هكذا تم إسقاط نظام البعث 1963

من ذاكرة التاريخ: هكذا تم إسقاط نظام البعث 1963

حامد الحمداني

حامد الحمدانيلم يكن حزب البعث يضم عنصر التجانس بين أعضائه، فقد كان أعضاءه وقيادييه ينتمون لطبقات  مختلفة، قسم منهم من الطبقة البرجوازية، وقسم من البرجوازية الصغيرة، ونسبة قليلة من العمال والفلاحين والحرفيين ذوي الدخل المحدود، ووجود نسبة عالية من الطلاب الذين لا تتجاوز أعمارهم  على الأغلب 20 عاماً بين صفوفهم، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً وتنظيمياً. 

وبسبب هذا التباين في التركيبة القومية والطائفية والطبقية، فقد كان من الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في التطلعات والتوجهات والأفكار والعواطف، كما كان معظم ضباطهم الذين قادوا انقلاب 8 شباط ضد نظام عبد الكريم قاسم من الطائفة السنية، في حين كانت قيادتهم القطرية تضم خمسة من الشيعة، وثلاثة من الطائفة السنية، ويرجع معظم أعضاء البعث من المناطق الريفية المختلفة، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً، وحتى قياديي الحزب كانوا من هذا الطراز، كما وصفهم مؤسس الحزب عندما قال:

{بعد الثورة ـ أي انقلاب 8 شباط ـ بدأت اشعر بالقلق من فرديتهم، وطريقتهم الطائشة في تصريف الأمور، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة بلد، وشعب}. 

لقد كان الحزب عبارة عن تجمع لعناصر معادية للشيوعية التي لا يجمعها أي رابط أيديولوجي، وكان جُل همهم منصباً على حربهم الشعواء ضد الشيوعية، وظهرت بينهم تكتلات أساسها المنطقة أو العشيرة أو الطائفية، وهكذا كانت التناقضات والخلافات تبرز شيئاً فشيئاً على سطح الأحداث، والتي كان من أهمها:

1 ـ الموقف من عبد السلام عارف:

ففي 11 شباط 1963، حدث بين قيادة البعث وعبد السلام عارف، الذي نصبوه رئيساً للجمهورية صِدامٌ مكشوف، مما دفع علي صالح السعدي، أمين سر القيادة القطرية للحزب، إلى أن يطرح موضوع بقاء عبد السلام عارف، أو إزاحته من منصبه، قائلاً:

{إن عبد السلام عارف سوف يثير لنا الكثير من المتاعب، وربما يكون خطر علينا، إلا أن أغلبية القيادة لم تأخذ برأي السعدي، خلال اجتماع القيادة الذي جرى في دار حازم جواد، وقد هدد السعدي بالاستقالة إذا لم تأخذ القيادة برأيه، لكنه عدل عن ذلك بعد قليل، وبعد نهاية الاجتماع ذهب حازم جواد إلى عبد السلام عارف وأخبره بما دار في الاجتماع، وحذره من أن السعدي ينوي قتله والتخلص منه}.

2 ـ الموقف من قانون الأحوال المدنية:

الخلاف الثاني الذي حدث بين أعضاء القيادة القطرية حينما طُرح موضوع قانون الأحوال المدنية رقم 188 لسنة 1959الذي شرعه عبد الكريم قاسم، والذي اعتُبر ثورة اجتماعية أنجزتها ثورة 14 تموز فيما يخص حقوق المرأة وحريتها، وإطلاق سراح نصف المجتمع العراقي الذي تمثله المرأة من عبودية الرجل، وكان القانون قد ساوى المرأة بالرجل في الإرث، ومنع تعدد الزوجات إلا في حالات خاصة وضرورية، ومنع ما يعرف بالقتل غسلاً للعار، وغيرها من الأمور الأخرى، وقام عبد السلام عارف بإلغاء القانون في 18 آذار 1963، أثناء وجود علي صالح السعدي في القاهرة، وانقسم مجلس قيادة الثورة ذو الأغلبية البعثية وأعضاء القيادة القطرية حول مسألة الإلغاء، حيث أيده بعض الأعضاء وعارضه البعض الآخر، وفي نهاية المطاف فرض عبد السلام عارف أجراء تعديلات جوهرية على نص القانون أفرغته من محتواه فيما يخص حقوق المرأة .

3 ـ الموقف من الحركات السياسية القومية:

كان الخلاف الثالث بين أعضاء قيادة البعث ينصب حول الموقف من الحركات السياسية القومية [القوميون، والناصريون، والحركيون]، وقد أجرت قيادة الحزب نقاشات حادة حول الموقف منهم، و برز خلال النقاش فكرتان متعارضتان، الأولى تدعو إلى تحجيم القوى القومية، والأخرى تدعو للتعاون معها، لكن القيادة البعثية لم تستطع حسم الأمر، بل على العكس من  ذلك أدى الأمر إلى تعمق الخلافات والصراعات فيما بين أعضاء القيادة.

4 ـ الموقف من الحرس القومي:

في شهر حزيران 1963  ظهرت أسباب أخرى للخلافات بين أعضاء قيادة الحزب حول الحرس القومي، فقد وجهت القيادة العليا للقوات المسلحة في 4 تموز 1963 برقية إلى قيادة الحرس القومي تحذرها وتهددها بحل الحرس القومي إذا لم تتوقف هذه القوات عن الإجراءات المضرة بالأمن العام  وراحة المواطنين.

كانت روائح الجرائم التي يقترفها الحرس القومي ضد أبناء الشعب بشكل عام والشيوعيين منهم بوجه خاص قد أزكمت الأنوف، وضجت الجماهير الواسعة من الشعب من تصرفاتهم وإجرامهم.

إلا أن القائد العام لقوات الحرس القومي [منذر الونداوي] لم يكد يتسلم البرقية حتى أسرع إلى الطلب من القيادة العليا للقوات المسلحة سحب وإلغاء البرقية المذكورة في موقف يبدو منه التحدي، مدعياً أن الحرس القومي قوة شعبية ذات قيادة مستقلة، وأن الحق في إصدار أوامر من هذا النوع لا يعود إلى أي شخص كان، بل إلى السلطة المعتمدة شعبياً والتي هي في ظل ظروف الثورة الراهنة هي المجلس الوطني لقيادة الثورة ولا أحد غيره، وهكذا وصل التناقض والخلاف بين البعثيين وضباط الجيش، وعلى رأسهم عبد السلام عارف، إلى مرحلة عالية من التوتر، مما جعل عبد السلام عارف يصمم على قلب سلطة البعثيين بأسرع وقت ممكن.

5- الحرب في كردستان:

جاء تجدد الحرب في كردستان التي بدأها البعثيون في 10 حزيران1963  لتزيد وضعهم صعوبة، وتعمق الخلافات بينهم حتى أصبح حزب البعث في وضع لا يحسد عليه، فقد تألبت كل القوى السياسية والعسكرية ضدهم، وسئمت أعمالهم وتصرفاتهم .

حاول عبد السلام عارف، وأحمد حسن البكر، بالتعاون مع حازم جواد وطالب شبيب التخلص من علي صالح السعدي، وإخراجه من الحكومة، ومجلس قيادة الثورة، إلا أن الظروف لم تكن مؤاتية لمثل هذا العمل في ذلك الوقت.

ففي 13 أيلول عُقد المؤتمر القطري للحزب، وجرى فيه انتخاب ثلاث أعضاء جدد من مؤيدي علي صالح السعدي، وهم كل من: هاني الفكيكي، وحمدي عبد المجيد، ومحسن الشيخ راضي، فيما أُسقط طالب شبيب في الانتخابات، وبقي حازم جواد، كما فاز أحمد حسن البكر،  وصالح مهدي عماش، وكريم شنتاف بتلك الانتخابات.

وهكذا بدا الانقسام ظاهراً أكثر فأكثر  فجماعة السعدي تتهم جماعة حازم جواد باليمينية، بينما تتهم جماعة حازم جواد السعدي وجماعته باليسارية، ووصل الأمر بعلي صالح السعدي إلى الإدعاء بالماركسية، وحاول أن يبرئ نفسه من دماء آلاف الشيوعيين!.

وفي الفترة ما بين 5ـ23 تشرين الأول، عُقد المؤتمر القومي لحزب البعث، في دمشق، وجرى تعاون بين السعدي وحمود الشوفي، حيث ضمنا لهما أكثرية من أصوات المؤتمرين العراقيين، والسوريين، وسيطرا على المؤتمر وقراراته، وبلغ بهم الحال أن شنوا هجوماً عنيفاً على جناح مؤسس الحزب [ميشيل عفلق] وطرحوا أفكاراً راديكالية فيما يخص التخطيط الاشتراكي، وحول المزارع التعاونية للفلاحين.

ضاقت الدنيا بميشيل عفلق، حيث لم يتحمل الانقلاب الذي أحدثته كتلة [السعدي و الشوفي] داخل المؤتمر في تركيبة القيادة القومية مما افقده القدرة على التأثير في مجرى الأحداث وجعلته يصرح علناً [هذا لم يعد حزبي].

الخلافات بين الجناحين المدني والعسكري

بعد أن قوي مركز علي صالح داخل القيادتين القطرية والقومية و بدأ هو وكتلته يطرحون أفكاراً راديكالية، وتحولا نحو اليسار، بدأ الضباط البعثيون يشعرون بعدم الرضا من اتجاهات السعدي وكتلته، و أخذت مواقفهم تتباعد شيئاً فشيئاً عن مواقفه، وانقسم تبعاً لذلك الجناح المدني للحزب، فقد وقف منذر الونداوي وحمدي عبد المجيد ومحسن الشيخ راضي، بالإضافة إلى الحرس القومي، واتحاد العمال، واتحاد الطلاب، إلى جانب السعدي، فيما وقف حازم جواد، وطالب شبيب، ورئيس أركان الجيش وطاهر يحيى، وقائد القوة الجوية حردان عبد الغفار التكريتي، ووزير المواصلات عبد الستار عبد اللطيف، وقائد كتيبة الدبابات الثالثة محمد المهداوي إلى الجانب المعارض لجناح السعدي، بينما وقف أحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش على الحياد، لكن السعدي أتهمهما بأنهما يدفعان الحزب نحو اليمين، و يؤيدان معارضيه في الخفاء.

