لودفيج فويرباخ فيلسوف المادية الأنثروبولوجية والتنوير الألماني

أسعد الخفاجي
الحوار المتمدن – العدد: 1600 – 2006 / 7 / 3 – 08:35
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع
    

“إن الغرض من كتاباتي ، هو تحويل علماء الآلهة إلى علماء الأنسان ، رجال الكهنوت إلى فلاسفة ، تطوير حكماء كل الأزمنة إلى مستوى طلاب حداثة. تحرير العبيد ، من هيمنة الدين والسلطة الأرستقراطية ، ليصبحوا مواطنين أحراراً ، مفعمين بالوعي والإرادة الحرة”.
لودفيج فويرباخ

عرف الناس في المانيا لودفيج أندرياس فويرباخ أول مرة ، من خلال كتابه الشهير: “جوهر المسيحية” ، الذي صدر عام 1841 في مدينة لايبزج ، عرفوه فيلسوفاً متخصصاً في نقد الفكر الديني. وفي الحقيقة كان الكتاب موجهاً أصلاً ، إلى دائرة ضيقة من المثقفين ذوي الإلمام بالفلسفة. لكنه إنتشر على غير المتوقع ، في عموم ألمانيا ، وجعل مؤلفه الشاب بين ليلة وضحاها في مصاف المشاهير. تصدى فويرباخ في كتابه “جوهر المسيحية” ، للحملة الآيديوليوجية الصارمة التي شنها أنصار الهيجلية ، ضد الأفكار المادية ودعوات التنوير الديني. أثار الكتاب زوبعة من الجدل العنيف حول النقد الديني ، كإحدى مستحقات عصر النهضة ، الأمر الذي أشعل فتيل النقد المضاد ، للفكر الكنسي إلى أبعد الحدود. وبعد سنتين من ذلك التأريخ ، صدرت الطبعة الثانية للكتاب ، لكن فويرباخ بدأ يشعر بضغط سافر ، سلطه عليه رجال الكنيسة ، بسبب ما إحتواه الكتاب من أفكار عدّوها مناهضة لهم. فكتب في المقدمة: “أشعر أني بتأليف هذا الكتاب قد تسببت في إغضاب الله والناس معاً. ويبدو أن الإستهتار قد بلغ مني حداً ، أنني ذكرت فيما كتبت ، أن الديانة المسيحية أصبحت في عداد الماضي ، وأنه يتعين علينا أن نستذكر بإجلال الحقيقي والعظيم والكلاسيكي فقط ، أما غير الحقيقي ، والتافه ، وغير الكلاسيكي ، فينبغي عدم الإشارة إليه والإكتفاء بعرضه أمام الناس كنوع من الطرائف الهزلية!”. وهكذا جلب الكتاب على فويرباخ غضب كبار رجال الدين والمثقفين الهيجليين وغيرهم. مقابل هذا إستقبلته الحركات الثورية واليسارية المعروفة آنذاك (مثل الإشتراكيين والديمقراطيين والشيوعيين) ، بحماس واضح ، لا يخلو من التحفظ والنقد. إن أعمال الفيلسوف والمؤرخ الفلسفي والناقد الديني لودفيج فويرباخ تشكل في فلسفة القرن التاسع عشر إنعطافة هامة ، صوب التنوير والإنعتاق والحرية.

