وعرف امرؤ القيس بقوله

232

علاء العبادي

 

عزيزتي نبأ

 

وعرف امرؤ القيس بقوله

مكر مفر مقبل مدبر معا

كجلمود صخر حطه السيل من عل

وعرف الجواهري بقوله

انا حتفهم الج البيوت عليهم

اغري الوليد بشتمهم والحاجبا

وقوله

وضيق الحبل واشدد من خناقهم

فلربما كان في ارخائه ضرر

وقوله

يموت الخالدون بكل فج

ويستعصي على الموت الخلود

وعرف جرير بقوله متغزلا

ان العيون التي في طرفها حور

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

وقوله مادحا

الستم خير من ركب المطايا

واندى العالمين بطوح راح

وهاجيا

فغض الطرف انك من نمير

فلا كعبا بلغت ولاكلابا

وعرف الفرزدق بمدحه الامام زين العابدين عليه السلام بقصيدته التي القاها في الكعبة وبحضور هشام بن عبد الملك الذي انكر معرفته بالامام

هذا ابن خير عباد الله كلهم

هذا التقي النقي الطاهر العلم

وعرف الرصافي بقوله

انا بالحكومة والسياسة اعرف

االام في تعنيفها واعنف

علم ودستور ومجلس امة

كل عن المعنى الصحيح محرف

 

اب 2016

 

عريانه للجواهري

أنتِ تدرين أنني ذو لُبانَهْ
الهوى يستثيرُ فيَّ المَجانَهْ
وقوافيَّ مثلَ حُسنك لما
تَتَعرَّينَ حرّةٌ عُريانة
وإذا الحبُّ ثار فيَّ فلا تَمْنَعُ
أيُّ احتشامة ثوَرَانه
فلماذا تُحاولين بأنْ أعلنَ
ما يُنكِرُ الورى إعلانه
ولماذا تُهيِّجِين من الشاعِر
أغفى إحساسُهُ ، بركانه
لا تقولي تجهُّمٌ وانقباضٌ
بُغَّضا منه وجهَه ولسانه
فهما ثورةٌ على الدهر منّي
كجَواد لا يرتضي مَيدانه
أنا في مجلسٍ يضمُّكِ نشوانُ
سروراً كأنني في حانه
لوتُحسيِّنَ ما أحسُّ إذا رجَّفْتِ
في الرَّقص بطنَك الخمصانه
رجفة لا تمسُّ ما بين رفْغَيْكِ
وتُبقي الصدرَ الجميلَ مكانه
والذراعَينَ كلُّ ريانةٍ فعماءَ
تََلْقى في فَعمةٍ رَيّانه
والثُدِيَّيْنِ كلُّ رُمانة فرعاءَ
تَهزا بأُختِها الرُمّانه
عاريا ظهرُك الرشيقُ تحبُ العينُ
منه اتساقَهُ واتزانه
ما به من نحافةٍ يُستَشَفُّ العظمُ
منها ولا به من سَمانه
خُصَّ بالمحض من بُلهَنَيةِ العَيشِ
وأُعطي من الصبا عنفوانه
وتراه يجيء بين ظُهور الخُرَّدِ
الغيدِ سابقاً أقرانه
إذ تميلين يَمنة ويَساراً
مثلما لاعبت صَباً خيزُرانه
عندما تبسمين فينا فتفترُُّ
الشفاهُ اللطافُ عن أقحُوانه
إذ يحار الراؤون في حُسنك الفتّانِ
بل في ثيابك الفَتّانه
رُب جسمٍ تُطرى الملاحةُ فيه
ثم تَعدوه مُطرياً فُستانه
ما به من نقيصةٍ وكأنّ الثوب
أضحى متمماً نُقصانه
إن كفاً قاست عليك لباساً
مثلَ هذا مهّارةٌ شيطانه
عَرَفتْ كيف تَبروزين
إلى الجمهُور فيه لتخِلبي أذهانه
ضيَّقت مُلتقى نهودكِ
والكشْحَين منه وشمرَّت أردانه
وأشارت إلى اللعوبَيْن بالألباب
منا بوردةٍ مُزدانه
ليت شعري ما السرُّ في ان بدت
للعَين جَهراً أعضاؤُكِ الحُسّانه
واختفى عضْوُك الذي مازَه الله
على كل ما لديك وزانه
الذي نال حُظوةً حُرِم الانسانُ
منها خُصَّت الإنسانه
وتمنّى على الطبيعة شَكلا
هو من خير ما يكونُ فكانه
وَمَحلاً خِصبا فحلَّ بوادٍ
أنبتَ اللهُ حولَهُ ريحانه
لم يُرد من بَراه مُتعةَ نَفسٍ
ان يُغَطّى ولم يُردْ كِتمانه
ككتابٍ كشَّفت عن صفحتيهِ
ثم غطيَّت عَنوةً عُنوانه
أو غَديرٍ جمِّ المساربِ عذبٍ
حَرمَّوه وحلَّلوا شُطْئَانه
هيكلٌ من هياكِل اللهِ سُدَّ البابُ
منه وكفنَّوا صُلبانه
جسمُك الغضُ مَنطقٌ يدحَض
الحجّة لو لم تُسَتِّري بُرهانه
ملءَ عيني رأيت منكِ مع الأخرى
غرامَ البَناتِ يا فتّانه
رشفةٌ قد حُرمْتُها منك باتت
عند غيري رخيصةً مُستَهانه
أذ تلهَّتْ بمَحزِمٍ منك بُغيا النفس
من أن تستطيع منكِ احتضانه
وثنَتْ كفَّها إلى مهبِط الأشواقِ
منيّ فمَسحَّت أركانه
معها ” بعتِ ” خفةً ومُجونا
ومعي ” بِعتِ ” عفّةً ورزَانه
لو كإتيان هذه لك آتي
رجلاً لم تحبِّذي إتيانه
أتُريدين أن أقولَ لمن لم
يدر ما بينكُنَّ من إدمانه
فتيات الهوى استبحن من اللذات
ما لم يُبِحنَه فتيانه
أعروسان في مكان وعِرِّيسانِ
كلٌ منهم يُخَلَّى وشانه

