رائعة جديدة للشاعر المبدع عماد عبد اللطيف سالم

ليل ُ الجيش ِ .. وليل ُ النفط ِ .. وليل ُ الأوديسّة *

 

 

الليل ُ الأوّل ُ :  ليل ُ الجيش ْ

 

 

 

  في فجر تموز الأبله ذاك

 على أعتاب ” الأول الأبتدائي “

وقبل أن يبصق أحدهم ” البيان رقم واحد ” عبر الراديو

كان أهل بغداد ينامون فوق سطوح المنازل

وكان الأذى / إلى ذلك الحين / ما زال غضا ً .

….

ولكن ّ حزمة سوداء من نسوة ” الكرخ “

بدأت تولول ُ .. ” مات الملِكْ ” .

ورجال ٌ بـ ” دشاديش ” من ” الجوخ “

كانوا يمرّون على عجل ٍ بضريح ” الشيخ علي “

وهم يتداولون بغضب ٍ صاخب ْ ..

مسار الطرق الرئيسة

لجيش الملوك الجدد .

….

وما بين ” معسكر الوشّاش ِ”

 و ” قصر الرحابْ “

بدأ الليل ُ الدامس ُ للجيش .

 

 

 

***

 

 

 

لم يكنْ لشيءٍ أسمه ُ ” الطفل ُ ” معنى .

ففي الأولّ الأبتدائي

كانت عيون ُ الصغار من تلاميذ المدارس

لا تفهم ُ لماذا ..

تستعيرُ ” الأمـّـة َ العراقيـّة ُ “

ملوكها من الغير ِ

ثـم ّ تـَقـْـتـُلـُهم ْ

ولماذا ..

يلوّح ُ جنود ٌ مهتاجون

بذراع ٍ مقطوعة ٍ ” للوصيّ ” ..

ملفوفة في جريدة .

ولماذا ..

ينبش ُ رجال ٌ نصف ُ ملثمين

/ يشبهون المُعلمين َ /

وجه رجل أسمه ُ ” نوري السعيد “

كان يشبه ُ كثيرا ً

الوجهَ الصارم َ لمدير المدرسة ْ .

 

 

 

***

 

 

 

بعدها بقليل  ..

لم تعدْ ” القراءة الخلدونيّة ”

صالحة للقراءة

و لا بطانيّات ” فتاح باشا “

كافية للدفء ْ .

….

وكان تلاميذ ” الثالث الأبتدائي “

لا يفهمون لماذا ..

أصبحت الشوارع ُ مكتـظـّة هكذا

بالراكضين صوب ” المنـّصة ” في ” الباب المعظـّم “

حيث ُ كان ” الزعيم ْ ”

يلوّح ُ للهستيريا

وحشودها الزاعقة حتى الفجر

وبيارقها المقدّسة ْ .

….

ولا يفهمون لماذا ..

 كان وجه ُ ” الزعيم “

باديا ًً بكل هذا الوضوح

وهو يبتسم ُ بحبور

فوق سطح القمر ْ .

 

 

 

***

 

 

يومها ..

” سـَحَـلـْنا ” بعضنا بعضا ً

وعـَـلـّقـْنا بعضنا بالحبال ِ

على أعمدة ِ الظـُلـْمة ِ

و أغـْلـَقنا على ألآخرين عربات العار ِ

وذهـَـبـْنا بـِهـِم ْ إلى التيه ِ

في صحراء ِ ” السماوة ِ “

….

ولا نزال ُ هناك ْ .

 

 

 

***

 

 

بعدها بقليل ..

كان تلاميذ ” الخامس الأبتدائي “

يشاهدون ” الزعيم “

مضرّجا ً بدمه ْ

وثمة جنديّ يمسك شَعر َ رأسه

ويشدّه ُ يمينا ً .. ويسارا ً

ويبصق ُ في وجهه ْ .

….

بعدها ..

لم يفهم ُ التلاميذ أبدا ً

كيف غادرَ وجه ُ ” الزعيم “

سطح القمر ْ .

 

 

***

 

 

 

في بداية الليل الأول

ضاع قصر ُ ” الملك “.

وفي نهايته ِ

ضاع قبر ُ الزعيم ُ .

….

وعند الفجر التالي ..