حياته وأعماله
ولد لودفيج فويرباخ في 28 تموز (يوليو) من عام 1804 ، في مدينة لاندزهوت في مقاطعة بايرن (بافاريا) الألمانية الجنوبية. عُمّدَ في صغره حسب المذهب الكاثوليكي ، وتربى حسب المذهب البروتستانتي. أبدى إهتماماً بالأمور الفقهية ، وهو مايزال طالباً في مرحلة الدراسة الإعدادية في مدينة أنزباخ. إلتحق عام 1923 بجامعة هايدلبرج ، ليدرس العلوم الدينية والفقه البروتستانتي. لم يتم تعليمه ذلك ، وبتأثير من كارل داوب ، تحول عام 1824 لدراسة الفلسفة في مدينة برلين ، بإشراف أستاذه الفيلسوف هيجل (1770-1831). وعلى مدى عامين واظب لودفيج فويرباخ بشغف كبير ، على الإستماع إلى محاضرات هيجل في علم المنطق. وفي عام 1826 أضطر تمشياً مع قوانين التعليم ، إلى العودة إلى مقاطعة بايرن ، لدراسة الأدب والتأريخ في جامعة أيرلانجن. وبعد سنة دراسية واحدة ، كتب رسالة جامعية في موضوع علم النبات والتشريح والفسلجة ، أسماها “العقل – لانهائيته ، وحدته ، عموميته”. وفي حزيران (يونيو) عام 1828 تخرج من الجامعة في إختصاص الفلسفة ، ثم حصل في نهاية العام نفسه على شهادة الدكتوراه. وفي غضون الأسابيع القليلة اللاحقة ، بدأ وظيفة التدريس في جامعة أيرلانجن. وكان كتابه “خواطر حول الموت والخلود” باكورة إنتاجاته الأكاديمية. نُشر في عام 1830 بُعيد الأحداث التي هزت ألمانيا ، نتيجة ثورة تموز (يوليو) الباريسية. وبحجة إحتواء الكتاب على نصوص إنتقادية للدين ، تم حظره فور نشره! وتعرض الكاتب بسبب ذلك إلى الملاحقة البوليسية. ونتيجة الإحباط توقف فويرباخ عن التدريس في الجامعة ، إبتداءًّ من ربيع عام 1832. وفي سياق البحث المضني عن البديل ، كتب فويرباخ في موضوع “تأريخ الفلسفة من بندكت وحتى سبينوزا”. وما أن إنتشر صدى تلك الكتابات ، حتى إستدعي فويرباخ من قبل جمعية النقد العلمي الهيجلية ، للمشاركة في تحرير كتابها السنوي. وجلب موضوعان مما نشره فويرباخ في الكتاب السنوي الأنظار ، كونهما يتعرضان بالنقد إلى المدرسة المثالية لهيجل. وألقى فويرباخ للمرة الأخيرة ، محاضرات في الفلسفة في جامعة أيرلانجن ، ضمن الفصل الشتائي للعام الدراسي 1835/36.

تزوج في عام 1837 من المالكة الصناعية برتا لوف ، وسكن معها في جناح من المصنع الذي كانت تملكه ، والكائن في قرية قريبة من مدينة أنزباخ ، مما مكنه من التفرغ للمتابعة الفلسفية ، والبحث العلمي في موضوع العلوم الطبيعية. وإستهوته نظريات عالم الرياضيات الألماني لايبنتس ، فراح يبحث فيها. وتلقى من آرنولد روجز دعوة للعمل معه ، في جمعية الهيجليين الشباب ، وذلك بالمشاركة في إصدار الكتاب السنوي للجمعية إبتداءً من عام 1838. وجد فويرباخ في ذلك المطبوع فرصة جيدة ، للتفاعل مع آيديولوجية وأفكار عصر النهضة ، فنشر كتاب “نقد الفلسفة الوضعية” في عام 1838 ، وكتاب “نقد الفلسفة الهيجلية” عام 1839. وفي عام 1841 صدر في مدينة لايبزج ، كتابه الشهير: “جوهر المسيحية” ، الذي طور نقده للدين بشكل أصبح فيه مميزاً ثقافياً ، لتلك المرحلة من التأريخ. وفي عام 1842 بدأ بكتابة مواضيع معاصرة حول إصلاح الفلسفة ، التي تأخر إصدارها في كتاب بسبب الرقابة حتى خريف عام 1843. وفي هذا الكتاب ، تعرض فويرباخ إلى طرح السؤال التقليدي ، حول كيفية توصل الإنسان إلى فكرة “الأنا” التي كونت الوجود ، ونشوء الفكرة المطلقة.