من روائع الجواهري

كِلُوا إلى الغَيبِ ما يأتي به القَدَرُ
واستَقبلوا يومَكُمْ بالعزمِ وابتدروا
وصَدِّقُوا مُخْبِراً عن حُسْنِ مُنْقلَبٍ
وآزِرُوه عسى أنْ يَصْدُقَ الخَبَرُ
لا تَتْرُكوا اليأسَ يَلقى في نُفوسكم
لَه مَدَبَّاً ولا يأخُذْكُمُ الخَوَر
إنَّ الوساوِسَ إنْ رامَتْ مَسارِبَها
سَدَّ الطريقَ عليها الحازِمُ الحَذِر
تَذكَّروا أمس واستوُحوا مَساوئهُ
فقدْ تكونُ لَكُمْ في طَيَّه عِبَر
مُدُّوا جَماجِمَكمْ جِسراً إلى أملٍ
تُحاوِلونَ وشُقُوا الدربَ واخْتَصِروا
وأجمِعوا امرَكُم يَنْهَضْ بسعيِكُمُ
شَعبٌ إلى هِمَمِ الساعينَ مُفْتَقِر
إنَّ الشبابَ سِنادُ المُلْكِ يَعضُدُهُ
أيّامَ تُوحِدُهُ الأرزَاءُ والغِيَر
أتتْكُمُ زُمرةٌ تحدو عزائِمَها
ما خَلَّفت قَبلها من سيّيءٍ زُمَر
ألفتْ على كلِّ شبرٍ من مَسالكها
يلوحُ مما جَنى أسلافُها أثر
مُهمةٌ عظُمت عن انْ يقوم بِها
فردٌ وأن يتحدَّى امرَها نفر
ما إن لكُم غيرَهُ يومٌ فلا تَهنوا
وقد أتتكم بما تخشونه نُذُر
طالتْ عَمايةُ ليلٍ ران كَلْكَلُه
على البلادِ وإنَّ الصُبْحَ يُنتظر
وإنما الصُبحُ بالأعمال زاهيةً
لا الوعدُ يُغري ولا الأقوالُ تنتَشِر
وأنتَ يا بن ” سليمانَ” الذي لَهِجتْ
بما جَسرتَ عليه البدوُ والحضر
الكابتُ النفسَ أزماناً على حنَقٍ
حتى طغى فرأينا كيفَ ينفجر
والضاربُ الضربةَ لصَدمتِها
لحمُ العُلوج على الأقدام ينتثر
هل ادَّخرتَ لهذا اليوم إهبَته
أم أنت بالأجل الممتَّدِ مُعتذر
أقدَمتَ إقدامَ من لا الخوفُ يمنَعُهُ
ولا يُنَهنِهُ مِن تَصميمهِ الخطر
وحَسْبُ امرِك توفيقاً وتوطئةً
أنَّ الطُغاةَ على الأعقابِ تَندحر
دبَّرتَ أعظمَ تدبيرٍ وأحسنَه
تُتلى مآثِرُهُ عُمراً وتُدَّكر
فهل تُحاوِل ان تُلقي نتائِجه
يأتي القضاءُ بها أو يَذْهب القَدَر
وهل يَسُرُك قولُ المُصطلين به
والمُستغِلين أنَّ الأمرَ مبتَسَر
وأنَّ كُلَّ الذي قد كانَ عِندَهم
على التبدل في الأسماءِ مُقْتَصر
وهل يَسُرُك أن تخفي الحُجُولُ به
ما دامَ قد لاحتِ الأوضاحُ والغُرَر
أُعيذُ تلك الخُطى جَبَّارةً صُعِقَت
لها الطواغيتُ وارتجَّت لها السُرُر
أنْ يَعتري وقْعَها من رَبكةٍ زَللٌ
أو أن يثبِّط من إقدامها الحَذَر
ماذا تُريد وسيفٌ صارِمٌ ذَكرٌ
يحمي الثغورَ و أنتَ الحيَّة الذَكر
والجيشُ خلفَك يُمضي مِن عزيمتهِ
فَرطُ الحماسِ ويُذكيها فتَستعِر
أقدِمْ فأنتَ على الإقدامِ مُنطَبِعٌ
وأبطُشْ فأنت على التنكيل مُقتدر
وثِقْ بأن البلادَ اليومَ أجمعَها
لما تُرجيِّه مِن مسعاك تَنتظِر
لا تُبقِ دابِرَ أقوامٍ وتَرْتَهم
فَهم إذا وَجدوها فُرصَةً ثأروا
هُناك تنتظِرُ الأحرارَ مَجزرةٌ
شنعاءُ سوداءُ لا تُبقي ولا تَذَر
وثَمَّ شِرذِمةٌ الفَتْ لها حُجُباً
من طُولِ صَفحٍ وعَفوٍ فهي تَستَتر
إنّي أُصارِحك التعبيرَ مُجترئاً
وما الصريحُ بذي ذَنبٍ فَيعتذر
إن السماءَ التي ابديتَ رَونَقها
يومَ الخميس بدا في وَجهها كَدَر
تَهامَسَ النفَرُ الباكون عَهدَهُم
أن سوفَ يرجِعُ ماضيهم فَيزدِهر
تَجري الأحاديثُ نكراءً كعادتِها
ولم يُرَعْ سامرٌ مِنهُم ولا سمر
فحاسبِ القومَ عن كلِّ الذي اجترحوا
عما أراقوا وما اغتلوا وما احْتَكروا
للآن لمْ يُلغَ شبرٌ من مَزارعِهم
ولا تَزحزح مّمِا شيَّدوا حَجر
ولم يزل لهمُ في كلِّ زاويةٍ
مُنوِّهٌ بمخازيهم ومُفَتخر
وتلكَ لِلحرَّ مأساةٌ مُهيَّجةٌ
يَدمى ويدمعُ منها القلبُ والبصَر
فضيِّقِ الحبلَ واشدُدْ مِن خناقِهُمُ
فَربَّما كانَ في إرخائه ضَرر
ولا تَقُلْ تِرَةٌ تبقى حَزازتُها
فَهُمْ على أيِّ حالٍ كُنتَ قد وُتِروا
تَصوَّرِ الأمرَ معكوساً وخُذْ مَثَلاً
مما يَجرُّونه لو أنهم نُصِروا
أكانَ للرِفِقِ ذِكرٌ في مَعاجِمهمْ
أم كانَ عن ” حِكمةٍ ” أو صحبِهَ خَبَر
واللهِ لاقتِيدَ “زيدٌ ” باسم ” زائدةٍ”
ولأصطلى ” عامرٌ ” والمبتغى ” عُمَر”
ولا نمحى كلُ رَسمٍ من مَعالمكُم
ولاشتَفَتْ بِكُم الأمثالُ والسِيَر
ولا تزالُ لهم في ذاكَ مأرُبَةٌ
ولا يزالُ لهم في أخذِكُم وطَر
أصبحتُ أحذرُ قولَ الناسِ عن أسفٍ
من أن يروا تِلكمُ الآمالَ تَندَثِر
تَحرَّكَ الَلحدُ وانشقَّت مُجدَّدةً
أكفانُ قَومٍ ظنَّنا أنَّهم قُبِروا

