد استمرارا للرؤية اللينينية، حاولت تطبيق استنتاجاتها النظرية في ميدان البناء الاشتراكي. فإذا كانت الفكرة اللينينية عن إمكانية انتصار الثورة الاشتراكية في بلد واحد تتضمن كسر فكرة الحتمية والعالمية(أي اقترابها من  واقعية الرؤية الثورية الكامنة في الماركسية، أو بصورة أدق تذليل عاطفية الرؤية الحالمة لا منطق التحليل النظري المجرد)، فان تطبيقها الستاليني في ظروف الاتحاد السوفيتي ما بعد الحرب الأهلية هو الاستمرار الأكثر حدة  في استيعابه لقيم الإرادة والعزم، أو  ضمانة السلطة السوفيتية في إنهاض البلاد وإصلاحها الثوري الشامل.

وقد حسم هذا الصراع لصالح الستالينية بفعل ضمانة أو  ثبات المقدمات التي رافقت انتصار الثورة ونتائج الحرب الأهلية. عندها اصبح من الضروري دفع “تصفية” بقايا الحرب الأهلية إلى نتيجتها النهائية في الاقتصاد (من خلال مصادرة الملكيات الخاصة ونظام الجمعيات الزراعية)، وفي السياسة (من خلال بناء مركزية الدولة وآليتها الشاملة)، وفي الثقافة (من خلال فرض أيديولوجية الحزب والدولة). وهي المهمات التي كان يصعب تنفيذها دون بناء الأسس المادية والتكنيكية، مما حدد بدوره أولوية التصنيع الثقيل والزراعة الموسعة، أو كل ما كان يخدم مركزة الدولة الواحدة والسلطة الواحدة والأيديولوجية الواحدة والثقافة الواحدة والاقتصاد الواحد واللغة الواحدة والحزب الواحد والوطن الواحد والشعب الواحد.

وأدى هذا الاستعجال التوحيدي إلى إعلان البعض ظهور الكيان القومي السوفيتي أو “القومية السوفيتية”. وبغض النظر عن البواعث الإنسانية العميقة وراء هذه الصياغة فأنها كانت التعبير المباشر عن استيعاب وترميم الصيغة النظرية المجردة لثنوية الشكل والمضمون (قومية الشكل اشتراكية المضمون). إن مد المضمون الاشتراكي على كافة نواحي الحياة جعل من الممكن احتواء القومية أيضا. وهي صيغة ايديولوجية استجابت في “تنظيرها” للروح البيروقراطي في تنظيمه للوجود الاجتماعي. فكان ذلك أحد الأسباب الأساسية وراء “اغتراب” القوميات في الاتحاد السوفيتي واستغلال فكرة القومية لاحقا بما في ذلك من  قبل “قادتها الامميين”. هذا “الارتداد” لم تحدده  في حالات عديدة سوء التجربة السوفيتية في ميدان المسألة القومية، بل ارتجالية “الإصلاح الغورباتشوفي”، وتنامي عناصر الرذيلة السياسية والأخلاقية التي شكلت في كلها “منظومة الخيانة” وإفرازاتها الدائمة في تبرير المجرمين وتجريم الأبرياء،  وتجميل القبيح وتقبيح الجميل.

لم تكن هذه الواحدية نتاجا لازما للماركسية، ولا للنموذج اللينيني (البلشفي) للماركسية. وإنما نشأت في مجرى الصراعات السياسية ما قبل ثورة شباط (1917) وبعدها، وفي مجرى أحداث ثورة أكتوبر (1917) وفعل نتائج الحرب الأهلية. وترتب على هذه الأحداث عنفوان “الرؤية الطبقية” التي حاولت تأسيس كل الأشكال المعقولة واللامعقولة في ما يخص تنظيم الوجود الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للدولة بقومياتها وشعوبها المتنوعة. وهو تأسيس خدم في برامجه العملية وغاياته المعلنة أسلوب “التحدي التاريخي” و”السباق التاريخي” مع الرأسمالية العالمية وقواها الداخلية والخارجية. وذلك ما أغرى الرؤية السوفيتية بتصفية وتنقيه وجودها الذاتي في كافة نواحي الحياة و”توحيد” الاتحاد السوفيتي بالشكل الذي يمكنه من تحدي الحصار الخارجي وتمتين بنيته الداخلية. واستثار ذلك حمية الجماهير وقدرة الشيوعيين التنظيمية لدرجة أفلحت في بناء صرح الوحدة الصلبة للدولة ومؤسساتها، والمجتمع وفئاته (وقومياته أيضا)، والحزب في تنظيماته، بحيث تنامت فيه وترّسخت آلية مستقلة، تحولت شأن كل آلية مستقلة بذاتها إلى “الاستكبار والتجبر” على شروط وجودها الأولى. وهذه الآلية خلقت الستالينية وساهمت في بناء صرحها البيروقراطي، مما أدى تاريخيا (في الاقتصاد والسياسة والثقافة) إلى فقدان حدود الاعتدال، وافرغ الثورية اللينينية من مضمونها الأخلاقي والإصلاحي فتراكمت عناصر المركزية والإدارية البيروقراطية (الحزبية وغير الحزبية) في الدولة.