وتعرض فويرباخ إلى ضائقة مالية ،بسبب تراجع الأرباح للمصنع ، العائد إلى زوجته. وفي فرانكفورت أقام علاقة مع كتلة برلمانية متطرفة ، كانت تعرف بإسم: “اليساريين الديمقراطيين” أو “نادي دونرزبرغ”. وتعرّف عن كثب ، على شخصيات سياسية معروفة ، مثل: كرستيان كاب وفريدريش كاب ، ولودفيج بامبرجر ، وويوليوس فرويبل ، وأتو لويننج ، وكارل فوجت. وإكتشف فويرباخ في وقت مبكر عدم جدوى الجهود البرلمانية ، ولم يعول عليها كثيراً. وإنتقل في خريف عام الثورة 1848 إلى هايدلبرج ، بناء على دعوة طلاب الجامعة هناك ، لإلقاء 30 محاضرة فلسفية مفتوحة عامة ، في موضوع طبيعة الدين ، إستمرت لغاية آذار (مارس) من عام 1849 ، إستناداً إلى كتابه “جوهر الدين” ، الذي كان قد صدر عام 1846. وتمنى طلابه آنذاك أن ينضم فويرباخ إلى الهيئة التدريسية لجامعة هايدلبرج ، لكن إدارة الجامعة مانعت بشدة في ذلك وآثرت عدم التعاون معه ، بتأثير مباشر من رجال الكنيسة. وقررت عدم السماح له بإلقاء المحاضرات في قاعاتها ، مما إضطره إلى إستخدام قاعة البلدية لهذا الغرض. وتنوع زوار محاضراته الذي وصل عددهم 250 مستمعاً ، بين طلبة الجامعة (ومنهم جوتفريد كلر وأدوارد بروكهاوس) ، الذين شكلوا نسبة الثلث ، وبين المواطنين من خارج الجامعة ، الذين كونوا الثلثين. وجمع محاضراته الثلاثين التي ألقاها في هايدلبرج ، في كتاب صدر عام 1851 في لايبزج ، في ثمانية أجزاء ، أسماه: “محاضرات حول جوهر الدين”.

وبعد إندلاع ثورة آذار (مارس) عام 1848 ، طُلب من فويرباخ الترشيح نائباً في برلمان فرانكفورت عن دائرة أنزباخ. ثم عاد عام 1849 إلى بروكبرج ، تملأ قلبه المرارة ، ليراقب إنحسار الثورة في عموم القارة الأوربية. ونشر مقالتين ساخرتين كتبهما بإسلوب مفعم بالإنتقاد اللاذع لقوى الرجعية المنتصرة ، إشتهر في إحداهما وكانت بعنوان: “درس في المواد الغذائية للمواطن” ، من خلال قدرته الفائقة على إستخدام الألفاظ اللغوية لأغراض النقد الحاد ، مثل: “إن الإنسان هو ما يأكل!”. وبالتدريج دفن فويرباخ نفسه في أعماق الكتب ، التي تتحدث عن الثقافتين اليونانية والرومانية. وفيما هاجر زملاؤه النشطاء إلى كل مكان خارج ألمانيا ، هرباً من الملاحقة البوليسية ، قرر فويرباخ الهجرة إلى الولايات المتحدة ، لكنه عدل عن الفكرة ، بسبب عجزه عن الحصول على المال اللازم ، لتغطية تكاليف الرحلة!