من روائع الجواهري

إنّي أُصارِحك التعبيرَ مُجترئاً ________ وما الصريحُ بذي ذَنبٍ فَيعتذر
إن السماءَ التي ابديتَ رَونَقها ____ يومَ الخميس بدا في وَجهها كَدَر
تَهامَسَ النفَرُ الباكون عَهدَهُم _____ أن سوفَ يرجِعُ ماضيهم فَيزدِهر
تَجري الأحاديثُ نكراءً كعادتِها _______ ولم يُرَعْ سامرٌ مِنهُم ولا سمر
فحاسبِ القومَ عن كلِّ الذي اجترحوا __ عما أراقوا وما اغتلوا وما احْتَكروا
للآن لمْ يُلغَ شبرٌ من مَزارعِهم _________ ولا تَزحزح مّمِا شيَّدوا حَجر
ولم يزل لهمُ في كلِّ زاويةٍ ______________ مُنوِّهٌ بمخازيهم ومُفَتخر
وتلكَ لِلحرَّ مأساةٌ مُهيَّجةٌ ________ يَدمى ويدمعُ منها القلبُ والبصَر
فضيِّقِ الحبلَ واشدُدْ مِن خناقِهُمُ ________ فَربَّما كانَ في إرخائه ضَرر

قصيدة الجواهري امين لاتغضب

-أمينُ لا تغضبْ- قصيدة محمد مهدي الجواهري بعد انقلاب شباط 1963


عبدالله الداخل
الحوار المتمدن-العدد: 2550 – 2009 / 2 / 7 – 08:26
المحور: الادب والفن

مقدمة:
ان ما جعلني أكتب عن هذه القصيدة، وأورد نصَّها، هو اعتقادي بعدم توفرها في دواوين الشاعر أو على الانترنت، عدا عن بضعة أبياتٍ هنا وهناك (لا أدري إن كانت موجودة في مكان آخر) ولغرض توفيرها بأفضل شكل ممكن للقراء والباحثين، بسبب أهميتها التاريخية الكبيرة.

محتويات المقال:
أ- عن ظروف القصيدة، ملاحظات عامة عن خلفية الانقلاب.
ب- المكانة التأريخية للقصيدة.
ت- شئ عن بُعد نظر الشاعر.
ث- مراحل القصيدة.
ج- مفردات.
ح- ملاحظة.
خ- النص الأصلي القصيدة.

أ- عن ظروف القصيدة

قيل أن أمين الأعور، الذي كان صحافيا لبنانيا يساريا، قد كتب مقالا غاضبا إثـْرَ الانقلاب العسكري في 8 شباط 1963، في العراق، يتساءل فيه كيف سُمح للوضع في العراق أن يصل الى ما وصل اليه.

