بيوت في دائرة الحنين لا ينقطع معها حبل الذكريات

Hussaini Centre for Research

45 Peter Ave, London NW10 2DD, U.K

Tel (0044) 208 451 3055     Fax: (0044) 208 451 5899

Website: www.hussaini-encyclopedia.com

               markaz121@hotmail.com

 

بيوت في دائرة الحنين لا ينقطع معها حبل الذكريات

د. نضير الخزرجي

بيوت في دائرة الذاكرة .. ربما يصلح أن يكون هذا العنوان لفيلم او مسرحية او مسلسل، فالبيوت كثيرة وكل بيت يحكي ذاكرة ومجموعة بيوت تؤلف قصة ورواية، ممثلوها رجال ونساء وأطفال يبيتون الليل ويصحون النهار، يأكلون ويشربون ويتناسلون، ومجموعة علاقات متنوعة الأشكال بين الشد والجذب والتقاطع والتوافق تحكمها الطبيعة الإنسانية التي تمشي على الأرض بساقي الحب والكره، هذه ما يمكن أن تعكسه مرآة العلاقات الأسرية والاجتماعية والمجتمعية وتبقى بعضها عالقة في قاع الذاكرة البشرية، يستحضرها الإنسان بين الفترة والأخرى، أو يمر بحدث تعمل فرشاته على إزاحة الغبار من صفحة الذاكرة، فيستعيد الذكريات التي تأتي في أغلب الأحيان فاقعة الألوان مشوهة المعالم والخطوط.

ولكن رغم كل تداعيات الزمن وأيامه التي تجري في نهر الحياة فتجرف مياهها ما علق من ذكريات، فإن بيتاً مكعب الأشكال لا يقيم فيه أحد تبقى معالمه متشبثة بذاكرة الإنسان حتى وإن لم يزره، إنه البيت الذي لا يقيم فيه أحد ولم تبت فيه إلا امرأة واحدة وضعت فيه وليدها وكان رزقها يأتيها من عند صاحب البيت، كمريم بنت عمران، دون أن يرى ذلك أحد من الرجال الذين كانوا بالقرب من باب البيت، لكنهم بالقطع رأوا بأم العين كيف ان جدار البيت انشرخ لها ودخلت فيه تحمل في رحمها جنيناً، وخرجت بعد ثلاثة أيام تحمل في يديها وليد الكعبة، إنها بلا شك فاطمة بنت أسد أم حيدرة علي بن أبي طالب(ع).

مَن منكم زار البيت الحرام وأحبّ أن يزوره ثانية وثالثة؟ مَن منكم وإن طال به الزمن لا يستعيد ذكريات أيام الحج او العمرة ويدعو صاحب البيت أن يعيد عليه الزورة، بل مَن منكم ممن لم ير البيت العتيق أصلا لا يتشوق الى زيارته ويستحضره في مخيلته كلما قرب وقت الحج؟

مشاهد هائمة في دائرة الذاكرة وثانية نتمنى استحضارها، وأخرى نرجو حضورها حتى نعيش على أحلامها، ذكريات أيام الحج عام 1993م وعام 2001، استرجعها من بين تلافيف النسيان كتيب “شريعة الحَرَم” للفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر حديثا (2014م) في 64 صفحة من القطع المتوسط عن بيت العلم للنابهين في بيروت، متضمناً مقدمة مع 19 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري على 106 مسائل فقهية.

 

بيت ومسميات

هل كانت لرب العالمين حاجة الى بيت يأوي إليه الإنسان يبث فيه همومه وغمومه ويرجوه تحقيق أحلامه وأمانيه؟ أما يكفي أن يمد الإنسان يده بالدعاء وهو في بيته ويناجي الذي لا يحويه مكان، دون أن يقطع الفيافي والبيد ويحلق عالياً في السماء؟ أما تكفي المساجد والجوامع يركع عند محاريبها ويسجد؟

تتعدد الأجوبة بتعدد النظرة والفلسفة، ولكن ما هو قريب لطبيعة الإنسان وفطرته هو عودته إلى بيته بعد جهد اليوم يحط أتعاب الحياة ومشاكلها، وعند بيت الله الحرام يحط المرء أوزار الدنيا وما أثقلت به كاهله من أحمالها، فالله الذي خلق الإنسان يعرف كوامنه فجعل له البيت الحرام يأنس فيه بالمناجات والعبادة، وإلا فإن الكعبة مجرد أحجار لا تغني ولا تسمن، بيد أن الله يعرف طبيعة الإنسان وانشداده الى التربة، فجعل له بيته يأوي إليه من مشارق الأرض ومغاربها ولكن دون أن يسكنه، فهو البيت الوحيد على وجه الأرض الذي يأتيه الإنسان دون أن يقيم فيه، فكل البيوت رُفع بنيانها للإقامة والسكن والمأوى إلا بيت الله رفع النبي إبراهيم(ع) ونجله إسماعيل(ع) قواعده للعبادة: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) سورة البقرة: 127، وبتعبير المعلق الشيخ الغديري: (إنّ الله سبحانه وتعالى منّ على عباده المؤمنين أن جعل لهم البيت حرماً آمناً ومكاناً للتوجه إليه في اتيان الصلاة وأداء العبادات من الحج والعمرة ورضي بانتسابه إلى ذاته المقدسة حيث قال “بيتي” في قوله تعالى: “أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ” سورة البقرة: 125، وهو غني عن المكان لتنزهه عن الجسم والجسمانيات، ولمكان حُبِّه للخلق جعل البيت موضعاً يجتمع فيه الناس من كل مكان قريب وبعيد ليعبدوه مخلصين له الدين ولو كره المشركون)، مضيفاً في تعليقه: (إنّ الله سبحانه وتعالى جعل للبيت حُرمة تليق به من حيث انه ينتسب وينتمي إلى الذات المقدسة الجامعة لجميع صفات الكمال والجمال والجلال، وهو البيت الوحيد في العالم كله، إنه لا يبيت فيه أحد من الخلق لكي يصح إطلاق الكلمة عليه كبيت)، وبتعبير الإمام محمد الباقر(ع): (ليس من بيت وضعه الله على وجه الأرض إلا له ربّ وسكّان يسكنونه غير هذا البيت فإنه لا يسكنه أحد ولا ربّ له إلا الله وهو الحرام، إنّ الله خلقه قبل الخلق، ثم خلق الأرض من بعده فدحاها من تحته) علل الشرائع: 2/102.

إن الحديث عن بيت الله هو حديث عن أربع دوائر جغرافية مكانية مترابطة مع بضعها هي: الحرم المكي، ومكة المكرمة، والمسجد الحرام، والكعبة، شرحها الفقيه الكرباسي بشيء من التفصيل، فالحرم المكي في بعض الروايات هو أربع فراسخ انطلاقاً من الكعبة أي 22 كم من كل طرف، ومكة المكرمة هي المدينة بما فيها المسجد الحرام وما حولها من المجتمعات السكانية، والمسجد الحرام هو بيت الله الذي فيه الكعبة والمساحة الدائرية لمطاف الحجاج والمعتمرين التي كانت على أيام رسول الله(ص) نحو 12 متراً من أطرافه، والكعبة هو بناء البيت المكعب الشكل المربع الأضلاع.

وللحرم المكي وبيت الله أسماء مختلفة تدل على القدسية، فأول الأسماء هو البيت الحرام لأنه محرم على غير المسلم، فقد جاء عن الإمام جعفر الصادق(ع) في سبب التسمية: (لأنّه حرّم على المشركين أن يدخلوه) علل الشرائع: 2/102، وسُميت مكة بالبيت العتيق لأنها عُتقت من الماء ولم تغرق في طوفان نوح كما جاء عن الإمام جعفر الصادق(ع): (إنّ الله أغرق الأرض كلها في طوفان النبي نوح(ع) إلا البيت، فيومئذ سُمّي بالعتيق لأنه أُعتق يومئذ من الغَرَق) علل الشرائع: 2/103، أو لأنه: (بيت حر، عتيق من الناس، ولم يملكه أحد) كما يقول الإمام محمد الباقر(ع)، علل الشرائع: 2/102، وفي كل الأحوال كما يشير الفقيه الكرباسي: (فكل هذه تصدق عليه، فهو مُحرَّر من العبودية لغير الله تعالى، ولأنّه خاص به سبحانه، ولأنّه لم يغرق في طوفان نوح، ولأنّه قمة اليابسة من الأرض ووسطها)، أما مدينة مكّة نفسها فسبب التسمية: (لأن الناس كانوا يمكّون بها، وكان يُقال لمن قصدها مَكَا، وذلك قول الله عز وجل: ” وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً” الأنفال: 35، فالمكاء هو: التصفير بالأفواه، والتصدية: هو التصفيق باليدين على الفخذين)، ويُقال لمكة بكة كما في قوله تعالى: ” إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ” سورة آل عمران: 96، وفي ذلك يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع): (إنما سُميت الكعبة بكة لبُكاء الناس حولها وفيها)، ولمزيد من التمييز يقول الإمام الصادق(ع): (إن موضع البيت بكة، والقرية مكة) علل الشرائع: 2/100. وقد يُقال لمكة أم القرى كما في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) سورة الشورى: 7، لأنها كما يضيف الفقيه الكرباسي: (أول بلدة أُنشئت على وجه الكرة الأرضية).

وأما بالنسبة الى الكعبة فإن التسمية كما يشرحها الفقيه الكرباسي أتت من الشكل والجغرافية، فهي ناتئة وبارزة ويقال لكل ناتئ كعب فهي كعبة: (لأنها بارزة كما في بروز العظم من الجسم والذي يقال له كعب وكعبان، ولأن الارض عندما انبثقت من الشمس ظلت هذه الكتلة النارية تبعث بحممها من هذه النقطة التي عُرفت بالكعبة، فكان لها نتوء إلى أن دحا منها الأرض وأخذت شكلها شبه الكروي)، وهي كعبة: (فلأنها مأخوذة من الشكل الهندسي، إذ أن المكعب يُطلق على كل شيء له ستة أضلاع).

ويرى الفقيه الكرباسي حسب معطيات الجغرافية والعلم الحديث: (إن زاوية الانحراف المغناطيسي عند مكة تساوي صفراً، ولذا فإن خط الطول الأساس المار بمكّة هو خط مستقيم، في حين أن خط گرينچ (Prime meridian -Greenwich-) خط مائل منحنٍ وعنده تكون زاوية الانحراف المغناطيسي كبيرة)، ولهذا فإن الفقيه الكرباسي الذي يُعتبر أول عالم مسلم يضع لسكان المملكة المتحدة جدولا صائبا لمواقيت الصلاة على مدار العام يقترح: (أن يُستبدل خط گرينچ بخط مكة، فعندها يستقيم مقياس الزمن العالمي. وبعبارة أخرى لو اختير خط الطول الأساس المار بمكة المكرمة ورُسمت خطوط الطول الأخرى موازية له لانتظم شكل الخرائط).