وفي عام 1859 أفلس مصنع بروكبرجر كلياً. ولم يخسر فويرباخ وزوجته كل مدخراتهما وحسب ، وإنما طردا أيضاً من السكن فيه! وبعد جهود مضنية إستطاع العثورعلى دار قديمة للسكن ، في قرية رشنبرج قرب نويرنبرج. وقد ساعده أصدقاؤه من زمن الثورة ، في توظيب الدار ونقل أثاثه إليها ، وفي تغطية مصاريف المعيشة ، وذلك من خلال جمع التبرعات. وإنخفض معدل كتاباته كثيراُ ، مقتصراً على المقالات البسيطة ، حول الروحيات والماديات وحرية الإختيار. و هزت الحرب بين بروسيا والنمسا عام 1866 فويرباخ من الأعماق ، فبدأ على غير عادته يهتم بالأوضاع السياسية. لكنه رفض تماماً المشروع الوحدوي لبسمارك ، وعدّه مشروعاً تعسفياُ ، لا يترك للناس حرية تقرير مصيرهم. وإنكب في تلك الفترة من حياته ، على دراسة الجزء الأول من كتاب “رأس المال” لكارل ماركس. كما وأبدى تضامنه مع حركة التحرر النسوية ، المتصاعدة آنذاك في الولايات المتحدة. وفي عام 1868 بدأ كتابة مؤلفه الجديد ، حول الأخلاق وحرية الإختيار ، ولكنه لم يتمه. إلتحق في عام 1869 بحزب العمال الإشتراكي الديمقراطي ، إستجابة للعلاقة مع صديقيه ليبكنشت وبيبل. وفي نهاية عام 1871 ظهر على صفحات جريدة الحزب ، نداء يدعو القراء إلى جمع التبرعات للفيلسوف فويرباخ ، الذي أصابه الفقر المدقع. وكررت صحف أخرى نشر النداء ، فإستجاب القراء لذلك النداء ، وتوفر لديه مبلغ من المال ، كاف لضمان معيشته مع زوجته وإبنته حتى رحيله.

فلسفته المادية
عندما بدأ فويرباخ أبحاثه حول الدين ، كان التصور الفلسفي المثالي قد بلغ القمة ، في عهد التنوير الألماني ، ولاسيما فلسفة هيجل. وجد فويرباخ نفسه أمام كنيسة معادية للعقل ومعادية للتقدم ، ومتحالفة مع السلطة الإصلاحية القمعية الحاكمة. والواقع أنه كان تواقاً إلى فلسفة للمستقبل ، فلسفة بعيدة عن الإدعاءات المثالية ، فلسفة تتخذ من الإنسان نقطة للإنطلاق ، بعيدة عن الجوهر المطلق ، قريبة من الكيان البشري النسبي ، ومن تجاربه الملموسة ، لذلك أُطلق على منهاج فويرباخ الناقد للفكر الديني إسم “الفلسفة المادية الأنثروبولوجية”. بموجب تلك الفلسفة ، أعلن فويرباخ ، أن الدين هو إنعكاس لاغير لأمنيات البشر وتصوراتهم ، ومن أجل منفعة الإنسانية الحقيقية. وخصص فويرباخ أبحاثه لمناقشة مفهوم “النوع الإنساني” للبشر ، عوضاً عن الإله ، بحيث أن الإنسان يرى نفسه كوحدة متكاملة. أراد فويرباخ من خلال ذلك أن يضئ الجوهر المظلم للدين بمشعل العقل ، لكي يتوقف الإنسان عن أن يكون فريسة أو لعبة بيد القوى المعادية للإنسانية ، التي مازالت تستخدم ظلمات الدين في إضطهادها للناس. إن نهج فويرباخ إيجابي ، تأكيدي ، يمنح الطبيعة والإنسان كلاهما المعنى والكرامة. به تنتعش الطبيعة ويزدهر الإنسان. على عكس الفلسفة المثالية التي حجبت ذلك عن أتباعها ، وسلبتهم كل حيويتهم وقوتهم. وبينما يستند علم الإلهة في تكوينه إلى الأخلاق والعدل ، لايكف رجال الدين عن تبرير أكبر المظالم ، وأشد الشرور المرتكبة ضد الإنسان والطبيعة بإسم الدين.