لم يكن معظم العراقيين مهتماً بما قاله ذلك الصحافي اللبناني قدر اهتمامهم بالمعارك اليومية: المعارك الحقيقية، معارك الحياة والموت؛ ومن المعروف أن الانقلاب، الذي عُدَّ، على العموم، مفاجئاً، رغم أنه لم يكن كذلك للبعض، أوصل حزب البعث القومي اليميني المتطرف الى السلطة بإسنادِ ما دُعي بالجبهة القومية، وهي خليط يضم أيضا كل المتضررين بسبب الانجازات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أجرتها ثورة 14 تموز 1958 التي قادتها شريحة من “منظمة الضباط الأحرار” بقيادة ضابط برتبة زعيم ركن اسمه عبدالكريم قاسم والتي أنهت حكم النظام الملكي التابع لبريطانيا، وحققت استقلالا فعلياً بإخراج بغداد من حلف بغداد (سُمي “حلف السنتو” أو المعاهدة المركزية فيما بعد)، وترك العراق منطقة الاسترليني، وصدر قانون الاصلاح الزراعي الذي تم بموجبه الغاء النظام الاقطاعي حيث قرر توزيع الاراضي الزراعية على فقراء الفلاحين، وقانون الأحوال المدنية الهادف الى الاصلاح الاجتماعي وتحسين ظروف النساء، كما تم وضع اليد على معظم أرض العراق فيما يتعلق بالتنقيب عن الثروات (سمي الاجراء بقانون رقم 80) كما قامت باجراء تغييرات جذرية أخرى ذات طابع ديمقراطي؛ وكان لابد أن تنال هذه الاجراءات تأييد القوى اليسارية، ومن ورائها ملايين المواطنين التواقين لتغيير وطنهم نحو عراق متقدم يسوده العدل الاجتماعي.

لكن الأخطاء القاتلة التي وقع فيها كلٌّ من عبد الكريم قاسم في التلكؤ في السير الى نهاية الشوط، وقادة الحركة اليسارية في عدم المبادرة الى ازاحة قاسم واستلام السلطة ومواصلة المسير، منح زمام المبادرة لقوى اليمين التي كانت توجه سياسات قادتهِ الجاسوسية الغربية.

جاء الانقلاب إذن انتقاما صريحا لما حصل بعد الرابع عشر من تموز من انهاء النظام الملكي التابع لبريطانيا، ومن اصلاحات جذرية، اقتصادية وسياسية، وانتقاما من قادة الثورة لأنها قامت، تحت ضغط اليسار، بتصفية أولئك المغامرين الذين كانوا هم المبادرين الى استعمال العنف ابان الأشهر الأولى للثورة وذلك في محاولتين اساسيتين (فشلت كلاهما) لتغيير مسار الثورة بحجة الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة التي كانت مؤلفة من مصر وسوريا، بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر: المحاولة الأولى من قبل الضابط الثاني في قيادة الثورة العقيد عبد السلام عارف ظهير الحركة القومية متحالفا مع الضابط النازي القديم (المتقاعد) رشيد عالي الكيلاني والقوى القومية اليمينية، وذلك في شتاء 1958؛ وجاءت المحاولة الثانية في الموصل في آذار/مارس 59 وسميت بحركة الشواف، رغم ان قائدَيْها الفعليَّيْن كانا رفعت الحاج سري، الرئيس السابق لمنظمة الضباط الاحرار وناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية في كركوك، أوشك فيها القوميون على احتلال المدينة، وقاموا بالفعل بعد احتلال بعض المواقع بتنفيذ أحكام الاعدام الفاشية بحق بعض اليساريين مثل المحامي المعروف كامل قزانجي والضابط عبدالله الشاوي وآخرين، ولم يتسنَّ لهم المجال لإعدام ستين آخرين من قادة الحركة اليسارية في الموصل والذين وقعوا في الأسر عدا إثنين منهم أفلتا من قبضتهم لانهما كانا في غاية الحذر، وقد تم إفشال المحاولة بفضل تظافر قوات حكومة الثورة مع القوى الوطنية في المدينة ومن خارجها، ولم يكن من السهل القضاء على تلك الحركة المسندة من قبل القوى القومية وعبد الناصر الذي كان قد أرسل للإنقلابيين معونات تحتوي على جهاز بث اذاعي.

بعد هاتين المبادرتين الفاشلتين تعلمت الرجعية العراقية دروساً في التنظيم الأفضل والتخطيط الأدق، فضمت الجبهة القومية إذن عناصر العهد الملكي السابق الخاضع مباشرة لتوجيهات بريطانيا (كان يُطلق عليه “عهد نوري السعيد”، وهو رجل المخابرات البريطانية، حامي النظام الملكي، من أصل تركي كان يترأس الوزارات العراقية كلما تطلب الأمر، وحين تعرض النظام الى الهزات)؛ كما ضمت أركان النظام الاقطاعي السابق من العرب مثل آل العريبي والخليفة في الجنوب وآل الياور في الشمال (الموصل، عائلة غازي الياورالذي عُين رئيسا للجمهورية بعد الاحتلال الأخير، وهو من أقارب أحمد عجيل الياور، الاقطاعي الذي لعب دوراً معروفاً في اسناد الردة الرجعية في العراق بعد ثورة 14 تموز 58) الى جانب حزب البعث وأحزاب وقوى يمينية أخرى.