ومسائل خلق الأرض والسماء والكون ودحو الكرة الأرضية من مكة المكرمة تابعها الكرباسي بشكل تفصيلي في الجزء الأول من كتاب “أضواء على مدينة الحسين” الصادر عام 2011م عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 598 صفحة من القطع الوزيري، وهو أحد أجزاء دائرة المعارف الحسينية المتكونة من نحو 900 مجلد صدر منها حتى اليوم 86 مجلداً، كما أن بيان توقيتات الصلاة في المملكة المتحدة بخاصة أيام شهر رمضان إذا وقع في الشهر الخامس أو السادس أو السابع الميلادي حيث ينتشر فيها النور ولا يستبين الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ (الفجر الصادق)، شرحها بشكل فقهي وعلمي وميداني في كراس “مواقيت الصلاة في المملكة المتحدة” الصادر عام 2006م عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 52 صفحة.

 

جيرة وكرم

من المظاهر البارزة في المدن المقدسة أن أبواب منازلها مفتّحة للزائرين، وقد عشت هذه التجربة في مسقط رأسي كربلاء المقدسة، حيث المنازل والبيوت وبخاصة القريبة من العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية تفتح أبوابها، ولاسيما في مواسم الزيارات الكبيرة في محرم وصفر وشعبان، لاستقبال الزائرين مستفيدين من خدمات المنازل مجاناً، ويسعى أصحاب المنازل لخدمة الزائرين كرامة للمعصوم وحباً في النبي محمد(ع) الذي أودع في الأمة أهل بيته وأوصى بهم خيراً، ويغمرنا السرور والحبور بخدمة الزائرين لمدينتنا المقدسة.

وعلاقة العطاء والسخاء بين الزائر وساكني المدن المقدسة، ليست حالة طارئة، بل أوصى بها الإسلام وبالذات في مكة المكرمة وشدد عليها، فرب البيت كريم قد رزق الساكنين حول بيته الخيرات وأنزل عليهم البركات، وينبغي للساكن أن يكون كريما مضيافاً لزائري بيت الله، ولهذا يشير الفقيه الكرباسي إلى أنه: (يُكره لأهل مكة منع الناس من الدخول الى بيوتهم للراحة والسكنى، كما يُكره أخذ الأجرة على ذلك إلا بشرطين: الأول: إن لم يوجب العُسر على صاحب الدار، والثاني: أن يكون الحاج أو المعتمر بحاجة الى ذلك)، ويعلق الفقيه الغديري على المسألة بقوله: (وأما إذا تبرّع الحاج أو المعتمر لصاحب البيت كهديّة فلا بأس في أخذها بل وقد لا يجوز ردّها ويلاحظ فيه المتعارف كمّاً وكيفاَ، وحال المتبرع، وصاحب البيت، والاختيار والاضطرار، والعسر واليُسر وغيرها).

ولا تقتصر الكراهية على البيوت والمنازل، وتشمل الفنادق كما يضيف الفقيه الكرباسي: (إذا كان الحاج أو المعتمر بحاجة الى السكنى والراحة، يُكره للفنادق منعمهما من السكنى والراحة).

 ومن المفارقات الباعثة على الاستغراب في هذا المجال أن الفنادق في بعض المدن المقدسة، وفي العراق على وجه التحديد، تمتنع حتى عن استضافة الزائر العراقي القادم من المحافظات الأخرى ولو بأجر، وبخاصة أيام الزيارات المعروفة، فتزدحم الفنادق بالزائرين من غير العراقيين وبأجور عالية تفوق الخيال في بعضها، ولا يُسمح للزائر العراقي لاعتبارات مالية إلا أن يدفع مثلما يدفع غيره من غير العراقيين، بل وبعض الفنادق تغلق أبوابها حالما تنتهي الزيارات الخاصة بعد أن يكون أصحابها قد اكتفوا بما جنوا من الزائرين الآخرين وبالعملة الصعبة، وهو أمر على غاية من الخطورة يعطي للزائر انطباعاً سيئا عن أهل المدينة، كما انه يشجع الزائر على ثقافة المبيت في الشوارع والأزقة التي لا تليق به كزائر لكريم إبن كريم، في حين ينبغي أن يكون مكانه الطبيعي في استراحة، منزلاً كان أو فندقاً، يبيت فيه بماله وكرامته.

وبالطبع هناك استثناءات في المسألة، فعلى سبيل المثال: (إذا كان البيت للقُصَّر، لا يجوز للولي أن يُسكّن الحجاج والمعتمرين في بيوتهم إذا لم يكن للقاصر منفعة)، كما: (لا تشمل الكراهة المحلات والأسواق والمرافق الأخرى)، كما: (يُكره للحاج أو المعتمر أن يزاحم صاحب الدار)، ويزيد الفقيه الغديري في تعليقه على المسألة: (بل وقد يُحرم ذلك لأنَّ التكليف لا يتوجّه إلى نفسه بل الامر كفائي دون عيني والمزاحمة نوع من الإيذاء، فلا يجوز للحاج أو المعتمر أن يأتي بشيء من هذا القبيل، لمنافاته مع الخلوص في العبادة).

بالطبع: (لا فرق في كراهة منع السكنى أو الراحة في أيام الحج أو العمرة، بل يُكره ذلك طوال أيام السنة)، ويزيد الشيخ الغديري: (ويمكن القول بشدّة الكراهية في أيام الحج أو العمرة كما في شهر رمضان المبارك لمكان ازدياد الزائرين)، وفي المقابل أوصى الإسلام أن يكون الحاج أو المعتمر سخيا كريماً، وهذا الأمر يشمل في اعتقادي الزائر للأماكن المقدسة الأخرى.

إن الأحكام التي استعرضها الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي تظهر أهمية هذه البقعة المقدسة التي يرتادها الناس من كل فج عميق، وهي موضع مبارك يتمنى كل مسلم أن يطأه حتى يحط عند عرفات أوزاره وخطيئاته صغيرها وكبيرها، ويجدد عند نبي الإسلام في المدينة المنورة العهد والولاء، ويعود إلى وطنه كمن ولدته أمه، وهي أمنية أرجو أن يُرزق بها مَن تاقت نفسه الى بيت بارئها، ويعيدها لمن حنّ إلى رؤية الكعبة المشرّفة وتقر عينه مرة أخرى برؤية قبة الرسول وأولياء الله الصالحين، ويمشي في شعاب مكة وأزقة المدينة، يستحضر الماضي الجميل استئنافاً لقابل الأيام والسنين.

حوار مع الدكتور نضير الخزرجي

د. نضير الخزرجي: الموسوعة الحسينية تسعى لتوثيق التراث الحسيني ودفع الدخيل عنه

أجرى الحوار: عباس دشتي

المركز الحسيني للدراسات – لندن

………………………………………………………………….……….

Hussaini Centre for Research

45 Peter Ave, London NW10 2DD, U.K

Tel (0044) 208 451 3055     Fax: (0044) 208 451 5899

Website: http://www.hcht.org

markaz121@hotmail.com

د. نضير الخزرجي: الموسوعة الحسينية تسعى لتوثيق التراث الحسيني ودفع الدخيل عنه

أجرى الحوار: عباس دشتي

كشف د. نضير الخزرجي ان الموسوعة الحسينية تسعى لتوثيق التراث الحسيني والتحقيق فيه والتثبت منه ودفع الدخيل عنه.

وأضاف الخزرجي في حوار مع “الوطن” الكويتية ان أجزاء الموسوعة تصدر عن المركز الحسيني للدراسات في لندن، مشيراً الى ان الدكتور محمد صادق الكرباسي يعمل على الموسوعة منذ عام 1987م.

واعتبر الخزرجي ان أهم ما يميز الموسوعة انها في شخصية واحدة هي الامام الحسين ثم ان مؤلفها شخص واحد هو الفقيه الكرباسي المولود في كربلاء.

وحول دائرة المعارف الحسينية والموسوعة الحسينية وغيرها من الأمور دار الحوار التالي:

*  ابتداءً هل لنا أن نعرف النشأة الأولى لدائرة المعارف الحسينية؟

– تفجرت فكرة الموسوعة الحسينية في ذهن مؤلفها مساء يوم الحادي عشر من محرم الحرام عام 1408هـ (1987م)، وكانت الفكرة قد انطلقت عام 1980م حينما كان المحقق الفقيه الدكتور محمد صادق الكرباسي يعيش في لبنان، وعندما سكن لندن عام 1986م كانت الفكرة قد بدأت تتفاعل بصورة جدية، فكانت البداية بعدها بعام.

* على ماذا يقوم أساس الموسوعة الحسينية؟

– تعتبر النهضة الحسينية نهضة إصلاحية، كتب عنها الكثير وقيل فيها الكثير ودخل على تراثها الدخيل، وهناك الكثير من المؤلفات والمصنفات والكثير من المشاريع والمؤسسات التي تُنمى الى الإمام الحسين(ع) وإليه تُنسب، فهذا التراث الكبير فيه الكثير من الزوايا التي لم تسلط عليها الأضواء،  ومع الثورة الكبرى في عالم الاتصالات والمواصلات، كان لابد من توثيق التراث الحسيني والتحقيق فيه والتثبت منه ودفع الدخيل عنه وبأدوات علمية معرفية بعيداً عن العاطفة التي تتعارض في بعض الأحيان مع عقلانية البحث العلمي والمعرفي.

من هنا فإن المحقق الكرباسي عندما وضع هيكلية الدائرة، فانها انتهت الى 60 باباً في العلوم المتنوعة من قبيل الاجتماع والتاريخ والعمارة والأدب والفقه والأصول والقرآن والحديث والرجال والسيرة، ومن هذه الأبواب تفرعت المئات من العناوين والفصول.

* أفهم من كلامكم أنها خاصّة بشخصية واحدة؟

– بالتأكيد وهذا ما يميز الموسوعة، أنها في شخصية واحدة هي الإمام الحسين(ع) ومؤلفها شخص واحد هو العلامة الكرباسي المولود في مدينة كربلاء المقدسة عام 1947م، على خلاف الكثير من الموسوعات العالمية التي تبحث في أمور شتى ويحررها مختصون في العلوم والمعارف المختلفة.

