زهرة عمران الاوسي

من الأمهات المثاليات في البصرة
أم الأطباء وأم الخطباء
الراحلة زهرة عمران عيسى الأوسي
كاظم فنجان الحمامي
لهذه المرأة الخارقة إنجازات باهرة لا يصدقها العقل، ولا يعلمها معظم سكان البصرة، فما بالك بالعراقيين الذين لم يسمعوا بذكرها من قبل. لذا وجدنا أن أبسط التكريم والثناء الذي ينبغي أن نقدمه إلى هذه الأم المثالية هو أن نترحم عليها ونقتفي الأثر الطيب الذي تركته هذه الإنسانة المؤمنة الصابرة المجاهدة، والتي كانت وراء نجاح بناتها السبع وأبنها الوحيد. وكيف أصبح أبناؤها من أشهر الأطباء والمهندسين، وكيف كانت هي الحافز الفاعل والعنصر المؤثر في ارتقاء أحفادها سلم المجد والتفوق في عالم الطب والهندسة.
وقفت هذه المهرة الأصيلة وحدها تذود عن بناتها في مواجهة التحديات الصعبة. كانت تعيش في مجتمع رجالي ضيق، مجتمع يبتسم للأولاد ويعبس بوجه البنات. كانوا يسمونها (أم البنات). يعيبون عليها إنجابها للبنات، لكنها قفزت ببناتها نحو المجد، وارتقت بهن قمة العلياء، فأسكتت ألسن الشامتين والشامتات.

إرادة فولاذية فجرت المواهب
أصبحت ابنتها الأولى (مواهب) من الطبيبات المرموقات بمواهبها العلمية الفذة، وابنتها الثانية (سهاد) من المهندسات المبدعات، وابنتها الثالثة (نهلة) من الطبيبات اللواتي نهلن من علوم الطب وتخصصن بالسونار، وابنتها الرابعة (أمل) من المهندسات الواعدات، وابنتها الخامسة (فيحاء) من الطبيبات النسائيات المتميزات، وابنتها السادسة (إخلاص) من الطبيبات المخلصات في عملهن، وابنتها السابعة (إنعام) من البيولوجيات المتخصصات في التحليلات الطبية. وأصبح ابنها (محمد) طبيباً ماهراً في مضمار طب الأسرة. فصاروا يسمونها منذ ولادته بأم محمد.
كانت تقول لبناتها: أريدكن أن تتطلعن إلى المستقبل بعين الرضا والتفاؤل والإيجابية. فتصنعن مستقبلكن بإرادتكن باعتباركن ثروتي الغالية، وكتيبتي التي أحارب بها الجهل والتخلف، فلا تدعن فرص النجاح تفوتكن، لأن الفرصة تأتي مرة واحدة فقط، فاقتنصنها ولا تضيعنها حتى تكونن ركيزة قوية في ترصين بنيان هذا البلد، وشجرة مثمرة تفيء بظلالها الوارفة على الناس.
كانت الراحلة زهرة عمران عيسى الأوسي (أم محمد) حريصة أشد الحرص على النهوض بتربية بناتها والسعي في صلاحهن. كانت ترى أن التركيز على تربيتهن وتنشئتهن هو العمل الحقيقي المنوط بها كإنسانة عاقلة ناضجة متحضرة. حرمت نفسها من أشياء وأشياء لأجلهن، فكانت لا تسافر إلا بصحبة بناتهن، ولا يغمض لها جفن إلا بعد اطمئنانها عليهن. لم تكن همومها مثل هموم الكثيرات اللواتي يفكرن باللبس والزينة. بل كان همها الأعظم كيف توفر الرعاية الكاملة لبناتها.

الأم مدرسة إذا أعددتها
من الخير الذي خص الله به هذه المرأة أن جعل القرآن يسكن قلبها في حياتها الدنيا. فاشغلها عن الناس ومجالسهم الفارغة. كانت تتلوه في صبحها ومسائها على الرغم من أنها ربة بيت وأم لسبع بنات وولد واحد. كانت سيدة نساء العالمين مثلها الأعلى في التهجد والعبادة. بلغت سناً قلما يحفظ المرء فيه القرآن. إلا أنها عزمت على ختمه فأعطاها الله ما أرادت لصدق نيتها وقوة عزيمتها.
لم تكن (أم محمد) تسمح لبناتهن بمساعدتها في التسوق والغسيل والتنظيف وإعداد الطعام والنهوض بالأعباء المنزلية الثقيلة. فهي وحدها التي تتصدى لشؤون البيت، وتهتم بأمور زوجها الراحل (عبد سلمان علي البياتي).
من المفارقات العجيبة أن بناتها حصلن على أعلى المعدلات التأهيلية في الامتحانات المركزية الثانوية، وتأهلن إلى كليات الطب والهندسة بتفوق ملحوظ، من دون أن تكون لهن دروس خصوصية، ومن دون أن يلتحقن بمعاهد التقوية. كانت هي المعلمة المتشددة المتخصصة بجميع المواد الدراسية ولكافة المناهج. ولسنا مبالغين إذا قلنا أنها حفظت المناهج الدراسية لطلاب المراحل الثانوية بفرعها العلمي على ظهر القلب. بل كانت تحفظ كتيبات التقوية على ظهر القلب. نذكر منها كتيبات الأستاذ عبد الهادي العمار في الرياضيات، والأستاذ إبراهيم الشيخ في الفيزياء، والأستاذ محمد القيسي في الكيمياء.
كانت تتابع الجداول الدراسية اليومية، وتستعد للمواعيد الامتحانية. ترصد وتراقب وتشرف وتسأل وتستفسر وتفحص، وتتحرى عن كل شاردة وواردة تتعلق بمستوى التقدم والتفوق الذي أحرزته بناتها في مسيرتهن العلمية المرهقة. حتى صارت الأمثال تضرب ببنات (عبد سلمان) في أرجاء المدارس الثانوية لعموم ضواحي البصرة، وصرن علامة فارقة من علامات الفطنة والعبقرية والذكاء، والتفوق الذي صار ملازماً لهن منذ خطواتهن الأولى في المراحل الابتدائية وحتى نهاية المراحل الجامعية والدراسات العليا. ثم صار النجاح والتألق قريناً لهن في مشوارهن المهني والميداني.

أجمل أزاهير الزهرة العامرة (زهرة عمران)
ابنتها الكبرى الدكتورة (مواهب عبد سلمان) من مواليد 1957. هي الآن أستاذة في كلية الطب، ورئيسة قسم الأمراض النسائية في كلية الخليج في (عجمان)، وهي حاصلة على شهادة الدكتوراه بالطب وكانت مقررة فرع النسائية في كلية طب البصرة، وأولادها (محمد وأحمد) كانوا يدرسون أيضاً في كلية الخليج الطبية، لكنهما هاجرا إلى كندا ولم يكملا دراستهما، واختارا دراسة الهندسة. الدكتورة مواهب متزوجة من الدكتور المهندس (حمود عبد الله) الذي عمل معي في عرض البحر في حقبة السبعينيات على ظهر السفينة (المربد).
ابنتها الثانية (سهاد عبد سلمان) من مواليد 1958. حصلت على البكالوريوس في هندسة الكهرباء من جامعة البصرة، وعملت في شعبة الاتصالات البحرية في الموانئ العراقية، وكانت لها آفاقها التطبيقية الواسعة في عالم الاتصالات البحرية الحديثة، وهي متزوجة من الدكتور (سلام عبد الله) جراح اختصاصي. وولداها (علي ومصطفى) أطباء.
ابنتها الثالثة الدكتورة (نهلة عبد سلمان) من مواليد 1960. من خيرة أطباء البصرة بمعاملتها الإنسانية الطيبة للمرضى، وتوجهها نحو العلاج المجاني للعوائل الفقيرة المعدمة. تزوجت في بداية حياتها من الدكتور (عبد الحسن هادي)، ولها منه بناتها المهندسات المعماريات (إسراء وغفران). الأولى متزوجة من الدكتور ماجد غازي، والثانية متزوجة من المهندس المعماري زيد عادل. الاثنتان كانتا من المتفوقات والمتميزات. جاءت (إسراء) الأولى على العراق في امتحانات التسريع عام 1995، وجاءت (غفران) في المرتبة الثانية بعد شقيقتها في اختبارات القدرات العقلية التي سبقت امتحانات التسريع. تجدر الإشارة أن امتحانات التسريع تعني اختزال سنتين دراسيتين في عام دراسي واحد.
تزوجت الدكتورة (نهلة) بعد وفاة زوجها الأول من الدكتور خليل إبراهيم، لكنها انفصلت عنه بسبب تمسكها بالبقاء في البصرة.
وابنتها الرابعة هي المهندسة (أمل) من مهندسات شركة نفط الجنوب، وزوجها رئيس المهندسين (عبد الستار المالكي). أما أولادها فهم (محمد وعلي وزينب) من طلاب كلية الطب في البصرة.
وابنتها الخامسة الدكتورة النسائية (فيحاء) من مواليد 1964، وزوجها الدكتور نجم عبد حاتم، وابنها (مصطفى) طالب في كلية طب الأسنان.
وابنتها السادسة الدكتورة (إخلاص) متخصصة بطب الأسرة، وهي من مواليد 1967. زوجها الدكتور سرمد مانع المياح، وابنتها (سارة) طالبة في كلية طب البصرة.
وابنتها السابعة (إنعام) من مواليد 1970. سميت بهذا الاسم لأنها نعمة من نعم الله. كانت من طالبات كلية الهندسة، لكنها تحولت إلى فرع البيولوجي، وحصلت على الدبلوم العالي في التحليلات المختبرية من جامعة بغداد. وهي متزوجة من الأستاذ وليد (أبو حيدر).
أما أبنها الوحيد فهو الدكتور (محمد) من مواليد 1961 متخصص بطب الأسرة، ومتزوج من الدكتورة حذام كاظم ناصر شقيقة الكابتن سمير كاظم.

