أضواء على أدب ال facebook – ألدلالاتُ الكونية وحميمية الخطاب الأسَري لدى الشاعر عماد عبد اللطيف سالم -ليث الصندوق

– أضواء على أدب ال facebook –
ألدلالاتُ الكونية وحميمية الخطاب الأسَري لدى الشاعر عماد عبد اللطيف سالم
ليث الصندوق

لم تعد مواقع التواصل الإجتماعي منصات للثرثرة وصيد المغفلين وإشاعة الفتن ونشر الأكاذيب وإسقاط الخصوم فحسب ، فبالرغم من أنها لم تسلم من الثغرات التي تسهل نفاذ تلك العيوب إليها والتي صارت سمة أساسية ومؤسفة من سمات انتشارها وسهولة ارتيادها ، إلا أن تلك المواقع – وتلك حقيقة لا مناص من الإقرار بها – هي في الوقت ذاته منصات لمواهب تستحق التوقف ، بل ولمنتجي ثقافة حقيقيين ارتأوا أن يعدلوا اتجاه عجلة تلك المواقع واستخدامها للتعويض عن قلة دور النشر ، وارتفاع أسعارها ومحدودية انتشارها ، وكذلك للتعويض عن انحسار دور الثقافة الورقية . وبالرغم من أن متابعة النتاج الثقافي في كل المواقع الاجتماعية ، أو حتى متابعته في وأحد منها متابعة دقيقة ومتواصلة هو أمر لا يقل استحالة عن متابعته في كل المواقع الثقافية الالكترونية ، وفي كل وسائط الاتصال الأخرى ، إلا أن محدودية المتابعة لا تعدم أن تكشف نقاط الإضاءة التي تشيعها بعض الكتابات المميزة لمبدعين اختاروا هذا المنفذ للوصول إلى القراء .
أعترف بأني لست من متابعي مواقع التواصل الاجتماعي المزمنين ، وأن وجودي محدود جداً في موقع واحد بعينه هو ال ( facebook ) ، وحتى في هذا الموقع لا يتعدي دخولي بضع دقائق ما بين يوم وآخر ، لأسباب لا علاقة لها بمستوى الكتابات أو الموقف من الكتّاب ، وأنا هنا لا أبحث عن مسوغات تقيني عتب الأصدقاء الذي قد يرقى أحياناً إلى سوء الظن ، حسبي أن أقول أنها أسباب شخصية تماماً لا تُلزم أحداً سواي . وبعيداً عن هذه الذرائع فلطالما واتتني فرصة النشر والمتابعة والتفاعل مع كتاب الموقع على فترات متباعدة .
ومع اتسام علاقتي بالموقع في أحسن حالاتها بالبرود ، إلا أن ذلك البرود كثيراً ما تبدده أجواء من الصحو والدفء تشيعها كتابات تضطرني – بالرغم من طولها أحياناً ، والذي لا يتناسب مع موقع سريع وعابر – للتوقف والتمحيص ، ومن ثمّ الإعجاب ، وأعني بالكتابة هنا الكتابة الإبداعية في مجالات الأدب تحديداً . بعض تلك الكتابات لأدباء قرأت لهم ، وأعجبت بهم من قبل أن أتعرف على الموقع ، والبعض الآخر من تلك الكتابات لأدباء لم أقرأ لهم من قبل ، وجاء الموقع ليعرفني بهم ، ويسعدني – أو يُسعد القراء الآخرين – بإنجازهم .
في هذا المقال سأختار الكتابة عن أحد شعراء أو كتاب ال ( facebook ) وهو الشاعر والكاتب عماد عبد اللطيف سالم ، على أن أواصل الكتابة في مقالات أخرى عن أدباء آخرين . ولكن قبل الدخول إلى الموضوع لا بدّ من الإشارة إلى ملاحظتين :
– الأولى ، أنّ جميع نصوص الشاعر على الموقع غير معنونة ، وقد عمدت إلى ترقيمها لتيسير متابعتها مع الملاحق التي تتضمن نصوصاً مختارة له .
– ألثانية : إن الفصل ما بين عماد عبد اللطيف سالم الشاعر ، وعماد عبد اللطيف سالم الناثر أمر عسير ، وكذلك الفصل ما بين نصه الشعري ، ونصه النثري ، وذلك في ضوء تداخل الإجناس والأنواع ، وفي ضوء اتساع مساحة الانزياحات ، وشعرية اليومي والعادي ، بل وحتى المبتذل . ومع ذلك سأشير إليه ب ( الشاعر ) إنحيازاً لشعرية النص ، أكثر منها توصيفاً شخصياً .
تمتدّ معرفتي بالشاعر إلى أكثر من أربعين عاماً ، أي إلى زمن الدراسة الجامعية ، فقد كنا طلاب كلية واحدة مع اختلاف تخصصينا ، ومنذ ذلك الحين ، وحتى اليوم يمكنني وضع وصف عام للرجل ، أنه ببساطة نوع من الأدباء الذين يجوز تسميتهم بالأدباء غير الرسميين الذين لم يخرجوا من تحت معاطف المؤسسات الثقافية والإعلامية ، ولم يحصلوا على التزكية من إتحاد الأدباء ، ولم ينشروا كتاباتهم في الصحف أو الدوريات الورقية المتخصصة بالأدب ، بل ربما هم لا يطمحون بنشر مجاميعهم الشعرية الخاصة . ومع ذلك فقد استحق الرجل توصيف الشاعر مكتسباً شرعيته الإبداعية من اتساع مساحة انتشاره ما بين أعداد غفيرة من قراء المواقع الالكترونية الثقافية البارزة ، والمواقع الألكترونية الاجتماعية ، وتحديداً موقع ال facebook ، وجل قرائه من غير الأدباء ، لكنهم ينتمون إلى مثقفي الطبقة الوسطى من الطلبة والموظفين والمهنيين من مختلف الاختصاصات ، ولا تخلو قائمة قرائه والمعجبين به والمتفاعلين معه في الموقع المذكورمن أسماء أدبية معروفة ولامعة .
تتسم كتابات عماد عبد اللطيف سالم بالعفوية ، وتحاشي الحذلقة الشكلية ، والتراكيب اللغوية المعقدة ، والمواضيع الغريبة عن المجتمع العراقي ، بله والبغدادي في نسخته الشعبية . وإذا ما اضطر أن يتناصّ مع الموضوعات الأخرى فلكي يُعرّقها ، أي ينقلها من مجالها الدلالي إلى مجاله الخاص . وبمعنى آخر أن كتابات الشاعر تنتمي إلى إدب الشارع ، وهو أدب موجه لقاريء بكر ، يقرأ بحواسه وبذائقته ، ويقوّم ما يقرأ بموازينه العاطفية ، وهدفه من القراءة هو الإستمتاع وتهذيب الروح . أنه قاريء غير مُلم بأسرار اللغة والبلاغة ولا تهمه المدارس الأدبية ولا يتعاطى مع محددات الأجناس والأنواع ، ولم يشارك في سجالات الأدباء أو نزاعاتهم ومعاركهم مؤيداً أو معارضاً ، ولم يغير اتجاه بوصلته الروحية النقية تبعاً لبوصلات المؤيدين أو المعارضين .
يدخل عماد عبد اللطيف سالم عوالم الشعر من كل الأبواب ، باب القصّة ، باب المقالة ، باب التعليق والتعقيب ، باب الخبر الإعلامي السريع ، بل وحتى من باب الخبر العلمي الصرف ، كل المنافذ أمامه مفتوحة ، وكل مادة لغوية تتحول بقدرة سحرية إلى شعر . وإن كانت المنافذ الثلاثة الأولى من الأربعة تجمعها بالشعر أصرة اللغة ، إلا أن المنفذ الرابع لا علاقة له باللغة ولا بأدواتها البلاغية إلا من حيث أنها وسيلة للتعبير والتواصل . وبالتالي فأن النفاذ عبر موضوعية العلم إلى ذاتية الشعر مرهون بموهبة مدربة لخرق معياريته ، وتطويع منطقه لرغبات الذات ، وفتح بوابات نصه المغلق للقراءة والتأويل . وتتأتي كفاءة الدربة من المقدرة على جمع مجالين متناقضين معاً ، أي العلم والفن . ففي حين يلتقي المجالان في كونهما يمثلان شكلين من أشكال الوعي الإجتماعي ، إلا أنّ ( قوة المعرفة العلمية تكمن في طابعها العام ، وكليتها ، وضرورتها ، وصدقها الموضوعي ) ( 1 ) بينما يعدّ الفن ( تعبيراً خارجياً عما يحدث في النفس من بواعث وتأثيرات ) ( 2 ) . وإن كان الشاعر يقف عملياً في منطقة وسطى ما بين المجالين باعتباره أستاذاً جامعياً متخصصاً في الإقتصاد ، وهذه المنطقة أكثر مرونة من العلم ، وأقلّ مرونة من الفن ، واللعب على الأكثر والأقل يَسّر له النهل من المنبعين ، فهو من الفن يستقى حريته في الاختيار ، وفي وضع الحلول والبدائل ، وهو من الناحية التحليلية يستقي من العلم حياديته وموضوعيته . ومع كل تلك التداخلات المنهجية ، إلا أنّ الشاعر لا يسمح بتتبع أثر مصادره المعرفية ، بل هو يسعى من أجل أن يمنح لنفسه حرية تمويهها وخلط معطياتها خلطاً يمكنه من إعادة إنتاج دلالاتها من جديد في شكل مادة نهائية مقروءة لا تُحسب على أيّ من الدلالات الأم .
فمن أجل كشف مدى معاناته الخاصة منذ لحظة ولادته ، مروراً بموت أبيه ، ومن ثمّ معاناة اسرته في خوضها تجربة اليتم حتى نهايتها ، ومن أجل إقناع قارئه بفداحة تلك التجربة ، يُمعن الشاعر في المبالغة وذلك بتوظيف الخبر الذي هزّ الدوائر العلمية مقروناً بأول صورة تلسكوبية لثقب أسود ، مستدعياً دلالاته من الفضاء الكوني البعيد ، بل من أبعد مستودع دلالات في الكون ، ومن ثمّ عاكساً تلك الدلالات على واقع تجربته القريب ( ألنصّ الأول ) . وهذا النص مكون من مستويين صوتيين :
ألمستوى الأول : 
مخصص لصوت المتكلم / الشاعر ، وفيه يحدد لحظة ولادته كزمن لأول معرفته بالثقب الأسود ، وهذه المعرفة مبنية على معطيين أثنين :
– المعطى الأول : هو معطى دخول ، مرتبط بالشاعر نفسه ( دخلت أول ثقب أسود ) ، وهذا المعطى يجعل من المعرفة فعل بعدي اعقب الدخول بالرغم من ان الأولى جاءت قبل الثاني نصياً . وهذا الثقب هو الصيغة الاستعارية لمحنة الوليد في لحظة ولادته جراء معاناته من شحة الحليب .
– ألمعطى الثاني : هو معطى معرفي تحقق بصيغتين ، الأولى مقرونة بمعطى الدخول / المعطى الأول ( وقد سبقت الإشارة إليه ) ، والثاني تحقق عن طريق النظر ، أو الاكتشاف بالنظر ( رأيت ثقباً أسود في عينيه ، وجيبه الفارغ ) . والصيغتان مرتبطتان ببعضهما ارتباطاً جدلياً يجعل من الصعب فصل النظر عن المعرفة أو العكس .
ألمستوى الثاني : 
في السطر الأخير من النص تنتقل لغة الخطاب الى المستوى الصوتي الثاني الذي يتميز بتحوله من صوت المتكلم المفرد إلى صوت جماعة المتكلمين . ومن الواضح أن هذه الجماعة المتكلمة هم أخوة الشاعر الذين تحولوا بعد لحظة اليتم مباشرة إلى ثقوب سود ، تدل على ذلك مرجعية تملكهم ( عاطفياً ) إلى أمّ واحدة ، كما تدل على ذلك أيضاً صيغتي الفعلين ( تجمعنا ، وتحتفظ … بنا ) بفاعليهما المستترين اللذين هما فاعل واحد / الأم ، وبمفعوليهما اللذين يعودان لجماعة المتكلمين .
تتكرر عبارة الثقب الأسود ( بصيغة المفرد ) أو الثقوب السود ( بصيغة الجمع ) أو كلمة الثقب ( بصيغة ألمفرد المجرد من الصفة ) ، تتكرر خمس مرات ، أي مرة واحدة في كل سطر من السطور الخمسة التي هي عدد أسطر النص . والملاحظ أن دلالات الصيغ ليست ثابتة ، وأنها تغيرت ما بين السلب والإيجاب وكالتالي :
ألدلالات السلبية :
وهي التي تكشف عنها السطور الأربعة الأولى والتي تحيل إلى :
– ألسطرين الأول والثاني : قساوة معاناة الوليد لحظة الولادة ( شحة الحليب )
– ألسطر الثالث : معاناة الأب الذي كان هناك ثقب أسود في ( عينيه ، وجيبه الفارغ )
– ألسطر الرابع : معاناة الأم جراء ثقل التركة التي تحملتها بعد موت الأب ، واستثناء قلب الأم من الثقوب السود ( كانت لدى أمي ثقوب سود كثيرة ، إلا في القلب ) هو استثناء لمّاح أراد منه أن يوجه دلالة الثقوب السود تبعاً لموقعها من جسد الإنسان ، فحين تكون تلك الثقوب في القلب فهي دلالة على البغض والكراهية ، وحين تكون في موضع آخر سواه فهي دلالة على الهموم .