تشير بوضوح دراساتٌ تأريخية كثيرة وتصريحاتُ مسؤولين بعد انقلاب شباط (مثل على صالح السعدي، رئيس وزراء الانقلابيين، وحسين، ملك الأردن، ابن عم فيصل الثاني ملك العراق الذي قـُتل في 14 تموز)، تشير الى أن الانقلاب كان قد خـُطط له وتم الاشراف المباشر عليه من قبل المخابرات الأميركية والبريطانية.
ما تقدم مجرد ملاحظات عن خلفية الانقلاب، ولا أدّعي أنه بحثٌ متكامل.

ب- المكانة التأريخية للقصيدة

وصلتُ مدينة العمارة (في الجنوب الشرقي من العراق) في أواسط نيسان/أبريل من ذلك العام الحالك، وحللتُ ضيفا لدى عائلة من الأقارب لبضعة أيام، وكان صوت المذياع عالياً في المدينة، خاصة في المحلة الفقيرة التي كنتُ فيها، إذ صادف أنني سرتُ في أزقتها ساعة بث القصيدة، والتي تم بثها عدة مرات، ليسمع الجميع صوت الشاعر الأكبر، مخاطباً بغداد، مندّداً بالانقلابيين وبعبد السلام عارف وجمال عبد الناصر وشيخ الأزهر محمود شلتوت (الذي “بارَكَ” الانقلاب) وإدارة كندي الأميركية، التي يسميها الشاعر “الكنديين”، وكنتُ معجبا بجرأة أهل العمارة في رفع صوت الراديوات، رأيتُ في ذلك خطرا عليهم، لكنهم لم يكونوا ليأبهوا، إذ لم أكن أدرك، أنا القادم من بغداد، حقيقة قلة عدد البعثيين في المدينة، إذ لم تكن الحال كما هي في العاصمة، ربما بسبب حقيقة أخرى، تأريخية مهمة، لم يُشَرْ إليها بوضوح من قبل المؤرخين، وهي أنه قد تم قـُبَيْل الانقلاب توجيه البعثيين “الحزبيين” من كل أنحاء العراق بالذهاب الى العاصمة مع الاهتمام بالشقاة، وخاصة منهم أولئك الذين يُطلق العراقيون عليهم اسم (السَّرسَرية). ولم أكن أعرف شيئاً عن مدينة العمارة، فلم يسبق لي أن عشت فيها، ولم تكن تخلو طبعاً من البعثيين والقائمين بأعمال التعذيب، ولا من أخبار يتم تناقلها بالتفصيل عن أحوال الموقوفين في المدينة وعن التعذيب وعن جثث مجهولة الهوية كانت تطفو على النهر بين الحين والحين.

كان صوتُ الجواهري هادراً وكان يتهدّجُ، من الحزن حيناً، ومن الغضب أحياناً؛ فهو يوصي في القصيدة بالصبر، ولكن غضبه هو كان بحراً هائجاً، طافحاً؛ كان غضباً حقيقياً، قاسياً،لا يعرف الصبر، وسْطَ عواصف من غضب جمهورٍ بدا أشدَّ غضباً وأمواج من التصفيق الطويل.

لقد تمكنت هذه القصيدة، وبصوت الجواهري من اذاعة صوت الشعب العراقي في أوربا الشرقية، أن ترفع معنويات جماهير العراقيين الى مستوى لم يتوقعه أحد وسط اشتداد وطأة الارهاب الفاشي الذي راح ضحيته الآلاف من خيرة العراقيين، حيث تعرض للإعتقال، وما انطوى عليه من تعذيب وقتول وتشويه جسدي ونفسي وارهاب ومحاكمات وحرمانات، ما يقرب من مليون مواطن حين كانت نفوس البلاد لا تتجاوز الستة ملايين ونصف.

إذن فبغض النظر عن تغيُّر هذا الظرف أوذاك، ورغم انحراف هذا الكاتب أو ذاك، تظل قصيدة “أمينُ لا تغضبْ” للأستاذ محمد مهدي الجواهري، عَلـَماً بارزاً في الكفاح الفكري، يَصْدقُ تشبيهُه برواية “الأم” لمكسيم كَوركي التي صدرت بعد فشل ثورة 1905 في روسيا، وربما كانت أعمق وأعم تأثيراً، وأبقى أيضا، في العراق، لدى المقارنة، مع الفوارق!

ت- بُعد نظر الشاعر:
1
في قاسم
يكفي أن نقول ان الشاعر الكبير اختلف مع عبد الكريم قاسم بسبب سياسته الرعناء في العفو عن المجرمين التي تمثلت بشعار قاسم الساذج “عفا الله عما سلف”، تلك السياسة التي أوصلت العراق الى نجاح انقلاب شباط.
ورغم أن علاقتهما كانت قديمة، منذ لقائهما في لندن في الاربعينات، فانها انقطعت بعد ذلك بسبب ظروفهما، ثم التقيا ثانية بعد الثورة، حيث أصبحت صداقتهما أوطد خلال السنة الأولى بعد الثورة. كان قاسم زعيما سياسيا وكان الجواهري زعيما فكرياً، حيث كان قاسم يُظهر احتراما كبيراً للجواهري. لكن سياسة قاسم الثنائية أوصلته فيما بعد الى تأليب الكتاب اليمينيين ضد الجواهري. ولم يسكت الشاعر عن السياسة الغبية تلك وأعاد على أسماعه ما كان قد قاله أيام بكر صدقي عام 1936:

تصور الأمرَ معكوساً وخذ مثلا
عما يفعلون لو أنهمْ نـُصِروا

فضيق الحبلَ واشدُدْ من خناقِهمُ
فربما كان في إرخائهِ ضررُ

وأيّ ضرر!
بيد ان هذا التنبيه لم ينفع بشئ، مما أدى الى احتدام الخلاف بين الصديقين.