صورة ملونة من حياة أم الأطباء
كوكبة من الأطباء الأبناء، وباقة جميلة من الأطباء الأحفاد. يشكلون اليوم عناوين النجاح الباهر، الذي حققته هذه الأم الواعية والمربية الفاضلة بجهودها الذاتية المضنية. كانت بناتها في طليعة المشاركات في النشاطات الخطابية بما عرف عنهن من مواهب أدبية أثرت الفعاليات المدرسية، وأغنت المشهد الثقافي في المناسبات المدرسية والاحتفالات الوطنية.
ولدت هذه الأم المثالية عام 1935 في الحي الذي كان يسكنه زوجها (مواليد 1930) وفي الشارع نفسه، وعلى وجه التحديد في (عقد النصارى) في الكرادة ببغداد. كان والدها تاجرا متوسط الحال، ومن الأصدقاء المقربين لعلماء الدين في البصرة (من أولاد عامر)، وله علاقات مباشرة بأشرافهم. وكانت أمها ربة بيت، أما خال والدها (عمران) فهو السيد باقر الحسني المعروف باسم (باقر بلاط) لارتباطه بالبلاط الملكي باعتباره مديراً لقسم التشريفات. وابنه الدكتور (نزار باقر الحسني) من المشرفين على دراسات البورد بالباطنية، وشقيقته الأستاذة (نزهة باقر) من أوائل العراقيات المتخرجات في كلية القانون، وشقيقته الأخرى الدكتورة (منى باقر الحسني) من الاختصاصيات المعروفات في الأمراض النسائية.
كانت (أم محمد) رحمها الله من المتفوقات في دراستها الأولية، لكنها لم تستطع أكمال دراستها بسبب اعتراض شقيقها (رئيس المهندسين مهدي عمران عيسى)، الذي أكمل دراسته في لندن، وانيطت به إدارة قسم الهندسة المدنية في الموانئ العراقية. لكنه ما أن عاد من لندن حتى تغيرت أفكاره المتزمتة، وسمح لشقيقته الصغرى (فوزية) بإكمال دراسته في معهد المعلمات.
كان زوجها (الراحل عبد سلمان البياتي) طالباً جامعياً ببغداد، ومسؤولا في الوقت نفسه عن شقيقاته (سبع شقيقات)، لكنه ترك الدراسة الجامعية، والتحق بمعهد السكك ليصبح بعد تدرجه في الخدمة مديراً لمحطة قطار (المحاويل) في بابل، ثم مديراً لمحطة قطار (كربلاء)، وانتهى به المطاف في محطة قطار المعقل (توفاه الله عام 1993). كانت زوجته رحمها الله تتنقل معه من محطة إلى أخرى، من دون أن تتذمر من كثرة الترحال والتنقل. حتى استقر بها النوى في البصرة في السبعينيات.

نم مظلوماً ولا تنم ظالماً
تعد هذه المرأة المجاهدة من صالحات زماننا. إنسانة راغبة في الخير. محبة للطاعة. معظمة لكتاب الله تعالى، فهو جليسها في كل وقت وآن. البر عندها من أرجى أعمالها. محسنة للقريب والبعيد. زاهدة في الدنيا. مترفعة عن ملذاتها الزائلة. صابرة على البلاء. محتسبة أجرها عند ربها وخالقها. قوامة لليل. صائمة للنهار. لا يُعرف عنها أنها تركت قيام الليل إلا لعارض. كانت كثيراً ما تحث بناتها على صلة الرحم، وتوصيهن بإدامة التواصل الدائم بينهن.
عُرفت (أم محمد) بفضائلها المتعددة. ولما سألنا أهلها عن برها قالوا لا تسل، وماذا عسانا أن نقول لك ؟, هل نحدثك عن رعايتها لزوجها وعدم تخليها عنه ؟ أم نحدثك عن إحسانها له بعد وفاته؟ أو نذكر لك خدمتها لبناتها بكل صور الخدمة ؟.
على الرغم من أن الله قد وسع عليها بالمال في خريف العمر. إلا أن الزهد كان ظاهراً عليها، لأنها كانت على يقين من زوال الدنيا وانتقال أهلها منها إلى دار الجزاء والحساب، فكانت تجعل مالها في أحوج ما تكون إليه يوم لقاء الله تعالى. كان قلبها الكبير يشعر بمآسي الضعفاء والمحتاجين فتحنوا عليهم وترأف بهم. كانت توصي بناتها، فتردد دائماً مجموعة من الوصايا، نذكر منها: (إذا دعت قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك)، و(نام مظلوم ولا تنام ظالم).
بلغ الناس خبر وفاتها في الشهر الخامس من عام 2007 فبكاها القريب والبعيد، وكيف لا يُبكى على مثلها وهي قامة شامخة من قامات المجتمع، ومثال للخير والعطاء في جوانبه كله، ومن أعظم الصور الدالة على صدقها وصلاحها أن بكاها جيرانها كلهم. وفي هذا بشارة لها عظيمة فقد جاء في الحديث الصحيح (ما من مسلم يموت فتشهد له أهل أربعة أبيات من جيرانه الأدنين إلا قال الله: قبلت علمكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون). اللهم اغفر لهذه الأم الفاضلة، وارفع درجتها في عليين، وأخلفها في عقبها في الغابرين. يا رب.

امبراطورية الفساد

سرسري – سربوت – بلشتي – شلايتي
بقلم: كاظم فنجان الحمامي
لا حدود لوصف فساد الإمبراطورية الظالمة، التي نهبت ثروات البلدان العربية باسم الخلافة الإسلامية على مدى سبعة قرون، ولا حدود لاستبدادها وطغيانها، حتى قال المؤرخون: أن سبب زوال الدولة العثمانية يعزا لتفشي الفساد، وضعف جيشها الانكشاري. لكننا وعلى الرغم من محاولات أصحاب الأقلام المأجور، الذين ماانفكوا يضيفون اللمسات التجميلية على تاريخ سلاطينها الحافل بالفساد والإفساد، فقد حملت لهجتنا العامية الدارجة الكثير من الكلمات التركية، التي أصبحت فيما بعد من مفردات الفساد والتهتك. خذ على سبيل المثال لا الحصر مفردات: (سختجي)، (سرسري)، (سربوت)، (بلشتي)، (شلايتي)، (سيبندي)، (برطلي)، و(هتلي).
هتلي: وتُجمع على (هِتلية)، وهي تركية الأصل. مرتبطة بعناصر إحدى تشكيلات الجيش العثماني. كانوا يسمونهم في التركية: (هايتة)، ومعظمهم قساة عتاة طغاة. ساموا الناس أبشع أنواع الذل والقهر. حتى أن مفردة (هيته) العراقية تعني التسيب والانفلات. ثم تحولت كلمة (هايتي) بمرور الزمن إلى (هتلي)، وتطلق على الساقطين والمنحرفين.
برطلي: وهو تشكيل آخر من تشكيلات الجيش العثماني. غير خاضع للرقابة والمسائلة بأمر السلطان، وأصل الكلمة (براءتلي). ثم تحولت الكلمة إلى صفة لكل طاغية ومتكبر، حتى أن مفردة (برطيل) تعني: رشوة وتجمع على (براطيل).
ساخْتَچي: تعني المحامي في بعض اللهجات التركية، لكنها تعني أيضا: المحتال أو الغشاش، وتتألف من مقطعين: (ساختن) وتعني: حيلة. أما (چي) فتستعمل للنِسبة، كقولنا: قهوچي نسبة لبائع القهوة.
سربوت: لقب كان يطلق على الكهنة في المعابد الوثنية عندما يدخلون في حالة اللاوعي (الهذيان)، ثم تطورت هذه الكلمة عندما ظهر بعض من يدعون الكهانة، فتسربت وصار سربوتاً، أي تكهن وادعى الكهانة، ويقال أنها محرفة من كلمة (سراب). بقولهم: (يسربت على الناس أمورهم). أي يريهم ما هو ليس حقيقي. والسربوت في اللهجة الخليجية هو المتهتك. والسربتة تعني: التحدث بالألفاظ النابية.
بلشتي: مفردة بغدادية تعني الشخص النصّاب، وتُطلق أيضاً على المتسيب الوقح. أما السيبندي: فتعني صاحب (خدعة الثلاث ورقات) أو المحتال، والغشاش.
الشلايتي: هو الموظف المسؤول عن نظام الرقابة المالية في العهد العثماني، وهو المعني بمراقبة تقلبات أسعار الأسواق. لكنه تحول إلى عنوان من عناوين الانحراف الإداري بعد سقوطه في مستنقعات الفساد. الأمر الذي اضطر السلطان إلى الاستعانة بالسرسرية.
السرسري: هو الموظف المعني بالرصد والتدقيق والمتابعة، وكانت مهمته مقتصرة على مراقبة (الشلايتية)، لكنه انزلق معهم في دروب الفساد، فسقط في المستنفع نفسه. أحيانا تُفسر الكلمة على أنها تعبير عن العاطلين عن العمل. أو (الفضائيين)، ويبدو أن هذه المفردة لها أكثر من جذر. ففي اللغة العربية نقول: (سرسر الشفرة) أي حدّدها، فالسرسري هو الذي يحدّ السكاكين، ويصقل الأسنة المعروفة بشفراتها الدقيقة، فالكلمة تعكس دور المدقق المسؤول عن ضبط المعايير الصارمة، أما مفردة (سرسور) على وزن (عرعور)، فتطلق على الشلايتي والهتلي والبلشتي، ولسنا مضطرين هنا إلى تفسير كلمة (عرعور).
ختاماً نقول: إلى أي مدى ابتعدنا هذه الأيام عن تطبيقات تلك المفردات المعبّرة عن الفساد ؟. وهل اختفت ممارساتها الموروثة، أم أننا في طريقنا نحو استعمال المزيد من تعابيرها المستحدثة بغية تشخيص إفرازات هذه الفوضى الخلاقة ؟، التي ضاع فيها الخيط والعصفور.