ثالثاً:الصراع بين البعث والضباط القوميين والناصريين والحركيين:

كان أحد العوامل الرئيسية للصراع داخل قيادة حزب البعث هو الموقف من القوى القومية والناصرية والحركية، فقد انقسمت القيادة القطرية في مواقفها إلى كتلتين، فكتلة حازم جواد وطالب شبيب كانت تطالب بقيام جبهة واسعة تضم حزب البعث وكل الفئات القومية والناصرية والحركية، فيما كانت كتلة السعدي تعارض هذا التوجه، وقد أدى ذلك إلى تأزم الموقف، واشتداد الصراع بين الجناحين وتصاعده حتى وصل الأمر إلى الموقف من السعدي نفسه عندما حاول جناح [ جواد و شبيب] إزاحة السعدي متهمين إياه بالتهور والتطرف، وتعاون احمد حسن البكر مع عبد السلام عارف على إزاحته، فكانت البداية قد تمثلت بإجراء تعديل وزاري في 11 أيار 1963، جرى بموجبه إعفاء السعدي من منصب وزير الداخلية وتعيينه وزيراً للإرشاد، فيما جرى تعيين غريمه حازم جواد مكانه وزيراً للداخلية.

كان ذلك الإجراء أول ضربة توجه إلى قيادة السعدي، ثم تطور الأمر إلى محاولة إخراجه من الوزارة ومجلس قيادة الثورة، والسيطرة على الحرس القومي الذي يقوده منذر الونداوي، والذي يعتمد عليه السعدي اعتماداً كلياً. 

عبد السلام عارف يعفي الونداوي من قيادة الحرس والونداوي يرفض

في 1 تشرين الثاني  صدر مرسوم جمهوري يقضي بإعفاء منذر الونداوي من قيادة الحرس القومي، وتعيين عبد الستار عبد اللطيف بدلاً عنه، غير أن الونداوي تحدى المرسوم، وأصرّ على البقاء في منصبه، في قيادة الحرس القومي، وقد أدى ذلك إلى تعقد الموقف، وتصاعد حمى الصراع الذي تفجر بعد عشرة أيام.

ففي11 تشرين الثاني عُقد مؤتمر قطري استثنائي لانتخاب ثمانية أعضاء جدد للقيادة القطرية لكي يصبح العدد 16 عضواً بموجب النظام الداخلي الذي تبناه المؤتمر القومي السادس [المادة 38 المعدلة من النظام الداخلي].

غير أن المؤتمر لم يكد يباشر بإجراء الانتخاب حتى داهم 15 ضابطاً مسلحاً قاعة الاجتماع بقيادة العقيد [محمد المهداوي] الذي بدأ يتحدث أمام المؤتمرين قائلاً :

{لقد اخبرني الرفيق ميشيل عفلق، فيلسوف الحزب، أن عصابة استبدت بالحزب في العراق، ومثلها في سوريا، وأن العصابتين وضعتا رأسيهما معاً، وسيطرتا على المؤتمر القومي السادس، ولذلك يجب القضاء عليهما}.

كما هاجم المهداوي قرارات المؤتمر القومي السادس واصفاً إياه بمؤامرة ضد الحزب، وطالب بانتخاب قيادة قطرية جديدة تحت تهديد أسلحة الضباط المرافقين له.

تظاهر المؤتمر باختيار قيادة جديدة، واشترك الضباط بالتصويت،علماً بان بعضهم لم يكن بعثياً على الإطلاق، وجاء على رأس القيادة الجديدة [حازم جواد] بالإضافة إلى فوز أنصاره.

غير أن المهزلة لم تنتهِ إلى هذا الحد، بل أسرع الضباط إلى اعتقال [علي صالح السعدي] و[محسن الشيخ راضي] و[حمدي عبد المجيد] و[هاني الفكيكي] و[أبو طالب الهاشمي] الذي كان يشغل منصب نائب القائد العام للحرس القومي، وجرى تسفير الجميع على متن طائرة عسكرية إلى مدريد.

امتداد الصراع إلى الشارع

أنفجر الوضع المتأزم في ذلك اليوم، وامتد الصراع إلى الشارع، ففي صباح يوم 13 تشرين الثاني اندفعت أعداد غفيرة من مؤيدي علي صالح السعدي ومن الحرس القومي إلى شوارع بغداد،  وأقاموا الحواجز في الطرق، واحتلوا مكاتب البريد والبرق والهاتف ودار الإذاعة، وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا على الأسلحة فيها.

وفي الوقت نفسه أسرع منذر الونداوي إلى قاعدة الرشيد الجوية ومعه طيار آخر، وامتطيا طائرتين حربيتين، وقاما بقصف القاعدة المذكورة، ودمرا [5 طائرات] كانت جاثمة فيها.

وفي الساعة الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم أذاع [صالح مهدي عماش] وزير الدفاع بياناً من دار الإذاعة حذر فيه [أحمد حسن البكر] من أن هناك محاولة لجعل البعثيين يقتلون بعضهم بعضاً، وهذا ما لا يفيد إلا أعداء الحزب، كما وجه نداءاً للعودة إلى العلاقات الرفاقية، وإلى التفاهم  والأخوة.

وفي تلك الأثناء فرضت قوات الحرس القومي سيطرتها على أغلب مناطق بغداد، ورفض البكر وعماش إعطاء الأمر إلى الجيش بالتدخل وأصبحت قيادة فرع بغداد للحزب هي التي تقود الحزب في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ حكم البعث، وطالبت تلك القيادة بإعادة السعدي ورفاقه إلى العراق، وممارسة مهامهم الحزبية والرسمية،غير أنها لم تفلح في ذلك، واضطرت إلى الموافقة على إحالة القضية إلى القيادة القومية لتبت فيها.

عفلق وأمين الحافظ في بغداد لمحاولة حسم الصراع:

وفي مساء ذلك اليوم الثالث عشر من تشرين الثاني، وصل إلى بغداد مؤسس الحزب[ميشيل عفلق] والرئيس السوري [أمين الحافظ] بالإضافة إلى عدد آخر من أعضاء القيادة القومية للحزب.

غير أن عبد السلام عارف تجاهل وصولهما، ولم يجر لهما استقبالاً رسمياً  كما يقتضي البروتوكول والعرف الدبلوماسي، كما لم يحاول الالتقاء بالوفد، مما جعل الوفد يحس أن هناك جو غير طبيعي في بغداد، وأن لابد من أن يكون هناك أمراً يدبر ضد حكم البعث.

حاول ميشيل عفلق ورفاقه في الوفد التصرف بشؤون العراق، فقد أصدروا  قراراً بنفي [حازم جواد] وزير الداخلية، و[طالب شبيب] وزير الخارجية متهمين إياهما بأنهما أساس الفتنة، كما أصدر الوفد قراراً آخر بحل القيادة القطرية التي جرى انتخابها تحت تهديد الضباط الخمسة عشرة، وكذلك القيادة القطرية السابقة التي كان يقودها علي صالح السعدي، وأعلن عن تسلم القيادة القومية للمسؤولية لحين انتخاب قيادة قطرية جديدة.

هكذا إذاً كان تصرف عفلق والوفد الموافق له، تجاهلاً لعبد السلام عارف بصفته رئيساً للجمهورية، وتجاهلا لسيادة واستقلال العراق، والتدخل الفض في شؤونه الداخلية، حيث وصل الأمر إلى أن يعين عفلق أعضاء في الحكومة ويقيل أعضاءً آخرين، وقد أدى تصرفه هذا إلى استياء الضباط العراقيين الممسكين بزمام الجيش.

كما أن الرابطة التي كانت تجمع الضباط البعثيين بالقيادة المدنية قد تفككت، ودبت الخلافات العميقة بينهم، وسارع الجناح المدني في الحزب يتحدى من اسماهم أعداء الحزب، ودعا اتحاد العمال الذي يسيطر عليه الحزب إلى سحق رؤوس البرجوازيين الذين خانوا الحزب، وإعدام أصحاب رؤوس الأموال الذين هربوا أموالهم إلى الخارج.

كما دعوا إلى تأميم كافة المشاريع الصناعية في البلاد، وكانت تلك الاندفاعات لجناح الحزب المدني كلها تصب في خانة عبد السلام عارف الذي صمم على إزاحة حزب البعث عن السلطة، وأحكام قبضته على شؤون البلاد دون منازع أو شريك.

رابعاً: انقلاب عبد السلام عارف ضد البعث

بعد أن وصلت حالة الحزب إلى أقصى درجات التمزق والتناحر، وبعد أن عمت الفوضى أرجاء البلاد، وبلغ استياء ضباط الجيش الممسكين بالمراكز القيادية في الجهاز العسكري من تصرف القيادة البعثية مداه، قرر عبد السلام عارف بالتعاون مع تلك العناصر العسكرية توجيه ضربته القاضية لحكم البعث، وإنهاء سيطرتهم على مقدرات البلاد، فقد استغل عبد السلام تلك الظروف البالغة الصعوبة التي مرّ بها حزب البعث وبالتنسيق مع عدد من أولئك الضباط  وكان من بينهم :

1- الزعيم عبد الرحمن عارف قائد الفرقة الخامسة- شقيق عبد السلام.

2 – الزعيم الركن عبد الكريم فرحان، قائد الفرقة الأولى.

3 – العقيد سعيد صليبي، آمر الانضباط العسكري.

4 – الزعيم الركن الطيار حردان التكريتي، قائد القوة الجوية [ بعثي].

5 – اللواء الركن طاهر يحيى، رئيس أركان الجيش.

هذا بالإضافة إلى العديد من الضباط الآخرين ذوي الميول القومية.

وفي فجر يوم 18 تشرين الثاني 1963 ، قامت طائرات عسكرية بقصف مقر القيادة العامة  للحرس القومي في الأعظمية، ثم تقدمت الدبابات، والمصفحات لتستولي على كافة المرافق العامة في بغداد، ومقرات الحرس القومي.

وحاول البعثيون مقاومة الانقلاب في بادئ الأمر، إلا أن الأمر كان قد حسم في نهاية النهار، فلم يكن باستطاعة الحرس القومي، وهو يحمل الأسلحة الخفيفة أن يقاوم الدبابات والمصفحات والصواريخ والطائرات، وسارع أفراد الحرس  إلى إلقاء سلاحهم، والتخلص منه، برميه في الحقول والمزارع والمزابل بعد أن هددهم النظام العارفي الجديد بإنزال العقاب الصارم بهم إن هم استمروا على حمل السلاح أو إخفائه، وأجرى الجيش مداهمات لدور أفراد الحرس القومي بحثاً عن السلاح.