2
في الانقلابيين ومن آزَرَهم:
إن البيت:

واتصلت زوراً وقد أقسمت
بالعروة الوثقى على الانفصامْ

يشرح نفسه للمتتبع للأحداث التاريخية في العراق.

ث-
تقسم القصيدة الى أجزاء أو مراحل:

1
الأبيات التسعة الأولى
عبارة عن مقدمة في مخاطبة الصحافي.

2
الأبيات رقم 10-22، مخاطبة بغداد، وتشكل مقدمة فذة لما يريد الشاعر قوله لاحقاً.

يا دارة َالمجد ودار السلامْ
بغدادُ يا عِقـْدا ً فريدَ النظامْ

3
الأبيات 23-29 الشاعر يرجو المخاطب التريث والامهال، لأسباب.
أمينُ خلِّ الدمَ ينزف دماً
ودعْ ضراماً ينبثقْ عن ضرامْ

تجدر الاشارة هنا الى أن الشاعر خاطب جمهوره قائلا:”هذا ما لن يُقرأ”؛ معنى ذلك أن الشاعر كان قد حذف بيتاً أو مجموعة أبيات من القصيدة الأصلية قبل البيت رقم 30، وأعتقد أنها مجموعة أبيات لم يقرأها، ومن الضروري أن يهتم بها المختصون وأن يحاولوا معرفة ما كانت تلك الأبيات.

4
كشف حقيقة الانقلابيين
من البيت رقم 30 الى 46
أمينُ ألقى الغيُّ أستارَهُ
وانزاحَ عن وجه النفاق اللثامْ

5
بيتان للتمهيد للإنقضاض على محمود شلتوت

والاشتراكية ُمدعومة ًبالدين
خصمان شديدا خصـامْ

تـُستـَنزَلُ الآية ُمعكوسة ً
في مطمع ٍأو شهوةٍ أو عُرامْ

6
الأبيات 48-56 في محمود شلتوت.

7
الأبيات 57-61 في عبد السلام عارف.

8
62-67، الختام.

ج- مفردات:

العيد: (هنا) عيد الفطر الذي حل بعد اسبوعين من الانقلاب.
الرَّغام: التراب
جيشٌ لآم: غفير ومتراص.
الجِمام: الراحة
يُشام: يُرنى إليه، يُتطلـَّع له.
الأ ُوام: حرارة العطش.
شذا: (هنا) أذى (وليس قوة الرائحة)
مُدى: جمع مُدية، وهي الشفرة أو نصل السكين
الحِمام: الموت
أكام: تلال
الصفا وزمزم والمُقام: أسماء أماكن
الخنى: الفحشاء
دِمام: (هنا) دِمم، جمع دِمّة، وهي القملة أو النملة أو ما شابه.

ح-
ملاحظة:

للأمانة التأريخية أنقل هذه القصيدة كما قـُرِأت من قبل الشاعر دون تغيير، أي كما وردت في المسودة الأولى، وسيلاحظ القارئ أنها تحتوي على بعض الأمور الأصيلة authentic، كتكرار الرويّ في البيتين 15 و 16، وهو، كما أشرتُ سابقاً، أمر نادرٌ جدا في شعر الجواهري العظيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خ- النص الأصلي للقصيدة