ويمضي فويرباخ في منهجه الفلسفي ، ليشير إلى ضرورة أن يكون الإنسان المحسوس الظني الإجتماعي ، منطلق كل الفلسفات. إن الإنسان حسب فويرباخ هو مقياس واقعي لجميع الأشياء ، كما وأنه مقياس للحقيقة. يجب إلغاء جميع التناقضات الموجودة في الواقع: حيث تُؤنسن الآلهة ، وتتحول وهماً إلى واقع يجري تقديسه. وفيما يتعلق بكيان الإله ، رأى فويرباخ أن ضمير اللانهائي لا يعدو أن يكون ضميراً للانهائية الضمير. عليه فإن ضمير الإله ماهو إلا الضمير الشخصي للإنسان. ومعرفة الإله ماهي إلا معرفة الإنسان لِذاته. إن الإله هو الإعتراف الصريح ، بأسرار الحب والخوف المخزونة في داخله ، وإنعكاسها إلى الخارج. إن الإله هو محض تعبير عن الذكاء البشري ، والإرادة البشرية ، بما فيها الكمال والعدالة والحب. وبإمكان خيال الإنسان أن يخلق من القوى والغرائز والرغبات والغرائز كياناً حقيقياً ، هو ما سماه “الإله” ، الذي يجسّد كل هذه الأشياء بشكل متكامل. إن الدين هو سلوك الإنسان تجاه ذاته ، وكأنه يتعامل مع كيان آخر. ففي الدين يفصل الإنسان كيانه النهائي الفردي ، عن كيانه اللانهائي كنوع ، يزيّن الأخير بنفائس الصفات ، ثم يبدأ بعبادته. إن التمييز الخاطئ بين الصفات البشرية والصفات الإلهية (أي فوق البشرية) ، يؤدي إلى أن الفرد (الأنا الأول) سيشعر بأنه ذو قيمة دونية ، ومفعم بالخطايا ، بينما يُبجّل نصفه الثاني (الأنا الآخر) كإله (كيان النوع البشري). ينتج عن ذلك معاناة الإنسان من حدوث إنفصام شخصي ، وإغتراب ، وبؤس ، على سبيل المثال إنفصال الجسد عن العقل ، في كل زمان بدلاً من هذه المرة. يقول فويرباخ: ” إن الإنسان هو الذي إبتدع فكرة الإله ليكون على شاكلته”. وقد آن الأوان لكي يستعيد العقل البشري حسيته ، لغرض إيجاد الوحدة الموضوعية بين الجسد والعقل. وقد أصطلح على ذلك بالمادية الإنسانية لفويرباخ.

ويعد كتابه “جوهر المسيحية” المؤلف الأفضل الذي شرح فلسفة فويرباخ. وقد تقدم فويرباخ في هذا الكتاب على سابقيه من المفكرين الذين إنتقدوا الدين أمثال جوردانو برونوز ، أو باروخ سبينوزا ، رغم أنه إستفاد من أفكارهما. كان فويرباخ أشد تأثراً بحركة التنوير الفرنسية ، ولاسيما أعمال الناقد للدين فولتير ، والأفكار الفلسفية المادية لديدرو ، ودولباخ. في الوقت نفسه تأثر فويرباخ بأفكار فلاسفة التنوير الألمان ، إبتداءً من لايبنتس ، حتى كانت و هيجل. وقد أبدى تجاه الأخير تحفظاً ، فإنتقده بسبب تصوراته المثالية. وبوضعه الإنسان في مركز الثقل تألق فويرباخ في أوربا كرائد للفلسفة المادية. إن أهم ما ورد في كتابه “جوهر المسيحية” ، إستنتاجه أن الدين ما هو إلا محاولة بدائية بائسة ، لإضفاء صفة المطلقية على السلوك البشري. لقد إنتزع الإنسان من داخله عناصره المكونة: كالعقل ، والإرادة ، والقلب ، وصدّرها إلى خارجه ، متوهماً أن تلك العناصر موجودة موضوعياً في الطبيعة ، دونما أية علاقة بكيانه البشري. بموجب ذلك كان للدين نشأته الطبيعية ، ووظائفه الطبيعية. والواقع أن هذا التفسير الخيالي أفقد الدين مبررات نشوئه ، وجرده من الهيمنة على الطبيعة. عليه تحول الدين إلى مصدر أساسي (طبيعي) لمعرفة الكيان البشري: “الدين هو إنعكاس ذاتي للكيان البشري” ، “الرب هو مرآة للإنسان”. وبالمقارنة بما جاء في الكتاب المقدس حول “خلق الرب للإنسان على شاكلته” ، يرى فويرباخ: “أن الإنسان هو الذي صمم الإله حسب شاكلته وسلوكه وليس العكس”. و “إن خوف الإنسان من الفناء جعله يؤمن بالآلهة”. إلى ذلك فإن ” المقبرة البشرية هي المكان الذي تولد فيه الآلهة!” ، و”عندما خلق الإنسان آلهته
جعل جوهرها متطابقاً مع جوهره ، فيما عدا الحدود المفروضة عليه ، كالفناء والمرض. إن الإله هو الصيغة المثالية للإنسان ، إذا إستثنينا اللامحدودية ، والتكامل ، والكمال ، والخلود ، والقدسية ، التي هي من صفات الآلهة حصرياً”.