وكم بلغ المطبوع منها حتى اليوم؟

– لابد من التأكيد في معرض الإجابة على سؤالكم، ان الموسوعة الحسينية من حيث العدد تختلف أبوابها، وبتعبير آخر أن بعض الأبواب ليس فيها متسع لزيادة عدد أجزائها، فعندما يستوفي المؤلف المادة ويستفرغ جهده المعرفي والتحقيقي فيها تكون الأجزاء قد وصلت حدّها، ولكنه في الوقت نفسه لا يدعها إذا ما وجد جديداً او استجد له جديد فإنه يستدركه في جزء آخر، وبعض أبواب الموسوعة ليس لها حدا بخاصة مع الجهد الذي يبذله المؤلف في التحقيق فيها، ومن هنا يتوضح للقارئ من عالم أو متعلم التفاوت في عدد أجزاء الموسوعة بين فترة زمنية وأخرى، فعندما وضعت أول تعريف عام للموسوعة الحسينية عام 1993م تحت مسمى (دائرة المعارف الحسينية للكرباسي تعرف عام) فإن عدد الأجزاء كان قد بلغ 332 جزءً مخطوطاً، وعندما صدر عام 2000م كتاب (معالم دائرة المعارف الحسينية) للأديب علاء الزيدي، كان العدد قد وصل الى 555 مجلداً مخطوطاً ومطبوعاً، وعندما صدر لي مطلع عام 2007م كتاب (العمل الموسوعي في دائرة المعارف الحسينية) كان العدد وصل نحو 600 مخطوط ومطبوع، وفي مطلع عام 2014م صدر عن جمعية المستقبل الثقافية الإجتماعية في دولة الكويت كتيب (أضواء على دائرة المعارف الحسينية) فإن المخطوط والمطبوع من الموسوعة بلغ نحو 900 مخطوط ومطبوع، صدر منها 86 مجلداً. والكتيب الأخير صدر حديثاً تيمناً بالملتقى الثقافي الأول عن دائرة المعارف الحسينية المنعقد في دولة الكويت يوم 5/3/2014م.

تحدثتم عن التفاوت في أجزاء الأبواب، فهل لكم الاشارة الى بعضها؟

– على سبيل المثال فإن باب (أضواء على مدينة الحسين) صدر منه جزء واحد وهي في 40 جزءاً قابل للزيادة، وكتاب (تاريخ المراقد) يقع في 15 جزءً صدر منه 7 أجزاء، وباب (الحسين في السنة) يقع في 15 جزءاً صدر منه جزء واحد، وباب (الحسين والتشريع الإسلامي) يقع في 16 جزءاً صدر منه 4 أجزاء، وباب (ديوان الشعر العربي القريض) يقع في 120 جزءاً صدر منه نحو 25 مجلداً، وفي باب (معجم المقالات الحسينية) يقع في 15 جزءاً صدر منه 3 أجزاء والأعداد قابلة للزيادة، وكتاب (الصحيفة الحسينية) يقع في جزأين وقد صدرا، وهكذا في بقية الأبواب والعلوم.

* أليست هناك مؤسسة قائمة وراء هذه الموسوعة؟

– في واقع الحال ان أجزاء الموسوعة تصدر تباعاً عن المركز الحسيني للدراسات في لندن، ويضم المركز نخبة قليلة العدد يقدمون يد العون للمؤلف في مسائل ثانوية ليست لها علاقة بمتن الكتاب وأصله، فالموهبة التي يمتلكها المؤلف تجعله دائب الحركة والنشاط في التأليف والتحقيق، فضلا عن كونه قليل النوم يكتفي من يومه 4 ساعات يريح فيها بدنه.

* وهذا يعني ان المؤلف منعزل عن الحياة؟

– على العكس من ذلك، وهذه ميزة أخرى في المؤلف الذي فتح مركزه وداره، فهو بوصفه رجل دين على اتصال دائم مع الناس في مسائل الفتيا وحل المشاكل الاجتماعية والاسرية، ولكنه عمد الى تنظيم وقته بما يساعده على التأليف في مجالات مختلفة لا تقتصر على الموسوعة الحسينية، فهو يكتب في الشريعة وله تفسير للقرآن، وينظم الشعر، وهنا لابد من الإشارة الى أهمية تنظيم الوقت، فقد عمد الفقيه الكرباسي الى الاستفادة من الزمن الضائع وهو في رحلته اليومية من الدار الى المركز وبالعكس وذلك بنظم الشعر حيث يمسك بالورقة والقلم ينظم الشعر وهو في الطريق راجلاً، ومن أدب الطريق نظم المؤلف 15 عشر ديواناً صدر بعضها.

* لاشك ان موسوعة بهذا الحجم من حيث الكيف والكم يجد القارئ صعوبة في الوصول اليها؟

– اشاطركم الرأي بأن الموسوعة التي معدل الجزء الواحد منها 400 صفحة من القطع الوزيري لا يمكن أن تكون موجودة في كل مكان، وحتى يمكن الوصول اليها شرعت منذ نهاية العام 2006م بعمل قراءات موضوعية لكل جزء تضع القارئ على مجمل تفاصيل الكتاب وتم نشرها في وسائل إعلام مختلفة، وبعد ذلك صار الى جمع كل عشرين قراءة في كتاب مستقل يمكن الوصول اليه، وصدر من هذه السلسلة ثلاثة أجزاء هي “نزهة القلم قراءة نقدية في الموسوعة الحسينية” و”أشرعة البيان قراءة موضوعية في الموسوعة الحسينية” و”أجنحة المعرفة قراءة موضوعية في الموسوعة الحسينية”، والرابع تحت الإعداد وهو بعنوان “أرومة المداد قراءة موضوعية في الموسوعة الحسينية”، وبمجموعها قراءة لثمانين مجلداً في أبواب مختلفة تضع الموسوعة تحت أنظار القارئ.

* من خلال تصفحي لأجزاء الموسوعة، أجد اهتماماً من المؤلف بوضع مقدمة بلغة أجنبية لشخصية أجنبية؟

– عمد العلامة الدكتور محمد صادق الكرباسي، منذ صدور أول جزء من الموسوعة وهو الجزء الأول من “ديوان القرن الأول” عام 1994م أي بعد سبعة أعوام من نشأتها الى إلحاق مقدمة لعلم من أعلام الإنسانية من الشرق والغرب بلغته الأم يتناول بقلمه وبرؤيته الخاصة عموم دائرة المعارف الحسينية وخصوص النهضة الحسينية، وتجد الترجمة العربية للمقدمات في كتبنا الآنفة الذكر، وهو بذلك يسعى لخلق جسور المعرفة على مستوى الأبدان والأديان والبلدان والأوطان والمذاهب والملل، لايمان المؤلف العميق أن الحركة الإصلاحية التي نهض بها الإمام الحسين(ع) متجانسة مع فطرة الإنسان بغض النظر عن المعتقد والدين واللغة، من هنا نجد أن المقدمات جاءت بلغات مختلفة اردوية وبشتوية وهندوكية وسرائيكية وسنسكريتية وانكليزية وفرنسية وعبرية ويابانية وصينية وغيرها، توزع كاتبوها على بلدان كثيرة مثل افغانستان وباكستان والهند والصين واليابان وفرنسا وكندا وامريكا وبريطانيا وجنوب افريقيا والسنغال وغيرها، كما انتحلوا أدياناً ومذاهب مختلفة، مثل السيخية والبوذية والمسيحية واليهودية والزرادشتية والصابئة واليزيدية، وغيرها.

* من خلال تتبعي لأبواب الموسوعة أجد اهتماماً من المؤلف في الترجمات والسير الذاتية للشعراء والمؤلفين والخطباء وغيرهم؟

– كان الأوائل من أصحاب السير وبخاصة في علمي الحديث والرجال، أكثر اهتماماً بأحوال الرجال والرواة من الصحابة والتابعين، لأهمية العلم الذي يخوضون فيه حيث يتطلب التجريح والتعديل، وانسحب هذا الاهتمام إلى غير رجال الحديث، ولذلك نجد الكثير من المؤلفات التي تتناول السير الذاتية، لكن هذا الاهتمام خف وقل، وهو أمر على غاية من الخطورة، من هنا حرص العلامة الكرباسي على افراد باب خاص بالتراجم يتابع حياة المؤلفين والكتاب والشعراء والخطباء وأمثالهم، وكذلك ترجمة والرؤساء والأمراء والملوك الذي كان لهم اهتمام بالمرقد الحسيني الشريف من قريب أو بعيد، وبالمناسبة تجد في باب تاريخ المراقد ذكر وترجمة لأمراء الكويت الذي زاروا كربلاء المقدسة وتشرفوا بزيارة المرقد الحسيني الشريف، من قبيل زيارة أمير الكويت الراحل الشيخ عبد الله السالم الصباح في 9/12/1951م والزيارة الثانية في 23/3/1965م وكان مع الوفد الزائر أمير دولة الكويت الحالي الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وزيارة أمير الكويت الراحل الشيخ صباح السالم الصباح للمرقد الحسيني الشريف في صيف 1966م.

الوطن الكويتية- الاثنين 3 مارس 2014م

وبعض المعسكرات النائية أفرادها ضباط إيقاع قافية- د. نضير الخزرجي

في حياة كل إنسان شخصيات تمر من أمام ناظريه، إما كأسماء يقرأها في كتاب، أو تطرق أذنيه، أو يراها عيّاناً أو في شريط أو شاشة، وهي بالنسبة لأمثالنا كثيرة الحدوث، فكل يوم ومن خلال العمل البحثي نتعامل مع أسماء ومسميات كثيرة من هنا وهناك، ومن كل الأصناف واللغات والجنسيات والأديان والمذاهب، فلا يقتصر العمل على لون واحد من المذهب أو اللغة أو الوطن، وهذه واحدة من خصوصيات العمل الموسوعي.

وعندما كنت بصدد كتابة تعريف كشكولي عن دائرة المعارف الحسينية عام 2007م مرّت تحت أناملي وانا أضرب أزرار الحاسوب، أسماء لامعة في سماء العلم والأدب والسياسة وأرباب مدارس فقهية ومذهبية لهم حضورهم على صفحات الموسوعة الحسينية بنحو أو بآخر، ولا سيما في مجال تقريض الموسوعة وراعيها أو كتابة مقدمة لأحد أجزائها، بوصفها موسوعة كبيرة قلّ نظيرها في عالم الدوائر المعرفية وبوصف راعيها نادرة عصره في عالم التأليف تنوعاً وكمّاً وكيفاً.