البصره – عماد عبد اللطيف سالم

إلى كاظم فنجان الحمامي ..
هذا النص لك يا كابتن .
انت الذي تدافع عن شواطئنا المهدورة .. بشرفِ وشجاعة .. شبرا .. بعد شبر . وعندما تضيعُ الأشبار .. تدافعُ عمّا تبقّى من رمل الشواطيء الضائعة .
( عماد عبد اللطيف سالم )
البصرة .. البصرة

ذهبتْ ربّة البيت هذا اليوم الى السوق .. وعادتْ بعذقٍ صغيرٍ من التمر ” البرحيّ ” .
أعادني ” البرحيّ ” الى البصرة .. يوم كنّا جنوداً في الحرب العراقية – الأيرانية ، وكانت لنا ” مواضعنا ” في بساتين نخل ” الجباسي ” .
أحدنا ( وكلّنا لم نكن من البصرة ) ، أراد عذقاً من نخلة برحيّ في البستان ، ليأخذه معهُ إلى أهله في محافظة أخرى .
كان معنا جنديٌّ واحدُ ” بصريّ “، هو الوحيدُ الذي يجيدُ “صعود” النخل بيديهِ العاريتين .
توسلنا اليه ان يصعد النخلة ، ويأتي بالعذق لصديقه ، فرفض ذلك بغضبٍ عارم ، وصرخَ في وجوهنا : صحيح ان لا أحد غيرنا هنا ، ولكنّ لهذا النخلِ أهلٌ .. وصاحِب ْ .
وحين أجبرناهُ على ذلك .. عادَ بعذقٍ واحدٍ صغير . وحين وضعهُ على الأرض ، جثا على ركبتيه بالقرب من العذق ، وبدأ بالنحيب .. كأنّهُ قتلَ أمّه .
هذه هي البصرة .
وهؤلاء هُم أهلُ البصرة .

الموانئ في عهدة بيت النعمة

الموانئ في عهدة بيت النعمة

 

 

كاظم فنجان الحمامي

 

لسنا مغالين إذا قلنا أن الذين كتبوا تاريخ البصرة ارتكبوا سلسلة من الأخطاء والهفوات المتعاقبة بتجاهلهم تاريخ الموانئ العراقية, التي تمثل الواجهة الملاحية والتجارية والسياحية والسيادية لهذه المدينة المينائية العريقة, حتى بات من الصعب التعرف على تفاصيل السجلات الشخصية لقادة الموانئ في الحقبة الممتدة من عام 1919 ولغاية العام 1953.  فعلى الرغم من قصر تلك المدة المحددة بثلاثة عقود, لم يكن من السهل التعرف على السيرة الذاتية لمدير حساباتها الأقدم (كامل يوسف عبد الأحد), ولا على أشقائه (فيليب ونوري) الذين عملوا معه في إدارة بعض مفاصل الموانئ, ولا التعرف على مدراء الأقسام والشعب الهندسية والتشغيلية والملاحية من أمثال: نصوري توماس, ونجم الدين النقيب, وقاسم الزهير, وألبرت ح شماس, وعلي فؤاد حمزة, وعلي عباس, وسلمان جويدة, وتوفيق النقيب, والمهندس الكبير محمد خان, وعزرا يوسف ليفي, والدكتور علي فتاح, وآخرون غيرهم من الذين أسسوا قواعد الموانئ العراقية, ووضعوا ركائزها الأولية القوية, حتى عرفها العالم كله بصورتها الحضارية المزدانة بالإنجازات المينائية الباهرة.

لذا واجهتني صعوبات كبيرة, حرمتني من الاطلاع على السيرة الذاتي للسيد رجب النعمة, ولم يكن بوسعي القيام بخطوة واحدة لولا مساعدة المؤرخ الأستاذ ياسين صالح العبود, والمشاور القانوني الأستاذ عمار مهدي العطية, والدكتور هاشم الخياط, والدكتورة لمياء النعمة, والدكتور محمد موسى, الذين يعود لهم الفضل في إعداد هذا التحقيق.

 

جذور بيت النعمة

أسرة عربية أصيلة, تنتمي إلى قبيلة الدهنوي المضرية (جذم مضر من عدنان) بالحجاز وقد كانت لها الرئاسة على تفرعات القبيلة منذ القدم. هاجروا منذ قرون من الحجاز إلى الدورق, ثم هاجر جدهم الأكبر (غضبان) من الدورق في عربستان إلى البصرة سنة 1747 من الميلاد. عمل في بداية حياته بالتجارة حتى توفاه الله عن ولدين: أصغرهم (عبد الرحمن), وأكبرهم (نعمة), الذي يرتبط به الاسم الجديد للأسرة, وقد رزقه الله ولداً واحداً هو (أحمد), الذي شيد أجمل قصور شط العرب, بشناشيله المزينة بالمكونات الخشبية الجميلة, وأقواسه العباسية المزدانة بالزخارف المعمارية البهية.

كان أحمد (جد السيد رجب) وكيلاً للأملاك السنية في زمن السلطان عبد الحميد, ومن التجار المشهورين في البصرة, لما عُرف عنه من سمعة طيبة, نالها بكفاءته وأمانته وذكائه وتعامله الحسن مع الناس.

ثم توسعت أسرة (بيت النعمة) وانتشرت في العراق والكويت والبحرين وقطر, وهاجر أحفاد أحفادهم إلى أمريكا وأوربا واستراليا.

لعب رجال الأسرة دوراً مؤثراً في الحياة السياسية والثقافية والتجارية والاجتماعية والعلمية للبصرة منذ عام 1909 وحتى يومنا هذا, وربما تعد الدكتورة لمياء مصطفى النعمة, من النساء اللواتي يقفن الآن في طليعة الكوكبة العلمية النسوية في البصرة, وهي نجلة الأستاذ الدكتور مصطفى النعمة عميد كلية الطب بالبصرة (1971 – 1979).

 

فوق قمة الهرم المينائي

ولد رجب بن عبد الرزاق بن أحمد بن نعمة بن غضبان في البصرة عام 1898, وهو أول عراقي يصل إلى قمة الهرم الإداري في ميناء المعقل, وأول عراقي يدير دائرة النقليات, ويشرف مباشرة على عمليات الشحن والتفريغ والنقل والمناولة بين السفن التجارية والأرصفة والسقائف والمخازن والساحات المينائية.

درس (النعمة) في المدارس العثمانية, ثم سافر إلى بيروت ليلتحق بالكلية الإسلامية العثمانية, ثم أكمل تعليمه العالي في الكلية الأمريكية, ولما عاد إلى البصرة أشتغل رئيساً لقسم الترجمة في المحاكم البصرية في زمن الاحتلال, ثم أصبح في العهد الملكي رئيساً لبلدية البصرة عام 1918, واسندوا له رئاسة المدينتين بعد ارتباط مدينة العشار بالبصرة, وظل في منصبه هذا أربع سنوات ثم استقال, وفي عام 1929 أصبح معاوناً لمدير النقليات في الموانئ العراقية, وظل في منصبه حتى السادس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1938 إذ ارتقى في حينها إلى قمة السلم الإداري, وأصبح هو المدير التنفيذي لشعبة النقليات لما عرف عنه من مقدرة ونباهة وحزم, وهو أول عراقي يشغل هذا الدرجة الوظيفية بعد البريطاني (أس بيفور).

لقد جاء تعيين (النعمة) في هذا الموقع الإداري المرموق على الرغم من اعتراض وزارة المالية على ذلك, وكانت الممانعة مبنية على أن (النعمة) لم يصل إلى الدرجة الوظيفية التي تؤهله لإشغال المنصب.

يعزا إصرار سلطة الموانئ على تعيينه في هذا المركز من أجل الاستفادة من خبراته الإدارية الواسعة, ولتسهيل التعامل المباشر مع الكوادر العراقية العاملة في ميناء المعقل.

تألق (النعمة) في وظيفته الجديدة, حتى صار معاوناً للمدير العام للشؤون التجارية, واستمر في عمله في ميناء المعقل حتى الرابع عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1946. انتقل بعدها إلى مقر سلطة الموانئ العراقية ليصبح معاوناً تجارياً لمديرها العام الكابتن (وليم بنت) للمدة من 15/11/1946 إلى 27/7/1948, ثم معاوناً لمديرها العام الكابتن (جورج توماس جونسون) للمدة من 17/8/1948 إلى 16/8/1951, ثم وكيلاً لمديرها العراقي الأول, الراحل (سعيد بيك قزاز), واستمر في موقعه هذا حتى عام 1958 عندما أحيل إلى التقاعد لبلوغه السن القانوني (ستون سنة).

يعود إليه الفضل في تعريب السجلات الانجليزية, وتعريب المخاطبات الرسمية. ازدهرت بخبرته أرصفة ميناء المعقل, وتحسن أدائها المينائي نحو الأفضل, حتى استقطبت أشهر خطوط الشحن البحري, وكانت الموانئ العراقية في زمنه هي الملاذ الآمن لمكاتب الوكالات البحرية المتعددة الجنسيات, والمتباينة النشاطات.

نهض ميناء المعقل في زمنه بدور هام في تعزيز التجارة الخارجية, وفي دعم التكامل الاقتصادي والاجتماعي, فقد انحصرت من خلاله عمليات التبادل التجاري عن طريق الاستيراد والتصدير, والتي توفرت بموجبها احتياجات العراق من السلع المختلفة, وأصبح ميناء المعقل في زمنه من الكيانات الاقتصادية المربحة.