كما جرى إلقاء القبض على أعداد كبيرة من البعثيين لفترة محدودة من الزمن، حيث تمكن الجيش من إحكام سيطرته على البلاد، وأخذ النظام فيما بعد يطلق سراح البعثيين المعتقلين  في حين بقي السجناء والموقوفين الشيوعيين والديمقراطيين في السجون، وجرى تنفيذ أحكام بالإعدام، كانت قد أصدرتها المحاكم العرفية على عهد البعثيين، بعد تسلم عبد السلام عارف زمام الأمور في البلاد، فقد كان العداء للشيوعية هو الجامع الذي جمع البعثيين والقوميين دون استثناء، ربما شيء واحد قد تغير، هو تخفيف حملات التعذيب أثناء التحقيقات مع المعتقلين، واستمرت المحاكم العرفية تطحن بالوطنيين طيلة عهد عارف.

عبد السلام عارف يحكم سيطرته على البلاد

في مساء يوم الثامن عشر من تشرين الثاني 963 ، تلاشت مقاومة حزب البعث وحرسه القومي في أنحاء البلاد، وتم لعبد السلام عارف وقادته العسكريين السيطرة التامة على البلاد، وبدأ على الفور بترتيب البيت، مانحاً نفسه صلاحيات استثنائية واسعة لمدة سنة، تتجدد تلقائياً، إذا اقتضى الأمر ذلك، وعمد عبد السلام إلى الاعتماد على الروابط العشائرية، وخاصة عشيرة [الجميلات]،  فقد عين شقيقه [عبد الرحمن عارف] وكيلاً لرئيس أركان الجيش، رغم كونه ليس ضابط أركان. كما عين صديقه، وأبن عشيرته [سعيد صليبي] قائداً لحامية بغداد، فيما أعلن عارف نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة.

كما جاء عارف باللواء العشرين الذي كان يقود أحد أفواجه عند قيام ثورة 14 تموز، واتخذ منه الحرس الجمهوري الخاص به، واعتمد على العناصر المؤيدة له فيه من عشيرة الجميلات وغيرها من عشائر محافظة الأنبار.

بدأ عبد السلام عارف حكمه معتمداً على ائتلاف عسكري ضم الضباط القوميين والناصريين، والضباط البعثيين الذين انقلبوا على سلطة البعث فقد عيّن [طاهر يحيى] رئيساً للوزراء، و[حردان التكريتي] نائباً للقائد العام للقوات المسلحة، ووزيراً للدفاع، فيما عيّن [أحمد حسن البكر] نائباً لرئيس الجمهورية، والزعيم [رشيد مصلح ] وزيراً للداخلية، وحاكماً عسكرياً عاماً، ويلاحظ أن هؤلاء جميعاً من تكريت، ومن العناصر البعثية، أما العناصر القومية التي شاركت في الحكم فكان على رأسها الزعيم الركن [محمد مجيد] مدير التخطيط العسكري، والزعيم الركن [عبد الكريم فرحان] الذي عيين وزيراً للإرشاد، و[عارف عبد الرزاق] الذي عيين قائداً للقوة الجوية، والعقيد الركن [هادي خماس] الذي عيّن مديرا لجهاز الاستخبارات العسكرية، والمقدم [صبحي عبد الحميد] الذي عيين وزيراً للخارجية.

عبد السلام عارف يبعد العناصر البعثية عن الحكم:

رغم تعاون الضباط البعثيين مع عبد السلام عارف في انقلاب 18 تشرين الثاني 963 ضد قيادتهم المدنية، واشتراكهم في حكومته الانقلابية، إلا أن عارف لم يكن يطمأن لوجودهم في السلطة، ولم يكن إشراكهم في الحكم من قبله سوى كونه عمل تكتيكي من أجل نجاح انقلابه ضد سلطة البعث وتثبيت حكمه، لكنه كان في نفس الوقت يتحين الفرصة للتخلص منهم، وقد ساعده في ذلك الكره الشعبي الواسع النطاق للحكام البعثيين بسبب ما اقترفوه من جرائم بحق الوطنيين طيلة فترة حكمهم التي دامت تسعةاشهر، وهكذا بعد أن تسنى لعارف تثبيت أركان حكمه، بدأ بتوجيه الضربات للعناصر البعثية تلك.

ففي 4 كانون الأول 964 ،أعفى عارف المقدم [عبد الستار عبد اللطيف] من وزارة المواصلات، وفي 16 منه أزاح عارف [حردان التكريتي] من منصبه كقائد للقوة الجوية، وفي 4 كانون الثاني 64 ألغي عارف منصب نائب رئيس الجمهورية وتخلص من [احمد حسن البكر] الذي كان يشغل المنصب، وعينه سفيراً بديوان وزارة الخارجية. (7)

وفي 2 آذار 964، أعفى عارف [حردان التكريتي] من منصب وزير الدفاع وعين محله طاهر يحيى بالإضافة إلى منصبه كرئيس للوزراء، ولم يبقَ إلا رشيد مصلح التكريتي وزير الداخلية والحاكم العسكري العام الذي ربط مصيره بمصير عارف، مهاجماً أعمال البعثيين وجرائمهم، وبذلك أصبح عبد السلام عارف الحاكم المطلق في البلاد، وبرز الناصريون في مقدمة النظام، وبدأ النظام يقلد الجمهورية العربية المتحدة في أساليبها وخططها التنموية، حيث أقدمت الحكومة على تأميم المصارف،  وشركات التأمين، و 32 مؤسسة صناعية وتجارية كبيرة، وخصصت الدولة 25% من الأرباح للعمال والموظفين العاملين فيها، وقررت تمثيلهم في مجالس الإدارة.

كما أقدم النظام الجديد على تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي في 14 تموز 964، على غرار الاتحاد الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة، ودُعيت القوى السياسية في البلاد إلى الانضواء تحت راية هذا الاتحاد، وقد استهوى هذا الإجراء وتلك التحولات الاقتصادية جانباً من قيادة الحزب الشيوعي، حيث برزت دعوة لحل الحزب والانضمام إلى الاتحاد المذكور، لكن هذا الاتجاه لم ينجح في جر الحزب إليه، بعد أن وقفت العناصر الحريصة على مصلحة الحزب ضد دعوة الحل والانضمام للاتحاد الاشتراكي .

حامد الحمداني

سيدة الجنوب وتيمور

سيدة الجنوب ….
تيمور طفل عراقي كردي تم نقله مع عائلته المتكونة من والدته وجدته
وأختاه مع العديد من العوائل الكردية الاخرى من سجن كركوك الى بادية السماوة للتخلص منهم بعد انتهاء العمليات العسكرية في الشمال نهاية
الثمانينات . وصلوا لصحراء السماوة مساءا ……
هذه الصحراء المترامية التي وهبها الله جمالا ونقاء وبراءة … ووهبها الحكام
وجها مرعبا للموت والنفي والعزلة فضمت بين حناياها وتحت رمالها شواهد
لاجساد حلمت يوما بالحرية وبحياة أفضل . عند نزولهم من الشاحنات وجدوا
أن الشفلات العسكرية أعدت لهم حفرأ عميقة مستطيلة فوضعوا على شكل ارتال امام الحفر وتطلق عليهم النار تباعا الرتل تلو الاخر وبعد ذلك تقوم
المعدات بدفنهم . وعندما اطلقت النيران على عائلة تيمور سقطوا في
الحفرة أما هو فقد أصابته رصاصة في صدره ولم تقتله وعندما نظر حوله في
الحفره شاهد أمه وجدته وأختاه قد قتلوا فشعر بالصدمة والحزن تمزق قلبه
وفجاءة شاهد طفلة لازالت على قيد الحياة فطلب منها مرافقته بالخروج من الحفرة والهروب لكنها اخبرته انها لاتستطيع ذلك وكان جسمه الصغير وأصابته
لاتسمح له بمساعدتها فخرج زاحفا من الحفرة وأستمر بالزحف متخفيا بالغبار الذي تثيره الشفلات وواضعا يده على جرحه النازف وقلبه مملوء بالحزن والوعة على اهله وبالحسرة على الطفلة التي لم يستطع أنقاذها
وبعد حلول الظلام والسير الى لاشيء في صحراء مرعبة شاهد الطفل شيء أسود يقترب منه فأذا هي ثلاثة كلاب شرسة تعوي وتكشر عن أنيابها
أنه موقف رهيب لايفرق شيأ عن الوقوف أمام حفرة الاعدام … لم يلاحظ
تيمور وجود خيمة قريبة من المكان هذه الخيمة تسكنها عائلة سيدة عربية
عراقية سماوية تدعى أم حسين أكسبتها الصحراء صفات النقاء والفطنة ومنحها الجنوب صفات الرحمة والطيب والانسانية … قالت لآبنها حسين
أذهب وأنظر ما الامر فالكلاب لاتعوي الا أذا رأت شيء .بعد لحظات دخل
حسين الخيمة ومعه طفل مصاب شاحب الوجه من كثرة النزف والخوف
لايعرف التكلم بالعربية فكان ينطق كلمة واحدة هي كلار .. كلار .فهمت
سيدة الجنوب الامر فأحتضنته ولم تستطع حبس الدموع التي انهمرت
من عينيها ومسحت على رأسه . فشعر تيمور بالامان وحنان الآم يسري
بجسده المنهك . وقامت بشد الجرح وخلعت ملابسه وأحرقتها وألبسته
دشداشة عربية وأفهمته أن يتواصل بالاشارات لكي يظن من يراه انه
أخرس ولا ينكشف أمره وأسمته علي عبد الله. في الصباح الباكر انتقلت
عائلة أم حسين مع أبنها الجديد تيمور أو علي للعيش في قرية قريبة
من مدينة السماوة وهناك تمت معالجته وعاش كأحد ابناء العائلة لابل
الابن المدلل للسيدة الكبيرة التي تحملت الكثير وتحدت السلطة التي
لو عرفت الامر لن تبقيها هي وأبنأها عل قيد الحياة .في التسعينات
استطاع تيمور الوصول الى كردستان ومن هناك سافر الى الولايات المتحدة
الامريكية . وبعد الاحداث التي مر بها العراق عام 2003 عاد تيمور بلهفة
لرؤية أمه الجنوبية فأخبروه أنها ترقد في المسبشفى فذهب اليها وجلس
عل ركبتيه يقبل يديها والدموع تنهمر منهما .