ومن هذه الأسماء، رئيس جمهورية باكستان الإسلامية السابق قاضي القضاة محمد رفيق تارر الذي تولى الرئاسة عام 1998م والذي كتب في 15/8/1999م تقريضا بحق الموسوعة ومن تدور عليه بيانها ومن يحبّر كلماتها، فمررت عليه وأنا أدبج فصلاً من كتاب (العمل الموسوعي في دائرة المعارف الحسينية)، ولم يدر في خلدي أن ألتقي هذا الرجل أو غيره من الذين يمرون تحت أناملنا، فبعد المسافة حاجز حيث أسكن في جزيرة ويسكن هو آسيا البعيدة، والصفة الرسمية توسع من الشقّة، فهناك موانع عدة لا تجعل من اللقاء أمرا سائغاً لمثلي.

ثم يتبادر الى الذهن التساؤل العريض: وهل يعلم الإنسان الغيب وما يخبئ له القدر؟

بالطبع لا، ولكن القدر نفسه له خاصية الجمع من حيث يعلم المرء أو لا يعلم تماماً كالرزق فإنه ينزل على الإنسان من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، وهذا ما حصل معنا بالضبط، إذ قادنا التوفيق الإلهي الى باكستان لحضور (مؤتمر الإمام الحسين الدولي الأول على ضوء دائرة المعارف الحسينية) لليومين 15 و16 حزيران يونيو 2013م، وكان يفترض أن يكون الرئيس الباكستاني السابق بين الحاضرين، غير أنّ عامل السن حال دون ذلك، لكن الرجل آل على نفسه أن يكون مضيّفاً للوفد القادم من لندن، فاستقبلنا يوم الأربعاء 19/6/2013م في المجمع الرئاسي في العاصمة الدينية لاهور، ولم يكتف بجلسة الشاي، ولم يرض أن نقفل راجعين الى مقرنا في مؤسسة إدارة منهاج الحسين(ع) التي رعت المهرجان الدولي إلا أن نجتمع معه على مائدة الطعام في جو ساد فيه الحديث عن العلم والعلماء والثقافة والمثقفين والمسيرة الحسينية والوحدة الإسلامية، ولم يعطنا جلوسنا في فترة الشاي مع شخصية جمعت بين وظيفة قاضي القضاة  ورئيس المحكمة الباكستانية العليا ورئيس الجمهورية السابق، شعوراً أننا في قصر رئاسي حلّ فيه قادة باكستان منذ استقلالها عن الهند عام 1947م، فالجو العلمائي والعلمي هو الذي ساد يتقدمنا العلامة الشيخ محمد حسين أكبر وهو من الزعامات الباكستانية المرموقة، وعندما شرعت بالحديث عن الظاهرة الأممية للنهضة الحسينية علّق على كلامي قائلاً: (نحن نعتقد جازمين بأن الإمام الحسين(ع) ليس قائداً وإماماً للشيعة فحسب بل هو زعيم الأمة الإسلامية بخاصة والإنسانية بعامة، وقد حمل في كربلاء راية جده رسول الله(ص) وضحى بنفسه وعياله وأصحابه، ولذا فإن البشرية حتى يومنا هذا تذكره وتتذكره، فهو بالتأكيد ركيزة بقاء الإسلام ودوام رسالة محمد(ص)، ولابد لمجتمعات الأرض قاطبة أن تأخذ من سيرة الإمام الحسين(ع) نموذجها الحي وكما هو مفاد قول أحد الشعراء: عندما تستيقظ البشرية من غفوتها فكل أمة تدّعي بالحسين وصلاً وتنسبه لها).

هذه الشخصية القانونية والرئاسية، إستخرج ذكرها من تلافيف الزمن القريب (ديوان الشعر الأردوي) في جزئه الأول للأديب المحقق الدكتور محمد صادق الكرباسي الصادر حديثاً (نهاية العام 2013م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 398 صفحة من القطع الوزيري، حيث يتحدث المؤلف عن نشأة الأدب الأردوي في أجواء الهند الكبرى، وعن التشكيلة الرئاسية لدول الباكستان التي نمى فيها الأدب الأردوي.

تحت مظلة السلاطين

كشفت وقائع التاريخ ولازالت أن الأدب ينمو بشكل عام في ظل سلطة محبة للأدب، فكلما قرّب الحاكم الأدباء والمثقفين واحترم عقولهم وآراءهم ثقل ميزان الأدب المنثور منه والمنظوم، وهي معادلة طردية محسوسة، نعم قد ينمو الأدب في ظل سلطة غاشمة أيضا ولكنه نمو الفطريات التي تضر ولا تنفع لاسيما إذا كان الأدباء والشعراء يسبحون بحمد السلطان ويسجدون له، فما عاد النمو ايجابيا وصار وبالاً على مسيرة آداب تلك اللغة.

وعند قراءتنا الأدبية والموضوعية السابقة لكتاب (المدخل الى الشعر الأردوي) وهو أحد أجزاء دائرة المعارف الحسينية، أوقفنا الأديب الكرباسي على دور السلاطين في الهند الكبرى في بث الحياة في اللغة الأردوية وتنشيطها، كما أوقفنا على دور الأدب الحسيني المنظوم في حمل الأدباء على تنظيم أسس اللغة الأردوية وتقعيدها ونقلها من لغة منطوقة الى لغة مكتوبة.

وهذه الحقيقة يعود الأديب الكرباسي ويطلعنا عليها عند تقويمه للديوان الذي ضمَّ الشعر الحسيني باللغة الأردوية: (فعلى سبيل المثال فإن الشاعر السلطان علي الأول العادلشاهي هو السلطان الخامس من الدولة العادلشاهية التي كان ملوكها من اتباع مدرسة أهل البيت(ع) وقد حكم سنة 965هـ بعد أبيه السلطان إبراهيم الأول ابن اسماعيل وتوفي سنة 987هـ وكان الأدب الأردوي قد تخرج من بلاطهم ولا غرو أنه ينظم في الإمام الحسين(ع) وليست في ذلك غرابة، بل الغرابة تكمن في قلة النظم فيه(ع) والذي نعزوه إلى الضياع والتلف المتعمد أو الإهمال).

ومن ذلك قول الشاعر السلطان علي الأول العادلشاهي في قطعة من سبعة أبيات بعنوان: “واها واها”، يقول ما ترجمته:

مِـــــــن كــــــرب سيـــدي يبــكي الفــــؤادُ واأســـفـــاهْ

أيها الخـــــلقُ سمـــــاءُ الكون تمطرُ دماً واويلاه

مضى سُلــــــطان الكــــون بــــــعــد أن أمـلى بالآهْ

مــــــن دمِ القــــــلب جفـــــــــونه حُــــــــزناً واويــــــلاهْ

ثم يختم الشاعر السلطان العادلشاهي:

فليســـــمـــع الــــكـــــلُّ أنّ “عادل علي” واغـــــــــمّاهْ

أشهـــــــــراً وسنيناً يقيمُ عــــــــــزاءَ السيدِ واويـــلاهْ

فالسلطان الشاعر الحاكم الخامس من السلالة العادلشاهية الذي حكم في الفترة (1557- 1579م) هو واحد من واحد وثلاثين شاعراً حسينياً ورد ذكرهم في هذا الديوان الذي غطّى الشعر الحسيني في ثلاثة قرون: العاشر والحادي عشر والثاني عشر الهجري، وهم كما يؤكد الكرباسي: (بما لهم من موقع مرموق في الثقافة بشكل عام يمثلون أركان هذه اللغة الفتية إذ كان أربعة منهم من ملوك دولتين قامتا على الولاء لأهل البيت(ع) الدولة العادلشاهية والدولة القطبشاهية).

وفي عهد الحاكم الثامن السلطان علي الثاني ابن محمد العادلشاهي الذي حكم في الفترة (1660- 1672م) كما يشير المؤلف: (نما أبرز شعراء هذه اللغة الفتية).

ومن السلاطين الشعراء الحاكم الخامس من السلالة القطبشاهية السلطان محمد قلي ابن ابراهيم قلي القطبشاهي الذي حكم في الفترة (1580- 1612م)، وفي عهده كما يضيف المؤلف: (برز في عهده عدد من أقطاب الشعر، وكان من المشجعين لإشاعة هذه اللغة والنظم عليها فنظم هو بنفسه الشعر وخصص بعض قصائده في الإمام الحسين عليه السلام).

ومن إنشائه أربعة أبيات بعنوان: “الإئمة في العالَمَيْن”، جاء في الأول والثاني من المقطوعة ما ترجمته:

الأئمة في العالَمَيْن يألمون ويبكون في العزا واحسرتاهْ

لقـــد أجهـــــدوا قـــواهُـــــــــم وأنــــفُسَهم مضــطرين واويــلاهْ

أضـــــــعفتِ الشمسُ السَّــــما من الحـــــــرِّ ذُبولاً واحُرقتــاهْ

اســــــودَّ القمــــرُ تجهُّمــــــــــاً واحـــــــــــترقَ ألمــــــــاً واويــلاهْ

والسلطان الرابع الذي له الدور المشهود في نمو اللغة الأردوية وظهور أدبها المنظوم هو الحاكم الثامن من السلالة القطبشاهية وآخرهم السلطان تانا شاه ابن عبد الله القطبشاهي الذي حكم في الفترة (1672- 1687م)، والذي هو الآخر كما يوثق الكرباسي: (نظم الشعر على هذه اللغة وشجع الآخرين على النظم عليها).

ومن شعره الحسيني قوله في بيتين بعنوان “روضة محمد”، ما ترجمتهما:

يا شبيرُ بستانُ أحـمدَ روضتُهُ الحسـيــنْ

شمسُ خضراءِ حيدرةَ المرتضى حُسيـــنْ

لم هذا الـــدجى وقد كنت شمع الفرقدين

لأهل بيت النبوةِ كـان يضيءُ الحـــسينْ

حَمَلة اللغة الأردوية

من الثابت أن الشعر العربي في العهد الجاهلي كان له كبير الأثر في الحفاظ على اللغة العربية، وعندما نزل القرآن الكريم، فإن اللغة الفصحى وفي ظل كلام الله المبين عاشت في كهف قوي حصين يمنعها من الاندثار والضعف والخوار، ولكن لم يمنع احتكاك العرب بالأمم والشعوب الأخرى من بروز العجمة في الأحاديث اليومية، ولكن الثابت ايضا أنَّ اللغة العربية تركت تأثيرها الكبير على اللغات الأخرى، ومنها اللغة الاردوية التي يتحدث بها نحو 350 مليون إنسان بين مسلم وغير مسلم يتوزعون على شبه القارة الهندية من بين 225 لغة حيًة ومحلية متداولة في الهند وحدها.