وبعد أن ناقش فويرباخ فكرة الخلق خلص إلى أن الإنسان هو الذي إخترع فكرة الإله ، الذي لايمكن أن يُعد كياناً مادياً ، وإنما هو نتاج الفكر البشري. إن الإله ذلك الكيان المجرد ، الذي ينشأ من مطلقية الفكر الإنساني وحده ، ليس هو خالق كل الأشياء ، لأنه صناعة بشرية. لذا فإن المادة ، حسب فويرباخ ، هي تاج الحياة ، هي وحدها الخالدة. أما الإنسان فهو ناتج مادي ، يُصنع فيها ومن خلالها ، ويتطور منها ، لذلك يحق القول “أن الإنسان هو ما يأكل!”. من ناحية أخرى ، إتهم فويرباخ في كتابه ، الدين بتجريده الإنسان من حريته ، ووضعه في حالة إغتراب وإنفصام مع ذاته وكيانه ، الأمر الذي يتطلب منه التخلص من الدين ، ليصبح قادراُ على إستيعاب دوره كلياً ، وإدراك حقيقة أولوية المادة في الطبيعة ، “حينذاك فقط يمكن للإنسان أن يستوعب معنى الحياة على هذا الكوكب”.

الواقع أن المنظور المادي لفويرباخ حول الفكر الديني ، لم يجرد الديانات من طبيعتها المبهمة ، وحسب ، إنما وجه ضربة قاسية ، لفلسفة هيجل المثالية ، القائلة بأولوية الفكرة المطلقة. وعلى هذا الصعيد ، أدت أعمال فويرباخ الناقدة للدين ، إلى تنازله النهائي عن الفلسفة المثالية الهيجلية. وبصدور كتاب “جوهر المسيحية” يكون فويرباخ قد تبنى منهجاً في النقد الديني ، صار بديلاً عن الفلسفة المثالية الألمانية. أجاب فويرباخ على كيفية نشوء الفكرة المطلقة ، وتوصُل الإنسان إلى فكرة “الأنا” التي كونت الوجود ، أجاب كالآتي: إن هذه “الأنا” ، كذلك الفكرة المطلقة ، ما هما سوى “فقه علماني” ، أو بعبارة أخرى “تعبير عن قدرة الإنسان على التنظير” ، أي بمعنى: “نقل تفكير الإنسان إلى خارج الإنسان”. وفي مؤلفه “أسس فلسفة المستقبل” ، الذي صدر بعد عام من ذلك التأريخ ، جسّد فويرباخ هذا النقد في مقولته الشهيرة: “إن الحقيقة الأولية هي الحقيقة المحسوسة ، وعلى التفكير أن يبدأ بها”. من هنا يقوم الأساس المعرفي النقدي: “إن الحقيقة لاتوجد في التفكير ، ولا في المعرفة بحد ذاتها ، وإنما تتولد فقط من رحم الحياة البشرية ، والجوهر الإنساني”. ومن خلال نقده للفكر الديني والفلسفة المثالية ، الذي عدّته أوسع الأوساط دعوة جريئة إلى التحرر الإنساني ، إشتهر فويرباخ ، كرمز قيادي في ثقافة الحداثة التي أسست لها مدرسة فرانكفورت. وواضح تأثير فويرباخ الفلسفي ، على كل من ماركس وأنجلز ، من خلال المراسلات العديدة معه. وقد تعاطف هو نفسه ، مع الأفكار الماركسية – الأنجلزية.