منذر الونداوي

منذر الونداوي النقيب الطيار الذي هاجم  مقر الزعيم عبدالكريم قاسم بطائرة (هنتر) ومهّد النجاح لحركة 8 شباط 1963

 

 

توفي في مدينة ماربيا الاسبانية الاحد الماضي أحد القادة العسكريين البعثيين المقدم الطيار المتقاعد والسفير السابق منذر توفيق الونداوي عن 83 عاما بعد معاناة مع مرض القلب الذي لازمه في العقدين الماضيين.

 

ويعد الونداوي المولود في الناصرية عام 1932 لاب موظف ينحدر من اسرة تركمانية تقطن في ضواحي قضاء خانقين واحدا من ابرز العسكريين البعثيين في الفترة الممتدة بين عامي 1958 و1963 كان فيها عضوا في المكتب العسكري للحزب الى جانب المقدم صالح مهدي عماش والرائد محمد علي سباهي والرائد علي عريم والنقيب سامي سلطان والملازم علاء الجنابي قبل ان يلتحق بهم العقيد احمد حسن البكر والعقيد عبدالكريم مصطفى نصرت والمقدم الطيار حردان التكريتي والمقدم عبدالستار عبداللطيف والمقدم ذياب العلكاوي ومئات الضباط الاخرين.

 

تخرج منذر الونداوي ملازما طيارا من كلية القوة الجوية في عام 1955 ونسب للعمل في القواعد الجوية العراقية وعرف بكفائته في قيادة طائرات الهنتر البريطانية الصنع وشجاعته التي تصل الى درجة المخاطرة بحياته والتزامه الحزبي.

 

انتمى الونداوي الى حزب البعث في مطلع الخمسينات عندما كان يقضي عطلة صيفية في مسقط رأسه بمدينة الناصرية حيث كسبه الى صفوف الحزب صديقه طالب الهندسة فؤاد الركابي الذي يعد اول امين سر للقيادة القطرية في العراق واصغر وزير في تاريخ الحكومات العراقية المتعاقبة حيث اختير وزيرا للاعمار في الوزارة الاولى التي شكلها الزعيم عبدالكريم قاسم عقب ثورة 14 تموز 1958.

 

لعب الونداوي دورا كبيرا في انقاذ زعيم البعث فؤاد الركابي عقب محاولة اغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم في السابع من تشرين 1959 عندما اعلن الحاكم العسكري اللواء احمد صالح العبدي بيانا دعا فيه الجهات الامنية الى القاء القبض على الركابي وعدد من قادة الحزب لضلوعهم في محاولة اغتيال زعيم البلاد حيث تطوع الونداوي بنقل الركابي واحد مسؤولي عملية الاغتيال وعضو القيادة القطرية للحزب عبدالله الركابي وعضو القيادة الاخر حازم جواد من بغداد الى الفلوجة وسهل لهم طريق النجاة في الذهاب الى الاقليم السوري للجمهورية العربية المتحدة مخاطرا بحياته ومخترقا عشرات نقاط السيطرة .

 

وبرز اسم النقيب الطيار منذر الونداوي في الثامن من شباط 1963 عندما قاد احدى طائرتين مقاتلتين مع رفيقه الملازم الاول الطيار ممتاز السعدون من قاعدة الحبانية الجوية بمساعدة من آمر الجناح العقيد الطيار عارف عبدالرزاق وانطلق الاثنان نحو العاصمة بغداد في صبيحة ذلك اليوم وضربا مقر الزعيم عبدالكريم قاسم في وزارة الدفاع بالصواريخ ومهدا الطريق للدبابات والقطعات البرية لتطويق الوزارة وفرض الحصار على الزعيم الذي حاول الصمود في مواجهة الانقلابيين البعثيين غير ان صواريخ الونداوي من الجو وقذائف دبابات البعثيين  اجبرت قاسم على الاستسلام في اليوم التالي التاسع من شباط حيث اقتيد الى مبنى الاذاعة والتلفزيون في حي الصالحية مع العميد طه الشيخ احمد مدير الخطط العسكرية والعميد فاضل عباس المهداوي رئيس المحكمة العسكرية الخاصة واحد المرافقين ومثلوا امام محاكمة سريعة وتقرر اعدامهم رميا بالرصاص.

 

رفع النقيب منذر الونداوي الى رتبة مقدم عقب نجاح حركة 8 شباط تقديرا لشجاعته وعين قائدا للحرس القومي الذي شكله البعثيون كقوات مساندة للجيش والشرطة غير ان الونداوي حول الحرس الى قوة عسكرية ضاربة تمتعت بصلاحيات واسعة تفوقت في سلطاتها على القوات المسلحة مما أثار استياء قادة الجيش وفي مقدمتهم الرئيس عبدالسلام عارف ورئيس الوزراء احمد حسن البكر ووزير الدفاع الفريق صالح مهدي عماش والحاكم العسكري العام اللواء رشيد مصلح التكريتي ورئيس اركان الجيش اللواء طاهر يحيي وقائد القوة الجوية العميد الطيار حردان عبدالغفار التكريتي الذين قرروا اعفاءه من موقعه غير ان قيادة الحزب وعلى رأسها علي صالح السعدي نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية رفضت القرار.

 

انحاز الونداوي ومعه قادة الحرس القومي نجاد الصافي وابو طالب عبدالمطلب الهاشمي وعطا محيي الدين وعمار علوش الى الجناح اليساري الذي قاده علي صالح السعدي وضم اعضاء القيادة القطرية هاني الفكيكي ومحسن الشيخ راضي واغلب اعضاء فرع بغداد في مواجهة الجناح الاخر الذي اطلق عليه تسمية الجناح اليميني وابرز عناصره اعضاء القيادة القطرية حازم جواد وزير رئاسة الجمهورية والداخلية وطالب شبيب وزير الخارجية واحمد حسن البكر رئيس الوزراء وصالح مهدي عماش وزير الدفاع اضافة الى العقيد عبدالستار عبداللطيف وزير المواصلات واللواء طاهر يحيي رئيس اركان الجيش والعميد حردان التكريتي قائد القوة الجوية.

 

وعندما فشل الامين العام للحزب ميشيل عفلق الذي جاء الى بغداد في حل الخلافات بين الجناحين البعثيين المتصارعين بادر الرئيس عبدالسلام عارف الى حسم الموقف وقاد حركة عسكرية في الثامن عشر من تشرين الثاني 1963 وانهى صراع الجناحين ولكنه استعان بالعسكريين من جناح حازم جواد الذي ابعد الى القاهرة حيث جاء باللواء احمد حسن البكر نائبا لرئيس الجمهورية والفريق طاهر يحيي رئيسا للحكومة والفريق حردان وزيرا للدفاع والعقيد عبدالستار عبداللطيف وزيرا للمواصلات والدكتور عزة مصطفى العاني وزيرا للصحة والدكتور احمد عبدالستار الجواري وزيرا وجميعهم من القياديين البعثيين.

 

ورغم اختياره في القيادة القطرية في مؤتمر الحزب الذي عقد في الحادي عشر من تشرين الثاني 1963 واستبعد فيه اقطاب الجناحين المتنازعين الا ان منذر الونداوي ودفاعا عن رفاقه علي صالح السعدي وهاني الفكيكي ومحسن الشيخ راضي رفض الاختيار وبادر الى خطف طائرة عسكرية مسلحة وقادها مهاجما مكتب رئيس الجمهورية في القصر الجمهوري بالصواريخ والهبوط في قاعدة الحبانية والهرب منها الى سوريا حيث استقبل بحرارة من رئيسها امين الحافظ والقيادة القومية للحزب.

 

وفي منتصف عام 1967 اسقط الرئيس عبدالرحمن عارف القضايا والتهم المسندة الى منذر الونداوي بقرار شمل عددا من القيادات البعثية الهاربة او المقيمة في الخارج.

 

وعقب حركة 17 تموز 1968 اعيد الونداوي الى الخدمة العسكرية ومنح رتبة عقيد وعين ملحقا عسكريا في رومانيا ولكنه سرعان ما غادر بخارست الى دمشق حيث انتخب عضوا في القيادة القومية المناهضة لقيادة عفلق والبكر وصدام حسين.

 

 

وفي عام 1973 بعث نائب الرئيس العراقي صدام حسين وسطاء الى الونداوي حيث التقوه في العاصمة اللبنانية واقنعوه بالعودة الى العراق رغم اعتراضات الرئيس احمد حسن البكر الذي كان لا يطيقه وبالفعل عاد منذر وحظي باهتمام صدام الذي عينه سفيرا حيث عمل في اليابان وفرنسا والبرتغال وعواصم اخرى حتى عام 1991 عندما اعتزل العمل الدبلوماسي وانصرف الى التجارة والاستثمار السياحي في اسبانيا التي اقام في اجمل مدنها ماربيا التي توفي فيها.

في مثل هذا اليوم

1963/2/8

انقلاب عسكري في العراق يطيح بعبد الكريم قاسم ويؤدي إلى تولي عبد السلام عارف رئاسة الجمهورية

أعدم عبد الكريم قاسم اثر انقلاب 8 شباط فبراير 1963م، وكان حين نفذ فيه حكم الاعدام رمياً بالرصاص في مبنى إذاعة دجلة في العاصمة بغداد.

مقتل عزت الدوري نائب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين

عزت إبراهيم الدوري Reutersعزت إبراهيم الدوري

Посмотреть изображение в ТвиттереПосмотреть изображение в ТвиттереПосмотреть изображение в Твиттере

أعلن محافظ صلاح الدين رائد الجبوري الجمعة 17 أبريل/ نيسان، مقتل عزت إبراهيم الدوري، نائب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بعملية أمنية في منطقة حمرين شرق المحافظة.

ونقلت قناة “العراقية” الرسمية” عن الجبوري قوله إن: “مواجهات جرت بين القوات الأمنية والحشد الشعبي، وبين إرهابيين في منطقة حمرين بالقرب من حقول علاس أسفرت عن مقتل الدوري”.

من جانبه أعلن هادي العامري قائد قوات الحشد الشعبي أنه يجري حاليا فحص بصمات الدوري و”دي أن أي” الخاص به.
Посмотреть изображение в Твиттере

ويعتبر عزت إبراهيم الدوري (المولود عام 1942)، الرجل الثاني في عهد صدام حسين وشغل العديد من المناصب أهمها نائب رئيس مجلس قيادة الثورة وقبلها منصب وزير الداخلية ووزير الزراعة.

وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 اختفى الدوري وأعلن حزب البعث الحزب الحاكم سابقا في العراق، أنه تسلم منصب الأمين العام للحزب خلفا لصدام حسين بعد إعدامه عام 2006.

 

ولعدة مرات نسبت إليه تسجيلات صوتية منذ ذلك الحين، وظهر في تسجيل مرئي يوم 7 أبريل/ نيسان 2012 بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لتأسيس حزب البعث.

الدوري يقلد صدام حسين وساما في التسعينياتReutersالدوري يقلد صدام حسين وساما في التسعينيات

المصدر:  وكالات

حدث في مثل هذا اليوم

1963/2/9

وفاة عبد الكريم قاسم، رئيس وزراء العراق.

عبد الكريم قاسم بن محمد بن بكر بن عثمان الفضلي الزبيدي (1914 – 1963) من أهالي منطقة الفضل في بغداد، سكن مع أخواله في قضاء الصويرة في محافظة واسط جنوب بغداد بعد وفاة والده. رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع وكالة في العراق من 14 تموز / يوليو 1958 ولغاية 8 شباط/فبراير 1963 حيث أصبح أول حاكم عراقي بعد الحكم الملكي. كان عضواً في تنظيم الضباط الوطنيين ” أو الأحرار” وقد رشح عام 1957 رئيسا للجنة العليا للتنظيم الذي أسسه العقيد رفعت الحاج سري الملقب بالدين عام 1949م. ساهم مع قادة التنظيم بالتخطيط لحركة أو ثورة 14 تموز 1958 التي قام بتنفيذها مع زميله في التنظيم عبد السلام محمد عارف والتي أنهت الحكم الملكي وأعلنت قيام الجمهورية العراقية. هو عسكري عراقي عرف بوطنيته وحبه للطبقات الفقيرة التي كان ينتمي إليها. ومن أكثر الشخصيات التي حكمت العراق إثارةً للجدل حيث اتهم من قبل اعدائه ومناوئيه بعدم فسحه المجال للاخرين بالإسهام معه بالحكم واتهم من قبل خصومه السياسيين بالتفرد بالحكم حيث كان يسميه كل الشعب العراقي ماعدا اعدائه في الشارع وكافة وسائل الاعلام آنذاك ب”الزعيم الأوحد” حبا به لتفرده في محبة الفقراء دون كافة السابقين في حكم العراق.
قتل قاسم على يد البعثيين وعلى رأسهم آنذاك علي صالح السعدي الذي حرمه من شربة ماء طلبها ليفطر بها قبل اعدامه رميا بالرصاص هو وفاضل عباس المهداوي حيث كانا صائمين وكان ذلك في الرابع عشر من رمضان في أحد استديوهات الاذاعة والتفزيون حيث تم تصويرهم بعد الاعدام ليتم بث ذلك على شاشة تلفزيون بغداد حيث لم يكن آنذاك تصوير فيديوي. كما يعتقد على نطاق واسع ان الحكومة المصرية قد اعطت عبد السلام عارف الذي وضع يده بيد البعثيين والذي انقلب بد ذلك بتسعة أشهر في انقلاب 18 تشرين من نفس السنة ويطيح بحكومتهم الذي جعل الكثير منهم ان يهربوا إلى سورياومنهم صدام حسين الذي لم يكن لديه آنذاك اي منصب حكومي بل كان يرأس جهاز الاغتيالات في حزب البعث. كان عبد الكريم قاسم أحد ضباط الجيش العراقي الذين شاركوا في القتال في فلسطين، حكم العراق 4 سنوات و 6 أشهر و 15 يوماً، تم إعدامه دون تحقيق ومن خلال محكمة صورية عاجلة في دار الإذاعة والتلفزيون في بغداد يوم 9 شباط 1963. هناك جدل وتضارب حول الإرث التاريخي لقاسم فالبعض يعتبره “نزيهاً وحريصاً على خدمة الشعب العراقي لم يكن يضع لشخصه ولأهله وأقربائه أي أعتبار أو محسوبية أمام المسؤولية الوطنية” وإتخاذه سياسة التسامح والعفو عن المتآمرين الذين تآمروا على الثورة “سياسة عفا الله عما سلف” وأصدر الكثير من قرارات العفو عن المحكومين بالإعدام ولم يوقع على أحكام إعدام، بينما يعتبره البعض الآخر زعيماً عمل جاهداً للاستثئار بالسلطة وسعى إلى تحجيم جميع الأحزاب الوطنية منها والقومية والأخرى التقدمية وإصداره لأحكام إعدام جائرة بحق زملائه من أعضاء تنظيم الضباط الوطنيين “أو الأحرار” كالعميد ناظم الطبقجلي والعقيد رفعت الحاج سري وغيرهم، كما يتهمه خصومه السياسيون بأنه أبعد العراق عن محيطه العربي من خلال قطع علاقاته الدبلوماسية مع أكثر من دولة عربية وانتهى به المطاف بسحب عضوية العراق من الجامعة العربية، وكذلك يتهمه خصومه بأنه ابتعد عن الانتماء الإسلامي للعراق بالتقرب من الشيوعيين وارتكب المجازر في الموصل وكركوك وأعدم الكثيرين من خصومه السياسيين والعسكريين وقرب أفراد أسرته من الحكم وأسند لبعضهم المناصب ومنح البعض الآخر الصلاحيات كإبن خالته المقدم فاضل المهداوي ذي الارتباطات الماركسية وأخيه الأكبر حامد قاسم الذي كان يلقب بالبرنس حامد وهو المشرف عن توزيع أراضي الإصلاح الزراعي للفلاحين والذي جمع أموالاً طائلةً من هذه العملية. إلا أن هناك نوع من الإجماع على شعبية قاسم بين بعض الشرائح كالعسكريين والشيوعيين وكذلك الفلاحين في المدن والمناطق التي تقطنها الطبقات الفقيرة في جنوب العراق ووسطه حيث يعرف بالاوساط الشعبية بـ(أبو الفقراء).
حدثت إبان حكم قاسم مجموعة من الاضطرابات الداخلية جعلت فترة حكمه غير مستقرة على الصعيد الداخلي. أما على الصعيد الإقليمي فقد أثار موقف عبد الكريم قاسم الرافض لكل أشكال الوحدة مع الأقطار العربية – ومنها رفضه الانضمام إلى الإتحاد العربي الذي كان يعرف بالجمهورية العربية المتحدة التي كانت في وقتها مطلباً جماهيرياً – خيبة أمل لدى جماهير واسعة من العراقيين ولمراكز القوى والشخصيات السياسية العراقية والعربية ومنها الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي أشيع أنه في أيلول 1959 ساند ومول المعارضين لقاسم والذي أدى إلى محاولة انقلاب عسكري على حكم قاسم في الموصل. وفي المقابل كان لتصريحات عبد الكريم قاسم آثارٌ متناقضة ويشاع بأنه كان وراء انهيار مشروع الوحدة بين مصر وسوريا من خلال تمويله ودعمه للعميد عبد الكريم النحلاوي والعقيد موفق عصاصة الذين قادا الانقلاب في الشطر السوري من الوحدة. كما كانت لمطالب قاسم بضم الكويت تداعيات تسببت برد فعل عبد الكريم قاسم وغضبه انتهت بانسحابه من عضوية العراق في الجامعة العربية في وقت كانت للجامعة العربية هيبتها وأهميتها في تلبية مطالب الدول العربية.
حدثت إبان حكم قاسم أيضاً حركات تمرد أو انتفاضة من قبل الأكراد في أيلول 1961، وهو ما أدى إلى إضعاف أكثر للهيمنة المركزية لقاسم على حكم العراق، وكانت آخر الحركات المعارضة ضد حكمه حركة أو انقلاب أو ثورة 8 شباط 1963 التي قامت بها مجموعة من الضباط العسكريين العراقين الذين كان معظمهم ينتمي إلى (حركة القومين).

ولد عبد الكريم قاسم في يوم السبت المصادف 21 تشرين الثاني من سنة 1914 م في محلة المهدية على جانب الرصافة ببغداد. وكان عبد الكريم هو الابن الرابع من بين أخوته ، درس عبد الكريم في مدرسة الصويرة الابتدائية ببلدة الصويرة جنوب بغداد في سنة 1921، أكمل قاسم دراسته الابتدائية فيما بعد لمدرسة الرصافة الابتدائية وفي سنة 1931 تخرج قاسم من المدرسة الثانوية المركزية (الفرع الأدبي). حيث عين بعدها معلما بمدرسة الشامية الابتدائية للبنين الواقعة في قضاء الشامية التابعة للواء الديوانية جنوب العراق.

أعدم عبد الكريم قاسم اثر انقلاب 8 شباط عام 1963 وكان حين نفذ فيه حكم الاعدام رميا بالرصاص في مبنى إذاعة دجلة في العاصمة بغداد

قصيدة الجواهري امين لاتغضب

-أمينُ لا تغضبْ- قصيدة محمد مهدي الجواهري بعد انقلاب شباط 1963


عبدالله الداخل
الحوار المتمدن-العدد: 2550 – 2009 / 2 / 7 – 08:26
المحور: الادب والفن

مقدمة:
ان ما جعلني أكتب عن هذه القصيدة، وأورد نصَّها، هو اعتقادي بعدم توفرها في دواوين الشاعر أو على الانترنت، عدا عن بضعة أبياتٍ هنا وهناك (لا أدري إن كانت موجودة في مكان آخر) ولغرض توفيرها بأفضل شكل ممكن للقراء والباحثين، بسبب أهميتها التاريخية الكبيرة.

محتويات المقال:
أ- عن ظروف القصيدة، ملاحظات عامة عن خلفية الانقلاب.
ب- المكانة التأريخية للقصيدة.
ت- شئ عن بُعد نظر الشاعر.
ث- مراحل القصيدة.
ج- مفردات.
ح- ملاحظة.
خ- النص الأصلي القصيدة.

أ- عن ظروف القصيدة

قيل أن أمين الأعور، الذي كان صحافيا لبنانيا يساريا، قد كتب مقالا غاضبا إثـْرَ الانقلاب العسكري في 8 شباط 1963، في العراق، يتساءل فيه كيف سُمح للوضع في العراق أن يصل الى ما وصل اليه.