وأدت الحصيلة النهائية لهذه العملية التاريخية إلى تحول “التطرف” (الفردي والإرادي) إلى أسلوب امثل للممارسة، وبالأخص بعد إن جرى شحن هذا الأسلوب بقيم العقائدية، وبعد تحول هذه العقيدة نفسها إلى قيود عملية مباشرة (لا إلى مبادئ  مجردة كبرى أو مرجعيات روحية). إذ تجذّرت هذه القيود في العقل والوجدان كما لو أنها فرائض دينية. وجعلت سواء عند الناس التأييد او المعارضة. وهذا ما أدى إلى تجذير آلية الفعل لا آلية الاحتكام إلى نظام الرؤية العقلانية والأخلاقية الكامنة  في فلسفات الإصلاحية الثورية. لهذا أدت أول محاولة لتقييم الستالينية وإصلاحها على يد خروشوف إلا إلى إعادة  ترميم آليتها. لقد تمثلت الخروشوفية أسوء نماذج الستالينية،  لأنها جعلت من المغامرة الفردية النموذج الأمثل في تهشيم  مغامرات الستالينية (ادارتها البيروقراطية وعبادة الفرد). فالخروشوفية لم تستطع توظيف التقاليد الثورية الاشتراكية بالشكل الذي يمكنها من ترميم بناء التجربة الاشتراكية، باعتبارها تجربة التحرير الإنساني، فأخفقت. ووجد ذلك انعكاسه أيضا في البريجنيفية بوصفها الصيغة “التقليدية” لآلية رد الفعل لا الاحتكام إلى نظم الرؤية العقلانية. وهي الآلية التي حددت نماذج الرجوع التقليدي إلى “الستالينية المتنورة” عند اندروبوف وإلى “البريجنيفية المتكلسة” عند تشيرنينكو. وعندما ظهرت للمرة الثانية إشكالية الإصلاح، لم تتخذ سياسيا صيغة “إعادة البناء” (البيروسترويكا) إلا بعد أن مرت بموضوعات “التسريع” و”العلنية” (غلاسنوست). وليس مصادفة أن تطالب كل من الخروشوفية والغورباتشوفية في بداية أمرهما بالرجوع إلى اللينينية، بعد الهجوم المباشر وغير المباشر على الستالينية.  إذ لم يستوعب أي منهما أبجدية الإصلاح القائلة، بان الرجوع إلى الماضي وهم. فالستالينية هي خطوة هائلة بمعناها التاريخي، وشطب البريجنيفية مجرد مغامرة. إن الستالينية والبريجنيفية تقدمان حتى في سلبياتهما النموذج الضروري لبلورة عناصر النقدية الإصلاحية. ومن ثم فان الإمكانية العقلانية الوحيدة لتعمير الصرح الاشتراكي ليست في سياسة رد الفعل والإصلاح الجزئي ودمج الهزيمة في بنية الفكر السياسي، بل في تحديد الأولويات الموضوعية في نظام إصلاحي يعقل إمكانياته وغاياته المباشرة والبعيدة المدى. وهو ما كانت تفتقده الخروشوفية والغورباتشوفية نتيجة طابعهما الفردي والمغامر. وإذا كانت التجربة الخروشوفية قد واجهت في نهاية المطاف “معارضة” رسمية من جانب السلطة والحزب، فان الثانية (الغورباتشوفية) حصلت على “تأييد” من جانب الحزب والشارع على السواء.  وهما “معارضة” و”تأييد” حددتهما في نهاية المطاف آلية رد الفعل لا الاحتكام إلى منظومة الرؤية العقلانية وكوامنها الأخلاقية التي عادة ما تميز الإصلاح الكبير عن غيره من الإصلاحات.

***

ا. د. ميثم الجنابي

الأزمات الاقتصادية – الاجتماعية المُركبّة ، و تفخيذ الرضيع

 
أمامَ “الدولة” في العراق الكثير من التحديّاتِ والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المريرةِ ، والشديدة الخطورة.
لماذا لا تتصدّى هذه “الدولة” لاقتراح قوانين جديدة ، وتعديل قوانين قائمة ، وتطبيق قوانين نافدة ، تساعدها على تجاوز أزماتها الاقتصادية – المالية (المُركبّة) ، والايفاء بالتزاماتها الاجتماعية الأساسية ، و تتكفّل بـ ” اصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة وبما يضمن استثمار كامل موارده و تنويع مصادره ، وتشجيع القطاع الخاص وتنميته” (كما تنُصّ على ذلك المادة 25 من دستورنا العتيد) ؟ً
لماذا لا تفعل ذلك بدلاً من زجّ نفسها ، وزجّنا ، في متاهات اقتراح ومناقشة وإقرار قوانين لن تُضيفَ الى الناتج المحليّ الاجماليّ حبّة قمحٍ واحدة ، ولن تضيف لدخل الفرد “المكَرودِ” فلساً واحداً ؟
لماذا لا تفعل ذلك بدلاً من الانغماسِ في هذا اللغو ، الذي لن يرفع من معدّلاتِ السعادةِ،ولن يُخفّضَ من مستويات الحزن لرجلٍ أو امرأةٍ (مهما كان مذهبهما) في هذا البلد العجيب؟
وبقدر تعلّق الأمر بالشأن الاقتصادي ، أعرِضُ (من خلال الجدول المرفق في أدناه) على “أركان” دولتنا الرشيدة ، و مراكز قواها “الفاعِلَة” و “النَشِطَة” جدّاً ، التفاصيل ذات الصلة ببعضٍ من هذه القوانين (وهناك قوانين اخرى كثيرة غيرها) ، لعلها تنشغِلُ بها قليلاً عندما يتمّ تنبيهها الى أنّ هناك قضايا وموضوعات أكثرُ أهميّة من زواج القاصرات ، ومُداعبة الصبيّات ، و “تفخيذ” الرضيع .

 