ألدلالة الإيجابية : 
لكنّ دلالات الثقوب السود السلبية تتحول في السطر الأخير إلى دلالة إيجابية – ولو بالنسبة للأم – التي كانت تجمع أبناءَها وتحتفظ بهم ( مثل ثقوب سود صغيرة ) إعتزازاً بهم ، وحباً لهم . أو يمكن قراءة هذه الدلالة من منظورين ، منظور جماعة المتكلمين ، وهو منظور سلبي في ضوء وصف الجماعة لنفسها بالسواد ، والمنظور الثاني النقيض للمنظور الأول ، وهو منظور الأم الذي يتسم بالإيجابية في ضوء جمعها واحتفاظها بالثقوب السود / الأبناء .
وبذلك فأن الانتقال منطقياً – وليس نصياً – عبر ثلاث مراحل من ( الدخول – المعرفة – الرؤية ) أفضى في النهاية إلى تحول الواحد / المتكلم إلى جماعة / المتكلمين ، وكفل لهم جميعاً أن يتحولوا بدورهم إلى ( ثقوب سود صغيرة ) هي من ممتلكات الأم ، أو هي أرثها الوحيد من الراحل / الأب ( تجمعها ، وتحفظها هناك ) من دون تحديد موقع الحفظ ، ولا زمنيته ( إلى ما بعد الأبد ) ، تاركاً افق التأويل مفتوحاً لتعدد القراءات .
وتوظيف دلالات الخبر العلمي ، أو تفكيكه إلى وحدات صغرى ( الثقوب ) واستثمار اللون ( الأسود ) والحجم ( الصغير ) ومن ثمّ إعادة بناء تلك العناصر لغوياً وبلاغياً من جديد ، وعكس دلالاتها من مجالها الكوني اللانهائي ، على مجال العائلة المحدود جداً ، أو على مجاله الشخصي الأكثر ضيقاً وتحديداً ، هي لعبة الشاعر ، ولكنها لعبة تبدأ في أبعد مستودع دلالات في العالم في الفضاء الكوني البعيد ، وتنتهي في حارة شعبية منسية ، وبيت صغير ، واسرة تعاني اليتم والعوز . وعدا تلك اللعبة الكونية ، فالشاعر قلما يغادران تلك الحارة ، وذلك البيت ، وتلك الأسرة ، ومن هذا الثلاثي المحزون تسربت إلى ذات الشاعر نبرة حزن شفيفة يتعاطى معها بسخرية وتفكه كما في ( النص الثالث ) .
يستند هذا النص على ركيزتين ذاتيتين ، الأولى هي الكسل ، والثانية هي الحزن ، وسرعان ما يغفل الشاعر عن الركيزة الأولى / الكسل ، مبقياً استناد النص حتى نهايته على ركيزة واحدة هي الثانية ، وسيكتشف القاريء أن اعتماد ركيزة لنص ، ومن ثمّ إغفالها مباشرة ليس سوى محاولة من الشاعر لاتخاذ تلك الركيزة وسيلة لتبديد كثافة أحزانه ، وتخفيف وطأتها على قارئه . ومع ذلك لا تعدم الركيزة الغفل أن تبث إيحاءاتها حتى بعد إغفالها في طيات النص .
وعلى العكس من ذلك يتمسك الشاعر بالركيزة الثانية كتمسك الحرّ ( بعدوّ له ما من صداقته بدّ ) ( 3 ) ، مقلباً مظاهرها وأسبابها التي قد تكون أحياناً لاشيء ( أنا أحزن أحياناً للاشيء ) ، أو قد تكون وراء أداء الشاعر لدور المحزون دوافع خبيثة ( أو قد أقوم بإعداده بخبث لاستدرار العطف على روحي ) مع ملاحظة عدم فعالية أو شعرية الفعل ( أقوم ) وأرى أن حذفه أجدى لتكون الجملة من دونه ( أو قد أعدّه بخبث … ) .
وهروباً من تلك ( العيوب الشنيعة ) ، أو الهروب من دائرة الحزن المرسومة بخبث ، ما على الشاعر إلا أن يحتال على نفسه وفق خطة تُلزمه بالعودة إلى تقنيته الإنعكاسية في نقل الدلالات من مجالها البعيد إلى مجاله الخاص . وبكل بساطة يستحضر من المجال السينمائي وجه الممثلة الإيطالية الحسناء ( مونيكا بيلوشي ) أو بالأحرى أن القرينة التي استدعت هذا التشبيه هو الجمال ، أو جمال وجه المرأة التي ارتطمت به مصادفة في الطريق .
والمقاربة الناجمة عن الشبه ستُبقي المشبه / إمرأة الطريق حاضرة ، وتستبعد المشبه به / مونيكا بيلوشي ، ولكن عمليتي الاستحضار والاستبعاد المقرونتين بالمقاربة أو المطابقة الناجمتين عن الشبه أو الحقيقة ستعيدان الشاعر بالزمن إلى الوراء ، إلى زمن نشأة الكون ، وتحديداً إلى زمن الانفجار العظيم قبل ما يقرب من أربعة عشر مليار سنة ، وذلك الإستدعاء الإنعكاسي المركب من مجالين بعيدين إولهما مجال السينما ، وثانيهما أكثر بعداً ، وهو مجال الفيزياء الكونية ليس سوى محاولة لإبقاء وجه إمرأة الطريق يحوم فوق سرير الشاعر ( منذ الانفجار العظيم وحتى هذه اللحظة ) ويلاحظ أن التزمين هو بعكس الحدث ، فهو يبدأ من قبل رؤية وجه إمرأة الطريق بمليارات السنين ، ويمتدّ ( إلى هذه اللحظة ) والتزمين الأخير مفتوح للتأويل ما بين لحظة الكتابة ولحظة القراءة .
وإن كانت خطة الاحتيال على الحزن ألزمت الشاعر العودة إلى تقنيته الإنعكاسية في نقل الدلالات من مجالين بعيدين ، مجال السينما في نسخته الإيطالية ، ومجال الفيزياء في نسخته الكونية / الإنفجار العظيم – ويمكن اعتبار هذا الأخير هو أبعد مستودع للدلالات الزمنية في العالم – إلا أن صياغة علاجات جديدة ونهائية بعد أن فشل علاجات أطباء ( القلب والعيون والنفس ) كانت توجب عليه العودة مجدداً إلى الآلية التي سبق اتباعها للاحتيال على الحزن ، أي استدعاء تقنيته الإنعكاسية ثانية من مجال بعيد عن موضوعة الحزن التي تنتمي إلى عوالم النفس ، والمجال الجديد الذي سيستجلب منه الدلالات الجديدة هو مجال مكانيّ . وبقدر ما أن مرجعية المكان الجديد بعيدة عن مرجعية عالم النفس ، إلا أنها قريبة من منطقة سكن الشاعر في منطقة ( الأربع شوارع ) أو هكذا يسميها سكنتها في حي اليرموك ببغداد . أي أن المجال الجديد ضمن مدى بصر الشاعر ، أي أنها من أقرب مستودع دلالات إليه ، لذلك كان استدعاؤه ميسوراً ، وممهداً لوضع نهاية لقصص الأحزان التي كانت ( غير قابلة للزوال ، إلا في نهاية اليوم الثاني ل – الفاتحة – التي سيحضرها بعض الرجال غصباً ، في جامع – البرّ الرحيم – في – الأربع شوارع – ) .
بيد أن تقنيات الشاعر الانعكاسية لا تستجلب دلالاتها من نظريات العلم وأخباره ، ولا من مجالات الفن والمكان والزمان فحسب ، بل أن كل مجالات الحياة مفتوحة أمام الشاعر ، ومن بينها المقولات الفكرية والفلسفية والمواقف المبدئية التي صارت علامات تحول وغيرت مجرى التاريخ ، كما في ( النص السابع ) حيث أنّ الشاعر لا يستدعي تلك المقولات والمواقف ليثبت صحتها كما يُفترض ، بل – وتلك مفارقة – ليثبت خطأها بعد تغير الظروف التي أملتها ، وبعد أن صارت لمن يبحثون عن نتائج مادية مجرد نظريات منتزعة من إطاريها الحياتي والمعرفي . مؤكداً أن نقيضها هو الأسلم والأصوب ، صائغاً خطابه النقيض بصيغة الأمر ( لا تفكّر / كن عنيفاً مع الآخرين / أترك أعداءك السابقين يلعقون حذاءك / مرّغ كرامتهم بالوحل / لا تتسامح / خذ فائض القيمة / راكم رأس المال / لا تمنح العامل أكثر من أجر الكفاف / لا تقلق ) .
ومن الواضح أن نقض الشاعر للمقولات ليس لخلل فيها ، أو لرغبة فوضوية في النقض ، أنما للتأكيد على تراجع القيم ، واختلال المفاهيم ما بين عالم المثال النقي والعظيم ، وعالم الواقع الزائف والمدنس . هذا الفارق الشاسع ما بين العالمين هو الذي جعل من الموازنة ما بين العنف والخنوع للمحتل البريطاني من جهة ، وما بين نضال غاندي السلمي من جهة أخرى تختلّ لصالح الطرف الأول ، وهذا الإختلال هو من أجل تحقيق هدف غاية في التفاهة مفاده عدم تكرار تجربة غاندي في العري والحفاء . وهذا الفارق ما بين المثال والواقع هو أيضاً الذي اختصر نضال مانديلا الطويل بابتسامة وبقميص مشجّر هما معاً الثمرة الوحيدة التي جناها مانديلا من سنوات السجن والنضال الطوال .
لكن النتيجة أحياناً لا تتوافق مع المقدمات ، أو أن ختام القصيدة لا علاقة له ببداياتها ، فقد ترك الشاعر المفكرين والفلاسفة والقادة الإجتماعيين والسياسيين الذين نقض مقولاتهم ومواقفهم في المقاطع الأولى من نصه ، وتبع خطى حبيبته ( بثوبها الأزرق المنقط بالأبيض ) الذي لبسته في أكثر من نص من دون أن يبلى أو يتسخ .
ولعل من علامات الإستدعاء الفارقة ، أنّ الشاعر لا يستدعي البعيد إلى القريب فحسب ، بل يكاد يكون مقيماً في القريب ، يتواصل معه تواصل العضو مع الجسد ، وأقرب القريب إليه هم أفراد أسرته والأقربين منها الذين كثيراً ما حضروا بتفاصيل شخصياتهم المميزة في نصوصه ، حتى ليصح أن نسميه شاعرَ الأسرة الشعبية العراقية بحق .
وفيما يلي عينة من بعض الشخصيات القريبة إلى الشاعر أسرياً الذين ورد ذكرهم في كتاباته :
– كتب الكثير عن أمه ، وعن صبرها وجلدها بعد وفاة ربّ اسرتها .
– كتب عن نفسه باعتباره ( رئيس السن ) في برلمان العائلة .
– ذكر إبنه الذي نصحه بعد تدخين السكائر
– ذكر أخيه الذي يسكن مع أمه .
– ذكر كنّات أمه واصفاً إحداهن بالعقرب والأخريات باللافقريات ، والوصفان يتسمان بالظرف أكثر من اتسامه بالبغض ، ويبدو أنهما تسللا إلى قاموس الشاعر من خارجه ، وتحديداً من الأم ( الحماة ) .
– ذكر وحيد إبن خالة أمه الذي دفن ثلاثة أرباع العائلة في الشيخ معروف
– ذكر شقيق جده غفوري الذي مات بقلب أخضر من فرط الخذلان
– ذكر خالته وفية
– ذكر إبنة خالته حسيبة
– ذكر عمّه محمد
– ذكر عمه حميد الذي لم يعد قادراً على صيد السمك
– ذكر إبن خالته خالد الذي لم يعد يصحح معه مجلة ( التربية الإسلامية ) .
– ذكر حفيده الزاحف تواً .
وخرج من دائرة الأسرة إلى الدائرة القريبة منها فذكر الكثيرين ، وفيما يلي عينة مما ذكر من تلك الدائرة :
– ألست سريّة معلمة الخيزران في حضانة الكرخ .
– القابلة ( الجدّة غزية )
– ألمدرس الأستاذ عبد الوهاب
– مهند ( أبو الخط )
– طلابه في الكلية الذين ليسوا في كامل قواهم العقلية
– جاسم ( أبو المولدة )
وما بين القريب والأقرب تكتسب الأماكن حميميتها وألفتها من حميمية وألفة الساكنين فيها في ترابط حيّ وفاعل ومتين ما بين الأسرة القريبة ، والدائرة الإجتماعية المتصلة بها ، والأماكن التي عاش فيها كل هؤلاء او اقترنوا بها بشكل ما . ومن الأماكن التي تردد ذكرها في نصوص الشاعر ( سوق حمادة و الرحمانية والشيخ معروف والحرية الأولى والعطيفية الثانية وشارع أبو نواس والسعدون والدورة ) . وبعد تلك الأماكن الشعبية جاء دور حيّ اليرموك ، والشوارع الأربعة أو ( الأربع شوارع ) ، وللانتقالة الأخيرة في المكان دلالة اجتماعية في حياة الشاعر والرجل العصامي والكادح ، وفي النصوص اكثر من تلميح وإشارة لتلك الدلالة .