وربما كان (النعمة) أول من اجتهد في مراقبة مؤشرات الأداء باعتبارها من البيانات المبنية على الخصائص الجوهرية لنشاطات الميناء, والتي تعد أيضاً من المعايير المعتمدة في قياس البيانات الأخرى, فقد أعطى (النعمة) أهمية كبيرة للتقارير الإحصائية, واهتم كثيراً بمؤشرات الأجور والعوائد المينائية, فبادر إلى تصميم جداول السفن التجارية القادمة والمغادرة, وجداول البضائع الواردة والمصدرة, والبضائع المخزونة في المستودعات. كانت هذه هي الأدوات التي منحته القدرة لرسم ملامح الاتجاهات المستقبلية للأداء, وبالتالي معرفة الميول العامة لأداء ميناء المعقل.

يعد (النعمة) من أبناء البصرة الغيورين الذين يحملون روحاً وطنياً وثّابة وفكراً خصباً, له إرادة سديدة, وهو على جانب كبير من الخلق المتين, والأدب الجم, ومن أسرة عربية عريقة. كان والده من شخصيات البصرة البارزين, وقد أنتخب نائباً عن البصرة في مجلس المبعوثان العثماني.

تزوج (النعمة) عام  1919, وهو العام الذي تأسست فيه الموانئ العراقية, وله من الأبناء اثنان, ومن البنات ثلاثة, توفاهم الله جميعا (إلا ابنة واحدة). أما ولده الأكبر فهو الدكتور مصطفى النعمة (رحمه الله), يليه المهندس عدنان النعمة الذي استوطن الولايات المتحدة الأمريكية, وتوفاه الله منذ بضعة أعوام.

أحفاده موزعون الآن بين أمريكا وكندا والخليج العربي, ولم يبق منهم في البصرة إلا الدكتورة لمياء مصطفى النعمة أستاذة الكيمياء الحياتية في كلية الطب في البصرة.

أنتقل الأستاذ والمينائي الكبير (رجب النعمة) إلى جوار ربه في شباط 1967 عن عمر قارب السبعين عاما.

 

أزهار من تلك الشجرة الطيبة

ربما لا يتسع المجال هنا لتسليط الأضواء على تفرعات هذه الأسرة البصرية العريقة, وإنجازاتها العلمية والثقافية, التي سطرتها في سجلها الوطني والإنساني, فالكتابة عن أحفاد بيت (النعمة) لا تختلف كثيراً عن الكتابة بمداد الفخر والامتنان فوق ناصية العز والشرف, وسنختصر حديثنا هنا عن أثنين من أبنائها. هما الدكتور مصطفى النعمة, والدكتورة لمياء النعمة.

ولد الدكتور مصطفى رجب النعمة عام 1923. أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس البصرة, ثم التحق بكلية الطب / جامعة بغداد, ليتخرج فيها عام 1947. خدم في صفوف الجيش العراقي, وشارك في حرب التحرير في فلسطين عام 1948, سافر بعد إنهاء خدمته العسكرية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراسته العليا في الطب, فالتحق بكلية (جرسي ستي), لينال البورد الأمريكي عام 1956, ثم أصبح عضواً لكلية الأطباء الملكية في لندن عام 1976, وزميلاً لكلية الأطباء الملكية في لندن عام 1978.

كان من مؤسسي كلية الطب في جامعة البصرة, وعميدها بالوكالة للمدة من (1971 – 1975), ثم أصبح عميدها بالأصالة للمدة من (1975 – 1979), وهو أول المتخصصين بأمراض القلب في مدينة البصرة. انتقل إلى رحمة الله تعالى عام 1995, تاركاً وراءه سجلاً حافلا بالمنجزات الطبية والأكاديمية.

أما ابنته الدكتورة (لمياء مصطفى النعمة) المولودة في البصرة عام 1949, فقد أكملت دراستها الابتدائية في مدارس (حداد) الأهلية, وأنهت دراستها المتوسطة والثانوية في ثانوية العشار للبنات, ثم التحقت بكلية الصيدلة / جامعة بغداد لتنال البكالوريوس عام 1970, عادت بعدها إلى البصرة لتعمل في كلية الطب بدرجة (معيد), لكنها لم تترشح للدراسات العليا على الرغم من تربع والدها على كرسي العمادة, فلم يتحيز لها, ولم يفضلها على غيرها.

كان رحمه الله ملتزماً بتطبيق مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة بين العاملين في معيته, فلم تحصل ابنته على الدكتوراه في الكيمياء الحياتية إلا في عام 1979 من جامعة مانشستر بانجلترا, ثم أصبحت رئيسة لفرع الكيمياء الحياتية في كلية الطب / جامعة البصرة عام 1982, أي بعد مغادرة والدها لمركز العمادة بثلاثة أعوام.

تزوجت عام 1982 من كبير الجراحين الأستاذ الدكتور هاشم الخياط, وتعيش الآن في بيت زوجها في أجمل أحياء البصرة.

كانت هذه لمحات سريعة من تاريخ هذه الأسرة العريقة, نستعرضها هنا لنسترجع معاً بعض الصور المشرقة من تاريخ البصرة الزاهرة دائماً بأهلها.