لم يكن فويرباخ مستهزئاً بالدِّين ، ذلك لأنه رأى الجانب الدِّيني للحياة ليس عبثاً ، وإنَّما رآه كمفهوم أساس لإدراك الإنسان لذاته: “وما الدين غير علاقة الإنسان بطبيعته” ، “إن فكرة الإله المجسّد لصفات البشر ، تعني أن الإنسان ، عندما يكون عابداً ، فإنما يعبد كمالات نوعه هو”.
ذلك لأن موضوع الدِّين الرئيسي هو الإنسان ، كما يتضح من تحليل الخبرات الدينية ، التي تتعدَّى صور الإله غير المتناسقة. “لقد جعلت نفسي في دور المستمع الذي يقوم بالتأويل ، وليس التلقين”. فالإله عند فويرباخ انعكاس للإنسان على ذاته. إن سقوط الدين في التحولات العلمانية هو نوع من التطور. ففي السابق أرجع الإنسان كل شئ خيراً وشراً إلى الإله ، ومع التطور التأريخي ، تراجع ذلك الدور للدين ، ويبدو أن هذه العملية مستمرة حتى النهاية. ومن الواضح أن الوهن بدأ يصيب علوم الآلهة ، في الوقت الذي تتألق فيه علوم الإنسان. إن الشك في وجود الآلهة لا يعني البتة التنكر إلى القيم المنسوبة إليها. إن الإلحاد ما هو إلا الإرتباط التام بالإنسانية. إن الإنسان هو إله الإنسان. والمرء حينما يتعبد فإنه يتعبد للإنسانية وقيمها الجيدة. لذا فإن الحب الإلهي ما هو سوى الحب الإنساني.

أوضح فويرباخ في محاضرته الثالثة التي ألقاها عام 1848 على طلاب جامعة هايدلبرج ، الفرق بين كتابيه: “جوهر المسيحية” الذي صدر عام 1841 ، وبين “جوهر الدين” الذي صدر عام 1846 ، مبيناً مايأتي: ” كان موضوع البحث في كتابي الأول حول الإله ككيان أخلاقي ، دون التطرق إلى النصف الثاني من الإله ، ونعني صفاته الفيزيائية. لذا توجب علي الإشارة في كتابي الثاني ، إلى دين الطبيعة ، الدين الذي يشمل الإله الفيزيائي. لقد توصلنا في الكتاب الأول إلى أن الإله هو كيان معنوي ، أو بعبارة أخرى ، الكيان العقلي المؤلّه والمجسد للإنسان. عليه يكون علم الآلهة عملياً هو علم الإنسان. أما في كتابي الثاني ، “جوهر الدين” ، فإني وصفت الإله الفيزيائي ، أو الإله الذي الذي تسبب في قيام الطبيعة ، والكواكب ، والأشجار ، والصخور ، والحيوانات ، والبشر ، حيث أن تلك أيضاُ كيانات فيزيائية طبيعية. وهنا يتحول علم الآلهة بالضرورة إلى علم الإنسان والفسلجة! ويمكن تلخيص فلسفتي الأنثروبولوجية بكلمتين: الإنسان والطبيعة!”. من أجل إيجاد توافق بين “إنسانية” “جوهر المسيحية” و”طبيعية” “جوهر الدِّين”. حاول فويرباخ أن يعثر في مفهوم الإله على العناصر الإنسانية والطبيعية. وصرح فويرباخ في حينها واصفاً الغرض من كتاباته ومحاضراته ، بأنه “تحويل الفقهاء إلى علماء الإنسان ، ورجال الكهنوت إلى فلاسفة ، تطوير حكماء كل الأزمنة إلى مستوى طلاب حـداثة. وتحرير العبـيد من هيمنة الـدين والسلطة الأرسـتقراطية ، ليصبحوا مواطنين أحراراً ، مفعمين بالوعي والإرادة الحرة”. ومن الجدير بالذكر أن فويرباخ ، توصل في أبحاثه إلى أن الديانة المسيحية تتعارض والفلسفة.