الجيش الليبي من الانسحاب التكتيكي الى الانبطاح الاستراتيجي ميلاد عمر المزوغي

الجيش الليبي من الانسحاب التكتيكي الى الانبطاح الاستراتيجي ميلاد عمر المزوغي
كلما حاولنا ان نصبغ على الجيش بالمنطقة الغربية صفة الوطنية,إلا انه وللأسف وفي كل مرة يثبت لنا وبما لا يدع مجالا للشك انه جيش جهوي بامتياز,لقد سبب الجيش الكثير من الماسي لسكان بعض المناطق الغربية ومنها العجيلات وورشفانه بانسحابه الغير مدروس منها واسماه حينها انسحابا تكتيكيا,احدثت شعورا لدى العامة مخيبا للآمال.قلنا حينها ربما ينقص القوات السلاح والذخيرة,لكننا اليوم ومع انشاء قيادة المنطقة الغربية والحصول على بعض الاسلحة وتخريج دفعات جديدة من المنتسبين اليها.
المنطقة الغربية شهدت هدوءا لبعض الوقت,نراه جد كاف لان تقوم قيادة الجيش بالتخطيط لما يمكنها من السيطرة على بقية المناطق,حيث اعلنت قيادة الجيش وفي اكثر من مناسبة بأنها تسيطر على اكثر من 95% من التراب الليبي, مع ملاحظة ان العسكر الذين حاربوا داعش بصبراته وضعوا القيادة العامة في موقف محرج,حيث ذكروا بأنهم يتبعون الرئاسي ويأتمرون به.
يبدو ان تلك الـ5 % ستأخذ وقتا يصعب من خلالها تصديق تلك التصريحات,بل يجعلنا نشكك في توجهات قياداته ومدى حرصها على استتباب الامن وبث الطمأنينة في نفوس اناس استوت عندهم الحياة والموت,فأصبحت البلد اشبه بغابة,القوي يأكل الضعيف وقد ضيّق عليه الخناق,فطال كافة مناحي الحياة بما فيها قوته اليومي.
بالأمس القريب شاهدنا رئيس حكومة المؤقتة وهو يفتتح مقر رئاسة مجلس الوزراء بالمنطقة الغربية,وذكر في كلمته بأنه لا يفصله عن العاصمة سوى 60 كيلومتر, خيّل الى البعض بان تحرير العاصمة اصبح قاب قوسين او ادنى.
الاسلام السياسي بشقيه الاخوان والمقاتلة,استبق الاحداث فعمد الى مهاجمة منطقة ورشفانه التي تمثل حاضنة شعبية للجيش,لقطع خط الوصول الى العاصمة,وطرد منتسبي اللواءين الرابع والسادس والعشرون اللذان يمثلان القوة الاكثر فاعلية وراس الحربة في تحرير العاصمة,وتناقلت الانباء باستقبال القائد العام لآمري اللواءين المذكورين.ان ما يحدث بورشفانه هو اشبه ما حدث ببني وليد قرار رقم سبعة مكرر-يبدو انه قرار يستخدم ضد المدن المارقة دونما الحاجة الى تجديده,فالذين اصدروه مدد لهم في مهامهم بل منحوا صلاحيات اكثر,ثوابا لما قاموا به من اعمال,اذ لو لم تدمر بني وليد,لانتكست الثورة والعياذ بالله.
ترى ماذا ينتظر الجيش بمختلف اصنافه القابع في اقصى الغرب الليبي؟ ان سقوط ورشفانه بيد قوات الخصم يعد ضربة قاصمة له وأصبح شبه محاصر من ثلاث جهات ومن السهولة شل قدراته ان لم نقل القضاء عليه.حديث بعض من يدعون المشيخة ببعض القبائل بالطلب الى ابنائهم (رعاياهم) بالانسحاب من القوة(الميليشيات) المهاجمة لورشفانه,مجرد ذر للرماد في العيون والظهور بمظهر المؤازر والمواسي للسكان الامنين,واعتراف صريح من قبل هؤلاء بان غالبية الشباب قد زج به في التشكيلات المسلحة,اما قاتل او مقتول.
ندرك حجم المؤامرات على البلد واستهداف قوته المتمثله في الجيش والشرطة,ولكن يبدو ان قادة الجيش لا يجيدون فن السياسة,تنازلوا عن كل شيء,سلموا للرئاسي الحقول والمواني النفطية, المنشور الصادر عن القيادة العامة بعدم تمكين الاجسام التابعة للوفاق من العمل في المنطقة الشرقية وبالأخص بنغازي مجرد حبر على ورق,اذ كيف لشخصية غير اعتبارية(وكيل وزارة داخلية الوفاق/ بنغازي)ان تتجول في شوارع المدينة بكامل عتادها؟ اللهم إلا اذا كانت القيادة العامة تريد اقتسام السلطة مع الوفاق والظهور امام العالم بأنها لا تتعاطى السياسة بل تتصرف بمهنية ليعترف بها كأحد اركان الازمة,وفي هذه الحالة تؤكد لنا بان تصرفها يعد انبطاحا استراتيجيا,يدوس على جثث المئات من ابناء المؤسسة العسكرية والقوة المساندة,لقد كشفت احداث ورشفانه عن مدى ضيق الافق لدى قيادة الجيش ورئاسة البرلمان ,ايا تكن الاختلافات في الرأي. فيئس المصير.

العرب والتبعية للغير(ج2)  بقلم/ميلاد عمر المزوغي

العرب والتبعية للغير(ج2)  بقلم/ميلاد عمر المزوغي

 

على مدى اربع سنوات يعيش العرب حالة من الخوف وعدم الاطمئنان, بعض الدول تشهد صراعا مسلحا على السلطة وان بدرجات متفاوتة, كل شيء معطل, بليارات الدولارات تهدر, الاف الشباب العاطل عن العمل ينضم الى تنظيمات ارهابية انشاها الغرب لتدمير ما تم انجازه خلال عقود “وان كان البعض يرى انه لم يتحقق شيئا خلال تلك الحقبة التي غلب عليها  حكم العسكر, تفكك البنية الاجتماعية, صراعات مذهبية وطائفية وقبلية تغذيها الاطراف الخارجية وللأسف بعض بني عمومتنا يسعون بكل ما اوتوا من قوة لزعزعة الاستقرار, ربما لتحقيق مكاسب شخصية وهؤلاء من خلال ذلك يقومون بتنفيذ اجندة خارجية تهدف الى ايجاد شرق اوسط جديد.

 

اخوتنا في جزيرة العرب الذين يرثون الحكم كابر عن كابر, وقد حباهم الله ثروات هائلة, لم يعملوا على بناء قوة تجعلهم امنين فوق ارضهم, لا يزالون يعتمدون اعتمادا كليا على الغرب في الدفاع عنهم , في حين ان هؤلاء تحكمهم مصالحهم وعلى استعداد للتضحية بـ(اصدقاء الامس) ان وجدوا مصلحتهم في غيرهم والادلة على ذلك كثيرة شاه ايران,وماركوس حاكم الفلبين.