رجال الموانيء العراقيه

أنا بحاجة إلى من يمد لي يد العون بتوفير المزيد من المعلومات عن الآباء الواردة أسمائهم في هذه المقالة, ولا بأس بأي معلومة مهما كانت صغيرة, وأرجو مخلصا تزويدي ببعض الصورة المتوفرة عنهم:-
رجال قامت الموانئ على أكتافهم
الآباء المؤسسون الذين ضاعوا بين صفحات تاريخ الموانئ
كاظم فنجان الحمامي
إذا كنا نسينا أو تجاهلنا رجال الموانئ في التاريخ المنظور, فكيف يا ترى سنتذكر جيل الآباء المؤسسين. أولئك الرجال الذين اختفوا تماماً من ذاكرة الموانئ العراقية, تلك الذاكرة البائسة, التي تلاعبت بها الأهواء والعصبيات والسياسات المتقلبة. ما أقصده بالمؤسسين: الرجال الذين بُنيت الموانئ على أكتافهم. كان من بينهم العربي والانجليزي والكردي والأرميني والهندي والفارسي, ومنهم المسلم والمسيحي واليهودي والمندائي. لكنهم اشتركوا جميعاً في بناء هذا الصرح العظيم, ولم يبق لدينا ما نتذكرهم به (للأسف الشديد) سوى أسمائهم وعناوين وظائفهم, على الرغم من أنهم خدموا الموانئ من عام 1919 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
ألا يستحق هؤلاء على اختلاف جنسياتهم ودياناتهم لوحة تذكارية صغيرة, لتذكرنا بجهود هؤلاء الرجال الأفذاذ, تعلق في فناء قبة الموانئ, وتوضع داخل البناية التي شيدوها بأيديهم لتستقر فيها الإدارات المتعاقبة بين هذه الجدران بعد عشرات الأعوام. لوحة تذكارية واحدة.
لقد عثر الأستاذ الكبير (عبد الرزاق عبد الوهاب) على هذه القائمة المُختزلة بالصدفة, وذلك أثناء بحثه المتواصل بين رفوف أرشيف الموانئ, وفي تراكمات خزاناتها الورقية الممزقة, في محاولة منه للعثور على أية معلومات عن حقبة الثلاثينات أو الأربعينات, عسى أن تكون مفيدة للأجيال القادمة في أرشفة تاريخ الموانئ, فكانت النتيجة المؤسفة انه حصل فقط على أسمائهم, من دون أن يتعرف على تاريخهم الزاخر بالعطاءات والانجازات المثمرة:-
الكولونيل: السير جون سي وارد
وهو من أكفأ ضباط البحرية البريطانية, الذين وصلوا العراق مع الجيش البريطاني. كان مديراً مؤسساً للموانئ العراقية. يعد من أقدم وأكفأ الربابنة الانجليز العاملين في البحر. التحق أول الأمر بمشروع حفر سد الفاو, ويعود له الفضل في رسم الخرائط الملاحية لشط العرب بصيغتها الملاحية المعتمدة من قبل الأدميرالية البريطانية, ثم أصبح مديراً لميناء (عبادان), وظل في منصبه هذا قرابة ستة أعوام, ثم انتقل إلى البصرة ليشغل منصب مدير الشؤون البحرية للمدة من 1917 إلى 1919, وكان من المراسلين الصحفيين لصحيفة (نيوز كرونيكل) اللندنية. ثم قفز إلى أعلى السلم الإداري ليصبح هو المدير العام للموانئ العراقية منذ تأسيسها عام 1919, وحتى إحالته إلى التقاعد عام 1943. عاد بعد تقاعده إلى لندن, ففارق الحياة هناك عام 1945 عن عمر يناهز (75) عاماً بمرض السرطان.
السيد اج. ام. دوبري
رئيس المهندسين المسؤول عن كافة الشؤون الهندسية في الميناء. خدم في الموانئ طيلة فترة وجود (السير جون وارد) في إدارة الموانئ.
السيد سي. اف. نيكول 
مدير الإدارة المالية تحت مسمى سكرتير الإدارة المالية في الميناء وخدم خلال الفترة نفسها في إدارة (السير جون وارد).
الكابتن ار. اج. كارستون
مدير الإدارة البحرية تحت مسمى ضابط الميناء.
قسم الهندسه
ضم هذا القسم أواسط الثلاثينات كل من الملاكات التالية:
  • بول  فير: مساعد أول رئيس مهندسي الميناء.
  • جي . دبليو. لاودون: مساعد ثان رئيس مهندسي الميناء.
  • جي. أم. موريس: مدير الهندسة الميكانيكية والكهربائية.
  • السيد توفيق بيك النقيب: مساعد رئيس مهندسي الميناء من أوائل المهندسين العراقيين, ومن رجال البصرة. خريج بريطانيا.
  • السيد عزرا يوسف ليفي: المشرف الميداني العام على أرصفة الميناء.
    قسم الحسابات
    كانت إدارة هذا القسم بشكل عام بيد الكادر العراقي, ويضم الذوات المدرجة أسمائهم في أدناه:
  • السيد كامل يوسف عبد الأحد: مدير الحسابات. ولد في البصرة عام 1903, أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في العراق, ثم سافر إلى انجلترا, فالتحق بجامعة أكسفورد. عاد بعد تخرجه إلى العراق عام 1928 ليعمل في قسم الحسابات بدرجة (معاون), وظل في وظيفته حتى عام 1936, ليصبح فيما بعد مديراً لقسم الحسابات, وهو الابن الأكبر للتاجر البصري الكبير (يوسف عبد الأحد), الذي كان نائباً في ولاية البصرة, وهو على جانب كبير من الأدب والمعرفة, وأسرته من أصل عربي أصيل.
  • موشي داوود شوهيت: معاون مدير الحسابات.
  • السيد سلمان جويدة: محاسب.
  • فيليب يوسف عبد الأحد: مدير المخازن ومسؤول المشتريات المحلية.
    قسم النقل (الشحن والتفريغ والنقل)
    ويتألف من:-
  • السيد رجب عبد الرزاق النعمة: مدير النقل ومسؤول عمليات الشحن والتفريغ والنقل على الأرصفة. ولد (النعمة) في البصرة سنة 1898, ودرس في المدارس العثمانية, ثم سافر إلى بيروت, فدخل الكلية الإسلامية العثمانية, وبعدها الكلية الأمريكية, ولما عاد إلى البصرة أشتغل رئيساً لقسم الترجمة في المحاكم البصرية في زمن الاختلال, ولما جاء العهد الوطني عُين رئيساً لبلدية البصرة عام 1918, واسندوا له رئاسة المدينتين بعد التحاق مدينة العشار بالبصرة, وظل في منصبه هذا أربع سنوات ثم استقال, وفي عام 1929 أصبح معاوناً لمدير النقليات في الموانئ العراقية, وظل في منصبه حتى السادس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1938 إذ ارتقى في حينها إل  قمة السلم الإداري, وأصبح هو المدير العام لشعبة النقليات لما عرف عنه من مقدرة ونباهة وحزم, وهو أول عراقي يشغل هذا الدرجة الوظيفية بعد البريطاني (أس بيفور), وجاء تعيين (النعمة) على الرغم من اعتراض وزارة المالية على ذلك, وكانت الممانعة مبنية على أن (النعمة) لم يصل إلى الدرجة الوظيفية التي تؤهله لإشغال المنصب. ربما يعزا إصرار سلطة الموانئ على تعيينه إلى جعله في مواجهة الكوادر العراقية العاملة في ميناء المعقل, وربما يعزا السبب إلى الاستفادة من خبراته الإدارية الواسعة. تألق (النعمة) في وظيفته حتى صار معاوناً للمدير العام للشؤون التجارية, واستمر في عمله حتى الرابع عشر من عام 1946. يعد (النعمة) من أبناء البصرة الغيورين الذين يحملون روحاً وطنياً وثّابة وفكراً خصباً, له إرادة سديدة, وهو على جانب كبير من الخلق المتين, والأدب الجم, ومن أسرة عربية عريقة.
  • السيد عباس علي: وقد شغل إدارة القسم بعد (النعمة). التحق بالموانئ العراقية في حزيران (يونيو) عام 1922, ثم أصبح مساعداً لمعاون مدير القسم في الثالث عشر من نسيان (أبريل) 1943, ثم معاوناً لمدير القسم في 22/ أكتوبر /1945.
  • السيد نوري يوسف عبد الأحد: عمل مساعداً لمدير النقل (النعمة) للمدة التي سبقت مجيء (عباس علي), ثم أصبح معاوناً لمدير القسم (عباس علي), ثم تولى إدارة القسم بعد إحالة (عباس) إلى التقاعد, وهو شقيق فيليب يوسف عبد الأحد المشار إليه في الأعلى.
  • السيد علي فؤاد حمزة: مساعد مدير النقل.
  • السيد ألبرت حسقيل شماش: مساعد مدير النقل.
    قسم الإدارة البحرية
  • السيد دبليو. ام. شوزميت: نائب مدير الميناء للإدارة البحرية.
  • السيد اي. دبليو. براد فيلد: المساعد الثاني لمدير الميناء.
  • السيد سي. جي. فوكس: المساعد الأول لمدير الميناء للإدارة البحرية.
  • السيد اي. دبليو. برنارد: ربان المرفأ الأقدم.
    القسم القانوني
  • ويديره السيد نجم الدين بيك النقيب, وهو المشاور القانوني العام لمدير الميناء (كان هذا الرجل من أبناء البصرة. هل يا ترى لدى قسم الشؤون القانونية في الموانئ أية معلومات عنه) باعتباره أول مشاور قانوني للميناء, وهو الذي أسس القسم المذكور.
  • السيد قاسم الزهير: المستشار الحقوقي في القسم القانوني.
    إدارة المسح والحفر والهيدروغرافيا
  • السيد اي. كوسترر: رئيس ادارة المسح والحفر والهيدروغرافيا.
  • السيد جي. أم. باين: مساعد مدير الميناء لشؤون الحفر والهيدروغرافيا.
  • السيد نصوري توماس: مشرف عام المسح والحفر والهيدروغرافيا.
    مدير صحة الميناء:
  • الدكتور (بي. برايد): مدير صحة الميناء.
  • الدكتور تي. ثورنتون:  طبيب صحة الميناء.
  • الدكتور علي فتاح: مدير الشؤون الطبية.
    أما المهندس المعماري الذي صمم فندق ومطار الميناء (فندق شط العرب حاليا), فهو المهندس البريطاني: (أج . سي. ميسون).
    ألا يستحق هؤلاء لوحة تذكاريه صغيرة تعلق في قبة الموانئ, وباللغتين (العربية والانجليزية) لتخليد الرجال الذين كان لهم الفضل في تأسيس القواعد والمرتكزات المينائية العراقية ؟.

مايسترو البصرة يقعده الشلل النصفي

مايسترو البصرة يقعده الشلل النصفي
كاظم فنجان الحمامي
ما أن سمعت بإصابة الفنان البصري الكبير الأستاذ مجيد العلي بالجلطة الدماغية حتى هرعت لزيارته في منزله القديم بالمعقل, كان معي في زيارتي الفريق الطيّار (ناجح شناوة), وربما سبقنا إلى زيارته الأستاذ الموسوعي (إحسان وفيق السامرائي) أطال الله في عمره.
فنان أصيل عرفته البصرة كلها بأغنيته الجميلة (يا بو بلم عشّاري), التي غنّاها الراحل فؤاد سالم بصوته العذب, تلك الأغنية التي تحولت إلى أنشودة شعبية شجية ترددها الحناجر المنتمية إلى ضفاف شط العرب, وتحييها الفرق الموسيقية في أعراس وأفراح القرى الريفية المختبئة في بساتين الخورة والسرّاجي وغابات كتيبان والصنكر.
الفنان مجيد العلي عازف متمكن على آلتي العود والكمان, وملحن مبدع من الرعيل الأول, الملتزم بقواعد الفن الأصيل, ولد في البصرة عام 1933, وأكمل دراسته الابتدائية في مدرسة (كردلان) في التنومة, وأكمل المتوسطة والثانوية عام 1956 في الإعدادية المركزية بالعشّار.
تعلم العزف على آلة الكمان على يد شقيقه الأكبر (فرحان), وتعلم كتابة النوتة الموسيقية في مدينة الفاو على يد الفنان الأيرلندي (داولنك), وهو أول من أسس فرقة نادي الاتحاد الموسيقية (1953), وأسس فرقة نادي الميناء الموسيقية (1960), وأسس فرقة نقابة الموانئ الموسيقية (1971), وفرقة نقابة الفنانين (1974), وأسس وترأس فرقة البصرة للفنون الشعبية (1976), وأسس وترأس فرقة تلفزيون البصرة عام (1983), ومن أعضاء جمعية الموسيقيين العراقيين, وعضو في نقابة الفنانين العراقيين, وعضو الهيئة التحضيرية لنقابة الفنانين في البصرة, وهو معد ومقدم البرنامج التلفزيوني (مواهب من الجنوب), والبرنامج التلفزيوني (عالم النغم), وشارك في المهرجانات الموسيقية في روسيا, وتونس, وألمانيا, والجزائر.
عمل محاضراً لمادة الموسيقى في معهد الفنون الجميلة بالبصرة, وخبيراً موسيقياً, ومحاضراً في كلية الفنون بالبصرة, وارتبط بصداقات حميمة مع مجموعة من الفنانين العراقيين والعرب, نذكر منهم: محمد القبانجي, ويوسف عمر, وناظم الغزالي, وجبار عكّار, وسعدون جابر, وداخل حسن, وأحمد الخليل, وعارف محسن, ورياض أحمد, وفاضل عواد, وياس خضر, ورضا علي, والهام المدفعي, ووديع الصافي, وفهد بلان, والموسيقار أحمد الحفناوي, وكارم محمود, وصالح الحريبي, وعازف الناي محمود عفت.
لحن أوبريت (نيران السلف), وأوبريت (أفراح الموانئ), وأوبريت (دواغ الفرح), وأوبريت (هبط الملاك في بابل), ومسرحية (الأميرة القبيحة), ولحن عشرات الأغاني والقصائد, وله مجموعة كبيرة من المؤلفات الموسيقية. غنى له فؤاد سالم, وعارف محسن, ونوفل عبد الجليل, وعبد الجبار البصري, وحبيب الدوركي, وغنت له ذكرى, وسهى, وأمل خضير, ومائدة نزهت.
يعتكف الآن في بيته على فراش المرض, بسبب الشلل المفاجئ الذي أصاب النصف الأيمن من جسمه النحيل, بانتظار أن تلتفت إليه المؤسسات الثقافية في البصرة لتوفر له العلاج, وتقدم له العناية الطبية اللائقة.
تكلمنا بحزن قبل بضعة أيام عن رحيل الفنان البصري فؤاد سالم, وتحدثنا طويلاً عن خضوع الفنان الكبير (طارق الشبلي) للعلاج بالأشعة الذرية, وها نحن الآن نتحدث عن فارس آخر من فرسان تراثنا الموسيقي, ورائد كبير من رواد الفنون الشعبية البصراوية الأصيلة. آملين أن تنهض الجهات المعنية بواجباتها الوطنية, وتسارع لتوفير العناية والرعاية لرموز العلوم والفنون والآداب, الذين أقعدهم المرض, في هذه المدينة المينائية العائمة فوق أكبر بحيرات الثروات النفطية في عموم كوكب الأرض.