أمينُ لا تغضبْ
لشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري

1
أمينُ لا تغضبْ فيومُ الطـَّغامْ
آتٍ وأنفُ شامتٍ للرَّغامْ

2
أمينُ لا تغضبْ وإنْ هُتـِّكَ الـ
سِّتـْرُ وديستْ حُرُماتُ الذ ِّمام

3
وإنْ غدا العيد وأفراحُهُ
مآتِما ً في كل بيتٍ تـُقامْ

4
عند البطون ِالطاهراتِ التي
ما إنْ بها عن كل خير ٍعُقام

5
مدَّخـَرٌ للخائضينَ الوَغى
العام تلو العام، جيشٌ لـَآمْ

6
أمينُ لا تغضبْ فإنَّ الحِمى
يمنعُهُ فتيانـُهُ أنْ يُضــامْ

7
خمسونَ عاماً وقتيلُ الكفاح
يشيبُ منه الطفلُ قبل الغلام

8
خضناهُ جبّارينَ في سوحِهِ
أهونُ ما نلقاه موتٌ زُؤامْ

9
أمينُ كم من مَثـَل ٍ سائر ٍ
يضرِبُهُ الشعب عليه السلامْ

10
يا دارة َ المجد ودارَ السلامْ
بغداد يا عِقـْداً ً فريدَ النظامْ

11
يا أمَّ نهرَيْن ِاستفاضا دما ً
ونعمة ً من عهدِ سام ٍ وحامْ

12
من عهدِ سنحاريب إذْ نينوى
يتوّج الحكمة َ منها النظامْ

13
وعهدِ حــامُورابْْ إذ ْ بابلٌ
للكون في الأحكام منها احتكامْ

14
شعارُها الشمس وعنوانـُها
سنابلُ القمح، وعدلٌ يُقامْ

15
وبابلٌ تضمُّ كل اللـُّـغى
وسِحرُها يجذِبُ كلَّ الأنامْ

16
وعهدِ هرون وفي حكمه
غمامة ٌ تصوبُ كل الأنام

17
إذ شهرزادٌ عن حقيقِ المُنى
تقصُّ عن أحلامها في المنامْ

18
بغدادُ والتأريخُ ذو أشطر ٍ
وشرُّ شطريهِ عهودُ الجـِمام

19
يغدو بها المُدْرِكُ ما لا يُرامْ
مُيَسّرَ المأخذِ، سهلَ المَـرامْ

20
يغفو على المجدِ وأحلامه
حتى إذا الغرورُ منـّاهُ، نامْ

21
حتى إذا صحا رأى كوكبا ً
في كفـّه أصبحَ برقا ً يُشامْ

22
أمينُ خلِّ الدَّمَ ينزِفْ دمـاً
ودعْ ضراما ً ينبثقْ عن ضرامْ

23
وخلِّ سوحَ المجد ينهضْ بها
ركامُ موتٍ عن بقايا رُكامْ

24
ودعْ مُدى السفـّاح مشحوذة ً
ظمآنة ً، يُبَلُّ منها الأ ُوامْ

25
فما استطابتْ أمة ٌ نشوة ً
للنصر، إلاّ من كؤوس الحِمامْ

26
وأنفـُسا ًواثقة ً خلـَّها
تزحمْ جدارَ الموت بالارتطامْ

27
فالسيف يُعلى من شذا حدِّهِ
يومَ التنادي كثرة ُ الإنثلامْ

28
أمينُ، خلِّ الرعبَ ينشرْ بها
جوّا ً مُضِدّا ً وسماءا ً تـَغامْ

29
فالصبحُ أبهى ما يُرى حسنُهُ
إذا استطالت غَمَراتُ الظلامْ

30
أمينُ ألقى الغيُّ أستارَهُ
وانزاحَ عن وجهِ النفاقِ اللثامْ

31
ما أقذرَ الفِسْق وإنْ ألـَّفـَتْ
بين الزواني روعة ُ الإنسجامْ

32
إنَّ الشعوبَ اقتـُسِمتْ عَنوة ً
للكنديـينَ اقتسامَ السهام

33
فسلـَّمَتْ كُرها ً مقاليدَها
واستسلمتْ طوعاً الى العمِّ سامْ

34
واغتصبتْ أعناقـَها غارقا ً
في دمِ آلاف الضحايا الذمام

35
ليس لها من أمرها ثالثٌ
إما الموالاة وإما الحُسام

36
تنزو الى الحُكم بها شهوة ٌ
كشهوةِ الحبلى اعتراها الوِحامْ

37
وتنبري الطغمة ٌعن طغمةٍ
مثلَ العنوز انحدرتْ من أكامْ

38
قاستْ مقاييسا ً بأضدادها
وزوّرت كلَّ معاني الكلامْ

39
بالنور ِسَمَّتْ ظـُلمة ً والهدى
ظلالة ً، ورجعة ً بالأ َمام

40
وحقدَها الأعمى منارَ الهدى
وحُكمَها الأعرجَ لـَبْـنَ القـَوام

41
وخطـّت اللهَ على صدرها
وخوّضتْ بالدم ِحتى الحِزام

42
واغتلمَتْ بالدم لا ينتهي
منه ومنها طربٌ واغتلامْ

43
وخافت الفكرَ وأنوارَهُ
خيفة َعدوى جَرَبٍ أو جُذامْ

44
تبنـّت الوحدة َ إذ بعضُها
يذبح بعضا بسيوف الغرام

45
واتصلتْ زوراً وقد أقسمت
بالعروة الوثقى على الإنفصامْ

46
والإشتراكية ُمدعومة ً بالدين
خصمان، لديدا خصام

47
تـُستنزَلُ الآية ُ معكوسة ً
في مطمع ٍ أو شهوةٍ أو عُرامْ

48
أمينُ هل جاءكَ ما حَلـَّه ُ
بالأزهر المظلوم ذاكَ الإمام

49
خليفة ُ اللهِ على عرشِهِ
أضحى أجيرا ًلعروش الطـُّغام

50
عَمامة ٌ لـُفـَّتْ على سَوْأةٍ
لها بخزي ٍ باض فيها دِمام

51
وهامة ٌ يأنفُ من حَمْلِها
ذو نخوةٍ أو أصيدٌ أو هـُمام

52
باركَ بغدادَ وسفـّاحَها
بمأثم ٍ يخجلُ منه الأثام

53
وهنـّأ َالفِرعون في مصرِهِ
بينَ الغواني وكؤوس المَدام

54
أن العراقَ انتـُهـِكتْ دورُهُ
عَشِـيّة ً، ثم استتبَّ النظام

55
أفتى بأنَّ حُرُماتٍ حرامْ
ديسَتْ حلالٌ وسواها حرام

56
أفتى بأن الطفلَ بعد الرضاع
يُفطـَمُ، والذبحُ له كالفِطام

57
من مُبْـلِـغُ الفاجرَ في ضَحْوَةٍ
على رؤوس المَلأِ المُسْـتـَضام

58
يا عبدَ حربٍ وعدوَّ السلام
يا خزيَ من زكـّى وصلى وصام

59
يا سُبـَّة ََالحجيج في عَمْـرةٍ
بين الصفا وزمزم ٍ والمُقام

60
يا ابنَ الخـَنا إنَّ دماءَ الكرامْ
نارٌ تـَلـَظـّى في عروق اللئام

61
وللضحايا من جِراحاتها
أيُّ عيون ٍ خـُزّر ٍ لن تنام

62
أمينُ صبرا ً فالخطوبُ الجِسام
تعْلـَقُ حُبا ً بالهموم الضِّخام

63
صبرا ً فأمُّ الشرِّ في بطنها
فردٌ، وأمُّ الخير فيها تـُؤام

64
للحق في الأرض انتفاضاتـُهُ
وللوعود في السماء التزام

65
صبرا ًفقد نصبر كي نلتقي
بالجزء من ثانيةٍ طولَ عام

66
نـَفـْحَ التحيات وصوبَ الغـَمام
على الهـُداةِ الشهداء الكرام

67
على نسورٍ، هم وأجداثـُهُم
عِطـْرُ التحيات ومِسْكُ الخِتام.