بدأت ُ أزمنة ُ التوابيت ْ .

 

 

 

 

 

الليل ُ الثاني :  ليل ُ النفط ْ

 

 

في الطريق إلى أول ّ الصبا

كانت بغداد ُ على موعد ٍ مع ” الريف “

وكان تموز ُ / كعادته /

يجعل ُ الخيانات رخيصة جدا ً

كالتمر ِ ” الزَهْديّ ” .

….

كان الراحلون َ جنودا ً

والقادمون جنودا ً

بعضهم جاءوا من الطين

وبعضهم جاءوا من الرمل

وكلهم غادروا ” دشاديشهم “

على عتبة ” القصر الجمهوري ّ “

ودخلوا / حاملين سروجَ العقائدِ /

إلى بيوت ٍ كان حُرّاسها

يغطـّون في النوم ِ

وأمتطوا على عجل ٍ

صهوة َ ” الدولة ِ الساذجة ْ ” .

 

 

 

***

 

 

كان تلاميذ ُ المدارس

يرتدون بدلات ” الطلائع ” .

والرفاق ملطـّخون بالمسدسات ِ

ولون الزيتون .

….

وكان النفط ُ وفيرا ً

ونهرُ دجلة يشرب البيرة َ

 من بارات ِ الضفاف ِ

ويهتف ُ لـ ” القائدْ ” .

 

 

 

***

 

 

وذهبنا إلى الشرق ِ ..

ثم ّ الجنوب ْ

جنودا ً من القشّ ِ

يأكلنا ضجر ُ ” اللالات “

في خنادق ” تكريت “

التي لا تنتهي .

 

 

 

***

 

 

وتلك الحروب ُ

ليست لنا

غير أنّ أطفالنا اعتادوا ..

أن ْ يروا جثثا ً

وأطفالنا اعتادوا ..

 موت َ الآباء ِ – الجنود ِ

قبل ” الأجازة الدوريـّة ” للعائلة ْ .

….

وكان الخراب ُ يعبرُ سن ّ الرُشد ِ

والكفن ُ الأبيض ُ

والتابوت ُ البـُنـيّ

و ” العـَلـَمُ الوطني ّ “

هو ” زيـّنا المـُوّحـَد  ُ “

في جامعات ِ الذهول ْ .

….

وكان بعضنا يدفن ُ البعض َ

في حديقة ذلك البيت

الذي لم يعد ْ آمنا ً

ولم يـَعـُد ْ فيهِ

تين ٌ وزيتون ٌ وتـَمـْر .

..

وكان ثمة فينا

من يشرب ُ قـُرْب َ رائحة الضَـيْم ِ

قهوة  ” الغـَلـَبـَة ِ  ”

و شاي ” الغـَنـيمـَة ِ”

منتشيا ً بالنصر على أهله ِ

بينما يورق ُ الكـُرْه ُ

في السهل ِ الرسوبيّ  .

 

 

***

 

 

وكان الخواء يكـْسُرنا

عندما عدنا من الحرب ِ

قادمين َ إلى الأرغفة ِ السود ِ توّا ً .

….

وفوق خطوط العرض

وخطـّ الطول

رسمنا ملامح أبنائنا القادمين

وقايَضْنا حليب ” حُصـّتِهم “

بالرّز ِ والزيت ِ

وبعنا القليل الذي لا يباع

في انتظار النهار ..

الذي سوف يأتي .

 

 

 

 

 

 

الليل ُ الثالث ُ : ليل ُ الأوديسّة

 

 

 

في الطريق إلى آخر العـُمر ِ

كان الليل ُ الثالث ُ

قد حل ّ على الروح .

وكانت ْ بغداد ُعلى موعد ٍ

مع القادمين إليها ..

منها .

….

والمصفـّقون َ الزاعقون َ

المتبرّعون بـ ” أرواحهم ” و ” دمائهم “

لأربعين عاما ً خلت ْ

 ” يسحلون ” الآن تماثيل ” قائدهم “

مبتسمين بخوف ٍ

لـ ” الكاميرات الخفيّة ” .

….

و حاملو سروج ” المذاهب ” المزركشة ِ

يمتطون على عَجـَل ٍ

صهوة َ ” الدولة ِ الغائبة ْ ” .