أم غازي امرأة نحتت الصخر بأظافرها – كاظم فنجان الحمامي

من الأمهات المثاليات في البصرة
أم غازي امرأة نحتت الصخر بأظافرها
كاظم فنجان الحمامي
ولِدت (أم غازي) في مدينة ميسان عام 1916, وكانت رحمها الله امرأة فاضلة صابرة مناضلة. التحقت بصفوف الفقراء في منتصف القرن الماضي. واجهت في البصرة مصاعب الحياة غير عابئة بتحدياتها المرهقة وتقلباتها المزاجية المفاجئة, فتحملت ويلاتها ونكباتها من دون أن تطلب العون من أحد, كانت بمفردها عبارة عن فوج ميداني مستقل. حملت عناوين الكفاح والصمود والإباء. عاشت في أوساط منطقة المعقل, متنقلة بين الأحياء الفقيرة, فالتصقت صورتها بذاكرتنا حتى يومنا هذا.
كان زوجها (لعيبي منصور حسين الشميلاوي) من الطبقة العمالية الكادحة, التي تحملت عبء الأعمال المينائية الثقيلة, فاستطاع بفطنته ونباهته أن يصبح عام 1932 رئيسا لمجموعة عمالية مؤلفة من أبناء القرى والأرياف, الذين كانوا يعملون في أرصفة ميناء (المعقل) بأسمالهم القروية البالية. كان عنوان وظيفته المدون في هويته الصادرة عام 1932 هو (تنديل حماميل), والتنديل مفردة هندية تعني رئيس زمرة العمل, أما (حماميل) فهي كلمة عراقية دارجة, تعني (حمالين) جمع حمّال. كان (أبو غازي) مثالا للأب الحنون, والزوج المخلـص، والرجل الشرقي الشريف المتميز بمعاني الرجولة والشهامة، عرفه الناس بمشاعره الوطنية الصادقة.
عقد العزم عام 1947 على الذهاب إلى فلسطين لمشاركة أشقائه (إبراهيم وكريم) في القتال والتصدي للعصابات الصهيونية, التي تزايدت أعدادها وقتذاك, لكنه لم يستطع اللحاق بهما بسبب تعرضه للاعتقال والمكوث وراء قضبان السجن عقابا له على تطلعاته الوطنية التحررية, وهكذا تركوا وراءهم ثلاث أسر بنسائها وأطفالها بلا مُعيل ولا مُعين. وجدت (أم غازي) نفسها مُجبرة على إطعامهم وأكسائهم وتلبية متطلباتهم, فقادها تفكيرها الفطري نحو افتتاح كشك صغير في سوق المعقل (مارگيل) من أجل أن توفر لهم لقمة العيش, ومن أجل أن تنتشلهم من مخالب البؤس والفاقة, ثم افتتحت متجراً صغيراً في سوق (خمسين حوش), وتوسعت أنشطتها عام 1963 فافتتحت متجراً كبيراً في سوق (الأُبُلِّة), المتجر الذي مكثت فيه حتى عام 1990, وهو العام الذي قررت فيه الاستراحة بعدما أعياها المرض وأرهقها الإجهاد, وهي التي لم تفكر يوماَ بمغادرة عرينها حتى في أحلك ظروف القصف الجوي العنيف, الذي صب حممه فوق أحياء البصرة عام 1987.
عملت (أم غازي) على مدار الساعة ابتداء من عام 1947 وحتى وفاتها عام 2009. رحلة شاقة وزعت فيها وقتها وجهدها بين السوق والبيوت المنكوبة, التي كانت ترعاها وتشرف عليها.
لقد تحولت في ختام رحلتها الكفاحية الطويلة إلى راعية لفقراء الحي, تسهر على راحة أبنائها. توفر المؤن للأسر الهاربة من ظلم الأنظمة الإقطاعية الجائرة. تحتضن الأرامل. تُحسن التعامل مع التلاميذ الأيتام الذين لا قدرة لهم على شراء مستلزمات المدرسة, ولسنا مغالين إذا قلنا أنها سبقت الأم (تيريزا) بعقود, وتفوقت عليها بصلابة عودها وقوتها الجسدية الهائلة, فقد تميزت بصبرها في الملمات, وجلدها في الأزمات الصعبة, ومثابرتها التي لا تعرف اليأس.
كانت تمتلك قدرات استثنائية في البيع والشراء, فهي لا تجيد القراءة والكتابة, لكن ذاكرتها الفولاذية قادرة على تنفيذ العمليات الحسابية المضنية, وقادرة على حفظها وتبويبها وتوثيقها. والعجيب بالأمر أنها كانت تعنون حساباتها, وتصنفها بأسماء كوميدية, تبتكرها لزبائنها على وفق علاماتهم الفارقة, من مثل: الأخرس, أبو شوارب, الأبقع, المنكرش, الحرامي, أبو بايسكل, الـﮔصير, الأعرج, المضمد, الإطفائي, الفرار (الهارب).
من طرائف مواقفها, في عام 1985 اشترى منها رجل بطيخة كبيرة (رَقِّية), وكان من متطوعي الجيش الشعبي, فخطفت منه بندقيته الأوتوماتكية (كلاشنكوف) واحتفظت بها كرهينة, ثم طالبته بدفع ما بذمته من مبالغ مترتبة عليه منذ عام 1958. وقف الرجل مصدوماً مندهشاً من ذاكرتها التي لا تتعرض للعطب, حتى هو نفسه لم يكن يتذكر الواقعة, لكنها أقنعته بالأدلة القطعية, ولم يسترد بندقيته إلا بشق الأنفس, بعد أن دفع لها المبلغ كاملاً.
فازت (أم غازي) بألقاب الأم المثالية في حياتها وبعد مماتها, وكان لها الدور الأكبر في تربية أبنائها والارتقاء بمستواهم الأكاديمي نحو الأفضل, تخرج أبنها الأكبر غازي (مواليد 1937) في دار المعلمين, وكان من طلائع النخبة الثقافية المنتخبة, وشاءت الأقدار أن تشهد وفاته عام 2007, فدخلت مجلس العزاء محنية الظهر, شاردة الذهن, تصيح: ولدي. أُريد ولدي. أين ولدي ؟.
لم تكن بهذا الحزن عندما فقدت ولدها الفنان التشكيلي أسعد (مواليد 1955), الذي اغتالته غربان الشر في بيروت عام 1982, ولم تكن بهذا الجزع عندما فقدت ابنها الأصغر مؤيد (مواليد 1957), الذي سقط مضرجا بدمه في معارك شرق البصرة, ولم تكن بهذا الضعف عندما علمت بوقوع أبنها رعد (مواليد 1956) أسيراً عام (1982), ثلاثة من أعز أولادها اختفوا في عام واحد.
لقد عادت بها الذاكرة في شيخوختها إلى اليوم الذي فقدت فيه ابنتها البكر صالحة (مواليد 1939), فاختارت الاعتكاف في بيت أبنتها الصغرى خنساء (مواليد 1960), منشغلة بتربية أحفادها, وعينها على ابنتها الكبرى حمدية (مواليد 1943) تلك المرأة الحديدية, التي ورثت عن أمها وأبيها الصفات الحميدة بخصالها المحمودة, عندما تولت العناية بشؤون أشقائها الأصغر منها في غياب أمها. ثمانية رجال خرجوا من هذا البيت ليحملوا صلابة هذه المرأة وصبرها على الشدائد, أولهم غازي, وآخرهم مؤيد, وأوسطهم حميد وصلاح وصباح ومهدي وأسعد ورعد.
رحلت أم غازي قبل بضعة أعوام, لكنها لم تغادر ذاكرتنا المعقلية المزدانة بأجمل المشاهد, ولن يتلاشى ذكرها من دفاترنا المؤطرة بأروع المواقف النضالية الصادقة.
والحديث ذو شجون