وداعا

من تصميم المبدع كريم الشطري

وَداعا ما أردت لكَ الوَداعا ولكنْ كانَ لي أملٌ فضاعا
وكمْ في الشرقِ مثلي من مُرَجٍّ أرادَ لكَ النجاحَ فمااستطاعا
وإنَّ يداً طوتكَ طوتْ قلوباً مرفرفِةً وأحلاماً وِساعا
وقد كانت متى تذكَرْكَ نفسي تَطِرْ –إذْ تمتلي فرحاً – شَعاعاً
فها هيَ بينَ تأميلٍ ويأسٍ تُصبَّرُ ساعةً وتجيشُ ساعا
أمان الله والدُّنيا “هَلوكٌ ” أبتْ إلَّا التحوُّلَ والخِداعا
بغيرِ رويَّةٍ حُبّاً وكُرهاً إذا كالتْ تُوفّي المرءَ صاعا
تثَّبتْ لا ترعُكَ فليس عدلاً ولا عَّودتَ نفسكَ أنْ تُراعا
إلهُ الشرِّ جبارٌ عنيدٌ يحبُّ معَ الجبابرةِ الصراعا
وأحكامُ القضاءِ مغفَّلاتٌ يُسئنَ إذا انتخبنَ الإِقتراعا
أرى رأسَ ” ابنَ سقاءٍ ” محالاً يُطيق بتاجكَ الألِقِاضطلاعا
بلى وأظنّه عمَّا قريبٍ سيشكو من تحمّله الصداعا
لقد أودى بعاطفتي ركودٌ فها أنا سوفَ أندفعُ اندفاعا
تقدَّمْ أيها الشرقيُّ وامددْ يديكَ وصارعِ الدُّنيا صِراعا
فقد حلَفوا بأنَّك ما استطاعوا ستبقى أقصرَ الأقوامِ باعا
وأنَّك ما تُشيِّدْ من بِناءٍ تَجِدْ فيه انثلاماً وانصداعا
وليس بأوَّلِ التيجانِ تاجٌ أرْدنَ له مطامعُهم ضياعا
فيا لِشقاء شعبٍ مَشرقيٌٍّ إذا وجدوا به ملِكاً مُطاعا
وهبْ أوفى بـ ” أنقرة ” وأنعمْ رُواءُ المُلك يَزدهرُ التماعا
فلمْ تكنِ ” البَنيَّةُ ” وهيَ فردٌ لتعدِلَ ألفَ بنيانٍ تداعى
سأقذِفُها وإنْ حُسِبَتْ شذوذاً وإن ثقُلتْ على الأذنِ استماعا
فما للحرِّ بدٌّ من مَقالٍ يرى لضميرِهِ فيه اقتناعا
إذا لم يشْمَلِ الاصلاحُ دِيناً فلا رُشْداً أفادَ ولا انتفاعا
وأوفقُ منه أنظمةٌ تُماشي حياةَ الناسِ تُبتدَعُ ابتداعا
أتتْ ” مدنيَّةُ الاسلام ” لمّاً لشعثٍ لا انشقاقاً وانصداعا
ولا لُترى مواطِنُها خراباً ولا ليبيتَ أهلوها جِياعاً
ولا لتكونَ للغربيِّ عوناً يهدَّدُ فيه للشرقِ اجتماعا
وإلَّا ما يُريدُ القومُ منَّا إذا ألقتْ محَّجبةٌ قِناعا
أعندَ نسائنا منهمْ عهودٌ بأنَّهُمُ يجيدونَ الدِّفاعا
أإنْ حُلِقتْ لحىً مُلئتْ نِفاقاً تَخِذْتُمْ شَعرها دِرْعاً مَناعا
رفعتمْ رايةً سوداءَ منها وثوَّرتمْ بها ناساً وِداعا
عَفتْ مدنيَّةٌ لدمارِ شعبٍ وديعٍ تخدُمُ الهمجَ الرَّعاعا
همُ نفخوا التمرُّدَ في خِرافٍ وأغرَوهنَّ فانقلبت سِباعا
ومن خُططِ السياسةِ إنْ أرادتْ فساد المُلك أفسدَتَ الطّباعا
على أني وإنْ أدمى فؤادي ليومك ما أضيقُ به ذراعا
أُحمِّلكَ الملامةَ في أُموراٍ بِطاءٍ قد مشيِتَ بها سِراعا
وقد كانت أناةٌ منكَ أولى وإنْ كنتَ المجرِّبَ والشجاعا
” وخيرُ الأمرِ ما استقبلتَ منه وليسَ بأنْ تتبَعهُ اتباعا”
” ولكنَّ الأديمَ إذا تفرَّى بلىً وتعيُّباً غلبَ الصَّناعا