الانظمة التي كنا نعدها عروبية, استطاع الغرب ان ينفذ اليها حيث استطاع “اعوانه” ان يتقلدوا مناصب هامة ببعض الدول ومنها آخر وزير خارجية في عهد القذافي ,الرئيس الاسبق لاحد الاجهزة الامنية,كما لا يفوتنا الحديث عن الجنرال المصري عمر سليمان وكيف انتهت به الحياة بعد عمر مديد من الخدمة لنظام حسني مبارك والأمريكان في زعزعة الوضع العربي والفلسطيني, فكان خبر وفاته أثناء تلقيه العلاج في احد المشافي الأمريكية مفاجئاً أيضاً طرح علامات الاستفهام والتعجب والدهشة، خاصة وأنه جاء بعد حوالي شهرين من تسريب وثائق سرية للتعاون الاستخباراتي بين القاهرة وتل أبيب وواشنطن فيما يخص القضايا العربية والإقليمية وفي مقدمتها فلسطين وحركات مقاومتها.

الدول العربية التي تعاني ازمات اقتصادية, اخذت نصيبها من الخنوع واستدرار عطف الغرب, ظاهره جلب استثمارات لخلق فرص عمل جديدة لشباب يعيش وقت فراغ قاتل سبب في احداث اوضاع امنية مميتة, بوقوعهم في ايدي جماعات ارهابية,عمل على تأسيسها الغرب, ساسة فرنسا الاستعمارية يعود بهم الحنين الى شمال افريقيا التي جثموا على صدور اهلها لعقود حيث كانت الحديقة الخلفية لها ومصدر التموين الرئيس لغالبية السلع الغذائية, وطأت اقدامهم النجسة ترابنا المغاربي الطاهر, عده ساستنا خير وبركة عليهم, بل وصل الامر بالسيد محسن مرزوق المستشار السياسي للرئيس التونسي القول بشان زيارة ساركوزي الى بلاده بالقول: ” الاهم  بالنسبة الينا هو رؤية ساركوزي يتجول في اسواق تونس ومتاحفها وبين مواطنيها وفي ذلك دعاية جديدة للسياحة والاقتصاد التونسيين وللنموذج التونسي في الاعتدال ,ونحن نرحب بساركوزي وديف كآمرون واوباما وميركل وكل من ينوي زيارة تونس ودعمها لإنقاذ موارد رزق حوالي مليون تونسي”, متناسيا وللأسف ما سببه الصديق ساركوزي للشعب الليبي من دمار وانتشار جماعات ارهابية على التراب الليبي ما يؤثر سلبا على امن تونس, كنا نتمنى رفع القيود على حرية التنقل بين رعايا الدولتين, فاذا بنا نفاجأ بقيام جدران عازلة واسلاك شائكة تذكرنا بتلك المعتقلات التي احدثتها ايطاليا في الشرق الليبي بحق ابنائه بحجة مناوأتهم لها, ولابد ان الفرنسيين قد اقاموا معتقلات مشابهة في البلاد المغاربية.  

اما عن اولئك الذين كانوا يعدون انفسهم معارضة وطنية لأنظمة شمولية, فقد تبين انهم موحلون في العمالة (غاطسون)حتى اخمس اقدامهم ,المعارضة السورية تطالب الغرب بالتدخل العسكري لقلب النظام بها ولا يأبهون بما يحدث للشعب السوري, رغم الماسي التي يعيشها الشعب الليبي جراء تدخل الغرب بتفويض عربي. كذلك نجد اليوم المساندة الغربية للمسيطرين (الذين آواهم الغرب ونصرهم وقدم لهم كافة انواع المساعدة لإسقاط النظام  )على الاوضاع في ليبيا بقوة السلاح لانهم يرون فيهم الامل الوحيد لإيجاد موطئ قدم لهم في المنطقة بعد ان اقتلع الشعب المصري الاخوان من جذورهم. الذين يحكمون العراق اليوم والذين كانوا يعدون انفسهم مضطهدين اوغلوا في اضطهاد بني جلدتهم, استشرى الفساد الذي لم يعهده العراق من قبل, اصبح العراق شيعا واحزابا ,فالشعب لم يذق طعم الحياة على مدى عقد ونيف, أعمال القتل والتشريد طاولت كافة ارجاء البلد.  

وبعد هذه حال العرب اليوم, خطر التقسيم يلوح في الأفق, قد تستحدث كانتونات لتلبية رغبات من يسعون الى السلطة. وفي ذلك يتنافس المتنافسون, كل يقدم عربون عمالته للغرب وانسلاخه عن عروبته التي لم تعد قائمة, وأصبحت مسبة وعار للمنتسبين اليها,وظهرت الى السطح اصوات نشاز تنادي بدسترة لهجات لا تسمن ولا تغني من جوع وكأنما اللغة العربية كانت مفروضة عليهم,أ ليست هي لغة القران الذين ينعمون به؟, اما عن الاسلام فقد كثر التطاحن بين المذاهب “كنا نعد الاختلاف بينها في بعض الامور رحمة للمسلمين”.   

العرب والتبعية للغير(ج1)    بقلم/ميلاد عمر المزوغي

ان ما يعانيه العرب اليوم من ذل ومهانة جاء بسبب تخلفهم وغبائهم وطمع الغير فيهم ونهب خيراتهم التي لم يحسنوا التصرف بها فأراد الغرب ان يسترقهم بخيراتهم . وإذا كانت الحروب لم تعد مصدرا للرق, فإن القوى الاستعمارية قد استبدلت الرق بالتبعية الاقتصادية والسياسية, فالتبعية الاقتصادية تمارس الاستعمار بالتجويع, وبالتبعية السياسية تمارس الاستعمار بالتخويف, وكلاهما الوجه الاخر لاسترقاق الشعوب. اصبح التعبير الذي يقدم عادة هو انتساب ذوو السحنة السمراء (ومنهم العرب) المزعوم لحام الابن الملعون من ابناء نوح وهذا ما جعل اللون الاسود مكروها لا من الناحية الجمالية فقط بل لأنه صار رمزا لوصمة اخلاقية.  

يقول وزير الزراعة الامريكي الاسبق بوتز Butz أن الغذاء هو سلاح وأداة قوية في سياستنا. وفي نفس الوقت تقول مصادر استخباراتية امريكية بأن تزايد نقص القمح في العالم يعطي واشنطن القدرة على احياء وإماتة ملايين البشر؟ ألا يدل ذلك وبكل وقاحة ان الغذاء اصبح مصدرا للاستغلال والابتزاز في المجالين الاقتصادي والسياسي ووسيلة للتحكم بأولئك المعذبون في الارض. من تتحكم في خبزه قادر على التحكم في فكره, وتعطيل عقله وإلغاء قدرته على كل ما هو رفيع من ملكاته وقدراته.اما ان نعتمد على انفسنا وننتفع بكل جزء من مواردنا  او نتكل على غبرنا ونترك له استغلال خيراتنا ونظل متخلفين الى الابد.