ملحق ببعض كتابات الشاعر 
ألنص الأول :
أنا أعرفُ الثقوبَ السوداءَ منذُ الولادة.
دخلتُ أوّلَ ثُقْبٍ ، عندما كانَ الحليبُ شحيحاً.
وعندما ماتَ أبي ، رأيتُ ثقباً أسودَ في عينيهِ الدامعتينِ ، وجيبهِ الفارغ.
وكانَت لدى أُمّي ، ثقوبَ سوداءَ كثيرة .. إلاّ في القلب.
كانت تجمعنا ، مثل ثقوبَ سوداء صغيرة ، وتحتَفِظ الى مابعدَ الأبد .. بنا .. هناك.

ألنص الثاني :

أفضلُ شيءٍ يحدثُ لي ، هو أنْني أصحو على الفَورِ ، عندما تُداهمني الكوابيس
في كابوسٍ عاديٍّ .. اقتادني أشخاصٌ أعرفهم منذُ قرونٍ ، وربطوني الى نخلةٍ أُحبّها ، في بُستانٍ يعرفني ، وقالوا لي .. نحنُ آسفونَ لقتلكَ يا أخانا العزيز.
قلتُ لهم .. أنتم لا تستطيعونَ ذلكَ .. قالوا لماذا ؟ قلتُ لهم .. لأنّني سأصحو قبلَ ذلكَ بقليل.
و لهذا .. و قبلَ أنْ يثقبَ الرصاصُ نارنجةَ روحي .. صحوتُ .. وتركتهم هناكَ ، وحدهم .. يُطلِقونَ النارَ على القِدّاح.
في أفضلِ كابوسٍ لي .. أحببْتُ امرأةً لمدّةِ لحظاتٍ .. فجاءتْ في موعدها لتُقابِلُني رِفْقَةَ رجلٍ آخرَ .. فصحوتُ على الفورِ نكايةً بها ، وتركتها تتزوّجُ ذلكَ الرجلَ الأبلَهَ .. في الكابوس .
وفي أسوأ كابوسٍ لي ، طارَدَتْني كلابٌ عملاقةٌ .. فوصَلْتُ الى حافّةٍ جُرْفٍ .. وبدأتُ أعوي ، وأزحَفُ .. وعندما بدأتْ الكلابُ بنهشي .. صَحَوت.
في كابوسٍ آخرَ .. كنتُ أُراقِبُ حشداً من الناسِ صباحاً ، يُغَنّونَ أُغنيةً لفيروز.
فجأةً .. توقفوا عن الغناءِ ، وصاحوا : ماتَتْ فيروز .
صحوتً على الفورِ لأنّي .. لا أُريدُ أنْ أعرفَ ماذا سوف يحدثُ لي ، في الصباحِ التالي ، لموتِ فيروز.
وهكذا .. كنتُ أصحو دائماً في الوقتِ المُناسبِ ..
إلى أنْ جاءني يوماً كائنٌ يشبهُ حاكِماً أحمَقاً .. وأقتادني الى كهَفٍ رأيتُ فيهِ جميعَ الذينَ كنتُ أعرفهم سابقاً وهُم يسردونَ لبعضهم قصصَ القهرِ القصيرةِ جدّاً .. وكلبهُمْ وحدهُ صامتٌ ، يُحَدِّقُ في وجهي بعيونٍ دامعةٍ منَ الخوفِ ، ويسألني إنْ كان في جيبي “وَرِقٌ” يصلحُ للعشاءِ الأخيرِ .
فعرفتُ عندها ، أنَّني لن أصحو من الكوابيسِ في الوقتِ المناسبِ ، فيما سيأتي من الليلِ ..
وأنّني .. سأنامُ أخيراً ، نوماً يليقُ بقتيلٍ شارد الذهنِ ، تحتَ نخلةٍ في بستان أهلي .. و برجلٍ غادرتهُ امرأةٌ لم يتذوّق قمحها بعدُ .. وبفيروز التي كانت ما تزالُ تُغنّي ، وكنتُ ما أزالُ أسمعها ، بينما كانت الكلابُ أسفلَ الجُرْف ، تنهشُ قلبي.
كنتُ أعرفُ أنّني ..
سأبقى هناكَ طويلاً
في ذلكَ الكهَفِ الشاسعِ
وأنّني ..
سأجمعُ فيهِ ما تيسَّرَ لي
من بنادق أهلي
لأتعَلَّمَ إطلاقَ النارِعلى القِدّاح
في نارنجةِ روحي .
ألنص الثالث :
أنا كسولٌ حدَّ اللعنةِ .. و حزينٌ حدَّ الموت
لا علاجَ لحُزني .. وليسَ لهذا الحزنِ سببٌ مُحدّد.
أنا احزنُ أحياناً ، للاشيء .. ولا ينقصني سوى أنْ أخرجَ الى الناسِ ، شاهِراً أسايَ في وجوههم ، و”لاطِماً” دونَ معنى .
ولكنّني لا أبكي . لا أذرِفُ دمعةً واحدةً لا على نفسي ، ولا على أحدٍ سواي.
هذا يجعلُ حُزني ، حتّى بالنسبةِ لي ، مثاراً للريبةِ ، وقابلاً للنقض.
هذا الحزنُ قد يكونُ حُزناً مُلَفّقاً.
حُزنٌ أقومُ باعدادهِ بخُبث ، لاستدرار العطفِ على روحي.
ومع كلّ هذه العيوبِ الشنيعةِ .. فإنّني أبتسِمُ على الفور لأيّةٍ أمرأةٍ تُصادفني في أيّ مكان .. حتّى وإنْ كانَ وجهها المُلتَبِسْ ، يشبهُ دهراً منَ الهَجْرِ غيرِ المُبَرَّر.
وعندما اسمعُ جارتي البيضاءَ كالحليب ، بأصابعها الطويلةِ جدّاً ، وهي تشتمُ زوجها بصوتٍ عالٍ ، خمسَ مرّاتٍ في اليوم .. أعيشُ بسعادةٍ غامرة ، لمدّةِ خمسة أشهر.
أمّا اذا ارتطمَتْ بي امرأةٌ صُدفةً في الطريق ، مثل نجمة ، فإنّ رائحتها تبقى لصيقةً بي سنينَ طويلة .. وفستانها الأزرق المُنَقّطِ بالأبيض ، يبقى “مشروراً” لقرونٍ فوق قلبي.. ووجهها الذي يشبهُ دائماً وجهَ “مونيكا بيلوتشي” ، يبقى يحومُ فوق سريري ، منذ الانفجار العظيم ، والى هذه اللحظة.
ذهبتُ الى طبيبِ القلبِ ، وطبيبِ العيونِ ، وطبيب النفسِ .. فبكى ثلاثتهم على حالي بدمعٍ غزيرٍ ، وأوصوني بـ “التعايِشِ” مع الحالِ ، لأنّ هذه القصص القصيرةِ جدّاً ، غيرُ قابلةٍ للزوالِ ، إلاّ في نهاية اليوم الثاني لـ “الفاتحة” ، التي سيحضرها بعضُ الرجالِ غَصْباً ، في جامع “البرِّ الرحيمِ” ، في “الأربعِ شوارع”.
هذه “الفاتحةُ” لن تحضرَها (ولا أدري لماذا) أمرأةٌ واحدة من نساءِ “الشوارعِ الأربعِة” في جهات الكونِ الأربع ، اللواتي ارتطمنَ بي صُدْفةً في لحظةٍ ما ، مثل نيزك ، وماتزالُ رائحتهُنَّ لصيقةً بي ، منذُ الانفجار العظيم ، وإلى هذه اللحظة.
ألنص الرابع :
يحدثُ هذا في “أرْذَلِ” العُمْر .. في هذا الجزءِ من العالم ..
(ملاحظة تمهيديّة هامّة : لم يُكتَبْ هذا النصّ لـ “الشيّابِ” و الـ “الشايبات” ، المُتفائلينَ والمُكابرين ، الذينَ يَدّعونَ “زوراً وبُهتاناً” أنّ الشبابَ هو شبابُ الروح ، وأنّ التطلّعات المُريبة لـ “القلب الأخضرِ” ، لا تقفُ عند عُمْرٍ معين . قد يكونُ هذا صحيحاً في أماكنَ أخرى من هذا الكون ، ولكنّهُ هُنا، خطأٌ شنيع . لذا أنصَحُ هؤلاءِ “الفِتيةِ” الذين يؤمنون بقدراتهم الشبابية “الخارقة” ، بمنع أرواحهم”الخضراء” من الاطّلاعِ عليه).