لم يكن معظم العراقيين مهتماً بما قاله ذلك الصحافي اللبناني قدر اهتمامهم بالمعارك اليومية: المعارك الحقيقية، معارك الحياة والموت؛ ومن المعروف أن الانقلاب، الذي عُدَّ، على العموم، مفاجئاً، رغم أنه لم يكن كذلك للبعض، أوصل حزب البعث القومي اليميني المتطرف الى السلطة بإسنادِ ما دُعي بالجبهة القومية، وهي خليط يضم أيضا كل المتضررين بسبب الانجازات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أجرتها ثورة 14 تموز 1958 التي قادتها شريحة من “منظمة الضباط الأحرار” بقيادة ضابط برتبة زعيم ركن اسمه عبدالكريم قاسم والتي أنهت حكم النظام الملكي التابع لبريطانيا، وحققت استقلالا فعلياً بإخراج بغداد من حلف بغداد (سُمي “حلف السنتو” أو المعاهدة المركزية فيما بعد)، وترك العراق منطقة الاسترليني، وصدر قانون الاصلاح الزراعي الذي تم بموجبه الغاء النظام الاقطاعي حيث قرر توزيع الاراضي الزراعية على فقراء الفلاحين، وقانون الأحوال المدنية الهادف الى الاصلاح الاجتماعي وتحسين ظروف النساء، كما تم وضع اليد على معظم أرض العراق فيما يتعلق بالتنقيب عن الثروات (سمي الاجراء بقانون رقم 80) كما قامت باجراء تغييرات جذرية أخرى ذات طابع ديمقراطي؛ وكان لابد أن تنال هذه الاجراءات تأييد القوى اليسارية، ومن ورائها ملايين المواطنين التواقين لتغيير وطنهم نحو عراق متقدم يسوده العدل الاجتماعي.

لكن الأخطاء القاتلة التي وقع فيها كلٌّ من عبد الكريم قاسم في التلكؤ في السير الى نهاية الشوط، وقادة الحركة اليسارية في عدم المبادرة الى ازاحة قاسم واستلام السلطة ومواصلة المسير، منح زمام المبادرة لقوى اليمين التي كانت توجه سياسات قادتهِ الجاسوسية الغربية.

جاء الانقلاب إذن انتقاما صريحا لما حصل بعد الرابع عشر من تموز من انهاء النظام الملكي التابع لبريطانيا، ومن اصلاحات جذرية، اقتصادية وسياسية، وانتقاما من قادة الثورة لأنها قامت، تحت ضغط اليسار، بتصفية أولئك المغامرين الذين كانوا هم المبادرين الى استعمال العنف ابان الأشهر الأولى للثورة وذلك في محاولتين اساسيتين (فشلت كلاهما) لتغيير مسار الثورة بحجة الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة التي كانت مؤلفة من مصر وسوريا، بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر: المحاولة الأولى من قبل الضابط الثاني في قيادة الثورة العقيد عبد السلام عارف ظهير الحركة القومية متحالفا مع الضابط النازي القديم (المتقاعد) رشيد عالي الكيلاني والقوى القومية اليمينية، وذلك في شتاء 1958؛ وجاءت المحاولة الثانية في الموصل في آذار/مارس 59 وسميت بحركة الشواف، رغم ان قائدَيْها الفعليَّيْن كانا رفعت الحاج سري، الرئيس السابق لمنظمة الضباط الاحرار وناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية في كركوك، أوشك فيها القوميون على احتلال المدينة، وقاموا بالفعل بعد احتلال بعض المواقع بتنفيذ أحكام الاعدام الفاشية بحق بعض اليساريين مثل المحامي المعروف كامل قزانجي والضابط عبدالله الشاوي وآخرين، ولم يتسنَّ لهم المجال لإعدام ستين آخرين من قادة الحركة اليسارية في الموصل والذين وقعوا في الأسر عدا إثنين منهم أفلتا من قبضتهم لانهما كانا في غاية الحذر، وقد تم إفشال المحاولة بفضل تظافر قوات حكومة الثورة مع القوى الوطنية في المدينة ومن خارجها، ولم يكن من السهل القضاء على تلك الحركة المسندة من قبل القوى القومية وعبد الناصر الذي كان قد أرسل للإنقلابيين معونات تحتوي على جهاز بث اذاعي.

بعد هاتين المبادرتين الفاشلتين تعلمت الرجعية العراقية دروساً في التنظيم الأفضل والتخطيط الأدق، فضمت الجبهة القومية إذن عناصر العهد الملكي السابق الخاضع مباشرة لتوجيهات بريطانيا (كان يُطلق عليه “عهد نوري السعيد”، وهو رجل المخابرات البريطانية، حامي النظام الملكي، من أصل تركي كان يترأس الوزارات العراقية كلما تطلب الأمر، وحين تعرض النظام الى الهزات)؛ كما ضمت أركان النظام الاقطاعي السابق من العرب مثل آل العريبي والخليفة في الجنوب وآل الياور في الشمال (الموصل، عائلة غازي الياورالذي عُين رئيسا للجمهورية بعد الاحتلال الأخير، وهو من أقارب أحمد عجيل الياور، الاقطاعي الذي لعب دوراً معروفاً في اسناد الردة الرجعية في العراق بعد ثورة 14 تموز 58) الى جانب حزب البعث وأحزاب وقوى يمينية أخرى.

تشير بوضوح دراساتٌ تأريخية كثيرة وتصريحاتُ مسؤولين بعد انقلاب شباط (مثل على صالح السعدي، رئيس وزراء الانقلابيين، وحسين، ملك الأردن، ابن عم فيصل الثاني ملك العراق الذي قـُتل في 14 تموز)، تشير الى أن الانقلاب كان قد خـُطط له وتم الاشراف المباشر عليه من قبل المخابرات الأميركية والبريطانية.
ما تقدم مجرد ملاحظات عن خلفية الانقلاب، ولا أدّعي أنه بحثٌ متكامل.

ب- المكانة التأريخية للقصيدة

وصلتُ مدينة العمارة (في الجنوب الشرقي من العراق) في أواسط نيسان/أبريل من ذلك العام الحالك، وحللتُ ضيفا لدى عائلة من الأقارب لبضعة أيام، وكان صوت المذياع عالياً في المدينة، خاصة في المحلة الفقيرة التي كنتُ فيها، إذ صادف أنني سرتُ في أزقتها ساعة بث القصيدة، والتي تم بثها عدة مرات، ليسمع الجميع صوت الشاعر الأكبر، مخاطباً بغداد، مندّداً بالانقلابيين وبعبد السلام عارف وجمال عبد الناصر وشيخ الأزهر محمود شلتوت (الذي “بارَكَ” الانقلاب) وإدارة كندي الأميركية، التي يسميها الشاعر “الكنديين”، وكنتُ معجبا بجرأة أهل العمارة في رفع صوت الراديوات، رأيتُ في ذلك خطرا عليهم، لكنهم لم يكونوا ليأبهوا، إذ لم أكن أدرك، أنا القادم من بغداد، حقيقة قلة عدد البعثيين في المدينة، إذ لم تكن الحال كما هي في العاصمة، ربما بسبب حقيقة أخرى، تأريخية مهمة، لم يُشَرْ إليها بوضوح من قبل المؤرخين، وهي أنه قد تم قـُبَيْل الانقلاب توجيه البعثيين “الحزبيين” من كل أنحاء العراق بالذهاب الى العاصمة مع الاهتمام بالشقاة، وخاصة منهم أولئك الذين يُطلق العراقيون عليهم اسم (السَّرسَرية). ولم أكن أعرف شيئاً عن مدينة العمارة، فلم يسبق لي أن عشت فيها، ولم تكن تخلو طبعاً من البعثيين والقائمين بأعمال التعذيب، ولا من أخبار يتم تناقلها بالتفصيل عن أحوال الموقوفين في المدينة وعن التعذيب وعن جثث مجهولة الهوية كانت تطفو على النهر بين الحين والحين.

كان صوتُ الجواهري هادراً وكان يتهدّجُ، من الحزن حيناً، ومن الغضب أحياناً؛ فهو يوصي في القصيدة بالصبر، ولكن غضبه هو كان بحراً هائجاً، طافحاً؛ كان غضباً حقيقياً، قاسياً،لا يعرف الصبر، وسْطَ عواصف من غضب جمهورٍ بدا أشدَّ غضباً وأمواج من التصفيق الطويل.

لقد تمكنت هذه القصيدة، وبصوت الجواهري من اذاعة صوت الشعب العراقي في أوربا الشرقية، أن ترفع معنويات جماهير العراقيين الى مستوى لم يتوقعه أحد وسط اشتداد وطأة الارهاب الفاشي الذي راح ضحيته الآلاف من خيرة العراقيين، حيث تعرض للإعتقال، وما انطوى عليه من تعذيب وقتول وتشويه جسدي ونفسي وارهاب ومحاكمات وحرمانات، ما يقرب من مليون مواطن حين كانت نفوس البلاد لا تتجاوز الستة ملايين ونصف.

إذن فبغض النظر عن تغيُّر هذا الظرف أوذاك، ورغم انحراف هذا الكاتب أو ذاك، تظل قصيدة “أمينُ لا تغضبْ” للأستاذ محمد مهدي الجواهري، عَلـَماً بارزاً في الكفاح الفكري، يَصْدقُ تشبيهُه برواية “الأم” لمكسيم كَوركي التي صدرت بعد فشل ثورة 1905 في روسيا، وربما كانت أعمق وأعم تأثيراً، وأبقى أيضا، في العراق، لدى المقارنة، مع الفوارق!

ت- بُعد نظر الشاعر:
1
في قاسم
يكفي أن نقول ان الشاعر الكبير اختلف مع عبد الكريم قاسم بسبب سياسته الرعناء في العفو عن المجرمين التي تمثلت بشعار قاسم الساذج “عفا الله عما سلف”، تلك السياسة التي أوصلت العراق الى نجاح انقلاب شباط.
ورغم أن علاقتهما كانت قديمة، منذ لقائهما في لندن في الاربعينات، فانها انقطعت بعد ذلك بسبب ظروفهما، ثم التقيا ثانية بعد الثورة، حيث أصبحت صداقتهما أوطد خلال السنة الأولى بعد الثورة. كان قاسم زعيما سياسيا وكان الجواهري زعيما فكرياً، حيث كان قاسم يُظهر احتراما كبيراً للجواهري. لكن سياسة قاسم الثنائية أوصلته فيما بعد الى تأليب الكتاب اليمينيين ضد الجواهري. ولم يسكت الشاعر عن السياسة الغبية تلك وأعاد على أسماعه ما كان قد قاله أيام بكر صدقي عام 1936:

تصور الأمرَ معكوساً وخذ مثلا
عما يفعلون لو أنهمْ نـُصِروا

فضيق الحبلَ واشدُدْ من خناقِهمُ
فربما كان في إرخائهِ ضررُ

وأيّ ضرر!
بيد ان هذا التنبيه لم ينفع بشئ، مما أدى الى احتدام الخلاف بين الصديقين.