الزبير واحة نجدية بامتياز – كاظم فنجان الحمامي

الزبير واحة نجدية بامتياز
كاظم فنجان الحمامي
لا يمكن التسليم بكل الاستنتاجات الديموغرافية, التي آمنت بها الدراسات السابقة, والمرتبطة منها بعوامل الاستقطاب والنزوح المنتظم بين نجد ومدينة الزبير, فمعظم تلك الدراسات تتمحور حول الدلالات الزمنية للقرنين الميلاديين (التاسع عشر والثامن عشر), متجاهلة العمق التاريخي الطويل الممتد إلى ما قبل الإسلام.
ولا يمكن التعلل بندرة المصادر المكتوبة لتبرير العجز التحليلي في تشخيص الصورة التاريخية بأبعادها الحقيقية, فالتقوقع المكاني, والاختزال الزمني ينسف العلاقات القديمة القائمة في هذا المحور, ويحرم هذه المدينة القديمة من أهم استحقاقاتها الحضارية باعتبارها الرحم, الذي ولدت منه معظم التفرعات النجدية المنتشرة الآن على ضفتي شط العرب, بين الملتقى والمصب.
وإلا بما يفسر الباحثون ظهور المسميات المكانية على الجانب الإيراني من شط العرب, والتي نذكر منها جزيرة (الدواسر) جنوب عبادان (1), ومقاطعة (ﭽويبدة) الممتدة شرق عبادان بمحاذاة ترعة بهمنشير ؟, وبماذا يفسر الباحثون هذا التناظر المكاني المذهل, والتطابق الاسمي العجيب بين الأماكن والمسميات الموجودة في قلب الجزيرة العربية, وبين النسخ المستنسخة منها على ضفاف شط العرب ؟.
أن تكرار أسماء مدن (الفاو والبيشة والدواسر) يعكس صورة المسميات المنقولة(2) من نجد إلى البصرة, فالنجديون الذين استوطنوا منذ قرون جنوب العراق, نقلوا معهم حبهم لواحاتهم ووديانهم ومدنهم التي انحدروا منها, فأطلقوا مسمياتهم المكانية على البقاع الجديدة التي استوطنوا فيها, وبالتالي فأننا نقف اليوم أمام دلالات تاريخية وقبلية وبيئية ومعيشية مشتركة, تكشف لنا عن بعض ملامح الأسرار المدفونة تحت كثبان الرمال الفاصلة بين الزبير ونجد.
فالزبير حلقة الوصل بين العراق والحجاز, والنافذة النجدية المطلة على الطرق المؤدية إلى موانئ الخليج, وبوابتها المزدانة بعطائها الدائم وخيراتها السخية, ولسنا مغالين إذا قلنا أنها بلغت من الشأن التجاري والثقافي والزراعي ما لم تبلغه الكويت والبصرة في مراحل زمنية متفرقة, ساعدها في ذلك ابتعادها عن خطوط المواجهة مع الغزاة, وخلو أجوائها من الأمراض الفتاكة, وتجانس تركيبة نسيجها الاجتماعي, فكانت مدينة الزبير إحدى الروافد الرئيسة, التي تغذت منها المدن العراقية بالرجال عن طريق موجات التدفق السكاني المتواصل, حتى استقرت قبائل (زبيد), و(العزة) و(طي), و(تميم) في جنوب العراق, فكانت (الخميسية) في (ذي قار) من أكبر المعسكرات القتالية المتقدمة, وكانت مدينة (سوق الشيوخ) من أقوى القواعد السياسية, وكانت مدينة (قلعة صالح) في (ميسان) من أشهر مدن التسويق الزراعي.
وهكذا تحولت مدينة الزبير إلى واحة زراعية, وقلعة علمية, ونافذة اقتصادية, توسعت فيها المراكز التجارية لتأمين حركة القوافل البرية بين البصرة والشام, وتأمين حركة القوافل البحرية بين البصرة والهند, حتى زاد حجم قوافلها البرية على (5000) بعير في بعض الرحلات, وزاد حجم قوافلها البحرية على (30) سفينة في معظم الرحلات, فتوسعت أنشطتها بالطول والعرض, وكانت لها منافذ أخرى (برية وبحرية) على بنادر الخليج العربي, وما سوق (المناخ) في (القرين)(3) إلا نسخة تاريخية للأماكن التي كانت (تُناخ) فيها الجمال القادمة من الزبير والمحملة بشتى أنواع البضائع, وكانت لسوق (المناخ) ارتباطات وثيقة بسوق (المربد), الذي كان مربداً(4) لخيول القوافل ونافذة لتبادل البضائع والمنتجات الزراعية, ثم فُتحت في مدينة الزبير المكاتب المالية لتحصيل الرسوم, والمكاتب التجارية, وتعمقت روابطها بمدن العالم عبر خطوط القوافل للقارات الثلاث (أوربا وآسيا وأفريقيا).
(1)   تقابلها جزيرة أخرى على الضفة العراقية تحمل الاسم نفسه بين الواصلية والفداغيىة.
(2)   الحاج عبد الكريم الملا نوشاد وخلف الشيخ علي. (الإيجاز فيما تشابه من أسماء المدن في العراق ونجد). محاضرة ألقيت في قاعة الخطيب البغدادي, تحت إشراف الهيئة العربية العليا لكتابة تاريخ الأنساب في الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب يوم الأحد 28 محرم 1422 هـ , الموافق 22/4/2001 م . ونشرت في موقع كتابات على الشبكة الدولية في 12/7/2004
(3)   القرين هو الاسم القديم للكويت.
(4)   المربد: موقف الإبل ومحبسها, وبه سمي مربد البصرة في مدينة الزبير.

بيت من بيوت البصرة آل الذكير أنموذجاً

بيت من  بيوت البصرة
آل الذكير أنموذجاً
كاظم فنجان الحمامي
انفردت البصرة منذ تأسيسها بمكوناتها السكانية المتشعبة الجذور, وتميزت بمجتمعاتها العريقة المنبع, فحملت من المسميات العشائرية ما كان يتماشى مع التصنيفات العربية المتداولة عبر مراحلها التاريخية المتعاقبة, كالقبيلة والفريج والعشيرة والفندة والفخذ والجماعة والحمولة والطايفة, لكنها استقرت في الغالب على اصطلاح (بيت), في إشارة إلى البيت الشريف الذي اشتهر بالجود والكرم, وعرفه الناس بخصاله الطيبة الأخرى, كقول طرفة بن العبد في معلقته:-
وَإِنْ يَلْتَقِ الَحْيُّ الَجْمِيعُ تُلاِقني
إِلى ذِرْوَةِ البَيْتِ الشَّرِيفِ الُمصَمَّدِ
فظهرت في البصرة مجموعة كبيرة من البيوت من أصول متباينة ومذاهب متعددة, لكنها كانت منسجمة مع بعضها البعض, ومتوحدة في أنشطتها التجارية والزراعية والصناعية, نذكر منها: بيت الرديني, وبيت البدر, وبيت الصالح, وبيت البسام, وبيت المهيدب, وبيت الزامل, وبيت النقيب, وبيت الحمد, وبيت الوزان, وبيت الخضيري, وبيت معرفي, وبيت البـﭽاري, وبيت الغانم, وبيت الدعيجي, وبيت حنا الشيخ, وبيت أصفر, وبيت مارين, وبيت جيتا بائي كوكل, وبيت الصانع, وبيت الملّاك, وبيت الرحماني, وبيت الإمارة, وبيت الفداغ, وبيت العمر, وبيت الفريح, والعيسى, والمناصير, والمانع, والعطية, والرشود, والشريدة, والقناص, والسعدون, والشمخاني, وباش أعيان, وآغا جعفر, وغيرهم.
سنتحدث بالتفصيل عن كل بيت كلما سمح لنا الوقت بذلك, لكننا سنبدأ حديثنا عنهم ببيت (الذكير), تلك العائلة النجدية الجذر, العربية الأصل, العراقية الهوى, البصرية الملامح.
تعد عائلة (الذكير) من تفرعات عشائر (العتوب), التي تنتمي إلى قبيلة بني ساعدة, المعروفة في العراق باسم: (السواعد). وهي من القبائل غير الوثنية قبل الإسلام, ومنهم الصحابة: سهل بن سعد الساعدي, وأبو أسيد الساعدي, وأبو حميد الساعدي.
نشأت أسرة (الذكير) في بادية نجد, وكانت على ارتباط وثيق ببني ساعدة حتى انفصال جدهم (ماجد) عن قبيلته على أثر خلاف نشب بينه وبين أبن عمه, فترك البادية واستقر في القصيم حتى وفاته, ثم جاء من بعده أبنه إبراهيم, ثم حفيده محمد, الذي امتهن التجارة, وبرع فيها بين (الزلفي) و(الزبير), وكان أول من دخل العراق عام 1737م.
ظلوا يحملون لقب (آل ماجد) حتى ذلك الوقت, أما لقبهم (الذكير) فجاء عن طريق (مقبل) بن الشيخ محمد بن إبراهيم بن ماجد, وتعود حكاية اللقب الجديد إلى عام 1747م, ففي إحدى الرحلات التجارية كان (مقبل) صبياً موهوباً مفعماً بالحيوية والنشاط, يرافق والده في تجارته عبر الصحراء, وصادف أن يكون في القافلة فتى من قبيلة أخرى, اسمه (مقبل) أيضاً, وهو خادم القافلة لكنه كان كسولاً متقاعساً, فإذا ما نادوا على (مقبل) هذا جاءهم (مقبل) آل ماجد, ولبى طلبهم من دون تأخير, وتلافياً للالتباس بين (مقبل) و(مقبل), أطلقوا على نجل الشيخ محمد لقب (الذكير), وتعني الذكي أو الفطين أو النبيه أو الواعي, فحمل هذا اللقب عن جدارة واستحقاق, ثم تألق بفطنته وذكائه في عالم التجارة.
تزوج مقبل الذكير امرأة نجدية عام 1762 م, ورزقه الله بأربعة أولاد, وتزوج عام 1786 امرأة ثانية من (الزبير), فرزق منها عام 1794 بولد واحد اسمه (عبد الرحمن).
توفي (مقبل) عام 1822, فسار ابنه عبد الرحمن على نهجه في عالم التجارة, واستقر في مدينة (الزبير), وتزوج فيها, ورزقه الله بخمسة أولاد: (محمد وفهد ويحيى ومقبل وأحمد). أكمل الابن الأكبر (محمد) المولود 1820 مسيرة والده (عبد الرحمن بن مقبل).
توسعت تجارة (محمد بن عبد الرحمن الذكير) بين الكوت (واسط) والبصرة, ورزقه الله في العراق خمسة أولاد: (زيد وعبد العزيز وعبد الله وسليمان وحمد), ثم توفاه الله في الإحساء عام 1883, كانوا جميعهم يتعاطون التجارة ويتوسعون في آفاقها المتشعبة, اشتهر منهم (سليمان وحمد) بما عرفه الناس عنهما من مرونة في التعامل, وصدق في الوعود وعفة ونزاهة وكرم وسخاء.
فسليمان المولود في نجد عام 1875 جاء إلى (الحي), من ضواحي مدينة الكوت العراقية, عام 1886, واشتغل مع أشقائه (زيد), و(عبد العزيز), ثم انتقل إلى البصرة عام 1892, لكنه استبدل خطوط القوافل البرية عام 1895 بخطوط السفن البحرية, المترددة بين موانئ الهند وموانئ البصرة, ثم فتح مكتبه التجاري الأول في البصرة عام 1897, وتزوج امرأة زبيرية عام 1906, ثم تزوج بامرأة نجدية, فرزقه الله منها بابنه (محمد), ورزقه من الزبيرية بأبنائه: (عبد الله, وعبد العزيز, وعبد الرحمن, وأحمد).
اما شقيقه (حمد) فقد جاء إلى العراق عام 1893, واشتغل مع أشقائه في عالم التجارة, وكان متنقلا بين (الحي) في الكوت, وسوق الشيوخ في ذي قار, وقلعة صالح في (العمارة) والزبير في البصرة, ورزقه الله بولدين: (صالح وعبد الكريم).
كان الشيخ حمد الذكير رمزاً من رموز العدل والإنصاف والمروءة والحياد في المنازعات المتأججة بين الخصوم, وكان مرجعاً عرفياً وإنسانياً تأخذ برأيه المحاكم الشرعية, وتستشيره العشائر المتناحرة لحل مشاكلها المستعصية.
تذكر المراجع التاريخية أن الشيخ سليمان الذكير (رحمه الله) كان في غاية الوداعة وسعة البال, لا تفارقه الابتسامة, بينما كان الشيخ (حمد) صارماً, متقيداً بتنفيذ الأحكام والضوابط, لكنهما لم يتكبرا في يوم من الأيام على أحد, ولم يتعاليا على الناس.
توسعت أعمال بيت الذكير في البصرة, وأحرزوا سلسلة من النجاحات المتواصلة, في المجالات التجارية والملاحية والزراعية والثقافية والاجتماعية, على يد عميد الأسرة الشيخ (عبد الله بن سليمان بن محمد بن عبد الرحمن بن مقبل الذكير).
كان هذا الرجل من النخبة المنتخبة في البصرة, وكان ديوانه عامراً بالقضاة والأدباء والسياسيين وكبار التجار وأصحاب الوكالات البحرية العالمية, وكان مركزه التجاري مصمماً على الطريقة الأوربية المعاصرة, حيث تلمس ملامح التخطيط الإداري المتحضر, وتجد السجلات المنظمة, والحسابات المبوبة, ووصولات التسليم والاستلام, والملفات الموحدة, والطابعات والمكاتب والدواليب والخزانات الحديثة, والموظفين الأكفاء من حملة الشهادات العليا, في صورة رائعة من صور التجديد والتحديث والتطوير.
شيد أبناء هذا البيت الكريم مجموعة كبيرة من المساجد والمدارس ودور الأيتام على نفقتهم الخاصة, وظلت آثارهم شاهدة على كرمهم وإحسانهم حتى يومنا هذا.
كانوا قدوة للتجار في الصدق والأمانة وحسن التدبير, وكانوا عنواناً من عناوين البساطة والتواضع على الرغم من ارتفاع مواردهم المالية, وعلى الرغم من تزايد مساحات بساتينهم وحقولهم وأملاكهم الزراعية, وعلى الرغم من تعاظم عقاراتهم المشيدة في أرقى ضواحي بغداد والبصرة والعمارة والناصرية, وعلى الرغم من تراكم رؤوس أموالهم, وأنشطتهم التجارية المتصاعدة أفقياً وعمودياً, وعلى الرغم من تفرع مكاتبهم في عموم الموانئ الخليجية وفي الشرق الأوسط.
يقطن معظمهم الآن خارج العراق, لكنهم غرسوا جذورهم في بساتين شط العرب, وحملوا العراق في قلوبهم ووجدانهم حيثما ذهبوا. منحوه حبهم وإخلاصهم. حجزوا للعراق حيزاً كبيراً في ذاكرتهم التي لا تعرف الجفاء, فرسموا لنا صورة رائعة من صور الحنين والوفاء والأصالة.
حتى نساء هذا البيت الكريم, يحنن حنين النوق للزمن الخلي, ولم يتنازلن في يوم من الأيام عن وطنيتهن, وربما نجد في الحكاية التالية عِبرة وعَبرة:
قبل أعوام غادرت أكبر نساء بيت (الذكير) منزلها في البصرة متوجهة إلى الدمام, وكانت مرغمة لأسباب تعلمونها, ثم أصيبت هناك بمرض الزهايمر, الذي أتلف ذاكرتها, ولم تعد تتذكر شيئاً, وفي أمسية باردة من أمسيات شتاء عام 1992 تعرضت للإصابة بالتهاب الرئة, نُقلت على أثرها إلى المستشفى, وكانت في غيبوبة, لكنها حينما أفاقت من غيبوبتها, أمسكت بيد أبنها, وقالت له: متى نعود يا ولدي إلى البصرة ؟؟.
كانت هذه صفحة مشرقة من صفحات البيوت الكريمة التي عرفتها البصرة في زمن التواد والتلاحم والتراحم والوئام.
والحديث ذو شجون