(النصّ)

نزعتُ غطاءَ القلمِ “السوفت” بفمي ، وأبقيتهُ مُعَلَّقاً هّناك ، وبدأتُ الكتابة.
بعدما انتهيتُ من الكتابة ، بحثتُ لأكثرَ من نصفِ ساعةٍ عن غطاءِ القَلَمِ في “مساماتِ” البيتِ كافّة ، فلم أعثر عليه.
وبينما كنتُ راكِعاً بخشوع ، لعلّي أجدُ الغطاء تحتَ “القَنَفَة” ، جاء حفيدي الزاحفِ تَوّاً ، وبَحلَقَ في وجهي الأبله ، وسحَبَ الغطاء من فمي باحدى يديه ، مُتّكِئاً على الأخرى ، ثُمّ استأنفَ زحفهُ العظيم ..عليهِ اللعنة .
*
هذه “حادثةً” واحدة . وبطبيعة الحال فإنّ هناكَ “حوادث” أخرى ، كثيرةٍ ومؤسفة ، تحدثُ لمن هُم في أرذل العُمْر ، قد تكونُ أكثرُ أهميّةً وخطورةً وإحراجاً من هذه ، لا استطيعُ البوحَ بها هنا ، ويعرفها جيّداً ، من يعيشونَ “أرذَلَ العُمْرِ” مثلي.
أن تموتَ بكرامة ، ما أن تبلُغَ الستّينَ من العُمْر ، هو شيءٌ أفضلُ بكثيرٍ من أنْ تعيشَ “مرذولاً” بعد الستّين.
ولأنّ هذا أمرٌ يخصُّ ربّ العالمين وحده ، فأنا أبتَهِلً اليهِ ، بخضوعٍ تامٍّ لمشيئته ، أنْ يستعيدَ”أمانتهُ” التي أودعَها لدينا ، قبلَ أنْ نعود الى الزمنِ الذي كُنّا نرتدي فيه “الحفّاظاتَ” ، بكرامةٍ طفوليّةٍ كاملةٍ ، وغير منقوصة.
*
إنّ مُجتمعاتنا ، و “دُوَلنا” ، و حكوماتنا ، و”مؤسساتنا” التعليميّة ، لا تحتفي بكبار السنّ ، بما يليقُ بخبراتهم العلمية والمهنية ، أو بما يحافظ على الحد الأدنى من كرامتهم الشخصية (كبشرٍ عاديّين) ، ولم تضع اطاراً قانونياً ، شاملاً وكافياً ومُتكاملاً ، ينظّمُ كلّ ذلك.
و تاريخنا السياسي ، و”الأكاديمي” ، زاخرٌ بالعديدِ من القصص المؤسفة ،عن النهاية الكارثيّة لعقولٍ جميلةٍ طواها الأهمالُ والتهميشُ والنسيانُ ، وطالتها أدواتُ البطشِ والتنكيلِ للسلطات الحاكمة ، والبعضُ منها ظلّ هائماً في الشوارعِ ، مُلَطّخاً بفضلاتهِ ، إلى أنّ مات.
في هذا الجزء من العالم ، لا تتمُّ العناية ُ بكبار السنّ (سواء كانوا من الناس العاديّين ، أومن المُتمَرّسينَ في مُختلف الاختصاصات) إلاّ اذا كانوا يمُتّونَ بصلةٍ ما لسياسيّنَ “كبار” ، أو مُقرّبينَ من سماسرةٍ يُجيدونَ فنونَ”التخادُم” (الذي يُزاوِجُ ما بينَ السياسة والاقتصاد) ، أو تابعينَ لشيوخ عشائر مُتنفّذين ، أو أبواقَ مأجورة لأربابِ السُلطة ، وملوك الطوائفِ ، وتُجّار الحروب .
في هذا الجزء من العالم ، وفي أفضل الأحوال ، سيتمُّ استدعاء كبار السِنّ من المُختَصّينَ ، واستخدامهم كـ “ديكورٍ” حكوميّ .. وبعدها سيقولُ هؤلاء ما يودّون قوله ، للجهات التي قامتْ باستقدامهم .. وفي نهاية المطاف ، لنْ يُنصِتَ لهم أحد .. وسيسمحُ “النظامُ” المؤسسيّ القائم ، لصغار الموظّفين ، بالضحكِ عليهم.
أحياناً .. تسمعُ بعضُ الجهات الحكوميّةِ بموتِ هؤلاء . عندها ستمُدُّ يدَ المساعدة في تسويق لافتات نعيهم ، دونَ أن تُكَلّفَ نفسها عناء المشاركةِ في تشييعهم الى مثواهم الأخير ..
هذا اذا كان لمثل هؤلاء مثوى .. وكثيرون نعرفهم ، لم يكُنْ لهم مثوىً أخير ، في هذا الجزء من العالم
ألنص الخامس :
استيقظُ صباحاً ، وأنا أُحِبُّ كلّ شيءِ في هذا العالم ، بما في ذلكَ أولئكَ الذين كنتُ أكرههم في الليلة الفائتة.
وعندما أغادرُ البيت ، أكرهُ أشياءَ كثيرة ، تُصادفني في الشارعِ ..
بعضُ الناسِ ، السيّاراتُ ، المواشي ، الموظّفونَ والموظفاتِ الذين لا وظائف لهم ، الطلاّبُ والطالباتِ الذين يكرهونَ المدارسَ ، الغبارُ الأسنُ(الصديق “بول بريمر” يتساءلُ في مذكّراتهِ قائِلاً : من أينَ يأتي ، هذا الغبارُ اللعين ؟) ، الأشباحُ شاردةُ الذهنَ التي تعبرُ الشارعَ حيّةً بفعل المُصادفاتِ السعيدة ، الـ “الصَبّاتُ” الكئيبةُ التي تشبهُ العُزلة ، عربات الـ “هامفي” العاطلةُ ، التي تقفُ الآنَ في المحطّاتِ البائدةِ لباصاتِ “المصْلَحَةِ” ، حيثُ كان ينبغي أنْ تقفَ النساءُ القديماتُ ، اللواتي كانت تنانيرهنّ القصيرة تطيرُ عالياً كالحَمامِ ، فيجفلُ قلبي من شدّةِ الشَغَف.
أنا أيضاً ، أمشي في الشارعِ ، وأكرهُ نفسي.
لماذا يحدثُ هذا لي ؟
لماذا لم أعُدْ اتذكّرُ العراقَ في أناشيدنا “الوطنيّة” السابقة(حيثُ كانَ لنا مع كُلّ “قائدٍ” جديدٍ ، نشيدٌ وطنيٌّ جديدٌ)، و لم أَعُد أعشقُ الماءَ والنخلَ والرملَ ، و لَمْ أَعُدْ أُحِبُّ البطَّ الذي يسبحُ بالشطِّ، والسمكَ “المسكَوف” ، والصَمّونَ الحجريَّ ، وعبد الجبار عبد الله الذي كان صديقاً لـ “أنشتاينَ” ، و ماتَ من القَهرِ ، و (ناظم الغزالي) ، الذي مازالَ يبحثُ عن عيونها السودِ التي انطفأتْ قبل ستّين عاماً ، وخدَّها “القيمر” الذي أصبحَ مُرّاً منذُ زمانٍ بعيد ، و”العَمبَةُ الشريسيّةُ” الطائشة، و”العَرَقِ” الزحلاويّ العظيم.
تبدو أسبابُ الكُرْهِ ، لهذا الكَمِّ منَ الاشياءَ ،عميقة.
ومعَ كُرْهٍ راسخٍ مثلُ هذا .. ينبغي أن أموت .
لذا ، في المرّة القادمة ، التي سأغادِرُ فيها البيتَ صباحاً ، سأمشي في الشارعِ مثلَ “حَلاّجٍ” يائِس، يبحثُ في وجوهِ الناسِ عن الله .. وأشتمُ كُلّ من يُصادفني هناكَ طيلةَ الوقتِ .. وأُطاردُ المواشي ، وأركلُ أردافَ البنادق السائبة ، وأعَضُّ الأطارات النافقة لعربات “الهامفي” العاطلة .. إلى أنْ ينهمِرَ كُلُّ رصاصِ الكونِ على روحي.