لا شك ان هذه المنطقة ليست كغيرها من المناطق, فهي قلب العالم وملتقى قاراته وهي سوق استهلاكية لمنتجات الغرب وبالتالي فليس بوسع الغرب تركها وشأنها فعلى مر العصور شهدت هذه المنطقة عديد الحروب ادت بالنتيجة الى احتلالها من قبل الاخرين, فلم تهنأ الامور بالمنطقة وتوالت الكوارث والمحن, ومع ظهور البترول شهدت بلدان المنطقة نوعا من الاستقرار وشيئا من التمدن, ذهبت معظم خيراته الى جيوب الغرب وأعوانهم. فكل الحروب التي شنت علينا باطنها الغذاء واقتناص اللقمة من افواهنا لكن اهدافها العلنية اما دفاع عن الدين (الحروب الصليبية) او الكرامة الوطنية (الحرب على الارهاب) او نشر الديمقراطية. وإما انهم يحبوننا لدرجة الاستحواذ علينا وأكلنا كما تأكل انثى العنكبوت رفيقها. مشاهد كثيرة جرت احداثها على خشبة مسرح يمتد من المحيط الى الخليج. وأصبحت اليوم ساحة تتنافس عليها مختلف اشكال الاستعمار الجديد, وارض صراع وتحد حقيقي بين الشرق والغرب.

قامت  الدول الغربية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبسبب الموقع الاستراتيجي للوطن العربي على تقسيمه وتفكيكه، وأقاموا ممالك ومشايخ على مواقع الثروات وخلقوا هذه الدول دون امتلاك مقومات الدولة.

استطاع الغرب وبجناحه العسكري( الناتو) وبعد سنوات ان يهزم المنظومة الاشتراكية وحلفها العسكري وارسو بل يفكك روسيا نفسها وبالتالي فقد الناتو مبرر وجوده إلا اذا كانت له أهدافا أخرى فتمدد شرقا وأصبح على اعتاب موسكو, تخلّص من الشيوعية ولم يبقى امامه سوى العرب والمسلمين ولا بد من سيكس ــ بيكو جديد.

سعى الغرب الى تقسيم المسلمين بين سنه وشيعة وإحداث الفتنه بينهم وإيهام العرب ذوو الغالبية السنية بأن الخطر قادم من بلاد فارس عبدة النار والذين يسبون الخلفاء الراشدين وأم المؤمنين عائشة! ولهم مزارات خاصة بهم قد تلههم عن زيارة الكعبة المقدسة فلتبدأ الحرب بين دولتين متجاورتين احداهما سنية والأخرى شيعية  فكانت حرب الخليج الاولى بين ايران والعراق التي استمرت لأكثر من ثمان سنوات انهكت الجانبين وقد دفع بعض الحكام العرب ثمنها من عائدات النفط التي كان من المفروض ان تستخدم في تنمية شعوبهم وفقد العراقيون ابناءهم , لم يهنأ الغرب ولتحقيق الفتنه عاود الكرّة مرّة اخرى ولتصبح ايران العدو الاوحد للعرب وتترك (اسرائيل) التي تحتل القدس بل تزداد توسعا يوما بعد يوم بقضم ما تبقّى من الاراضي .ولقد لاحظنا عبر التاريخ ان الامم تنهض برجالها وإذا غاب الرجال فإن الامة (ان وجدت) لن تستطيع حماية اي فرد من افرادها, ويقول المثل (الرجل يحيي قبيلة والقبيلة لا تحيي فرد!!).وهذا هو حال العرب. وللحديث بقية,,,,,,,,,