ميادة في دلتا شط العرب – كاظم فنجان الحمامي

ميادة في دلتا شط العرب
كاظم فنجان الحمامي
نفرح كثيرا عندما تكرس إحدى طالباتنا وقتها كله لدراسة حوض شط العرب, أو عندما تتناول أي مقطع من مقاطعه, ونفرح أكثر فأكثر عندما ينصب اهتمام أساتذتنا في جامعة البصرة على تحليل الظواهر الطبيعية السائدة في سواحلنا وممراتنا الملاحية.
وهكذا كان للأستاذ الدكتور (بدر نعمة عكاش) الفضل الكبير في تزويدي بنسخة من الدراسة الموسومة (تكامل المعلومات الجيمورفولوجية وتقنيات التحسس النائي لدراسة دلتا شط العرب) لطالبة الماجستير (ميادة محمود عبد القادر).
المؤلم في هذا الموضوع أن مؤسساتنا الوطنية العاملة في دلتا شط العرب لا تكترث بما تنجزه جامعاتنا ومراكزنا العلمية من بحوث ودراسات عن هذه المنطقة. بمعنى أننا نقف منذ زمن بعيد أمام حالة فريدة تتنافر فيها العلوم النظرية مع الممارسات الميدانية, وتتباعد فيها آليات القياس والتحليل والتشخيص عن آليات رصد المتغيرات الحدودية في مناطق السيادة البحرية.
عندنا أزمة حقيقية بين محاور التعمق العلمي وبين سياقات التسطيح التطبيقي, وعلى وجه الخصوص في هذه المنطقة المتأثرة بمعاول الهدم والبناء والترسيب والنحت والتعرية والانحراف والانجراف, وما إلى ذلك من متغيرات ملموسة بين رأس البيشة ورأس البرشة, وبين خور (الخفقة) وخور (عبد الله).
تعزف (ميادة) في دراستها على آلاتها الاوركسترالية الاستشعارية بإيقاعات متقنة تتناول كل المقامات العلمية المتاحة, لكن جماعتنا لا يسمعون عزفها, ومعظمهم لا يفهمون لغتها التوضيحية المعززة بالخرائط والصور الجوية.
وربما شملت هذه الأزمة (ميادة) نفسها من دون أن تدري, فنراها تقرأ كل ما كتبه علماء الجيولوجيا والجيمورفولوجيا, وتمعن في دراسة خرائطهم وجداولهم, لكنها لا تقرأ خرائطنا البحرية الأدميرالية المعروفة بدقتها المتناهية, ولا تدري بما سجلته الفرق الهيدروغرافية الملاحية في دلتا شط العرب, فلم تتطرق إلى دراسة (نديكو), ولا إلى دراسة (سيديكو), ولا إلى دراسة (تخنواكسبرس). ولم تصلها حتى الآن دراسة شركة (شل) البريطانية, التي أنجزتها في العام الماضي عن دلتا شط العرب, بموجب العقد العلمي المبرم بينها وبين مؤسسة (فيرغو), والتي استعانت في تنفيذ مشروعها بتقنياتها الفضائية وأقمارها الاصطناعية وأجهزتها الاستشعارية المرهفة الحس.
لا ذنب هنا (لميادة), بل ذنب مؤسساتنا الوطنية التي لم تشرك معها مؤسساتنا الجامعية, ولم تعرها أهمية.
مما لا ريب فيه أن الموانئ العراقية لا تبخل بشيء على مؤسساتنا الجامعية, لكننا نوجه اللوم هنا إلى مؤسساتنا النفطية, التي ماانفكت تواصل البحث والتحليل والدراسة في هذه المقاطع الساحلية الحيوية, مستعينة بأحدث الفرق المتخصصة بهذا الأمر, لكنها تستلم النتائج باليد اليمنى, وتخفيها باليسرى, بينما تجري (ميادة) وراء السراب, وتحفر في الصخور الوعرة من أجل الحصول على معلومة بسيطة واحدة, تستدل بها في الكشف عن أسرار دلتا شط العرب.
من يقرأ آخر ما كتبته (ميادة) عن دلتا شط العرب, يشعر بالفخر والافتخار, لكننا نقول لمؤسساتنا الوطنية: لماذا لا تفتحوا لها مغاليق دراساتكم الحديثة المخزونة في صناديقكم المحكمة, وما الضير من جعلها في متناول (ميادة) حتى نعرف منها حجم الانكماش الذي بلغته سواحلنا, وحتى نشركها معنا في سبر أغوار مستقبلنا البحري الغامض.
لقد قدمت لنا (ميادة) دراسة رصينة, أنجزتها في العام الماضي بإشراف الأستاذ الدكتور (بدر نعمة عكاش), و(أ. م. د. سحر طارق الملا), طبعتها بكتاب جميل في دار مكتبة البصائر, لتضعه في متناول أيدينا, لكن جماعتنا لا يسمعون تواشيح مغنية الحي, ولا يريدونها أن تطربهم.