ألنص السادس :
عضُ الناسِ ، لا يُمكِنُ نسيانهم
الجُندِيٌّ صديقي ، الذي كانَ يكرهُ الحربَ .. وماتَ فيها.
امرأةٌ أحببتها في زمنِ ما ، من أوّلِ نظرة .. ابتَسَمْتُ لها ذاتَ صباح ، في شارعٍ ما ، في مدينةٍ ما ، ولَمْ تَلْحَظ ذلك.
سيّدةٌ جميلة .. تبكي بشكلِ مُدهِش .. بينما أصابعها الطويلة ، تتقافزُ كالعصافير ، فوق فمها القصير.
عجوزٌ ضاحكةٌ ، تبيعُ اللبنَ الناشِفَ في “سوق حمادة” .. وتعودُ الى “الرحمانيّةِ” ، بعد الظُهر، بسبعينَ فِلساً .. تشتري بنصفها شعيراً ، لربِّ الحليب.
السِتْ “سِرِّيّة” .. مُعلّمةُ “الخيزرانِ” في “حَصّانةِ” الكرخِ .. التي كانتْ حتّى “طناطلُ” الدرابين تخافُ منها .. والتي كانت مع ذلك ، تغِضُّ الطَرْفَ عن أصابعي ، وهي تحِطُّ خِلْسَةً ، فوقَ أكُفِّ البنات.
“وحَيِّدْ” ، ابنُ خالةِ أُمّي .. الذي دفَنَ ثلاثةَ أرباع العائلة في “الشيخ معروف” .. وعندما مات ، لم يعرِف الرُبعُ الرابعُ بذلك .. إلاّ بعد انْ أخبرهُم “الشيخ معروف” بنفسه ، أنّ “وحَيِّدْ” الذي كان يدفنهم لوحده .. قد مات .
شقيقٌ جَدّي”غَفّوري” .. الذي ماتَ بقلبٍ أخضرَ ، من فرطِ الخُذلان.
خالتي “وَفِيّة”.. التي كانت وفيّةً حقّاً ، حتّى للريح .. وكانتْ تَئِنُّ في وجهِ السماواتِ ، وتَبْتَسِمْ لنا .. ومعَ ذلكَ خانَها الكُلُّ ، حتّى الحَمام ، الذي كانَ يلقُطُ قمحَ الشاحناتِ ،على امتدادِ الطريقِ، بين “الحُريّةِ الأولى” ، و “العطيفيّةِ الثانية”.
وأخيراً ، إبنةُ خالتي .. “حسيبة” ..
التي ظَلّتْ تُعاتِبُ اللهَ
إلى أنْ ماتَتْ
فلَمْ يَعُد بعدها للعِتابِ
أيُّ معنى
في التاريخِ اللاحقِ للعائلة.

ألنص السابع :
لا تُفكَّرْ
و ستكونُ موجوداً
أكثرُ بكثيرٍ مما كان يعتقدُ
السيّد ديكارت.
كُنْ عنيفاً مع الآخرين
و فَظّاً مع اخوانكَ “الهنود”
أو عبداً مُطيعاً للامبراطوريّة البريطانيّة
ولن تموتَ كـ غاندي
مُرتَدِيّاً قطعتينِ من الكِتّان الأبيض
وحافياً الى الأبد.
لا تتسامَحْ
حتّى مع الريح
وأترُكْ أعداءكَ السابقينَ
يلعقونَ حذاءكَ
و مَرِّغْ كرامتهم بالوحل
وأترُكْ ماندّيلا يبتسِمْ
بقميصِهِ المُشَجَّرْ
الذي لمْ يمتلِكْ غيرَهُ
إلى أنْ مات.
خُذْ “فائضَ القيمة”
و راكِمْ رأسَ المال
في جيبِكَ الشاسع
ولا تمنِحْ العاملَ أكثرَ من أجرِ الكفاف
ودَعْ كارل ماركس
يحلمُ بـ ثورةِ البروليتاريا
على دونالد ترامب.
الكونُ مُجْدٍ و جميل
ولا معنى للعَدَمْ
فلا تقلَق على شيء
ودَع سارتر
يُهاجِرُ من باريسَ التي لا قلَقَ فيها
الى مُدننا المُترَعة
بالقلق الوجوديّ العظيم.
هي موجودةٌ ..
وأنا غشيم
حبيبتي التي لا تكفُّ عن الغياب الذكيّ
و تتركني وحدي.
أنتَ تُحِبُّها
وهي ترتدي ثوبها الأزرقَ المُنَقّطَ بالأبيض
وتضَعُ مكياجاً خفيفاً
على وجهها الشاحب
وتفوحُ من أسفلِ عُنقها
رائحةُ السُنبُلة.
دَعْها تغيبْ
وبعدَ عشرةِ آلافِ عام
سيصِلُ ضوءها إليك
مثل نجمة.
ألنصّ الثامن :
أسبابُ الغيابِ عديدة ..
منها ، مثلاً ، أنْ تكونَ أباً
في وقتٍ لا يصلَحُ لليُتْم .
أنْ تكونَ اُمّاً
في زمنٍ لا يصلَحُ للحنين.
أن تكونَ “مُواطِناً”
في بلدٍ من أربعةِ حروفٍ (أو ثلاثة)
يخسَرُ دائماً في كرة القدم.
أن تكونَ حكيماً
في عشيرةٍ نافقة
مثل أمَل.
أنْ تكونَ مَلِكاً
في مزبَلَة.
أن تكونَ حيّاً
و تبحثُ عن امرأةٍ تقولُ .. أُحِبُّكَ
فتَجْفَلُ من الدهشة
في هذا الوقتِ منَ العُمْرِ
شحيح السيولة.
وأخيراً ..
انْ تغيب
فلا تجِدْ للغياب
سبَباً مُقْنِعاً
سوى أنَّ حذاءَكَ الوحيد
ضَيِّقُ جدّاً
في هذا العالَمِ الواسع.
( 1 ) ألموسوعة الفلسفية – روزنتال وبودين – دار الطليعة 1974 . ص / 275
( 2 ) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب – مجدي وهبة و كامل المهندس – مكتبة لبنان / 1984 . ص / 278
( 3 ) ألمتنبي ( ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى – عدواً لهُ ما من صداقته بُدّ )

كتاب قول على قول للراحل حسن الكرمي

مجلد 1
مجلد 2
مجلد 3
مجلد 4
مجلد 5
مجلد 6
مجلد 7
مجلد 8
مجلد 9
مجلد 10
مجلد 11
مجلد 12
الواجهة
(تحميل كل المجلدات في ملف واحد)

فرجينيا وولف

معلومات ربما لا تعرفها عن “ڤرجينيا وولف” – بقلم: طارق علوش

ڤرجينيا ستيـفن وولف Virginia Stephen Woolf هي سيدة الرواية الإنكليزية الحديثة إلى جانب كونراد وجويس، وسيدة الرواية العالمية إلى جانب بروستوكافكا إضافة إلى كونها من أبرز نقاد عصرها. ولدت في لندن وأشرف والدها الناقد الأدبي ليسلي ستيـفن Leslie Stephen على تعليمها وإخوتها في المنزل الذي صار بعد وفاته مركزاً لجماعة بلومزبْري Bloomsbury Group الطليعية المتمردة على قيم العصر الـڤكتوري المتزمتة، وضمت فنانين ومفكرين وكتّاباً، منهم فورستر[ر] وروجر فراي Roger Fryولينارد وولفLeonard Woolf الذي صار زوجها عام 1912. وقد أسس الزوجان في رودمِلRodmell ـ البلدة الصغيرة الوادعة في مقاطعة سَسِكس Sussex حيث لجأا ابتعاداً عن صخب المدينة الكبيرة التي سببت لوولف الانهيار العصبي تلو الآخرـ دار نشر هوغارثHogarth Press التي نشرت مؤلفاتها وآخرين مثل فرويد[ر] وإليوت[ر].