ورشفانه لن ترضى المهانة بقلم ميلاد عمر المزوغي

لم تشترك في الانتفاضة ضد النظام كما بقية المناطق المجاورة التي تشكل الطوق على العاصمة,ما جعل من تصدروا المشهد السياسي يكنون لها حقدا عميقا,تحينوا الفرص للانقضاض عليها, في ظل الصراع بين طرفي الحكم وبحجة ايوائها لمن اسموهم بالأزلام,شنت عليها حربا ضروسا (غزوة المطار-قسورة)ادت الى قتل وتهجير العديد من سكانها وتدمير العديد من الممتلكات العامة والخاصة, لكنها وبفعل عزيمة ابنائها استطاعت ان تبني قوتها العسكرية اسوة ببقية المناطق, فحررت ارضها ممن اغتصبوها.
الحكومات المتعاقبة ادارت ظهرها للمنطقة,تعطلت المرافق الخدمية عن العمل ومنها البنوك والمراكز الصحية,ضيّق الخناق على اهلها وفي ظل التطاحن على السلطة,وبحجة وجود المجرمين بها,كما ان (دسكة) وجود الازلام لا تكاد تفارق عقولهم ألخبيثة,استجمعوا قواهم الخائرة في محاولة منهم لإعادة السيطرة,لكنهم نسوا او تناسوا,ان ورشفانه التي قارعت المحتل الايطالي لقادرة على انزال الهزيمة بأحفاد العملاء,فالعمالة تسري في الدماء.
الذي كان بالأمس وزيرا للدفاع (جويلي)ارتضى بان يكون آمر منطقة!,المتعارف عليه ان الانسان يرتقي بمكانته (منصبه)كما يرتقي بنفسه عن صغائر الامور,انه ولا شك حب السلطة,حاول ان يبني لنفسه ومن منّ عليه بالرتبة (المنصب العسكري) مجدا,لكن مدن الغرب الليبي صفعته,ولّى يجر اذيال الهزيمة,اعتقد ان دخوله ورشفانه سيعيد له البريق الذي اكتسبه ابان الثورة,ويؤهله الدخول في المحاصصة لاقتسام التركة,المؤكد ان ابناء ورشفانه لن يكترثوا بالجعجعة التي لا تنتج طحينا.وسيدافعون عن ارضهم وعرضهم بكل ما اوتوا من قوة تساندهم في ذلك بقية المناطق الشريفة التي لن ترضى بان تتكرر احداث بني وليد.
ندرك جيدا ان العديد من المدن منقسمة على نفسها الى فريقين,فان نجح احدهما فانه سيشفع للفريق الاخر بان لا تطاله يد العدالة,لكن لم يدر في خلدنا يوما ان يتبرأ المشايخ والأعيان من ابنائهم المغرر بهم,ولا يتبرؤون من ابنائهم الذين يغررون بالآخرين ويسفكون الدماء,احد مشايخ الزنتان قال بأنه يستنكر عمل جويلي لكنه لا يتبرأ منه,ألا يعتبر ذلك ازدواجية في المعايير؟ فالتبرؤ يجب ان يكون من كل من يرتكب جرما بغض النظر عن منصبه,الخزي والعار سيلحق بهكذا مشايخ واعيان وسيورثونه لأبنائهم,فالتاريخ لا يرحم.
المجلس الرئاسي ذكر بأنه لم يعطي الاوامر لقواته بالتدخل في المنطقة,ترى هل السيد جويلي تصرف من تلقاء نفسه وبما تمليه عليه المصلحة (العامة) للبلد,ام ان بيان الرئاسي تصرف (عقلاني) لتهدئة الأمور؟ وان كنت شخصيا لا ارى عقلانية لمن يشكلون المجلس الرئاسي والحكومة المنبثقة عنه,فتصرفاتهم على مدى سنتين تشهد على ذلك,هؤلاء مجرد دمى اتى بهم الغرب لتنفيذ اجنداته,انها الحرب بالوكالة.
بيان القيادة العامة بالخصوص جاء هزيلا ودون المستوى,فالمواقع التي تم قصفها تتبع الجيش الوطني,والسكان يشكلون حاضنة شعبية للقوات المسلحة,الى متى تبقى القوات المسلحة في مواقعها ولا تحرك ساكنة؟ هل تنتظر سقوط المزيد من الشهداء والجرحى من ابناء المنطقة؟ ام ان ذلك جزء من العقاب لأن القادة المحليين بورشفانه ليسوا على وفاق تام مع القيادة العامة؟ ام ان هناك نوع من التفاهم(البنود السرية لاجتماع باريس) مع المجلس الرئاسي لاقتسام السلطة؟ ولا باس من تأديب الخارجين عن (القانون) والعودة الى بيت الطاعة.
المؤكد ان السبعة طبول مهما تكن الامور لن تستسلم للذيول,عملاء قطر وتركيا,ومن اعطوا الاحداثيات لبعض المواقع للناتو وصفقوا له وكبّروا عند سقوط ارواح بريئة.

كلام خارج التغطية بقلم ميلاد عمر المزوغي

كلام خارج التغطية بقلم ميلاد عمر المزوغي
احد مشايخ المنطقة الجنوبية ابدى امتعاضه من تصرف من اسماهم بعض الشباب بشان التعدي على منظومة النهر,لكنه اردف(ليته سكت)بان هناك اناس اخرون في بعض المناطق يقومون بقفل انابيب النفط والغاز!.وكأني به يقول لسنا افضل من غيرنا.لقد بات لزاما علينا تذكير الشيخ الجليل ومن هم على شاكلته,بان كل انسان او مجموعة تتعدى على حقوق البشر نعدها خارجة عن القانون الطبيعي(ميليشيا).فالبشر الافذاذ مهما حلت بهم من نوائب الدهر لن ينزلوا الى الحضيض.
سربت لنا وسائل الاعلام بان حكامنا الميامين (تمنوا) على الاسير (السنوسي) بان يطلب من ابناء عمومته فتح منظومة النهر,ليوهمنا اتباعه بان من في السجون قادرين على تسيير الامور.تبا لأناس يعلقون امالهم على ابنائهم القابعين خلف القضبان,تبا لأناس لا يوجد من بين طلقائهم من يقوم بفك اسراهم.لقد تعودنا في السابق على طوابير الجمعيات الاستهلاكية والأسواق والمنشات العامة لأجل الحصول على الاشياء الضرورية,سرعان ما انتقلنا الى طوابير من انواع أخرى,طوابير استقبال وتقديم التعازي,الطوابير على البنوك لأجل السيولة النقدية وأخرى للحصول على الخبز والوقود واسطوانات غاز الطهي,واليوم ندشن طابورا جديدا بشان الحصول على المياه.
القوات المسلحة التي تدعي سيطرتها على اكثر من 90% من الاراضي الليبية,وتكبدت خسائر فادحة في الارواح والمعدات في سبيل تحرير الحقول والموانئ النفطية,وسلمتها الى مؤسسة النفط,التي تودع الايرادات لدى البنك المركزي بطرابلس,الذي بدوره يصرف مرتبات ومزايا ومهايا الميليشيات التي تسيطر بالكامل على الغرب الليبي وتؤمن مقار مؤسسات حكومة الوصايا,كما انها تتقاسم وأفراد الشعب السيولة النقدية بالبنوك التي اخذت بالنضوب,لكننا نجد ان هذه القوات لا تقوم بحماية منظومة النهر الصناعي الذي يستفيد منه كافة سكان الشمال الليبي من العبث الميليشياوي القبلي,ما ادى الى توقف ضخ المياه لمدة لم تنتهي بعد,ترى هل القيادة العامة متضامنة مع الميليشيات؟ام انها لا تريد احداث شروخ بقواتها بالمنطقة الوسطى والجنوبية؟.
لسنا من انصار المثل القائل(اللي تشكره يصعب عليك اذمّه),لكننا نقول للمحسن احسنت,لم يعد هناك وجود للقبعات كي ترفع,فما يدور في الرؤوس اصبح مكشوف,ونقول للمسيء أسأت, فإصبع (السبابة)التي يجب ان تغرز في عيون متصدري المشهد قد تلطخت بفعل حبر الانتخابات البرلمانية وأصابها الوهن,اما الإصبعان(السبابة والوسطى) اللذان يشكلان علامة (النصر) فقد رفعا عند الانتهاء من كل عملية اجهاز على الضحية مشفوعة بعبارة الله اكبر, وأخذا نصيبهما من الشهرة.
بفضل حكامنا ومشائخنا وشيوخنا الاجلاء,أصبحت عبارة(حسبي الله ونعم الوكيل)الأكثر تداولا في مجتمعنا,ما يدل على ان الظلم قد بلغ مداه,الادمي لم يعد قادرا على استيفاء حقه بالطرق القانونية,لم تعد هناك دولة بالمعنى المدني,لقد شنف ثوارنا اذاننا بالوعود,فنخال انفسنا بأننا سننعم بالخير الوفير,وسنكون في مصاف الدول المتقدمة,لكنها مجرد اضغاث أحلام,لم تبن الدولة بل أصبحت ليبيا اشبه بغابة,حيث القوي يأكل الضعيف,ربما الاحداث الجارية في ليبيا ستصبح شريطا وثائقيا عن تصرفات ارذل أنواع البشر.
المجالس البلدية التي أصابها القنوط من دعم الحكومات المتعاقبة,ولأجل التعريف باحتياجات المواطن فكانت لها صولات وجولات في العديد من دول العالم,وتستقبل سفراء دول ومبعوثين امميين,وتعامل على انها دول شبه مستقلة,نتمنى عليها بان تقوم بتوفير احتياجات المواطن من سلع وخدمات,فالسنوات السبع العجاف القت بثقلها على البشر, نتمنى ألا تمدد الى عشر سنوات وفق رأي احد مستشاري الرئاسي,فالمجلس تم تنصيبه دوليا ومن حقه التمديد اسوة بالاخرين.