وكما كان للنصوص المنظومة أثرها في اللغة العربية، فإن الشعر الأردوي كان له كبير الأثر في وضع قواعد اللغة الأردوية، ولاسيما الشعر الحسيني الذي نما بصورة بارزة استدعت معها الحاجة الى كتابته بدلاً من الحفظ الذي يتعرض الى النسيان والضياع، ولأن اللغة الأردوية حديثة نسبة للغات الأخرى كالعربية والفارسية، فإنَّ ما وصلنا من أدبها المنظوم في النهضة الحسينية يكاد يكون قليلاً جداً بخاصة قبل القرن العاشر الهجري حيث كانت اللغة في طور الكتابة والتقعيد، ولهذا كما ينوه الأديب الكرباسي أن ما تم اكتشافه حتى الآن من الشعر الحسيني يرجع الى نهاية القرن التاسع الهجري اذ ظهر شاعر واحد فقط هو الشاعر شاه أشرف البياباني المتوفى في الربع الأول من القرن العاشر الهجري، وهذه الشحة في المنظوم الحسيني هو الذي دفع المؤلف الى وضع الديوان حسب القوافي بمجموع ثلاثة قرون معاً، ولكن الزيادة ستظهر في الأجزاء اللاحقة من ديوان الشعر الأردوي حيث كثر عدد الشعراء بعدما ما أخذت اللغة الأردوية طريقها بين اللغات الحيّة وما عادت لغة محلية ولا بلغة منطوقة فحسب، وزادتها العربية رونقاً كما زادها الإسلام رصانة والنهضة الحسينية كماً وكيفاً.

وبشكل عام فإنَّ خيمة اللغة الأردوية الفتية قامت على ثلاثة أعمدة من الأدباء، وهم الشاعر غلام بن ضياء الدين أشرف البياباني الرفاعي الجالنتي (854- 921هـ) وكان يتخلص في شعره بـ (أشرف) وهو ممّن تلقّى التشجيع من قبل السلطان محمد قلي القطبشاهي، والشاعر شمس العشاق الميرانجي المتوفى سنة 902هـ والذي كان يتخلص في شعره بـ (حاتم) ومن بعده ابنه شاه الميرانجي المتوفى سنة 990هـ والمتخلص في شعره بـ (جانم)، وكما يذهب إليه الكرباسي: (هؤلاء الثلاثة حملوا راية اللغة الأردوية نثراً ونظماً حتى أقاموا عودها وقووا صلبها)، ولعلّ الشاعر أشرف يقف في المقدمة، ومع هذا فإن الأديب الكرباسي لا يقطع بأن الشعر الحسيني يبدأ منه إذ: (نرجح وجود شعراء قبله قد نظموا في سبط الرسول(ص) ولكن لم يصلنا شعرهم).

ومن شعر أشرف البياباني قصيدة من عشرة أبيات بعنوان: “الطفل أصغر” ينشد بما ترجمته:

كنــتُ أرتِّبُ تـــرتــيباً ســــريــــرَ المهــدي

عندمـا هززتُ عليّاً الأصغرَ في المهدِ

حتى يقول وهو يصف حال الأم التي انقطع عنها حليبها بسبب العطش فكان السهم في نحر الرضيع هو آخر الكأس:

غـــــــار حــلـيبُ الأمِّ مـــــــن عـــــــــــطشٍ جــفّا

من رؤية حال الأصغر كانت ترتجف خوفا

رَمَــــــــــــوْهُ بســــهـــــــمٍ أولـــئــــــكَ الفَــــــــــجَـــــرَة

قُســـــــاةَ القلـــــبِ كــــــانـــوا ظالـــــمين كـــــفرة

إذن وحسب استقراء المؤلف فإن اللغة الأردوية المتكونة من 36 حرفاً أصيلاً نشأت بطابعها الأدبي في البلاط الملكي في مدينة دكن الهندية، وكانت نشأتها في الأساس إسلامية، كما أنَّ أتباع مدرسة أهل البيت(ع) وراء نمو وتطوير هذه اللغة، وفي أواخر القرن الثاني عشر الهجري عُرفت بالأردو أي معسكر الجيش أو لغة العسكر الرفيعة، وفي الهند الحديثة اُعترف باللغة الأردوية عام 1947هـ كإحدى اللغات الرسمية، وأصبحت في الباكستان في العام نفسه لغة البلاد الرسمية، وأهم اللغات التي ساهمت في بناء المفردات الأردوية هي: العربية، الفارسية، التركية، المغولية، السنسكريتية، السندية، الملتانية، الكابلية، والانكليزية، اضافة الى لغات أخرى هي الپنجابية والسندية والگجراتية والبنغالية والپالية والپشتوية والفرنسية، كما مرّت اللغة من حيث التسمية في مراحل بدءاً من اللغة الهندية وانتهاءاً بالأردوية مروراً بالدكنية والريختية والهندوستانية.

شفرة الألم والأسى

للهلال في تراث كل أمة صور ومعان مختلفة وقد تكون متناقضة في آن واحد حسب العين الباصرة، فالهلال بما هو هلال يمثل الوجه البارز للعيان من الجرم السماوي العاكس لضوء الشمس الخارج من مرحلة المحاق والذي يأخذ منازله من الظهور حسب الأيام حتى يكتمل ثم يأخذ دورته في النصف الثاني من الشهر في الضمور والدخول في مرحلة المحاق حتى ظهور هلال الشهر التالي، وهكذا دواليك، ولكن الأدباء يتعاملون مع الهلال بصورة حسيّة ينزلونه من عليائه الى الأرض، فيكون منجلاً أو خنجراً أو سكيناً أو شفرة، أو خيطاً أو قرطاً تتدلى منه النجوم، أو سريراً تنام على أريكته ملائكة السماء، وأمثال ذلك سلباً وإيجاباً.

وفي التراث الحسيني، فإنَّ الهلال ارتبط لدى الأدباء المرهفي الحس بالشهادة الحمراء للإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأنصاره، فيستحضرونه مع بروز صور الألم والعَبرة، وتنغمس الصور والتشبيهات بالقاني من الدماء ويتحول الى شفرة تقطع الأوردة والأوداج.

فالشاعر حسين بهاء الدين غواصي المتوفى عام 1102هـ يتفجر أسى لحلول هلال محرّم، فيخاطب صحبه يذكرهم بالمصاب الجلل للإمام الحسين(ع) المستشهد في كربلاء في العاشر من محرم الحرام عام 61هـ، فينشد ما ترجمته:

واحســرتاه جديـداً، أحبّتُنا علـــينا أطــــلَّ المحــــرّمُ

بآلاف من الأحزان والحسرات ويلاهُ ممّا به نألمُ

ولا يكتفي الشاعر غواصي بالهلال كدلالة على الألم، ولكنه يرى في القمر كل المصاب، فيخاطب الآخر في مقطوعة من تسعة أبيات بعنوان: “قصة كربلاء” ما ترجمته:

كــــيفَ أمثِّلُ لكَ واقـــــعةً حدثت بكــــــربلا؟

مُندهشاً أطوفُ حول نفسي نادباً مُبتلى

فيرى أن الأجرام السماوية كلها مندهشة بين بكاء وعويل لما حلّ على سبط النبي محمد(ص) في عرصات الطف، فيعلن ما ترجمته:

القمرُ المضطربُ بكربه العظيم يرى أن عُمرَه صار هباءا

ومــــــــــن أجــــــــل جللِ مصابـــــــه النــــــــجومُ أجهشنَ بكاءا

ويشبّه الشاعر محمد رفيع بن محمد شفيع سودا الدهلوي المتوفى سنة 1195هـ، في مطلع قصيدته الرباعية من 24 بيتاً هلال الشهر بالشفرة القادرة على جرح قلب الدهر وليس قلب الإنسان فحسب، فينشد ما ترجمته:

ليس هذا هلالُ محرَم في هذا الشهر في التاريخ قد جرى

وإنمــــا هـــــــو شفـــــــــرةُ محــــــرّم جــــــرتْ على الكــــون أمْرا

هـــــــــذه شفـــــــــــرته ستجــــــرحُ قلـــوبُ الدّهـــــر بمــــا يَتــرى

حيثُ لا ينفـــــع مـــــــع الجـــــرح خياطةٌ ولا بلـــسمٌ يشفيــه

وهكذا يتفنن الشعراء في توصيف الهلال بما يناسب الفاجعة الأليمة، ويساعدهم في ذلك طبيعة الهلال كجرم علوي يراه كل إنسان من الطفل حتى الكبير، وهو منطبع في الذهن ويرى في أول الشهر وآخره بالعين المجردة، أي أن أعين الناس تطاله فضلاً عن تأثيراته على الإنسان نفسه في المدّ والجزر وغيرهما، فهو إذن مرئي ومحسوس ومعاش، ولذلك يسعى الشاعر من خلاله أن يجعل واقعة كربلاء حيّة في النفوس يتجدد موسم العزاء في كل هلال محرّم، مثلما يتجدد موسم الصوم والقيام والعبادة مع ظهور هلال شهر رمضان.

وهذا المعنى تؤكده الدكتور ليودميلا ماثيوز عند كتابتها مقدمة باللغة الانكليزية عن الجزء الأول من ديوان الأردو ملحق بنهاية الكتاب وهي تتحدث عن (المرثية) في الأدب الأردوي المنظوم، وفي نظرها أن: (المرثية من الأنواع الفريدة في الشعر الأردوي، ومحوره استشهاد الحسين، وهي اليوم تمثل جزءاً أساسياً من المجالس التي تقام في باكستان والهند خلال العشرة الأولى من شهر محرم)، وعبّرت الدكتورة ليودميلا ماثيوز وهي من أوكرانيا مقيمة في لندن عن تصورها تجاه النهضة الحسينية من خلال المعايشة اليومية خلال وجودها للتدريس في الهند الكبرى وفي المملكة المتحدة فتقول: (لم أر شخصية في تاريخ البشرية أعظم من الإمام الحسين حيث فرض احترامه ليس على قلوب أتباعه فحسب بل على قلب كل محب للإنسانية والحرية) واكتشفت من خلال عملها كاستاذة وباحثة شاركت زوجها المستشرق البريطاني ديفيد ماثيوز في السفر الكثير والعمل في مجال تدريس اللغة الأردوية والترجمة: (ليس هناك أمة أو لغة على وجه الأرض لم يُكتب بها عن الإمام الحسين وأنصاره الذي استشهدوا في كربلاء، فواقعة كربلاء حية في مؤلفات الكتاب من أنحاء العالم في مجالي الأدب المنثور والمنظوم).