لحقت وولف بركب الكتابة التجريبية، بعد أن كانت قد نشرت روايتيها «انطلاق الرحلة» The Voyage Outت(1915) ثم «ليل ونهار» Night and Dayت(1919) وكانتا تقليديتين. فقد أرادت التحرر من قيود الرواية الواقعية[ر] التي تؤكد التسلسل الزمني للأحداث والحبكة المترابطة وأن تأخذ «اللحظة كاملة» مثلما هي دونما اجتزاء، مستخدمة أدوات الشعر كالصور المتكررة والكلمات ذات الإيقاع والصوت والصمت، وأيضاً تقنية الدخول والخروج من ذهن شخصية إلى ذهن أخرى وتداخل الأزمنة من ماضٍ إلى حاضر وبالعكس من دون أي تسلسل منطقي. وقد تبنت وولف أسلوب تيار الوعي stream of consciousness هذا وكيفته وفقاً لاحتياجاتها في روايتي «السيدة دالَويْ»Mrs Dalloway ت(1925) و«إلى المنارة» To the Lighthouse ت(19277).

يبدأ سرد وولف للأحداث في «السيدة دالَويْ» بجملة «قالت السيدة دالوي إنها ستبتاع الأزهار بنفسها»، وتبدأ الرحلة عبر أفكار هذه السيدة التي تناهز الخمسين وهي منهمكة بتنظيم حفلة لزبدة المجتمع من حولها. وتبدو كلاريسّا دالَويْ ظاهراً منسجمة ومتناغمة مع ذاتها والآخرين، بيد أنها في الواقع على نقيض ذلك اجتماعياً وعاطفياً وجنسياً. وتنخطف أفكارها خلفاً وأماماً بين طفولتها ويفاعتها وحاضرها، وعبر أفكار شخصيات أخرى مثل بيتر وولش Peter Walsh الذي أحبته يوماً، وزوجها المحب رتشاردRichard الذي يقوم على راحتها ورعايتها بعد أزمة قلبية مرت بها، وسبتيموس سميثSeptimus Smith الذي عاش أهوال الحرب العالمية الأولى فسلبته رشده، وسالي سيتنSally Seton صديقة طفولتها والعواطف والأحاسيس المعقدة واللحظات السعيدة التي تربطهما؛ تلك اللحظات التي يتقبل الإنسان فيها الموت بطيبة خاطر مثلما يقول شكسبير في «عطيل» :Othello «لو جاء الموت الآن لكان الآن أسعد الأوقات». وثمة في هذه الرواية وفي كتابات وولف الأخرى احتجاج على كل أنواع القمع والإكراه الذي أودى بحياة الملايين في الحرب، وهو احتجاج أيضاً على كل ما هو تقليدي في الأدب، وبحث في معنى الحرية؛ حرية اختيار المرء الطريق الذي يسلك والمصير الذي يريد. وليس احتجاجها على المجتمع الذكوري والسلطة الأبوية أقل زخماً، ومن هنا نبعت نبرة وولف النسوية[ر] في مقالاتها الطويلة «فسحة خاصة»A Room of One’s Own ت(1929) و«ثلاثة جنيهات» Three Guineas ت(19388)، وكانتا في الأصل محاضرات موجهة حصرياً إلى جمهور نسائي عن تحرير المرأة من القهر والقمع.

نقلت وولف أسلوبها في الكتابة خطوة أخرى على طريق الحداثة[ر] في «إلى المنارة» التي يقوم بناؤها على هيكل نزهة عائلية إلى منارة بعيدة عن الشاطئ تقوم السيدة رامزي Mrs Ramsay بالتحضير لها. وتُفتت وولف في هذه الرواية الزمن التقليدي بدقائقه وساعاته إلى زمن داخلي لا يعترف بها، وتبحث في الوضع (الشرط) الإنساني the human condition. وهي مع تمجيدها الحياة تبحث في جل ما كتبته في الموت وتطرح الأسئلة الوجودية الكبرى، وتحوِّل تساؤلات هملت عن الموت إلى السؤال: لماذا الحياة؟ وعلى هذا الطريق سارت وولف فقضت منتحرة غرقاً في مياه نهر أوز Ouse بالقرب من منزلها.

أهملت وولف كتابة الرواية فترة، إذ انشغلت بالكتابة عن المرأة ودورها في المجتمع ومكانها في الأدب المعاصر، ثم عادت إليها في رواية «أورلاندو» Orlando ت(19288) حيث أدخلت شخصيات صديقاتها الكاتبات وعلاقتها بهن، ورواية «الأمواج» The Waves ت(19311) ـ الأقرب إلى الشعر منها إلى النثر ـ عن عظمة وعبث الحياة من خلال تسع مراحل تمثل كل منها فترة من حياة الإنسان، وغربة هذا الإنسان ووحدته في مواجهة مصيره. وقد عدّ الكاتب والناقد الإنكليزي ستيـڤن سبندر[ر] هذه الرواية أعظم إنجازاتها. كتبت وولف «السنون» The Yearsت(1937) و«بين الفصول» Between the Acts التي نشرت في عام 19411 بعد وفاة الكاتبة، وهي تغطي كما هي الحال في «السيدة دالَويْ» يوماً واحداً في حياة الشخصية الرئيسة، ويعدها بعض النقاد أيضاً أفضل مؤلفاتها.

من حماسة وولف للروائيين الروس في كتابها النقدي «القارئ العادي» The Common Reader بجزأيه الأول (1925) والثاني (1932) نبعت كتبها التنظيرية «الرواية الحديثة» Modern Fiction و«وجهة النظر الروسية» The Russian Point of View، ونشرت ترجمة مؤلفات تولستوي[ر] ودستويـڤسكي[ر] وغوركي[ر]. كما بحثت وولف في وضع المرأة الكاتبة في «موت العثة» The Death of the Mothت(1925) التي تعد إلى جانب «صوَّان وقوس قزح» Granite and Rainbow المنشورة في عام 19588 من أفضل نقدها. نشرت أيضاً في ثلاثين عاماً المئات من المقالات النقدية في T.L.S وهو الملحق الأدبي النافذ لصحيفة «التايمز»، وصار لوقع اسمها من السلطة والهيبة ما يرهب أكبر المؤلفين؛ ومن هنا عنوَن إدوارد آلبي E.Albeeإحدى مسرحياته «من يخاف ڤرجينيا وولف؟» Who’s Afraid of Virginia Woolf?.

 صدرت كتب كثيرة عن وولف وكتاباتها، وليس ثمة من يُقارَن بها من حيث إسهامها في تطوير الرواية والنقد الإنكليزيين. لقد وجدت ـ أسلوبياً ـ ضالتها منذ عام 1922 في تيار الوعي الذي جربته في روايتها «غرفة يعقوب»Jacob’s Room حول عبث الحرب، واستبدلت بالسردية التقليدية التدفق العفوي للأفكار في وصف الحياة الداخلية لشخصياتها. وقد تميزت أغلب كتاباتها بصفة رؤيوية تكاد تصدم القارئ.

المصدر: الموسوعة العربية

الديستوبيا: المستقبل المخيف في الأدب العالمي

يعتبر أدب الديستوبيا Dystopia أو كما يمكن ترجمته بأدب المدينة الفاسدة، أحد الفروع المندرجة تحت مظلة كبيرة وهو أدب الخيال العلمي، ولأدب الديستوبيا عدة تعريفات ومنها: هو مجتمع خيالي يكون الناس به غير سعداء ومرعوبين ولا يتم معاملتهم بطريقة عادلة أو إنسانية.

ويعتبر لمصطلح المدينة الفاضلة Utopia الذي صاغه توماس مور في عمله الأشهر الذي يحمل نفس العنوان “المدينة الفاضلة” – وهو مجتمع مثالي تعم به مبادئ المساواة والعدالة – الفضل في اشتقاق وظهور مصطلح أدب المدينة الفاسدة Dystopia، فإذا كانت اليوتوبيا هي المجتمع المثالي، فالديستوبيا هي عالم كابوسي وغير مرغوب به، وتسعى فيه الحكومات للسيطرة على مواطنيها، وأحداثها غالبًا تقع في المستقبل.

إن القرن العشرين يمثل العصر الذهبي لأدب الخيال العلمي وفروع الأدب الملحقة به مثل أدب الديستوبيا ونشرت الكثير من الأعمال التي خلدت وصنعت شهرة هذا النوع من الأدب مثل البرتقالة الألية A Clockwork Orange لأنتوني بيرجس وهي الرواية التي حولها ستانلي كوبريك إلى فيلم يحمل ذات العنوان، ورواية نحن ليفغيني زامياتين، ورواية العقب الحديدية  The Iron Heel لجاك لندن صاحب الرواية ذائعة الصيت “نداء البراري”.

وتعتبر رواية 1984 لجورج أورويل هي درة أدب الديستوبيا، إذ إن أنتوني بيرجس يقول إنه كان ليكون من الأفضل استخدام مصطلح Cacotopia (كان هذا المصطلح يتم استخدامه قبل ظهور مصطلح الديستوبيا وهي كلمة يونانية يمكن ترجمتها إلى سيء أو شرير، واقترح جيرمي بينتهام استخدامه كمقابل لليوتوبيا) لتوصيف رواية 1984، فعلى حد قوله إنها تعتبر أسوأ بكثير مما تكون عليه المدينة الفاسدة.

ويمكن تتبع أدب الديستوبيا إلى الماضي أكثر وأكثر قبل ظهور المصطلح نفسه، فبالرغم من أن البعض يعتبر رواية رحلات جيلفر لجوناثان سويفت 1726م أحد أوائل أعمال أدب الفانتازيا إلا أن إنه يمكنه ربطها بأدب اليوتوبيا والديستوبيا معًا ففي المجتمعات التي زارها الرحالة جيلفر تنطبق عليها ذات الخصائص العامة التي تحدد المدن الفاضلة وكذلك المدن الفاسدة، ورواية إيرهون لصمويل بوتلر 1872، ورواية آلة الزمن لهربرت جورج ويلز 1895.