2
في الانقلابيين ومن آزَرَهم:
إن البيت:

واتصلت زوراً وقد أقسمت
بالعروة الوثقى على الانفصامْ

يشرح نفسه للمتتبع للأحداث التاريخية في العراق.

ث-
تقسم القصيدة الى أجزاء أو مراحل:

1
الأبيات التسعة الأولى
عبارة عن مقدمة في مخاطبة الصحافي.

2
الأبيات رقم 10-22، مخاطبة بغداد، وتشكل مقدمة فذة لما يريد الشاعر قوله لاحقاً.

يا دارة َالمجد ودار السلامْ
بغدادُ يا عِقـْدا ً فريدَ النظامْ

3
الأبيات 23-29 الشاعر يرجو المخاطب التريث والامهال، لأسباب.
أمينُ خلِّ الدمَ ينزف دماً
ودعْ ضراماً ينبثقْ عن ضرامْ

تجدر الاشارة هنا الى أن الشاعر خاطب جمهوره قائلا:”هذا ما لن يُقرأ”؛ معنى ذلك أن الشاعر كان قد حذف بيتاً أو مجموعة أبيات من القصيدة الأصلية قبل البيت رقم 30، وأعتقد أنها مجموعة أبيات لم يقرأها، ومن الضروري أن يهتم بها المختصون وأن يحاولوا معرفة ما كانت تلك الأبيات.

4
كشف حقيقة الانقلابيين
من البيت رقم 30 الى 46
أمينُ ألقى الغيُّ أستارَهُ
وانزاحَ عن وجه النفاق اللثامْ

5
بيتان للتمهيد للإنقضاض على محمود شلتوت

والاشتراكية ُمدعومة ًبالدين
خصمان شديدا خصـامْ

تـُستـَنزَلُ الآية ُمعكوسة ً
في مطمع ٍأو شهوةٍ أو عُرامْ

6
الأبيات 48-56 في محمود شلتوت.

7
الأبيات 57-61 في عبد السلام عارف.

8
62-67، الختام.

ج- مفردات:

العيد: (هنا) عيد الفطر الذي حل بعد اسبوعين من الانقلاب.
الرَّغام: التراب
جيشٌ لآم: غفير ومتراص.
الجِمام: الراحة
يُشام: يُرنى إليه، يُتطلـَّع له.
الأ ُوام: حرارة العطش.
شذا: (هنا) أذى (وليس قوة الرائحة)
مُدى: جمع مُدية، وهي الشفرة أو نصل السكين
الحِمام: الموت
أكام: تلال
الصفا وزمزم والمُقام: أسماء أماكن
الخنى: الفحشاء
دِمام: (هنا) دِمم، جمع دِمّة، وهي القملة أو النملة أو ما شابه.

ح-
ملاحظة:

للأمانة التأريخية أنقل هذه القصيدة كما قـُرِأت من قبل الشاعر دون تغيير، أي كما وردت في المسودة الأولى، وسيلاحظ القارئ أنها تحتوي على بعض الأمور الأصيلة authentic، كتكرار الرويّ في البيتين 15 و 16، وهو، كما أشرتُ سابقاً، أمر نادرٌ جدا في شعر الجواهري العظيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خ- النص الأصلي للقصيدة

أمينُ لا تغضبْ
لشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري

1
أمينُ لا تغضبْ فيومُ الطـَّغامْ
آتٍ وأنفُ شامتٍ للرَّغامْ

2
أمينُ لا تغضبْ وإنْ هُتـِّكَ الـ
سِّتـْرُ وديستْ حُرُماتُ الذ ِّمام

3
وإنْ غدا العيد وأفراحُهُ
مآتِما ً في كل بيتٍ تـُقامْ

4
عند البطون ِالطاهراتِ التي
ما إنْ بها عن كل خير ٍعُقام

5
مدَّخـَرٌ للخائضينَ الوَغى
العام تلو العام، جيشٌ لـَآمْ

6
أمينُ لا تغضبْ فإنَّ الحِمى
يمنعُهُ فتيانـُهُ أنْ يُضــامْ

7
خمسونَ عاماً وقتيلُ الكفاح
يشيبُ منه الطفلُ قبل الغلام

8
خضناهُ جبّارينَ في سوحِهِ
أهونُ ما نلقاه موتٌ زُؤامْ

9
أمينُ كم من مَثـَل ٍ سائر ٍ
يضرِبُهُ الشعب عليه السلامْ

10
يا دارة َ المجد ودارَ السلامْ
بغداد يا عِقـْداً ً فريدَ النظامْ

11
يا أمَّ نهرَيْن ِاستفاضا دما ً
ونعمة ً من عهدِ سام ٍ وحامْ

12
من عهدِ سنحاريب إذْ نينوى
يتوّج الحكمة َ منها النظامْ

13
وعهدِ حــامُورابْْ إذ ْ بابلٌ
للكون في الأحكام منها احتكامْ

14
شعارُها الشمس وعنوانـُها
سنابلُ القمح، وعدلٌ يُقامْ

15
وبابلٌ تضمُّ كل اللـُّـغى
وسِحرُها يجذِبُ كلَّ الأنامْ

16
وعهدِ هرون وفي حكمه
غمامة ٌ تصوبُ كل الأنام

17
إذ شهرزادٌ عن حقيقِ المُنى
تقصُّ عن أحلامها في المنامْ

18
بغدادُ والتأريخُ ذو أشطر ٍ
وشرُّ شطريهِ عهودُ الجـِمام

19
يغدو بها المُدْرِكُ ما لا يُرامْ
مُيَسّرَ المأخذِ، سهلَ المَـرامْ

20
يغفو على المجدِ وأحلامه
حتى إذا الغرورُ منـّاهُ، نامْ

21
حتى إذا صحا رأى كوكبا ً
في كفـّه أصبحَ برقا ً يُشامْ

22
أمينُ خلِّ الدَّمَ ينزِفْ دمـاً
ودعْ ضراما ً ينبثقْ عن ضرامْ

23
وخلِّ سوحَ المجد ينهضْ بها
ركامُ موتٍ عن بقايا رُكامْ

24
ودعْ مُدى السفـّاح مشحوذة ً
ظمآنة ً، يُبَلُّ منها الأ ُوامْ

25
فما استطابتْ أمة ٌ نشوة ً
للنصر، إلاّ من كؤوس الحِمامْ

26
وأنفـُسا ًواثقة ً خلـَّها
تزحمْ جدارَ الموت بالارتطامْ

27
فالسيف يُعلى من شذا حدِّهِ
يومَ التنادي كثرة ُ الإنثلامْ

28
أمينُ، خلِّ الرعبَ ينشرْ بها
جوّا ً مُضِدّا ً وسماءا ً تـَغامْ

29
فالصبحُ أبهى ما يُرى حسنُهُ
إذا استطالت غَمَراتُ الظلامْ

30
أمينُ ألقى الغيُّ أستارَهُ
وانزاحَ عن وجهِ النفاقِ اللثامْ

31
ما أقذرَ الفِسْق وإنْ ألـَّفـَتْ
بين الزواني روعة ُ الإنسجامْ

32
إنَّ الشعوبَ اقتـُسِمتْ عَنوة ً
للكنديـينَ اقتسامَ السهام

33
فسلـَّمَتْ كُرها ً مقاليدَها
واستسلمتْ طوعاً الى العمِّ سامْ

34
واغتصبتْ أعناقـَها غارقا ً
في دمِ آلاف الضحايا الذمام

35
ليس لها من أمرها ثالثٌ
إما الموالاة وإما الحُسام

36
تنزو الى الحُكم بها شهوة ٌ
كشهوةِ الحبلى اعتراها الوِحامْ

37
وتنبري الطغمة ٌعن طغمةٍ
مثلَ العنوز انحدرتْ من أكامْ

38
قاستْ مقاييسا ً بأضدادها
وزوّرت كلَّ معاني الكلامْ

39
بالنور ِسَمَّتْ ظـُلمة ً والهدى
ظلالة ً، ورجعة ً بالأ َمام

40
وحقدَها الأعمى منارَ الهدى
وحُكمَها الأعرجَ لـَبْـنَ القـَوام

41
وخطـّت اللهَ على صدرها
وخوّضتْ بالدم ِحتى الحِزام

42
واغتلمَتْ بالدم لا ينتهي
منه ومنها طربٌ واغتلامْ

43
وخافت الفكرَ وأنوارَهُ
خيفة َعدوى جَرَبٍ أو جُذامْ

44
تبنـّت الوحدة َ إذ بعضُها
يذبح بعضا بسيوف الغرام

45
واتصلتْ زوراً وقد أقسمت
بالعروة الوثقى على الإنفصامْ

46
والإشتراكية ُمدعومة ً بالدين
خصمان، لديدا خصام

47
تـُستنزَلُ الآية ُ معكوسة ً
في مطمع ٍ أو شهوةٍ أو عُرامْ

48
أمينُ هل جاءكَ ما حَلـَّه ُ
بالأزهر المظلوم ذاكَ الإمام

49
خليفة ُ اللهِ على عرشِهِ
أضحى أجيرا ًلعروش الطـُّغام

50
عَمامة ٌ لـُفـَّتْ على سَوْأةٍ
لها بخزي ٍ باض فيها دِمام

51
وهامة ٌ يأنفُ من حَمْلِها
ذو نخوةٍ أو أصيدٌ أو هـُمام

52
باركَ بغدادَ وسفـّاحَها
بمأثم ٍ يخجلُ منه الأثام

53
وهنـّأ َالفِرعون في مصرِهِ
بينَ الغواني وكؤوس المَدام

54
أن العراقَ انتـُهـِكتْ دورُهُ
عَشِـيّة ً، ثم استتبَّ النظام

55
أفتى بأنَّ حُرُماتٍ حرامْ
ديسَتْ حلالٌ وسواها حرام

56
أفتى بأن الطفلَ بعد الرضاع
يُفطـَمُ، والذبحُ له كالفِطام

57
من مُبْـلِـغُ الفاجرَ في ضَحْوَةٍ
على رؤوس المَلأِ المُسْـتـَضام

58
يا عبدَ حربٍ وعدوَّ السلام
يا خزيَ من زكـّى وصلى وصام

59
يا سُبـَّة ََالحجيج في عَمْـرةٍ
بين الصفا وزمزم ٍ والمُقام

60
يا ابنَ الخـَنا إنَّ دماءَ الكرامْ
نارٌ تـَلـَظـّى في عروق اللئام

61
وللضحايا من جِراحاتها
أيُّ عيون ٍ خـُزّر ٍ لن تنام

62
أمينُ صبرا ً فالخطوبُ الجِسام
تعْلـَقُ حُبا ً بالهموم الضِّخام

63
صبرا ً فأمُّ الشرِّ في بطنها
فردٌ، وأمُّ الخير فيها تـُؤام

64
للحق في الأرض انتفاضاتـُهُ
وللوعود في السماء التزام

65
صبرا ًفقد نصبر كي نلتقي
بالجزء من ثانيةٍ طولَ عام

66
نـَفـْحَ التحيات وصوبَ الغـَمام
على الهـُداةِ الشهداء الكرام

67
على نسورٍ، هم وأجداثـُهُم
عِطـْرُ التحيات ومِسْكُ الخِتام.