رفقا بالدواعش ,فما لدينا ابشع       ميلاد عمر المزوغي

رفقا بالدواعش ,فما لدينا ابشع       ميلاد عمر المزوغي

جميعنا, حاكمين ومحكومين,مثقفون وجهلة,متدينون وعلمانيون, اصببنا جام غضبنا على فئة لا نختلف جميعنا على انها ضلت الطريق,تغاضينا عن سبق اصرار وترصد عن الجهة او الجهات التي اضلت هذه الفئة فهناك من هم ابشع من الدواعش بمختلف تصنيفاتهم على الرغم من اعمالهم الاجرامية التي يخجل الشيطان من فعلها ,فهناك ولا شك من يدعمون هؤلاء للقيام بأعمالهم الهمجية ,انهم البرلمانيون الذين انتخبناهم ايضا عن سبق اصرار وترصد ,نعرف انهم ليسوا اهلا للمسؤولية ولكننا اتينا بهم اما لمحاباة او لسد فراغ في كيان “البرلمان” الذي ولد خديجا, ولم يكتمل نموه,فوضعناه في ايد ليست امينة,غالبية هؤلاء المنتخبون إلا من رحم ربي فاسدون, مرتشون همهم الاول والأخير هو الاثراء المادي في اقرب وقت ممكن,اخرون يدعون الثورية وحرصهم على البلد,لا يزالون يمتشقون السلاح ليس لأجل الدفاع عن الوطن مما يتربص به بل لأجل ان يفرض رأيه بقوة السلاح,وبالتالي يتمكن هؤلاء من تمرير ما يريدون من قوانين تحدُّ من حرية الاخرين.

بحجة حماية الثورة,صدرت القوانين التي تفسح لهؤلاء المجال لارتكاب ما يشاءون وبقوة القانون,فاعتبر من يخالفهم الرأي بأنهم من الازلام او الفلول,قام هؤلاء الذين يدعون اقامة العدل بتهجير آلاف السكان عن مناطقهم والحجة انهم ارتكبوا جرائم ابان الحكم السابق, متكئين على فتاوى رجال الدين المنافقين الذين كانوا بالأمس القريب وعاظا للسلاطين ومباركين خطواتهم داعين الرب لهم بطول العمر في حكم البلاد والعباد,ومن ثم اجزل اولئك الحكام العطايا لهؤلاء المشايخ, فأصبحوا اصحاب قصور في الدنيا بفعل علاقتهم بأرباب الدنيا,فهل سيكون لهؤلاء قصورا في الاخرة؟,سؤال بإمكان أي شاهد عيان الاجابة عنه,فالعلاقة بين المشايخ ورب السموات واضحة وجلية من حيث تصرفات هؤلاء,ولاة امورنا عملا بـ(لا تزر وازرة وزر اخرى) يؤخذ البريء بجريرة المذنب, وبالتالي فقد تم تهجير الجميع دونما استثناء ليتساوى الجميع في الهموم والإذلال,بدلا من السعي الى الصلح ومحاكمة من ثبت انه اخطأ في حق الاخرين. لقد اهدر رجال الدين دماء العسكر والشرطة لا لشيء إلا لأنهم ارادوا ان يموتوا وهم واقفين بدلا من ان يطعنون في الظهر فيؤخذون على حين غرة. او ليس رجال الدين الحاليين الذين يخرجون علينا عبر كافة الفضائيات, ويطلبون منا ان نشكر من يقتلنا ويسعون الى احداث الفتنة بيننا, بمنافقين ومجرمين لا يضاههم احد في ذلك.

هناك اناس اخرون لا نريد اغفال ذكرهم, لينالوا حظهم من الشهرة,انهم اولئك الذين يدعون بأنهم شيوخ واعيان لقبائل عريقة بمجتمعاتنا العربية المحافظة,ابناء عشائرهم يقومون بالسلب والنهب وقطع الطرقات,اثرى أولائك الابناء في زمن قصير رغم صغر سنهم,فأصبحوا ملاكا للعقارات والأطيان,ناهيك عن مدخراتهم بالبنوك سواء بالداخل او الخارج,شيوخ القبائل ان لم يباركوا عمل هؤلاء فإنهم ودون ادنى شك لم ينهونهم عن فعل ذلك وذاك ادنى ما يمكنهم القيام به.اصحاب المصالح الشخصية شكلوا اجزابا,وكونوا ميليشيات تدعمهم لفرض ارائهم وتحقيق مأربهم,وإحداث فتن بين مكونات الشعب الواحد لان يبقى البلد في حالة عدم استقرار فهؤلاء البشر لا يعيشون إلا في بيئة فاسدة.