وبالرغم من أن أدب الديستوبيا والخيال العلمي يعتبر قديم وتجاوز أكثر من مئة عام، فإن الأدب العربي لم يعرفه إلا حديثًا بصدور رواية “يوتوبيا” لأحمد خالد توفيق عام 2008م وعلى الرغم من أن عنوانها يوحي بأن محتواها سيكون عن مدينة فاضلة إلا أن ما أن تقرأها فستجد أنها النقيض تمامًا، فأحداثها تدور في المستقبل عام 2023م حيث يعزل الأغنياء أنفسهم في مدينة “مجتمع اليوتوبيا” في الساحل الشمالي، حيث تحرسهم الأسوار وجيش من المارينز عما يوجد خارج الأسوار، وحينما يشعر أحد هؤلاء الأغنياء بالملل، يقرر الذهاب خارج أسوار المدينة لصيد الآخرين، البشر كما لو كانوا حيوانات، والرواية الثانية هي رواية “عطارد” للكاتب محمد ربيع والتي رشحت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر لعام 2016م.

وتعاني المكتبة العربية من ندرة توافر المحتوى المترجم من أدب الديستوبيا، إلا أن هناك بعض الأعمال الشهيرة التي تم ترجمتها إلى العربية، وفيما يلي قائمة بأهم تلك الأعمال.

1984.. لجورج أورويل

“أحذر، فالأخ الأكبر يراقبك”
“الحرب هي السلام

  الحرية هي العبودية

  الجهل هو القوة”

أبدع جورج أورويل تلك الرواية العبقرية في نهاية أربعينات القرن الماضي، تدور أحداث الرواية في عالم حيث يسيطر فيه الحزب الحاكم، الأخ الأكبر على البلاد، حيث تدار كل وسائل الإعلام بواسطة الحكومة والحزب، وتنشر الأكاذيب على أساس أنها حقائق، وتبدأ في تزييف الحقائق وغسل عقول المواطنين بما يتناسب مع رؤي الأخ الأكبر.

هذه الرواية تثير الرعب في النفوس لما ما تصبح عليه الأنظمة الشمولية والديكاتورية، هذه رواية يجب أن تقرأ وتقرأ أكثر من مرة.

فهرنهايت 451 لـ راي برادبري

 

“ليس عليك أن تحرق الكتب لتدمر حضارة، فقط كل ما عليك فعله هو أن تجعل الناس يتوقفون عن قراءتها”

هذا هو عالم راي برادبري حيث تتطاير أوراق الكتب المحترقة وتصبح حيازتها جريمة يعاقب عليها القانون، مرحبًا بك في عالم حيث إن مهمة “رجال الإطفاء” Fireman لا علاقة لهم بإطفاء البيوت المحترقة أوالإنقاذ على الإطلاق بل إضرام النار في الكتب وتحويلها إلى رماد، تدور الرواية حول جاي مونتاج أحد رجال الحريق حيث يقابل الفتاة ذات السبعة عشر عام كلاريس التي تسأله سؤالًا غير متوقع على الإطلاق “هل أنت سعيد!”

لم يكن مونتاج معتادَا على هذا النوع من الأسئلة، ولم يكن يعرف أن هذه الفتاة سوف تقلب حياته رأسًا على عقب، حيث يجد نفسه بدلًا من أن يحرق الكتب عند درجة الحرارة 451 فهرنهايت، يحاول إنقاذ بعضها وقراءتها سرًا.

أستلهم المخرج الفرنسي فرانسو تروفو عالم راي بردابري وقام بتحويل هذه الرواية إلي فيلم يحمل ذات العنوان في عام 1966.

عالم جديد رائع Brave New World لـ ألدس هكسلي

كما كانت عالم جديد رائع تمثل وحي لأورويل أثناء كتابته لـ 1984، فهنا نجد ألدس هكسلي يستوحى من كتابات هربرت جورج ويلز اليوتوبية، ولكن هكسلي يأخذنا إلى النقيض تمامًا حيث يرسم عالم بارد جاف، حيث تختفي الكثير من مفاهيم الإنسانية، فلم يعد هناك ما تدعى (الأسرة)، بل هناك فقط “مركز التفرييخ والتكييف” حيث يتم إنتاج الأجنة البشرية في المصانع، وتربيتها وتهيئتها بما يتناسب مع دورها في المجتمع حيث يتم تصنيفها إلى خمس طبقات حسب احتياجات المجتمع، حيث تتلاشي المشاعر والإرادات، ويستبدل كل ذلك بالعقاقير والإعلام.

هنا العالم الجديد الرائع لا يعتمد على جو الترهيب والتخويف، بل لتحقيق السعادة والاستقرار

آلة الزمن The time Machine لـ هربرت جورج ويلز

يعتبر هربرت جورج ويلز هو أحد مؤسسي أدب الخيال العلمي وأحد آبائه الروحيين، وكان قد كتب هذه الرواية عام 1895، وبالرغم من أن للوهلة الأولى تبدو “كأحد رحلات عبر الزمن” إلا أنها تعد أول رواية من نوعها والتي مهدت لتلك التيمة “الانتقال عبر الزمن”، إلا أن بطل ويلز “مسافر الزمن” لم ينتقل إلى عالم سهل وسعيد، بل تذهب به رحلته ونذهب معه إلى مستقبل قاتم حيث ينقسم البشر إلى جنسين الأول هم إيلوي والثاني هم المورولوك، حيث يعيش الجنس الأول فوق الأرض، والأخير تحت الأرض لأنهم يخافون النور.

يشهد العالم الذي انتقل عبر الزمن الصراع الأخير على سطح الأرض.

الرجل الراكض أو الهارب The Running Man لـ ستيفن كينج

كتب ستيفن كينج هذه الرواية في عام 1985 تحت اسم مستعار وهو (ريتشارد باكمان) حيث نسج أحداث هذه الرواية في عام 2025 في الولايات المتحدة الأمريكية حيث لم تعد كما كانت بل أصبغها بطابع ديستوبياوي تمامًا، فالاقتصاد منهار، ومعدلات الجرائم والعنف منتشرة بكثرة، والجو فاسد وملوث.

يقرر ريتشارد بن المفلس والعاطل بطل هذه الرواية أن يشارك في أحد العروض التلفازية للحصول على بعض المال لأجل أسرته، ويذهب إلى الشبكة ليقف في طابور طويل من المعدمين مثله، وتصل به نتائج الاختبارات لأن يكون مشاركًا في أكثر العروض شعبية “الهارب”، ومن أجل جائزة مقدارها 100 مليون دولار عليه أن ينجو طيلة 30 يومًا بعيدًا عن المطاردين والصيادين.

قائمة السيدات الحاصلات على جائزة نوبل

قائمة السيدات الحاصلات على جائزة نوبل: حتى عام 2015، مُنِحَت الجائزة إلى 822 رجلًا و48 امرأة و26 منظمة. فازت 16 امرأة بجائزة نوبل للسلام و14 في مجال الأدب و12 في مجال الطب أو علم وظائف الأعضاء و4 في مجال الكيمياء واثنتان في مجال الفيزياء وفازت واحدة وهي إلينور أوستروم بجائزة نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية. وكانت ماري كوري هي أول امرأة تفوز بجائزة نوبل، وحصلت عليها في مجال الفيزياء عام 1903 مشاركة مع زوجها بيار كوري وهنري بيكريل. وتعتبر ماري أيضًا المرأة الوحيدة التي تفوز بالجائزة مرتين، حيث فازت أيضًا بجائزة نوبل للكيمياء عام 1911. وبفوز إيرين جوليو-كوري -ابنة ماري كوري- بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1935، جعلهما ذلك أول ثنائي من أمٍ وابنتها يفوز بالجائزة. أما عن أكثر عامٍ شهد فوز النساء بجوائز نوبل فكان عام 20099، حينها توجت خمسة نساء بالجوائز. وآخر النساء فوزًا بالجوائز هما تو يويو وسفيتلانا أليكسييفيتش (20155).

افضل مائة رواية عالمية – The Modern Library’s 100 Best Novels

The Modern Library’s 100 Best Novels.