إذا كنت لا تستحي فقل ما تشاء

عبد الخالق حسين

إن رأسمال البعثيين هو الكذب والتلفيق وتشويه صورة وسمعة خصومهم السياسيين، وكل من لا يسير على سكتهم. وقد عُرفوا بشراستهم في التعامل مع معارضيهم، لذلك تم اختيارهم من قبل الاستخبارات الغربية في التآمر على حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم، كرأس الحربة في انقلاب 8 شباط 1963 الأسود. وهم لا يبالون بحجم القتل والخراب الذي يجلبونه على الشعب والمنطقة. وكل من يحاول إلقاء اللوم على صدام حسين وحده ويبرئ البعث من الجرائم بحق العراق والمنطقة، فهو على خطأ، فصدام هو نتاج البعث، ولو لم يكن صدام لأنتج الحزب صداماً آخر وباسم آخر، مثل ناظم كزار، وعزت الدوري، وطه الجزراوي وغيرهم. فالمهم عند البعث هو الاستيلاء على السلطة وبأخس الوسائل دموية. إذ كما قال مشيل عفلق في هذا الخصوص: “حزب البعث هدية الأمة العربية للعراق، وصدام حسين هدية العراق للأمة العربية” !!
ووبعد تحرير العراق عام 2003، وعندما خاب أمل أمريكا في جر العراق إلى معاداة إيران في ظل حكومة نوري المالكي، عادت إلى عميلها السابق، البعث، للقيام بالمهمة القذرة، خاصة وهو المجرب، ومن أصحاب السوابق في هذا المجال، لذا أثاروا كذبة تهميش وإقصاء السنة والكرد من قبل المالكي الدكتاتور الطائفي!!.
فالبعث يستطيع أن يتلون ويتخذ مختلف الأشكال والألوان وحسب الظروف، وينفذ ما تخطط له الاستخبارات الأجنبية والقيام بما تسنده له من أدوار إجرامية بحق الشعب والوطن. واليوم أنتهى عهد الانقلابات العسكرية، لذلك أنيط به دور قيادة داعش والاستفادة من كل الظروف المحلية والإقليمية والدولية، فالبعث مطية لتحقيق أغراض الآخرين مقابل إعادته إلى السلطة التي فقدها عام 2003.

قلنا مراراً، وبات معروفاً اليوم، أن ما يسمى بداعش هو تنظيم منشق من القاعدة، وبجهد استخباراتي أمريكي، وتمويل سعودي قطري ودعم تركي، جندوا له ضباط بعثيين من الجيش العراقي السابق، وأغلبهم من الحرس الجمهوري، تم رفدهم من قبل خبراء السي آي أيه، عندما كانوا في معتقل (بوكا) في جنوب العراق.(1)
ونجح هؤلاء الضباط  في اختراق القوات العسكرية والأجهزة الأمنية وجميع مؤسسات الدولة، مستغلين حملة المصالحة الوطنية ومبدأ (عفا الله عما سلف)، وبقوا كخلايا نائمة ينتظرون ساعة الصفر التي جاءت يوم 10 حزيران 2014 في احتلال الموصل والتي كانت عملية تسليم من قبل الضباط البعثيين بالاتفاق مع الضباط الكرد في الجيش الذي كانوا يسمونه بجيش المالكي الشيعي الإيراني!!! ويثيرون عليه نقمة أهل الموصل. وقد تأكد ذلك من مؤتمر عمّان الذي ضم لملوماً من مختلف “فصائل المقاومة”، من رجال الدين وعلى رأسهم حارث الضاري وعبدالملك السعدي، وشيوخ عشائر، والبقية من البعثيين.

لقد ارتكب تنظيم داعش أبشع الجرائم بحق الإنسانية في المناطق التي وقعت تحت سيطرتهم مثل الموصل وصلاح الدين، حيث القتل والتهجير والسلب والنهب على الهوية الدينية والطائفية والعنصرية وغيرها من الجرائم التي لحقت بالمسيحيين والأقليات الدينية والمذهبية الأخرى. واليوم وردت أنباء أن عناصر “داعش” بدأت حملة التطهير العنصري ضد الأكراد وإرغامهم على الرحيل من محافظة نينوى. وهذا الإجراء التعسفي يؤكد بعثية داعش وبغطاء ديني وهابي. فجرائم التهجير وتغيير ديموغرافية المناطق لم يعرفها العراق إلا في عهد حكم البعث. فلو كانت داعش حقاً منظمة إسلامية تبشر بدولة الخلافة، ولا تعترف بحدود وطنية كما قالوا: (العراق ليس للعراقيين وسوريا ليست للسوريين)، فلماذا تطرد الأكراد من بلادهم وهم مسلمون سنة ومن نفس مذهب داعش؟ ألا يؤكد هذا بعثية داعش؟
وهو في نفس الوقت درس للسيد مسعود بارزاني الذي غامر بالقضية الكردية عندما تحالف مع داعش (البعث) بتأثير الدول الإقليمية كرهاً في المالكي والعراق. وعندما نقول بارزاني يكره العراق، فليس هذا افتراءً منا عليه، معاذا الله، بل هو الذي أنكر وجود أي انتماء عراقي عند العراقيين، ويعمل ليل نهار على إضعاف الحكومة العراقية المركزية. لذا، فكما خسر والده عندما تحالف مع البعثيين في عهد حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم، كذلك سيعيد التاريخ نفسه مع السيد مسعود، الابن، السائر على نهج الوالد في التآمر على العراق. فقد صرح السيد بازاني مراراً أنه إذا تم اختيار المالكي رئيساً للوزراء فإنه لن يتعاون مع حكومة بغداد!! والسؤال هنا: متى تعاون السيد بارزاني مع حكومة بغداد وله وزراء متنفذون في الحكومة المركزية؟ فأنت يا سيد بارزاني ضد حكومة بغداد سواءً كان على رأسها المالكي أو الجعفري أو أي شخص آخر. فمهمتك تدمير العراق، تنفيذاً لما يصلك من أوامر من السعودية وقطر وتركية أردوغان.

ودليل آخر يؤكد بعثية منظمة داعش وجرائمها، هو ما ينشره الإعلاميون البعثيون من أكاذيب وافتراءات بلغت حد المسخرة والضحك عليها، نورد مثالين:
الأول، كتب البعثي صلاح المختار، أحد جرذان مؤتمر عمّان، في مقال له وصلني عبر البريد الاكتروني، مدافعاً عن داعش، قائلاً ما معناه: إن الجرائم التي ترتكب في الموصل ضد المسيحيين وغيرهم من الأقليات الدينية والمذهبية والأثنية، لم يرتكبها “الثوار”، بل ارتكبها جيش المالكي!! إذ يصفون الدواعش بالثوار، وجرائمهم بـ”ثورة السنة ضد ظلم وطائفية المالكي”.
والثاني، بثته فضائية الشرقية لصحابها البعثي سعد البزاز، مفادها أن المسيحيين في الموصل يفضلون العيش في المناطق التي تحكمها داعش على أن يعيشوا في المناطق التي تحت سيطرة حكومة المالكي!!

فمن نصدق، التقارير والصور المأساوية التي تصلنا من وكالات الأنباء و اليوتيوب عن مآسي المسيحيين والأقليات الأخرى، أم نصدق فضائية سعد البزاز، ورفيقه صلاح المختار في دفاعهما المحموم عن داعش؟ ندرج في الهامش رابط نداء من قداسة البطريك لويس ساكو(3)، وفيديو عما يحصل للعوائل المسيحية في الموصل(4)، وكذلك روابط عن جرائم عصابات داعش في الموصل، فماذا يقول كتبة داعش الذين لا يستحون.
يقول المثل: (إذا كنت لا تستحي فقل ما تشاء). وهذا ينطبق تماماً على البعثيين وحلفائهم في كل زمان ومكان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د. علي حسن الشيخ حبيب: قراءة في البعد الستراتجي لصناعة داعش؟
http://alakhbaar.org/home/2014/7/172979.html

2-  ياسين مجيد: فرحة العرب في الموصل وغزة
http://alakhbaar.org/home/2014/7/173085.html

3- نـــداء من قداسة البطريرك لويس روفائيل ساكو – بطريرك بابل على الكلدان
http://aljeeran.net/inp/view.asp?ID=21473

4- بالفيديو .. شاهد حقيقة ما يحصل للعوائل المسيحية في الموصل على لسان هذه المواطنة العراقية من مسيحيين “فيديو حزين”
http://www.knoozmedia.net/?p=55633

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض العناوين عن جرائم عصابات داعش في الموصول
عصابات داعش تطوق جامع النبي شيت بهدف تفجيره وسط الموصل
http://alakhbaar.org/home/2014/7/173191.html

“داعش” للموصليات: النقاب أو العقاب
http://alakhbaar.org/home/2014/7/173193.html

فيديو: لحظة تفجير مرقد النبي يونس في الموصل
http://alakhbaar.org/home/2014/7/173158.html