وعبّرت الدكتورة ليودميلا ماثيوز عن قناعتها: (إنّ الموسوعة الحسينية التي ألفها الشيخ محمد صادق الكرباسي هي عبارة عن مجموعة فريدة من المعارف والتحقيقات في موضوعات شتى محورها الإمام الحسين، ولا يوجد محور معرفي له علاقة بالامام الحسين لم يطرق بابه، فالموسوعة شاملة لكل المحاور)، وهذا ما قادها الى القول: (اطلعت على الجزء الأول من ديوان الشعر الأردوي من هذه الموسوعة العظيمة، فوجدت أن المؤلف على دراية كاملة بما يكتب عن الأدب الأردوي بلسان عربي، ما يدل على أنه ذو شخصية فريدة وقدرات هائلة ومعرفة فائقة بما يؤهله للبحث في هذا الموضوع الذي يتناوله، فهو عالم في الفلسفة والتحقيق والفقه والكتاب المقدس (القرآن) والتاريخ والتفسير وكل العلوم اللازمة التي لها علاقة مباشرة بالنهضة الحسينية بما يحقق الخلود للأبحاث والمعارف التي يتناولها في موسوعته).

وهذه حقيقة لا مراء فيها يدركها كل من احتك بالمؤلف، قصرت المسافة أو طالت.

الرأي الآخر للدراسات- لندن

لا ترفعوا مصاحف “أبو اسماعيل” ودعوا “أبو خليل” في ميدانه

ترفعوا مصاحف “أبو اسماعيل” ودعوا “أبو خليل” في ميدانه

د. نضير الخزرجي

كشفت حوادث المعارك التي تخوضها القوات المسلحة العراقية في محافظة الأنبار مع المجاميع المسلحة التي عقدت العزم على اسقاط نظام بغداد بأجندات مذهبية بغيضة ومؤازرة اقليمية لئيمة، أنّ السلطة المحلية بشرطتها غير مهيئة لمثل هذه الظروف، فما أن تم رفع الخيم من ساحة الاعتصام على الطريق الدولي حتى استبيحت مدن الأنبار وأقضيتها وتُركت مخافر الشرطة ملعباً للعبث والسرقة والحرق والتدمير، وفي غضون ساعات سقطت عدد من الأقضية والقرى بأيدي المقاتلين التي ربما سمّاها البعض بالقاعدة والآخر بداعش وثالث بالثوار ورابع بقطاع الطرق، لكنّ المحصلة النهائية أنهم مقاتلون عراقيون وعرب وعجم تمترسوا في منازل هذه المحافظة ومزارعها وفيافيها تحت مرآى الحكومة المحلية وبدعم مفضوح من بعض أجهزتها وتحت مسمع الحكومة المركزية التي كبّلتها سياسات الحلفاء في الحكم.

في مثل هذه الأوضاع الصعبة فإن سقوط الفلوجة بيد مقاتلين وجدوا الغطاء المحلي والإقليمي، جعل حكومة بغداد على المحك وفي وضع صعب للغاية، فالمقاتلون على أبواب العاصمة، فإن استقروا في الفلوجة زحفوا على بغداد من غربها وهيأوا الأجواء النفسية واللوجستية لزحف المقاتلين من شرق بغداد وشمالها وجنوبها، هذه الوضعية العسكرية الخطيرة لاشك أنها أجبرت السلطة السياسية والعسكرية على تحريك القطعات المسلحة لإعادة المدن الساقطة الى أحضان الحكومة المركزية وبسط الأمن ومنع حدوث سيناريو سوريا بقضم المدن الواحدة تلو الأخرى، مع قناعة رأس السلطة التنفيذية أن الشركاء في الحكم يتمنّون اللحظة التي ينتهي فيها سياسياً أو جسدياً حتى ولو كان على يد السياسيين المتمذهبين والمسلّحين الطائفيين وبهدى سياسة (عدو عدوي صديقي)، وهي سياسة ظل الشركاء يمارسونها منذ أعوام طويلة ولن يتوقفوا حتى وإن تمكنت السلطة المركزية من عدوها في الأنبار وغيرها، فلا أحد من الشركاء وصل الى قناعة بأهمية المشاركة السياسية لسلامة العراق وأهله، فكل ينادي بالمشاركة وكل يخطط أو يتآمر أو يبادر (سيان) للإستحواذ على السلطة وتحت مسميات ومطالب لها أول وليس لها آخر.

بعض الشركاء يعتصرهم الألم وقد تضاربت مشاعرهم، لأن السلطة المركزية استطاعت من قبل وأد الفتنة الطائفية وتمكنت اليوم وبقدر كبير أن تبعد شبح السيناريو السوري عن العراق، وجذبت إليها الأضواء من جديد لتثبت مرة أخرى وبرأي مراقبين أنَّ ربّانها رجل دولة اجتاز مرحلة المراهقة السياسية التي لازال عدد غير قليل من الشركاء يسبح في بركتها.

 ومن معالم المراهقة السياسية حديث البعض عن خصوصيات الشرطة والجيش ومكان كل جهاز منهما من الجغرافية العراقية، فقالوا وقولهم حق يُراد به باطل أن الجيش محله من الخارطة العراقية الحدود وللمدن الشرطة، ولكن جهاز الشرطة في أول اختبار له ترك العهدة تسقط بيد المسلّحين، وعذرهم في هذا التراجع الأمني الخطير أنهم غير قادرين من ناحية العدة التسليحية والكيفية على مواجهة المقاتلين من داعش والقاعدة.

 لو سلّمنا جدلاً بهذه الحجة، يا ترى هل عجزت أجهزت الشرطة المحلية عن رصد سلاح المقاتلين المهاجمين وعديدهم حتى يُصار إلى ما صار إليه الوضع في الأنبار؟

في الواقع غاب الجواب أو حضر، وهو بالتأكيد ليس بخاف على المراقب ولا ببعيد عن عين السلطة المركزية، فالمواجهة الحتمية هي بين الجيش العراقي والمسلحين لقطع دابر الفتنة وسد الذرائع على الشرطة وعلى المتصيدين بالماء العكر السابحين ببركة المراهقة السياسية.

في مثل هذه الأجواء المحمومة ظهرت أصوات من داخل حكومة الشراكة الوطنية، تطالب بدفع الجيش عن المدن وتسليح الشرطة بالعدة القادرة على مواجهة عدة المقاتلين وعديدهم، وهي نفسها التي كانت تمنع تسليح الجيش العراقي وتعرقل عقد صفقات السلاح مع الأسواق العالمية!

وأتساءل: ماذا يحصل عندما يتم تسليح الشرطة المحلية بأسلحة أكثر من خفيفة؟

من الطبيعي أن يتم حينئذ إدخال الشرطة في دورات عسكرية وقتالية مكثفة للتدريب على الأسلحة المتوسطة والتعامل مع الأسلحة الثقيلة، بدعوى سد فراغ الجيش العراقي النظامي المحظور عليه دخول المدن حتى لا يتجاوز حدود جغرافية حركته، الأمر الذي يستدعي معه تحويل الشرطة المحلية الى جيش مقاتل، وتحتاج المدينة عندها الى أجهزة شرطة جديدة تشارك الشرطة القديمة، أي الجيش الجديد، في الحركة داخل المدن وعلى أطرافها، أي خلق جيش مواز للجيش العراقي النظامي، لأن الجيش الجديد خارج سلطة الحكومة المركزية وخارج سلطة القيادة العامة للقوات المسلحة، بزعم أنها شرطة محلية وليست جيشاً نظامياً خاضعاً لوزارة الدفاع، ولا يحق لأية سلطة أخرى التدخل بشؤونها إلا سلطة المحافظة، أي أن على حكومة المركز أن تدفع كل شيء مرغمة ولا يحق لها التدخل والمراقبة وتحريك القطعات العسكرية، تماما كما هو الحاصل في إقليم كردستان، وإذا كانت الفواصل الجغرافية تمنع الاحتكاك بين الإقليم وبغداد، فإن الفواصل بين بغداد وإقليم الأنبار غير المعلن رسميا معدومة، ولما كانت الحدود العراقية من طرف الأنبار مفتوحة على ثلاث دول لا يُراد للجيش العراقي أن يكون له وجود، ولا يُراد للسلطة المركزية أن تأخذ دورها الطبيعي في السيطرة ومراقبة الحدود، فإن انهيار السلطة المركزية قاب قوسين أو أدنى، ولن تهدأ أجواء بغداد والمحافظات الأخرى من السيارات المفخخة  والعبوات الناسفة والأسلحة الكاتمة حتى ترفع السلطة المركزية العلم الأبيض، ولا يهم مَن يكون على رأس السلطة المركزية أهو المالكي أو أمثاله من قادة الإئتلاف العراقي الموحد أو الجبهة الكردستانية، فالمهم أن تُعاد السجادة للوطء ولا يُلتحف بها كما تقتضي عملية الشراكة الوطنية المفترضة!

مرة أخرى .. نعم العراق بحاجة الى أجهزة شرطة وطنية رصينة تضبط إيقاع الأمن الداخلي، ولكن لا أن يحوّل “أبو إسماعيل” إلى “أبو خليل”، ولا أن يُمنع الجيش من مواجهة مقاتلين تقر الشرطة المحلية أنها بما تملك من أسلحة ومعدات عاجزة عن التصدي لهم، فهناك أزمات مفتعلة تمنحها إطلاق المبادرات الوطنية وأخواتها، الشرعية المزيّفة، فاستئصال الإرهاب قضية لا تحتمل التأجيل، والذي يده في النار غير الذي يده في الماء!

الرأي الآخر للدراسات- لندن

الأحد 12/1/2014م

أدباء شرقيون يعلقون أعواد آلامهم على عرجون محرّم

أدباء شرقيون يعلقون أعواد آلامهم على عرجون محرّم

د. نضير الخزرجي

لا أخال أحداً من المسلمين وغيرهم لا يرغب في زيارة الهند والإطلاع على معالمها ولاسيما الأثر المغولي المعروف بتاج محل أو مسجد ممتاز محل في مدينة أكرا بولاية آتارا براديش، والذي يضم قبر الحاكم المغولي شاه جهان خرّم بن جهانگير التيموري المغولي (1592- 1665م) وزوجته الفارسية الأميرة أرجمند بانو بگيم آصف خان، فقد بناه خصيصا وعزاءً واخلاصاً لها بوفاتها في ولادتها لابنتها عام 1631م وانتهى منه عام 1648م.