وبعد,ا ليس من سبق ذكرهم ابشع من الدواعش التي صرنا نعرفها, لأن الاعلام المدفوع الاجر من قبل حكامنا ومشايخنا(رجال الدين) وشيوخ واعيان القبائل وساستنا .هم الذين زجوا بهؤلاء في اتون الحرب, أو ليس الاجدر بنا ان نحارب هؤلاء الممونون الاساسيون للجهاديين “معظمهم شباب في مقتبل العمر” المغلوبين على أمرهم,وعند الإمساك بأحدهم يقول :غرني الشيطان, بالتأكيد يقصدون شياطين الإنس, فشياطين الجن تركت الأرض لهؤلاء فهم يقومون بالأدوار على اكمل وجه.

ان ولاة امورنا هم الذين يخططون ويمولون الدواعش التي عليها التنفيذ,فهم جميعا شركاء في الجرم,بل الممولون يساهمون في المزيد من القتل والتنكيل بالبشر.  

هل يتوب هؤلاء المجرمون الى ربهم الاعلى وقد افسدوا في الارض,قبل ان يفوت الاوان,كل شيء جائز.

 

أمّة المراثي    ميلاد عمر المزوغي

أمّة المراثي    ميلاد عمر المزوغي

الرثاء,احد فروع الأدب العربي,شعره ونثره,حيث يعمد المتحدث إلى ذكر محاسن المتوفّى  والتنويه بها في محاولة لجعل الخلف يتمسك بتلك المناقب,ورثنا ذلك كابرا عن كابر,كثرت المراثي في وقتنا الحاضر لأن أعداد الوفيات سواء الطبيعية منها أو المضحى بها,فاق كل تصور,معشر الحاضرين,تنادينا لتنفيذ أوامر ندرك سلفا أنها جرائم بحق الإنسانية,عن سبق إصرار وترصد,سرقنا حياء ذو النورين,اغتصبنا فقه علي وحبر الأمة,غدرنا بالسموأل,عِبْنا على الفاروق عدله فالرعية لا تستحق,لأننا نريد أن نصنع أمجادا مزيفة, ليذكرنا أتباعنا,قد نختلف في تصنيف الميت,محسنا أو مسيء ولكنه يظل عزيزا على ذويه,فتؤلف في حقه المراثي الطوال,والكلمات التي تجعلنا نقف مشدوهين أمام جسد مسجّى,وندعو له بالرحمة والغفران,قد يعتبره بعضنا شهيدا وقيل بأن هناك سبع أنواع للشهادة,وبالتالي ضمن الجنة سلفا.

بين الفينة والأخرى يزف إلينا خبر انتقال البعض إلى الدار الآخرة,نواكب ترحاله إلى مثواه الأخير, موشحين بالسواد,متجهمين,مقطبي الجباه,تسخر كافة وسائل الإعلام المقروءة والمكتوبة والمرئية الرسمية منها والخاصة للحديث عن الذي غادرنا,قد نسمع أشياء لأول مرة,ربما تكون بعض أعماله لم تنشر بعد,فيسارع الخيرين إلى تقديمها إلينا في أحسن حلة.

أخريات أيام إن لم نقل سنوات الكثير من الذين انتقلوا إلى الرفيق الأعلى,تكاد تكون جد مؤلمة لهم,البعض كان يسكن في فندق ونسمع عن أناس غرباء يقومون بالإنفاق عليهم ويسهرون على راحتهم,في حين أن أقربائهم,فلذات أكبادهم لم يحيطوا بهم بل يسعون وراء المادة,وعندما يسمعون بالخبر يذرفون دموع التماسيح,تخلوا عن الروابط الاجتماعية,لم يعد للأبوين معنى,كأننا أفراخ الحضانات,بمجرد خروجنا إلى الحياة نعتمد على أنفسنا,فتبا لهكذا خلف وينطبق عليهم المثل القائل(إمنين حي مشتاق البسرة وين مات علّقوا له عرجون).

أبناء الأمة الخيرون من عسكريين(تجنيد إلزامي أو إراديا لعدم وجود عمل) لا يكرمون في حياتهم, بل بعد مماتهم,تنكس الرايات,زخات من الرصاص قد تصيب بعض الحاضرين,تنتهي مراسم العزاء,تقطع الجراية”المرتب” عن ذويه لأشهر ربما يضطرون إلى التسول لأن المعيل قد رحل, وانعدمت لدى ساستنا قيم الوفاء,فمن مات فات.

انتفاضات الربيع العربي أحدثت تغييرات في الشكل,ذهب ديكتاتور وجاء آخرون,إنهم اشد فظاظة,كانت المطالب الخبز والحرية والكرامة,الثمن كان باهظا,سمح للعامة بان تفتح أفواهها للتعبير,المدة لم تدم, فمن لم تطاوله أيدي الإرهابيين,أصبح جوفه خاويا لم يجد ما يأكله فاضطر إلى السكون,لقد أتيحت لجمهور الحاضرين المقارنة بين الماضي السيئ والحاضر الأسوأ,أما المستقبل فصار كابوسا يعشش في رؤوس الجميع بمن فيهم الأطفال الذين نعتقد أنهم لا يميزون (إنها أيام منها الرضيع يشيب).

هذه هي أحوال الأمة اليوم,تُكّرم من غادر الحياة,ربما فرحا في أنها لم تعد تطيق بقاءهم,لأنهم يسببون مشاكل للآخرين الذين يسعون وراء مصالحهم الشخصية,ولا قيمة للوطن عندهم,ربما أن هؤلاء جاؤوا قبل موعدهم فعاشوا غرباء,فكان الرحيل المبكر اشرف لهم من البقاء في زمن تداس فيه المقدسات وتنتهك الحرمات.الحاضرون أحق بالرثاء,فهم أموات يمشون على الأرض,مغشي عليهم,لا يدركون ما يفعلون,بل يظنون أنهم يعيشون حياة البرزخ.امة لا تُجِدْ سوى الرثاء,أصبحت بيئة لشذاذ الآفاق,فتداعت عليها سائر الأمم.