 

 

 

 

***

 

 

 

 

 

كانت دبابات ” أبرامز “

ملطـّخة بالحناء

تحـّف ُ بها العمامات ُ والعباءات ُ والدشاديش ُ القصيرة ُ والبيارق ُ فاقعة الألوان .

….

وكانت الآلهة ُ الفـارّة ُ

من ” إلياذة ” الحرب والجوع

تمتطي خيولا ً من الظلام ِ المصفـّح ِ

وتركض ُ بانتشاء ٍ

صوب القصور المنيفة ِ

حول دجلة ْ .

 

 

 

 

***

 

 

 

أمـّة ٌ قارئة ْ .

أمـّة ٌ من الجراد ِ والنمل ِ الأبيض ْ .

….

أمـّة ٌ قابلة ٌ للطي ّ ِ

في حقائب ِ الظهر ِ

لـ ” قوات التحالف ُ ” .

 

 

 

***

 

 

لم تكن ْ حربنا

لكنـّنا دائما ً

كنـّا سعاة البريد ِ

للقادمين من التيه ِ

وكنـّا ..

الحمام َ الزاجل َ لـ ” تيمورلنك “

وجنود َ الشطرنج ِ

لـ ” مراد الرابع “

و ” عباس الصفويّ ” .

….

و بنا فوق ذلك َ ..

 توق ٌ إلى الغزو ِ والسبي ّ ِ

والكرِّ  والفرِّ

حاملين َ بأسناننا

غنائمنا – أهلنا

راكضين بها إلى مضاربنا المحروسة

 بالكلاب والأبل ِ والغبار .

….

هكـذا …

تقاسَمـْنا الضِفاف َ والمُدُن َ

و الأحياء َ و الأضرحة َ

و الأفيال و الدببة القطبيّة َ

و فقمات الصحراء

و مياه المجاري .

 

 

 

***

 

 

كـلّ ُ الدود الفائر ذاك ..

في كـلِّ الجثث تلك ..

كان َ ينتمي إلـيـنا .

….

و ” دونالد رامسفيلد ” يقول ..

” إن هذه الأشياء .. تحـْدُث ْ ” .

 

 

 

***

 

 

 

من الليل ِ إلى الليل ِ إلى الليل ْ .

من المقابر ِ إلى المزابل ْ .

من الخوف ِ إلى الخوف ْ .

….

من قادة ” الضرورات ِ ” إلى قادة ِ ” الصـُدَف ْ ” .

من ” التجنيد ِ الأجباريّ “

إلى الهذيانات ِ المـُدرّة ِ للدمع ِ

في ذلك الطريق ِ الطويل ِ

 إلى مقبرة ِ العائلة ْ .

….

من الفرد ِ الضـّال ِ إلى القبيلة ِ ” العاقلة ْ ” .

من أمـّة ٍ الماء ِ والعـُشب ِ والنفط ِ والشعوب ِ ” الرُحـّل ِ “

إلى حـيٍّ بائس ٍ

يـُمـْطـِر ُ الحـيَّ البائس َ المقابل َ لـَـه ْ

بقذائف ” الهاوَن ْ ” .

 

 

***

 

 

 

ثمة شيء فينا ..

يجعل ُ عيشنا ممكنا ً

مع ” الحجـّاج ِ بن يوسـف ْ ” .

….

ثمة شيء فينا ..

يجعل ُ ” أسطنبول ” أبهى من بغداد َ

و ” الكارون ” أعذب ُ من ” فـُرات ٍ ” قديم ْ .

….

ثمة شيء فينا ..

يجعل ُ إنقراضنا مستحيلا ً

رغم شحـّة ِ الضوء ِ

وغـَلـَبـَة ِ الصعاليك ِ

وقهر ِ ” الحـَرَس ْ ” .

 

 

 

 

 

* ينتمي هذا النص للتاريخ .. تاريخ العراق المعاصر . ويتناول أحداث ثلاث مراحل تاريخية هامة , بدأت كل منها ( على وفق تسلسلها الزمني ) في تموز 1958 وتموز 1968 ونيسان2003  . وقد كتب هذا النص وفق منطقه الخاص . منطق ينتمي إلى شيء من الأدب , ولا صلة له بالمنطق الصارم لدراسات التاريخ . لذا أقتضى التنويه .