 فزيارة الهند هذه أمنية لازلت احتفظ بها، ربما يوفقني الله لذلك في قابل الأعوام، ولكن الذي أدهشني في زيارتنا لباكستان في الفترة (12-22/6/2013م) لحضور مؤتمر الإمام الحسين الدولي الأول الذي انعقد في مؤسسة إدارة منهاج الحسين في مدينة لاهور في الفترة 15و16/6/2013م، للتعريف بدائرة المعارف الحسينية، أن مضيِّفنا دار بنا في جولة داخل مدينة لاهور القديمة في اليوم التالي من وصولنا مطار محمد إقبال، وأخذنا الى قلعة لاهور أو قصر شاه جهان أو مسجد شاه جهان، سمِّ ما شئت فكله واحد، فبهرني مظهر القلعة والقصر والمسجد الكبير والمرافق الخاصة بمقر قيادة عاصمة المغول، وتوقفت كثيراً عند مسجدها القديم ذي العمارة المغولية، وطال وقوفي وأنا أقارن بينه وبين مسجد تاج محل الذي احتفظ بصورته في مخيلتي فكأنه هو هو، فابتسم مضيِّفي بعد أن أبديت له تعجبي للشبه الكبير، فقال لا تستغرب من الشبه لأن الذي حكم أكرا ودفن زوجته في تاج محل ثم دفن هو بجنبها فيما بعد، هو نفسه الذي كان يحكم هنا في قلعة لاهور، فشاه جهان التيموري كانت له عاصمتان واحدة في باكستان حيث تقف أنت فيها وهنا كان مسقط رأسه وأخرى في الهند وهناك كانت مرقد جسده.

كانت المعلومة جديدة على مسامعي ولكنها في الوقت نفسه أراحتني كثيراً لأنها أوجدت بين جوانحي  شعوراً بأنني اتنقل بين أروقة مسجد تاج محل في الهند، بيد أن الحركة في أروقة قلعة السلطنة المغولية لها طعم خاص من نوع آخر لا يشعر به ولا يتذوقه إلا من يرى المنظر على أرض الواقع، ولعلّ من معالم هذه القلعة أنك تجد فيها الى جانب مسجدها الكبير كنيسة للمسيح ومعبداً للهندوس وآخر للمجوس وعدداً من أماكن العبادة الأخرى، فالتعددية الدينية كانت محترمة في عهد هذا السلطان، بل لم يقسر زوجاته من الأديان الأخرى على التعبد بالإسلام، كما أخبرني مضيِّفي، بل وأقام لكل واحدة منهن معبداً وفق دينها، ولازالت المعابد حتى يومنا هذا مفتوحة أبوابها لعبّادها، وكم أتمنى أن يفتح المسلمون خط السياحة مع هذه المدينة التاريخية التي تمثل العاصمة الدينية للهند القديمة وباكستان الحديثة، ففيها أقوام من الأديان والمذاهب المتنوعة، وهي مدينة دالة على التعددية الدينية والمذهبية في ظل الوحدة الوطنية.

ذكرياتي الجميلة في هذه المدينة على قصر المدة وزحمتها في المؤتمرات والمقابلات الصحيفة واللقاءات الثقافية والسفر الى العاصمة السياسية إسلام آباد، عادت إليها من جديد وأعادتني الى قلعة لاهور وأنا أتصفح الجزء الأول من “ديوان شعر الپشتو” أحد مجلدات دائرة المعارف الحسينية الصادر نهاية العام 2013م في 408 صفحات من القطع الوزيري عن المركز الحسيني للدراسات في لندن للمحقق الأديب الدكتور محمد صادق الكرباسي، فالملك المغولي شاه جهان هو أحد محاور هذا الديوان عندما يتحدث فيه المؤلف عن الأدب الپشتوي في القرن الحادي عشر الهجري أي فترة حكم شاه جهان حيث كان الحكم والقاضي في محاورة بين أديبين من مدرستين فقهيتين، ذهب أحدهما في نظمه الى لعن قاتل الحسين بن علي(ع) الحاكم الأموي يزيد بن معاوية، فيما رفض الآخر وأفتى بحرمة اللعن ووصم اللاعن بالرفض، وطالب الملك بانزال غضبه عليه، وعندما ظهر النزاع الفقهي وذاع صيته ووصل صداه القصر استدعاهما وعند المناظرة فنّد الشاعر خوشحال ختك (1022- 1100هـ) فتوى الشيخ ميانور اليوسفزائي ودحض مدّعاه وحاز على قبول الملك.

أدب متأخر

تُعدّ اللغة الپشتوية التي يتحدث بها الملايين من سكان أفغانستان وباكستان، من اللغات الشرقية الحديثة مقايسة باللغات الأخرى كالعربية والفارسية، ويرى البعض أنَّ تقعيدها ومنهجة قواعدها وأبجديتها ونقلها من لغة منطوقة الى لغة مكتوبة في فترة متأخرة مع نهاية القرن الرابع الهجري، ويعود كبير الفضل في حفظ اللغة الپشتوية وديمومتها الى العلماء الشعراء والمتصوفة الشعراء الذين تركوا أدباً منظوماً تتناقله الأجيال كلازمة من اللوازم الإيمان والإتصال بالمعبود عبر الأوراد وشعر التصوف، وهذا ما أكّد عليه المحقق الكرباسي عند تناوله للغة الپشتوية وآدابها في كتاب “المدخل الى الشعر الپشتوي” الصادر نهاية العام 2013م.

ولأن واحدة من معالم الموسوعة الحسينية تناول الأدب الحسيني المنظوم لدى الشعوب الأخرى غير الناطقة باللغة العربية، جاء كتاب المدخل كمقدمة لديوان الشعر الپشتوي الخاص بالنهضة الحسينية، وخلال بحثه عن الإمام الحسين(ع) ونهضته في ثنايا هذا الأدب، يكتشف الباحث أن الشعر الحسيني جاء متأخراً حتى عن اللغة الپشتوية نفسها، وأول أبيات شعر حسينية في الأدب الپشتوي تظهر في القرن الحادي عشر الهجري للشاعر خوشحال بن شهباز ختك، وربما صراعه الفقهي مع المفتى ميانور ومناظرتهما أمام السلطان شاه جهان كان له كبير الأثر في ظهور شعره، وربما ضاع كما ضاع الشعر الحسيني قبل هذا التاريخ على مفترق طرق الطائفية وقفّلت أبيات الشعراء بالشمع المذهبي الأحمر، ولهذا فإن للشاعر خوشحال ختك الشيعي الولاء كبير الأثر على اللغة الپشتوية إذ ترك عشرة مؤلفات جلها في الأدب والشعر الپشتوي بل يُعد لدى الدارسين والباحثين وفقهاء اللغة من أعمدة الأدب الپشتوي.

ويعزو المحقق الكرباسي جدب الشعر الحسيني لدى شعراء الپشتون الى اسباب عدة، أهمها:

أولا: لم يكن للشعر الپشتوي كيان مستقل أصلا، ولم تتضح معالمه بعد، فأصاب الشعر الحسيني ما أصاب عموم الشعر الپشتوي.

ثانيا: على الرغم من أن التصوف كان سائداً في المجتمع الپشتوي إلا أن الحكومات الطائفية حالت دون بزوغ الشعر الحسيني، فضلا عن انتشار الأفكار الأموية المعادية لأهل البيت(ع).

ثالثا: ساهمت الحروب الطائفية والمذهبية والقومية في تقلص عموم الأدب المنظوم وضمور الأدب الحسيني بخاصة.

رابعا: للأسباب السالفة وطبيعة التضاريس الجغرافية الوعرة ساهمت جميعاً في تأخر وصول المدنية (فلم يكن بالإمكان المحافظة على التراث مما نحتمل ضياع الكثير من التراث الأدبي والاسلامي خلال القرون السابقة بسبب الكوارث الطبيعية والحروب المفتعلة على أرض أفغانستان).

عصور وقصور

ويُلاحظ من خلال تتبع الأدب الپشتوي كما وجد المحقق الكرباسي في “المدخل الى الشعر الپشتوي” وفي هذا الديوان وجود قصور في جمع تراث الأدب الپشتوي وخاصة في العصور الماضية، وبدأ الحماس يدب في جسد الأدب الپشتوي في فترة متأخرة مع قيام حكومات پشتوية حاولت التسيّد على بقية الأقوام في أفغانستان وباكستان وفرض اللغة والأدب والمذهب.

من هنا فإن الشعر الحسيني في القرن الحادي عشر الهجري تمثل في ثلاث قصائد فقط لشاعر واحد هو الأديب خوشحال ختك وهي ليست خالصة النظم في الإمام الحسين(ع) وإنما استقطع الأديب الكرباسي أبياتها من قصائد ولائية لأهل البيت(ع)، وفي القرن الثاني عشر الهجري لاحظ الأديب الكرباسي ثلاثة شعراء فقط لهم نظم في الإمام الحسين(ع) أولهم الشاعر عبد الرحمن بن عبد الستار مومند (1042- أوائل القرن 12هـ) الشهير بـ (رحمان بابا الدرويزي) المولود في ولاية بيشاور، وكشف في شعره ثلاثة أبيات فقط خاصة بالنهضة الحسينية، وثانيهما الشاعر عبد الحميد مومند (1083- 1148هـ) الشهير بـ (حميد بابا) من ولاية بيشاور، ولم يصل من شعره الحسيني سوى ستة أبيات في ثلاث قصائد، وثالثهما الشاعر مير حسن زيبنگش المتوفى في القرن الثاني عشر الهجري وله رباعية من ستة عشر بيتاً في مناقب الحسنين(ع)، ويرجع الأديب الكرباسي هذا الضمور في الشعر الحسيني خلال هذه العصور الى أن: (السياسة التي كانت قائمة آنذاك تنحو نحو العداء لآل الرسول).

ولكن الإنفراج في الشعر الحسيني يبدأ من القرن الثالث عشر الهجري حيث: (خرج الموالون من محنتهم بعد ما زالت غيوم الحقد والكراهية او انقشعت جوانب منها بحيث تمكّنا من رصد 57 مقطعاً شعرياً بين قصيدة ومقطوعة ومستقطعة نظمت في الإمام الحسين(ع) ورغم كثرتها نسبياً إلا أنها في غالبها من نظم شاعرين عرفا بانتمائهما لمدرسة أهل البيت عليهم السلام)، وهذان الشاعران هما الشاعر قنبر علي بن سرور خان الأوركزي المتوفى في بيشاور سنة 1207هـ وديوانه “أشك قنبر” أي “دموع قنبر” الذي يضم 36  قصيدة، والثاني هو الشاعر أنور شاه بن حيان داد شاه الحسيني المتوفى في بيشاور سنة 1214هـ، وهو حسيني النسب له ديوان “صحيفه أنورية” أي “الصحيفة الأنورية” وله فيه 24 قصيدة في مدح الإمام الحسين(ع) ورثائه.

والإنفراج السياسي نوعاً ما، في بعض الفترات الزمنية، ساهم في ظهور الأدب الحسيني، ولهذا رصد المحقق الكرباسي في القرن الثالث عشر الهجري 12 شاعراً آخرين، لكن الجزء الأول من ديوان الپشتو ضمّ شاعراً واحداً هو الشاعر قنبر علي، ولقلة الشعر فإن ديوان الپشتو على خلاف الدواوين الأخرى وخاصة العربية منها رتّبها المؤلف وفق سنة وفاة الشاعر فقط.