نهايته
مات رائد الفلسفة المادية لودفيج فويرباخ ، في الثالث عشر من أيلول (سبتمبر) عام 1872 في مدينة نورنبرج الألمانية ، إثر نوبة رئوية حادة ، وكان في حينها فقير الحال ، مشوش الأفكار. ونشرت الصحف في ذلك الحين وصفاً لدفنه في مقبرة يوهان ، في مدينة نورنبرج البافارية ، جاء فيه: “لقد شارك في التشييع عدد هائل من الناس ، والمنظمات ، وحزب العمال الإشتراكي الديمقراطي”. وهكذا ، وفي سياق إطفاء أية شعلة للتحرر ، من قبل قوى الظلام الفكري ، إنطفأت فلسفة فويرباخ نهائياً في عقول وأفئدة القراء ، ولم يعد أحد ليهتم بها. فيما إشتهرت فلسفته في إنجلترا والولايات المتحدة ، بعد أن تُرجم كتابه “جوهر المسيحية” إلى اللغة الإنجليزية.
ومما أكسبه شهرة أوربية أن فويرباخ كرس فلسفته لمساواة المرأة بالرجل. وفي رسالة إلى أحد الأصدقاء السياسيين كتب فويرباخ حول موقع المرأة في المجتمع الديني الألماني قائلاً: “حقاً يختلف الرجل والمرأة جسدياً ، وعقلياً ، الأمر الذي جعل هذا الفرق يقود إلى هيمنة الرجل على المرأة ، وعزلها عن النشاطات الفكرية عموماً ، ووضعها بين جدران المنزل. وأنا على ثقة أنها لو مارست السياسة ، ستكون مثل الرجل. ربما ستصنع سياسة مختلفة ، سياسة أفضل من السياسات التي يصنعها الرجال!”

كتب فويرباخ عن محاضراته عام 1848 في جامعة هايدلبرج قائلاُ: “سأذهب إلى هايدلبرج لإلقاء محاضرات حول جوهر الدين. ولو أن بذرة واحدة فقط مما سوف أزرع هناك ، نبتت بعد مئة عام ، وأصبحت شجرة ، فإنني أكون قد أديت خدمة إلى البشرية”. “حقاً أن الإنسان يجهل الكثير مما يحدث له من حوله ، لكن ذلك لايبرر اللجوء إلى ماوراء الطبيعة ، للعثور على التفسير. كم من أسرار عجز أسلافنا عن معرفة كنهها ، واليوم يلم الإنسان بكل خفاياها”. لقد ترك فويرباخ بنظريته الدينية أثراً قوياً على الفكر الإنساني إلى يومنا هذا. فلايستطيع باحث أن يكتب ، حتى في القرن الحادي والعشرين ، عن الفكر الديني ، دون المرور مثلاً بالنظرية الإسقاطية ، القائلة أن الإنسان إبتدع الآلهة حسب صورته ، وأن الإله ليس سوى الفكرة التي يتمناها كل إنسان لنفسه ، ولا يفقه عنها شيئاً ، رغم وجودها في داخله: “لا شئ حقيقياً سوى البشري الفعلي المحسوس”.

ولم يعد الناس ، عدا الدائرة الضيقة من المثقفين وذوي الإختصاص ، يهتمون بأفكار فيلسوف التنوير الألماني لودفيج فويرباخ. والحكومة الألمانية التي تصدر كل يوم طابعاً يحمل رمزاً دينياً كنسياً ، تذكرت أخيراً فأصدرت طابعاً بريدياً يتيماً ، يحمل صورة فيلسوف التنوير فويرباخ. والغريب في الأمر أن ذلك يحدث في بلاد مثل (ألمانيا) ، حيث أكثر من ثلث شعبها متحرر صراحة من الدين!.