Rank Novel Author
1 ULYSSES James Joyce
2 THE GREAT GATSBY F. Scott Fitzgerald
3 A PORTRAIT OF THE ARTIST AS A YOUNG MAN James Joyce
4 LOLITA Vladimir Nabokov
5 BRAVE NEW WORLD Aldous Huxley
6 THE SOUND AND THE FURY William Faulkner
7 CATCH-22 Joseph Heller
8 DARKNESS AT NOON Arthur Koestler
9 SONS AND LOVERS D.H. Lawrence
10 THE GRAPES OF WRATH John Steinbeck
11 UNDER THE VOLCANO Malcolm Lowry
12 THE WAY OF ALL FLESH Samuel Butler
13 1984 George Orwell
14 I CLAUDIUS Robert Graves
15 TO THE LIGHTHOUSE Virginia Woolf
16 AN AMERICAN TRAGEDY Theodore Dreiser
17 THE HEART IS A LONELY HUNTER Carson McCullers
18 SLAUGHTERHOUSE-FIVE Kurt Vonnegut
19 INVISIBLE MAN Ralph Ellison
20 NATIVE SON Richard Wright
21 HENDERSON THE RAIN KING Saul Bellow
22 APPOINTMENT IN SAMARRA John O’Hara
23 U.S.A. John Dos Passos
24 WINESBURG, OHIO Sherwood Anderson
25 A PASSAGE TO INDIA E.M. Forster
26 THE WINGS OF THE DOVE Henry James
27 THE AMBASSADORS Henry James
28 TENDER IS THE NIGHT F. Scott Fitzgerald
29 THE STUDS LONIGAN TRILOGY James T. Farrell
30 THE GOOD SOLDIER Ford Madox Ford
31 ANIMAL FARM George Orwell
32 THE GOLDEN BOWL Henry James
33 SISTER CARRIE Theodore Dreiser
34 A HANDFUL OF DUST Evelyn Waugh
35 AS I LAY DYING William Faulkner
36 ALL THE KING’S MEN Robert Penn Warren
37 THE BRIDGE OF SAN LUIS REY Thornton Wilder
38 HOWARDS END E.M. Forster
39 GO TELL IT ON THE MOUNTAIN James Baldwin
40 THE HEART OF THE MATTER Graham Greene
41 LORD OF THE FLIES William Golding
42 DELIVERANCE James Dickey
43 A DANCE TO THE MUSIC OF TIME Anthony Powell
44 POINT COUNTER POINT Aldous Huxley
45 THE SUN ALSO RISES Ernest Hemingway
46 THE SECRET AGENT Joseph Conrad
47 NOSTROMO Joseph Conrad
48 THE RAINBOW D.H. Lawrence
49 WOMEN IN LOVE D.H. Lawrence
50 TROPIC OF CANCER Henry Miller
51 THE NAKED AND THE DEAD Norman Mailer
52 PORTNOY’S COMPLAINT Philip Roth
53 PALE FIRE Vladimir Nabokov
54 LIGHT IN AUGUST William Faulkner
55 ON THE ROAD Jack Kerouac
56 THE MALTESE FALCON Dashiell Hammett
57 PARADE’S END Ford Madox Ford
58 THE AGE OF INNOCENCE Edith Wharton
59 ZULEIKA DOBSON Max Beerbohm
60 THE MOVIEGOER Walker Percy
61 DEATH COMES FOR THE ARCHBISHOP Willa Cather
62 FROM HERE TO ETERNITY James Jones
63 THE WAPSHOT CHRONICLES John Cheever
64 THE CATCHER IN THE RYE J.D. Salinger
65 A CLOCKWORK ORANGE Anthony Burgess
66 OF HUMAN BONDAGE W. Somerset Maugham
67 HEART OF DARKNESS Joseph Conrad
68 MAIN STREET Sinclair Lewis
69 THE HOUSE OF MIRTH Edith Wharton
70 THE ALEXANDRIA QUARTET Lawrence Durell
71 A HIGH WIND IN JAMAICA Richard Hughes
72 A HOUSE FOR MR BISWAS V.S. Naipaul
73 THE DAY OF THE LOCUST Nathanael West
74 A FAREWELL TO ARMS Ernest Hemingway
75 SCOOP Evelyn Waugh
76 THE PRIME OF MISS JEAN BRODIE Muriel Spark
77 FINNEGANS WAKE James Joyce
78 KIM Rudyard Kipling
79 A ROOM WITH A VIEW E.M. Forster
80 BRIDESHEAD REVISITED Evelyn Waugh
81 THE ADVENTURES OF AUGIE MARCH Saul Bellow
82 ANGLE OF REPOSE Wallace Stegner
83 A BEND IN THE RIVER V.S. Naipaul
84 THE DEATH OF THE HEART Elizabeth Bowen
85 LORD JIM Joseph Conrad
86 RAGTIME E.L. Doctorow
87 THE OLD WIVES’ TALE Arnold Bennett
88 THE CALL OF THE WILD Jack London
89 LOVING Henry Green
90 MIDNIGHT’S CHILDREN Salman Rushdie
91 TOBACCO ROAD Erskine Caldwell
92 IRONWEED William Kennedy
93 THE MAGUS John Fowles
94 WIDE SARGASSO SEA Jean Rhys
95 UNDER THE NET Iris Murdoch
96 SOPHIE’S CHOICE William Styron
97 THE SHELTERING SKY Paul Bowles
98 THE POSTMAN ALWAYS RINGS TWICE James M. Cain
99 THE GINGER MAN J.P. Donleavy
100 THE MAGNIFICENT AMBERSONS Booth Tarkington

اجمل لغة في العالم


عفا بطنُ قوٍّ من سُلْيمى فعالزُ

فذاتُ الغضا فالمُشرفاتُ النواشِزُ

فكلُّ خليلٍ غيرُ هاضمِ نفسهِ

لِوصْلِ خليلٍ صارمٌ أو مُعارِزُ

و مرتبة ٍ لا يستقالُ بها الردى

تلافى بها حلمي عن الجهلِ حاجزُ

وعَوْجاءَ مجذامٍ وأمرِ صريمة ٍ

تركتُ بها الشكَّ الذي هوَ عاجزُ

كأنَّ قُتودي فوق جأْبٍ مُطرَّدٍ

من الحقبِ لاحتهُ الجدادُ الفوارزُ

طوى ظِمْأها في بَيْضة ِ القيْظِ بَعْدَما

جرتْ في عنانِ الشعريين الأماعزُ

فظلتْ بيمؤودٍ كأنَّ عيونها

إلى الشمس ـ هل تدنو ـ رُكيٌّ نَواكِزُ

لَهُنَّ صَليلٌ ينتظرنَ قضاءَهُ

بضاحي عذاة ٍ أمرهُ وَ هوَ ضامزُ

فلما رأينَ الوردَ منهُ صريمة ً

مضينَ ولاقاهنَّ خلٌّ مجاوزُ

ولمّا رأى الإظلامَ بادرَهُ بها

كما بادرَ الخصْمُ اللجوجُ المُحافِزُ

ويمَّمها من بطنِ ذَرْوة ٍ رُمَّة ً

و منْ دونها من رحرحانَ مفاوزُ

عليْها الدُّجى مُسْتَنْشَآتٍ كأنّها

هَوادِجُ مشدودٌ عليْها الجَزاجِزُ

تفادى إِذا استذْكى عليها وتتّقي

كما تتقي الفحلَ المخاضُ الجوامزُ

و مرتْ بأعلى ذي الأراكِ عشية ً

فصدتْ وقد كادتْ بشرجٍ تجاوزُ

و همتْ بوردِ القنتينِ فصدها

حوامي الكُراعِ والقُنانُ اللواهِزُ

و صدتْ صدوداً عن ذريعة ِ عثلبٍ

ولا بَنيْ غِمارٍ في الصّدورِ حزائزُ

ولوْ ثَقِفاها ضُرَّجَتْ منْ دمائِها

كما جُلّلت فيها القِرامَ الرجائزُ

و حلأها عنْ ذي الأراكة ِ عامرٌ

أخو الخضرِ يرمي حيثُ تكوى النواحزُ

قليلُ التلادِ غيرَ قوسٍ وأسهمٍ

كأنَّ الذي يرمي من الوحش تارزُ

مطلاً برزقٍ ما يداوى رميها

و صفراءَ من نبعٍ عليها الجلائزُ

تخيرها القواسُ من فرعِ صالة ٍ

لها شذبٌ من دونها وحواجزُ

نَمَتْ في مَكانٍ كنَّها واستوتْ بهِ

فما دونها من غيلها متلاجزُ

فما زال ينحو كلَّ رطبٍ ويابسٍ

وينغَلُّ حتى نالَها وَهْي بارزُ

فلمّا اطمأنَّتْ في يديه رأى غِنى ً

أحاطَ بهِ وازورَّ عمن يحاوز

فَمَظَّعها عاميْنِ ماءَ لِحائها

و ينظرُ منها أيها هو غامزُ

أقامَ الثِّقافُ والطريدة ُ دَرْأَها

كما قَوَّمتْ ضِغن الشَّموسِ المَهامِزُ

فوافى بها أهلَ المواسمِ فانبرى

لها بيعٌ يغلي بها السومَ رائزُ

فقال لهُ : هل تشتريها فإنها

تباعُ بما بيعَ التلادُ الحرائزُ

فقال : إزارٌ شرعبيٌّ وأربعٌ

من السِّيَراءِ أو أَواقٍ نواجزُ

ثمانٍ من الكيريَّ حمرٌ كأنها

من الجَمْر ما ذّكى من النارِ خابِزُ

وبُردانِ من خالٍ وتسعون درهماً

ومعْ ذاكَ مقروظٌ من الجِلْد ماعِزُ

فظلَّ يناجي نفسه وأميرها

أيأتي الذي يُعطى بها أم يُجاوزُ

فقالوا لهُ بايعْ أخاك ولا يَكُنْ

لكَ اليومَ عن رِبْحٍ من البيع لاهِزُ

فلما شراها فاضتِ العينُ عبرة ً

وفي الصّدرِ حُزّازٌ من الوجْد حامِزُ

و ذاقَ فأعطتهُ من اللينِ جانباً كفى ،

ولها أنْ يغرقَ السهمَ حاجزُ

إذا أنبضَ الرامون عنها ترنمتْ

تَرُنَّم ثكلى أَوْجَعتْها الجنائزُ

قذوفٌ إذا ما خالطَ الظبيَ سهمها

وإنْ رِيغ منها أَسلَمَتْهُ النواقزُ

إذا سقطَ الأنداءُ هِينَتْ وأُكْرِمتْ

حبيراً ولم تدرجْ عليها المعاوزُ

فلما رأين الماءَ قد حالَ دونهُ

شَكَكْنَ بأحْساءَ الذِّنابَ على هُدى ً

كما تابعتْ سردَ العنانِ الخوارزُ

و لما اشتغاثتْ والهوادي عيونها

من الرُّهبِ قُبْلٌ والنفوسُ نَواشِزُ

فألقتْ بأَيْديها وخاضتْ صدورُها

وهنَّ إلى وحشيهنَّ كوارزٌ

نهلنَ بمدانٍ من الماءِ موهناً

على عجلٍ وللفريضِ هزاهزُ

غَدَوْنَ له صُعْرَ الخدودِ كما غدتْ

على ماءِ يَمْؤودَ الدلاءُ النواهِزُ

يحشرجها طوراً وطوراً كأنما

لها بالرُّغامى والخياشيمِ جارزُ

و لما دعاها من أباطحِ واسطٍ

دوائرُ لم تضربْ عليها الجرامزُ

حذاها من الصيداءِ نعلاً طراقها

حوامي الكُراعِ المُؤْيداتُ العَشاوِزُ

فأقبلها نجادَ قوينِ وانتحتْ

بها طُرُقٌ كأنَّهنَّ نحائِزُ

حداها برجعٍ من نهاقٍ كأنهُ

بما ردَّ لَحْياهُ إلى الجوْفِ راجِزُ

فأوردهنَّ المورَ حمامة ٍ

على كلَّ إجريائها هوَ رائزُ

يُكلّفُها طوْراً مداهُ إذا التوى

به الوردُ واعوجتْ عليه المجاوزُ

محامٍ على عوراتها لا يروعها خيالٌ ،

ولار امي الوحوشِ المناهزُ

فأصبحَ فَوْقَ النَّشْزِ نَشزِ حمامة ٍ

لهُ مركضٌ في مستوى الأرضِ بارزٌ

وظلّتْ تفالى باليَفَاعِ كأنَّها

رِماحٌ نَحاها وِجهة َ الريحِ راكِزُ