ولهذا الديوان جمالية كما في ديوان شعر الفارسي والأردو والأنكليزي وغيرها من أجزاء دائرة المعارف الحسينية، حيث أخرج المؤلف الأبيات من لغتها الأم الى اللغة العربية فجاءت الترجمة مسجعة ومقفاة لا هي بالترجمة الحرفية ولا هي بالترجمة المعنوية، فقال: (بل أمر بين الأمرين حيث نجمع بين المفردات والمعنى المراد في آن واحد).

ومن نماذج الترجمة بيتان من قصيدة رباعية من 16 بيتاً للشاعر مير حسن الزيبنگشي المتوفى في القرن الثاني عشر الهجري أنشأها في مناقب الحسن والحسين(ع):

هـــــمــــا للإســــــــلام أسٌ وأركـــــــانْ

ومـــــــن كـــــلام الله آيٌ وبـــرهـــــانْ

وَلَدا عليٍّ الإمامان هما الرَّيْحان

أوَّلُهــما الحسن والحسين الثاني

فــــــي شفـــة النبــي همــــا قبلتــان

ومن شجر روض حيدر غصنان

وهــــــــما لكــــبد الــــــــبتول قطعتان

أوّلهــما الحسن والحــسين الثاني

ثلاثية الألم والأمل

من العلامات الفارقة في شعر القرن الثالث عشر الهجري وبخاصة الشاعر قنبر علي سرور خان الأوركزي، وعلى خلاف الشعر العربي الذي يبدأ بالحبيب وألم الفراق المتداخل مع أمل اللقاء، حتى في الشعر الحسيني المضمخ بدماء كربلاء، فإن هلال المحرم هو المخاطب والمحاكى وعلى عرجونه يضع الشاعر أحماله وأثقاله شاكياً لله ما حلّ بالحسين وأهل بيته وأنصاره في عاشوراء، وعدد غير قليل من قصائد الشاعر الواحد تعرّج على كربلاء من بين ثنايا الهلال، ومن ذلك ترجمة مطلع قول الشاعر الأوركزي من قصيدة من 132 بيتاً بعنوان “دعيد جامي” أي “ثوب العيد” يرثي الإمام الحسين(ع):

أتــرى مــــــن أفــــق السما كلَّ حولٍ هـلالا

أمّ الغمُّ في خاطري جديداً يؤبن الكــمالا

واحُـــــزناه لمّا الهــــلالُ في المحرَّم أبــرقا

تكدّرت السما غمّاً وصار فضاؤها أزرقا

ومن ذلك ترجمة مطلع قصيدة أخرى له بعنوان “د امام حسيني ويني” أي “دم الحسين”، من 106 أبيات يقول فيها:

عنــدما أطلّ هـــلال هـــذا المحــرّمْ

مرة أخرى عاد فؤادي الى المأتم

ومن قصيدة أخرى له بعنوان “سفر شام” أي “سفر الشام” في 160 بيتاً يقول في مطلعها:

عندما هلالُ محرّم غمّا حلّا

شربَ الشفــــقُ مِــــن دمٍ ليلا

بل ويذكرني الشاعر نفسه بمهرجان “ربيع الشهادة” الدولي الذي تقيمه العتبتان الحسينية والعباسية في كربلاء المقدسة منذ عام 2005م في شهر شعبان من كل عام، وذلك من خلال قصيدته المعنونة “بهار د شهادت” أي “ربيع الشهادة”، إذ يرى أن هلال محرم هو إيذان بحلول ربيع الشهادة، فيقول في مطلع المقطوعة من سبعة أبيات:

إذا حـــــــذفت المــــــيمَ مـــــــــن محــــــرّم الــــــدموع

حــــــرماً يصـــــــير وبالأحـــــــــرف معنــــى الربيع!

عندما تهبُّ رياح الربيع على أزهار الشهادة

ســــوف تــدمـــــع الأعـــيــــن للمــــــرء بـــــلا إرادة

أما الضلع الثاني من مثلث الألم والأمل، هو أنَّ الشاعر في معظم قصائده يضمّن اسمه في الأبيات الأخيرة من القصيدة راجياً عطف المحبوب وشفاعته يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ومن ذلك قوله الشاعر قنبر علي الأوركزي في قصيدة من 129 بيتاً بعنوان “يعقوب آل محمد” في رثاء الإمام الحسين(ع):

حــــــزيــــــنٌ قــــــنــــــــــبر عــــــــــلي بــــــــهـــذا المـــــصـــــابِ

فإنـــــــــه يرجــــــــو الكــــــــرَمَ والفضــلَ من خـــير جنـــابِ

مهما تعدّدت أفعاله واختلفت فهـو المسيءُ المذنبُ

فبعزاء الذي تربّى في حضن الرسالة مفجوعُ معذّبُ

ومن ذلك في قصيدة له من 123 بيتاً بعنوان “مسافرة بي بي سُكينة” أي “سفرة السيدة سكينة”، يطلب من المعصوم النظر في حاله:

أُنظُر إلــى قـنبر عـلي وحــــالهِ

أطْلُبْهُ يتشرّف بروضة جمالهِ

عـــــزاءُ الحسين يعرفه النادبُ

وعرضُهُ كأداء الفرضِ واجــبُ

وأما الضلع الثالث من المثلث، فهو انتهاء الشاعر لقصيدته بتضمين للسنة أو للشهر والسنة ومكان نظم القصيدة، وهذا أمر على غاية من الأهمية في توثيق القصيدة ونظمها، فمن التاريخ ومضامين القصيدة يمكن للناقد الأدبي تحليل الأوضاع السياسية والإجتماعية المحيطة بالشاعر وظرفه الزماني والمكاني بشكل عام، ومن أمثلة ذلك ترجمة قول الشاعر الأوركزي في قصيدة في 31 بيتاً بعنوان “قبول كا شهادت” أي “تقبل الشهادة”:

وكــانــت الســـنة ألفــــاً وــائةً وتـــسعينا

بـدمِ مهجته قـد خطّ من الهجرة حزينا

وكان موضعي في منطقة بنگش بالا

نـاظــماً واقــعــتي فــيه بــالبكاء انــثيالا

ولا يُخفى أن “بنگش بالا” قبيلة پشتوية يقطنون منطقة خرّم بالا وهنگو بباكستان، وهم ينتمون الى جدّهم الأعلى اسماعيل بنگش، ومن هنا عُرفوا ببنگش بالا وفيهم من السنة والشيعة.

وترجمة قول الشاعر نفسه من قصيدة من 170 بيتاً بعنوان “دعباس علمدار” أي “العباس صاحب الراية”:

سنة ألفٍ ومائةٍ وستةٍ وتسعينَ للهجرة

عندما نظم قنبر علي قصيد هـذه الدرّة

بتــاريــخ الثــامــن مــن الحــــرام المـــحرّمِ

نظـــمتُ هــــذه الــــواقـــعة مـــــن المــــأتــمِ

وبشكل عام فإن الأدب الپشتوي أكثر تأثراً بالأدب الفارسي منه بالعربي، لأن الإسلام مرّ الى أفغانستان وباكستان وعموم شبه القارة الهندية عبر إيران وهم أقرب جغرافياً من البلدان الناطقة بالعربية، بيد أن الأبجدية هي عربية كما أن نصوص القرآن والحديث طبعت آثارها في أشعارهم فظهرت فيها الإقتباسات والتضمينات، كما ظهرت الاستعارات والتشبيهات المستوحاة بعضها من تعاليم الإسلام، ومن ذلك ترجمة قول الشاعر قنبر علي الأوركزي في قصيدة “سفرة السيدة سكينة”:

إذ أتــــــوضأُ بدمـــــــوع المـــــــــأتمِ الـــــسائرِ

أتيـــــــمَّمُ بـــــطهورِ تُرْبِ الحَـــــــــرَمِ الطاهر

أُطــــــهّر بالتــوبة وجــــــودي من ذنـــوبي

وأطوفُ على تربة الإمام بيقينِ القلوبِ

وفي المحصلة النهائية أنّ قلّة الشعراء تبعه قلة الشعر، وربما فُقد بعضه، ولذلك فإن الجزء الأول من ديوان الشعر الپشتوي متكون من 47 قصيدة ومقطوعة ومستقطعة لستة شعراء وبلغت أبياتها 1495 بيتاً، وهذه الحصيلة التي خرج بها الأديب الكرباسي، أغنت المكتبتين الپشتوية والعربية، فلأول مرّة يتم للناطقين باللغة العربية التعرف على الأدب الپشتوي المنظوم ورواده بقلم كاتب ناطق باللغة العربية وضليع بلغات أخرى وآدابها، وهذا الديوان هو إضافة أدبية جديدة تُحسب لصالح المحقق الكرباسي الذي يتقصى في أحد أبواب دائرة المعارف الحسينية الأدب الحسيني المنظوم في اللغات الأخرى وآدابها لتظهر الأبيات الشرقية منها والغربية مسجعة مقفاة بأبجدية عربية وبحور خليلية وأخرى كرباسية.

وهذا ما أثار انتباه البروفيسور قاسم شاه سكندروف من دولة طاجيكستان وهو يقدم لهذا الديوان باللغة الفارسية الدَّرِيَّة مثنياً على دور الكرباسي في تسليط الأضواء على قواعد اللغة الپشتوية وآدابها لدى الشعوب الإسلامية تمهيداً للحديث عن الأدب الحسيني لديها، وخلص البروفيسور سكندروف الضليع باللغات الشرقية وآدابها الى القول: (وقفت على موسوعات عالمية كما تابعت موسوعات إسلامية، ووجدت أن الموسوعة الحسينية العظيمة لمؤلفها ومبدعها العالم الجليل آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي فاقت أخرياتها من نواح كثيرة، ويكفيها فخراً أنَّ المؤلف لها شخص واحد وليس لمجموعة أشخاص أو محررين كما في الموسوعات العالمية، كما أن الإبداع في هذه الموسوعة واضح وبيّن كونها تتحدث عن عظيم واحد هو الإمام الحسين(ع)، وتعدد أبوابها في العلوم المختلفة يجعلها متفردة في عالم الموسوعات).

ولا شك أن الذي يغوص في لجج بحار اللغات الأخرى بحثاً عن الأدب الحسيني المنثور منه والمنظوم لابد وأن يكون متفرداً فيما يحقق ومبدعاً فيما ينتج، فلا غرو أن يكون مثار دهشة الموسوعيين ناهيك عن الكتاب والمؤلفين.

الرأي الآخر للدراسات – لندن